من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عامر بن شراحيل بن مسعود بن قيس ذي لعوة الشعبي
منسوب إلى ذي
الشعبين جبل باليمن، وهم من ولد حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن عوف بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير.
كان الشعبي أعلم خلق الله بأشعار العرب وأنسابها وأيامها ووقائعها، وأما الفقه والأخبار النبوية، فكان فيه أوحد زمانه وفرد أوانه، وهو من أهل الكوفة، وولي القضاء بها، وكان يقول: ولدت عام جلولاء سنة تسع عشرة، لسبع سنين مضت من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁. وكانت أمه من سبي جلولاء، ومات بالكوفة سنة أربع ومائة. وكان الشعبي كاتبا لعبد الله بن مطيع العدوي، وكتب أيضا لعبد الله بن يزيد الحطمي عامل ابن الزبير على الكوفة، وكان الشعبي في من خرج من القراء على الحجاج، وشهد دير الجماجم مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان في من أفلت.
ولّي ابن هبيرة الشعبيّ القضاء وكلفه أن يسمر معه، فقال الشعبي: لا أستطيع هذا، أفردني بأحد الأمرين، لا أستطيع القضاء وسمر الليالي.
عامر بن مسلم قال: إني لجالس في مسجد الكوفة، ومعنا هذيل الأشعبيّ والشعبي جالس في مجلس القضاء إذ مرّت بنا أم جعفر بنت عيسى بن جراد، وكانت امرأة حسنة وعليها كساء خزّ إلى مجلس القضاء في خصومة لها، فذهبت إليه ثم رجعت، فقال لها هذيل: ما صنعت؟ فقالت: سألني البينة، ومن يسأل البيّنة فقد فلج، قال هذيل: عليّ بدواة وقرطاس، وكتب إلى الشعبي:
بنت عيسى بن جرادظلم الخصم لديها
فتن الشعبيّ لمّارفع الطرف إليها
فتنته بحديثوبياضي معصميها
ومشت مشيا رويداثم هزت كتفيها
وقضى جورا على الخصم ولم يقض عليها
قال للجلواز قدّمها وأحضر شاهديها
كيف لو أبصر منهانحرها أو ساعديها
لسعى حتى تراهساجدا بين يديها
فلما قرأ الشعبي الأبيات قال: أرغم الله أنفه ما قضينا إلا بالحق. وفي رواية أن الشعبي قال: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك، فعمي الرجل.
ومن طريف الأخبار قال ابن شاهين، ما رفعه إلى إسماعيل بن مسلم قال:
رأيت الشعبي قد قمر في الشطرنج، وقد أقيم في الشمس وفي لحيته ريشة.
وحدث الشعبي قال: أرسلني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم فلما قدمت إليه ودفعت إليه كتابه جعل يسألني عن أشياء فأخبره بها فأقمت عنده أياما، ثم أخذت جواب كتابي، فلما انصرفت دفعت الكتب إلى عبد الملك فجعل يقرأها، ويتغير لونه ويصفر ويخضر، قال: يا شعبي: علمت ما كتب الطاغية؟ قلت: يا أمير المؤمنين كانت الكتب مختومة، ولو لم تكن مختومة لما قرأتها، وهي إليك. قال:
إنه كتب إليّ أنه لم يكن ينبغي للعرب أن تملّك عليها إلا من أرسلت به إليّ. قال:
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه لم يرك قال: فسرّي عنه ما كان به، وضحك.
قدم الشعبي من البصرة فقالوا له: كيف تركت إخواننا؟ قال: تركتهم وقد سادهم مولاهم، يعني الحسن البصري. وذلك أنه استغنى عنهم في دنياهم، فاحتاجوا إليه في دينهم.
وقال الشعبي: البس من الثياب ما لا يزدريك فيه السفهاء ولا يعيبه عليك العلماء.
وقيل: حضر عبد الله بن عمر ﵄ والشعبي يورد المغازي فقال ابن عمر: إنه يحدث بأمر قد شهدناه وغاب فكأنه قد شهد وغبنا.
وحدث الأعمش قال، قال لي الشعبي: يا أعمش، إن أكرم الناس أسرعهم
مودة وأبطأهم عداوة مثل الكوز من الفضة بطيء الانكسار سريع الانجبار، وإن لئام الناس أبطأهم مودة، وأسرعهم عداوة مثل الكوز من الفخار يسرع الانكسار ويبطىء الانجبار.
وحدث داود بن أبي هند عن الشعبي قال: صاد رجل قنبرة، فلما صارت في يده قالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أريد أن أذبحك لآكلك. قالت: فإني لا أشفي من قرم، ولا أشبع من جوع، وإن تركتني علّمتك ثلاث كلمات هي خير لك من أكلي. أما الأولى فأعلمك وأنا في يدك، وأما الثانية فأعلمك وأنا على الشجرة، وأما الثالثة فأعلمك وأنا على الجبل. فقال: هات. قالت: لا تتلهفنّ على ما فاتك، ثم تركها، فصارت على الشجرة، ثم قالت: لا تصدق بما لا يكون حتى يكون، ثم قالت: يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّتين هما خير كنز لك. فعض على شفته وتلهّف. ثم قال علميني الثالثة فقالت: [لقد علمتك] الاثنتين فكيف أعلمك الثالثة؟ ألم أقل لك: لا تتلهف على ما فاتك، ولا تصدق ما لا يكون أنه يكون. أما ريشي ولحمي وزن درهمين فكيف يكون في حوصلتي درتان؟ ثم طارت فذهبت.
قال الشعبي: كنت مع قتيبة بن مسلم بخراسان على مائدته فقال لي: يا شعبي، من أي شراب تريد أن أسقيك؟ قلت: أهونه موجودا وأعزه مفقودا، فقال: يا غلام:
اسقه الماء.
قال الشعبي لبعض أصحابه يوما: تعال حتى نفر من أصحاب الحديث قال:
فمضينا حتى أتينا الجبانة. قال: فلزم كوما من التراب ثم اتكأ عليها، فمر بنا شيخ من أهل الحيرة عبادي، فقال له الشعبي: يا عبادي ما صناعتك؟ قال له: رفّاء. قال:
عندنا دنّ مكسور ترفوه لنا؟ قال: إن هيأت لي سلوكا من رمل رفيت لك ذلك.
فضحك الشعبي حتى استلقى، ثم قال: هذا أحب إلينا من مجالسة أصحاب الحديث البغضاء.
وكان الشعبي ينشد:
أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعواولا أراهم رضوا بالعيش بالدون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
قال خالد: تذاكرنا الشعر بحضرة الشعبي فأنشدنا:
خليليّ مهلا طالما لم أقل مهلاوما سرفا مني أقول ولا جهلا
وإن صبا ابن الأربعين سفاهةفكيف مع اللاتي مثلن به مثلا
يقول لي المفي وهنّ عشيةبمكة يسحبن المهدّبة السّحلا
تق الله لا تنظر إليهنّ يا فتىوما خلتني في الحج ملتمسا وصلا
منها:
فو الله لا أنسى وقد شطت النوىعرانينهن الشمّ والأعين النّجلا
ولا المسك من أعرافهن ولا البرىجواعل في أعناقها قصبا خدلا
خليليّ لو ما الله ما قلت مرحبالأوّل شيبات طلعن ولا أهلا
خليليّ إن الشيب داء كرهتهفما أحسن المرعى وما أقبح المحلا
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع