من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم
بن عبد الواحد الشيباني أبو السعادت الملقب بمجد الدين المعروف بابن الأثير، والأثير هو أبو محمد:
محمد بن عبد الكريم من أهل جزيرة ابن عمر: مات فيما حدثني به أخوه عز الدين أبو الحسن علي بن محمد في يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة؛ قال:
ومولده في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالجزيرة وانتقل إلى الموصل في سنة خمس وستين ولم يزل بها إلى أن مات.
قال المؤلف: وكان عالما فاضلا وسيدا كاملا قد جمع بين علم العربية والقرآن
والنحو واللغة والحديث وشيوخه وصحّته وسقمه والفقه، وكان شافعيا، وصنّف في كلّ ذلك تصانيف هي مشهورة بالموصل وغيرها.
حدثني أخوه أبو الحسن قال: قرأ أخي الأدب على ناصح الدين أبي محمد سعيد بن الدهان البغداديّ وأبي بكر يحيى بن سعدون المغربى القرطبي وأبي الحزم مكى بن الريان بن شبّة الماكسي النحوي الضرير، وسمع الحديث بالموصل من جماعة منهم الخطيب أبو الفضل ابن الطوسي وغيره، وقدم بغداد حاجا فسمع بها من أبي القاسم صاحب ابن الخلّ وعبد الوهاب بن سكيتة، وعاد إلى الموصل فروى بها وصنّف ووقف داره على الصوفية وجعلها رباطا.
وحدثني أخوه أبو الحسن قال: تولى أخي أبو السعادات الخزانة لسيف الدين الغاري بن مودود بن زنكي، ثم ولاه ديوان الجزيرة وأعمالها، تم عاد إلى الموصل فناب في الديوان عن الوزير جلال الدين أبي الحسن على بن جمال الدين محمد بن منصور الأصبهاني، ثم اتصل بمجاهد الدين قايماز بالموصل أيضا فنال عنده درجة رفيعة، فلما قبض على مجاهد الدين اتصل بخدمة أتابك عز الدين مسعود بن مودود إلى أن توفي عز الدين، فاتصل بخدمه ولده نور الدين أرسلان شاه فصار واحد دولته حقيقة بحيث إن السلطان كان يقصد منزله في مهام نفسه لأنه أقعد في آخر زمانه، فكانت الحركة تصعب عليه، فكان يحيئه بنفسه أو يرسل إليه بدر الدين لؤلؤ الذي هو اليوم أمير الموصل.
وحدثني أخوه المذكور قال. حدثني أخي أبو السعادات قال: لقد ألزمني نور الدين بالوزارة غير مرة وأنا أستعفيه حتى غضب منّي وأمر بالتوكيل بي، قال:
فجعلت أبكي، فبلغه ذلك فجاءني وأنا على تلك الحال فقال لي: أبلغ الأمر إلى هذا؟ ما علمت أنّ رجلا ممن خلق الله بكره ما كرهت، فقلت: أنا يا مولانا رجل كبير، وقد خدمت العلم عمري واشتهر ذلك عنّي في البلاد بأسرها، واعلم أنني لو اجتهدت في إقامة العدل بغاية جهدي ما قدرت أؤدي حقه، ولو طلم أكّار في ضيعة من أقصى أعمال السلطان لنسب ظلمه إليّ، ورجعت أنت وغيرك باللائمة عليّ، والملك لا يستقيم إلا بالتسمح في العسف وأخذ هذا الخلق بالشدة، وأنا لا أقدر على ذلك، فأعفاه، وجاءنا إلى دارنا فخبرنا بالحال، فأما والده وأخوه فلاماه على الامتناع فلم يؤثر
اللوم عنده سفا، وذكر ذلك في قصة طويلة بتفاصيلها إلا أن هذا الذى ذكرته هو معناها.
وحدثني عز الدين أبو الحسن قال: حدثني أخي أبو السعادات ﵀ قال:
كنت أشتغل بعلم الأدب على الشيخ أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي بالموصل، وكان كثيرا ما يأمرني بقول الشعر وأنا أمتنع من ذلك، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم رأيت الشيخ في النوم وهو يأمرني بقول الشعر، فقلت له: ضع لي مثالا أعمل عليه فقال:
جب لفلا مدمنا إن فاتك الطفروخدّ حدّ الثرى والليل معتكر
فقلت أنا:
فالعزّ في صهوات الخيل مركبهوالمجد ينتجه الإسراء والسهر
فقال لي: أحسنت هكذا فقل، فاستيقظت فأتممت عليها نحو العشرين بيتا.
وحدثني عز الدين أبو الحسن قال: كتب أخي أبو السعادات إلى صديق له في صدر كتاب والشعر له.
وإني لمهد عن حنين مبرّحإليك على الأقصى من الدار والأدني
وإن كانت الاشواق تزداد كلماتناقص بعد الدار واقترب المغنى
سلاما كسر الروض باكره الحياوهبّت عليه نسمة السّحر الأعلى
فحا بمسكيّ الهوا متحلّياببعض سحايا ذلك المجلس الأسمى
وأنشدني عز الدين قال، أنشدني أخي مجد الدين أبو السعادات لنفسه:
عليك سلام فاح من نشر طيبهنسيم تولى بثّه الرند والبان
وحاز على اطلال مي عشيةوجاد عليه معدق الوبل هتّان
فحملته شوقا حوته ضمائريتميد له أعلام رضوى ولبنان
واستنشدته شيئا آخر من شعره فقال: كان أخي قليل الشعر لم يكن له به تلك العناية، وما أعرف الآن له غير هذا، فقلت له: فأملّ عليّ تصانيفه، فأملى عليّ:
كتاب البديع في النحو نحو الأربعين كراسة وقفني عليه فوجدته بديعا كاسمه سلك فيه
مسلكا عريبا وبوبّه تبويبا عجيبا. كتاب الباهر في الفروق في النحو أيضا. كتاب تهذيب فصول ابن الدهان. كتاب الإنصاف في تفسير القرآن أربع مجلدات. كتاب الشافي وهو شرح مسند الشافعي أبدع في تصنيفه فدكر أحكامه ولغته ونحوه ومعانيه نحو مائة كراسة. كتاب غريب الحديث على حروف المعجم اربع مجلدات كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول عشر مجلدات جمع فيه بين البخارى ومسلم والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي والترمذي عمله على حروف المعجم، وشرح غريب الأحاديث ومعانيها وأحكامها ووصف رجالها ونبه على جميع ما يحتاج إليه منها قال المؤلف. أقطع قطعا أنه لم يصنّف مثله قط ولا يصنف وله رسائل في الحساب مجدولات. كتاب ديوان رسائله. وكتاب البنين والبنات والآباء والأمهات والأذواء والذوات مجلد. كتاب المختار في مناقب الأخيار أربع مجلدات، إلى غير ذلك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع