من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
المبارك بن المبارك بن سعيد بن الدهان
أبو بكر الضرير النحوي المعروف بالوجيه: من أهل واسط، قدم بغداد مع أبيه في صباه فأقام بها إلى أن مات في السادس عشر من شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة ﵀، ودفن بالوردية، ومولده في سنة اثنتين وخمسمائة، وهو شيخي الذي به تخرجت وعليه قرأت، وهو قرأ بواسط على أبي سعيد نصر بن محمد بن سلم المؤدب وغيره، وأدرك ببغداد ابن الخشّاب فأخذ عنه، ولازم الكمال أبا البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي وقرأ عليه وتلمذ له فهو أشهر شيوخه، وسمع تصانيفه، وسمع الحديث من طاهر بن محمد المقدسي، وتولّى تدريس النحو بالنظامية سنين فتخرج عليه جماعة كثيرة منهم الحسن بن الباقلاوي الحلّي والموفّق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي والمنتجب سالم بن أبي الصقر العروضي وغيرهم. وكان ﵀ قليل الحظّ من التلامذة يتخرجون عليه ولا ينسبون إليه، ولم يكن فيه عيب إلا أنه كان فيه كيس ولين، وكان إذا جلس للدرس يقطع أكثر وقته بالأخبار والحكايات وإنشاد الأشعار حتى يسأم الطالب وينصرف عنه وهو ضجر وينقم ذلك عليه، وكان يحسن بكلّ لغة من الفارسية والتركية والحبشية والرومية والأرمنية والزنجية، فكان إذا قرأ عليه عجميّ واستغلق عليه المعنى بالعربية فهّمه إياه بالعجمية على لسانه، وكان حسن التعليم طويل الروح كثير الاحتمال للتلامذة، وكان شاعرا مجيدا أنشدني لنفسه كثيرا من شعره، منه في التجنيس:
ولو وقعت في لجة البحر قطرةمن المزن يوما ثم شاء لمازها
ولو ملك الدنيا فأضحى ملوكهاعبيدا له في الشرق والغرب ما زها
وكان قد فوّض إلى عضد الدولة أبي الفتوح ابن الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء أمر المخزن المعمور والأعمال التي كانت مفوّضة قبله إلى ابن ناصر في عاشر شعبان سنة خمس وستمائة وخلع عليه في باب الحجرة الشريفة، وهو موضع لا يخلع فيه إلا على الوزراء، وركب منه والعالم بين يديه ليمضي إلى منزله، فعثرت به فرسه وسقط من عليها، ثم ركبها سالما من ساعته، فأكثر الناس القول في الطيرة من هذا، فقال الوجيه وأنشدنيه لنفسه:
لا تعذل الفرس التي عثرتبك أمس قبل سماعك العذرا
قالت مقالا لو علمت بهلم تولها هجرا ولا هجرا
لما رأى الأملاك أنّ علىسرجي فتى أعلى الورى قدرا
رفعت يدي حتى تقبلهاشغفا بها فوهت يدي الأخرى
ثم لم يلبث المذكور إلا يسيرا حتى عزل وألزم بيته.
وأنشدني الوجيه أيضا لنفسه:
لست أستقبح اقتضاءك بالوعدوإن كنت سيد الكرماء
فإله السماء قد ضمن الرزق عليه ويقتضى بالدعاء
وأنشدني الوجيه أيضا لنفسه في التجنيس:
لا راح مسترفدي جذلان من صفدييوما ولا عزّ بي في مشهد جاري
إن لم تكبّ على الأذقان أوجههمسيوف قومي بسيل من دم جاري
وحدثني الوجيه ﵀ قال: دخلت يوما إلى فخر الدين أبي علي الحسن ابن هبة الله بن الدوامي، وهو من علمت أدبا وفضلا وحسن بشر وكرم سجية، فجلسنا نتذاكر الشعراء إلى أن انتهى بنا الكلام إلى البحتري، فأنشد قوله في الفتح بن خاقان:
هب الدار ردّت رجع ما أنت قائلهوأبدى الجواب الربع عما تسائله
إلى قوله:
ولما حضرنا سدّة الإذن أخّرترجال عن الباب الذي أنا داخله
بدا لي محمود السجية شمّرتسرابيله عنه وطالت حمائله
كما انتصب الرمح الردينيّ ثقّفتأنابيبه للطعن واهتزّ عامله
فكالبدر وافته لوقت سعودهوتمّ سناه واستهلت منازله
فسلمت واعتاقت جناني هيبةتنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنىإليّ ببشر أنّستني مخايله
دنوت فقبلت الندى من يد امرىءجميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما يصفو المدام خلالهورقّت كما رقّ النسيم شمائله
فهشّ الجميع وأخذ كلّ منهم يصف حسن ألفاظها ورشاقة معانيها وجودة مقاصدها، وجعلوا يقولون هذا هو السهل الممتنع والفضل المتسع والديباج الخسرواني والزهر الأنيق، وأطنبوا في ذلك وحقّ لهم، فقلت ارتجالا:
لمن تنظم الأشعار والناس كلهمسواسية إلا امرؤ أنا جاهله
ولو علموا أن اللهى تفتح اللهادروا أنّ ذا الشعر ابن خاقان قائله
وكان الوجيه قد التزم سماحة الأخلاق وسعة الصدر فكان لا يغضب من شيء، ولم ير من أحد قطّ حردان، وشاع ذلك عنه وبلغ ذلك بعض الخلفاء، فقال: ليس له من يغضبه، ولو أغضب لغضب، وخاطروه على أن يغضبه فجاءه فسلّم عليه ثم سأله عن مسألة نحوية فأجابه الشيخ بأحسن جواب ودلّه على محجة الصواب فقال له:
أخطأت فأعاد الشيخ الجواب بألطف من ذلك الخطاب وسهّل طريقته وبيّن له حقيقته، فقال له: أخطأت أيها الشيخ، والعجب ممن يزعم أنك تعرف النحو ويهتدى بك في العلوم، وهذا مبلغ معرفتك، فلاطفه وقال له: يا بنيّ لعلك لم تفهم الجواب، وإن أحببت أن أعيد القول عليك بأبين من الأول فعلت، قال له: كذبت لقد فهمت ما قلت، ولكن لجهلك تحسب أنني لم أفهم، فقال له الشيخ وهو يضحك: قد عرفت
مرادك، ووقفت على مقصودك، وما أراك إلا وقد غلبت، فأدّ ما بايعت عليه فلست بالذي تغضبني أبدا، وبعد يا بنيّ فقد قيل إن بقّة جلست على ظهر فيل، فلما أرادت أن تطير قالت له: استمسك فإني أريد الطيران، فقال لها الفيل: والله يا هذه ما أحسست بك لما جلست فكيف أستمسك إذا أنت طرت؟! والله يا ولدي ما تحسن أن تسأل ولا تفهم الجواب فكيف أستفيد منك؟
وحدثني محب الدين محمد بن النجار قال: حضر الوجيه النحوي بدار الكتب التي برباط المأمونية، وخازنها يومئذ أبو المعالي أحمد بن هبة الله، فجرى حديث المعرّي، فذمّه الخازن وقال: كان عندي في الخزانة كتاب من تصانيفه فغسلته، فقال له الوجيه: وأيّ شيء كان هذا الكتاب؟ قال: كان كتاب نقض القرآن، فقال له: أخطأت في غسله، فعجب الجماعة منه وتغامزوا عليه، واستشاط ابن هبة الله وقال له: مثلك ينهى عن مثل هذا؟ قال: نعم لا يخلو أن يكون هذا الكتاب مثل القرآن أو خيرا منه أو دونه، فإن كان مثله أو خيرا منه وحاش لله أن يكون ذلك فلا يجب أن يفرّط في مثله، وإن كان دونه وذلك ما لا شكّ فيه فتركه معجزة للقرآن فلا يجب التفريط فيه، فاستحسن الجماعة قوله ووافقه ابن هبة الله على الحقّ وسكت.
وكان الوجيه ﵀ حنبليا ثم صار حنفيا، فلما درّس النحو بالنظامية صار شافعيا، فقال فيه المؤيد أبو البركات محمد بن أبي الفرج التكريتي ثم البغدادي، وكان أحد تلامذته، وسمعته من لفظه غير مرة:
ألا مبلغ عنّي الوجيه رسالةوإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبلوذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت دين الشافعي تديّناولكنما تهوى الذي هو حاصل
وعما قليل أنت لا شكّ صائرإلى مالك فافطن لما أنا قائل
وأنشدني الوجيه لنفسه في التجنيس:
أطلت ملامي في اجتنابي لمعشرطغام لئام جودهم غير مرتجى
ترى بابهم لا بارك الله فيهمعلى طالب المعروف إن جاء مرتجا
حموا مالهم والدين والعرض منهممباح فما يخشون من هجو من هجا
إذا شرع الأجواد في الجود منهجالهم شرعوا في البخل سبعين منهجا
وأنشدني الوجيه النحوي لنفسه يمدح أبا الفضل مسعود بن جابر صاحب المخزن:
ما مرّ يوم ولا شهر ولا عيدفاخضرّ فيه لنا من وصلكم عود
عودوا تعد بكم الأيام مشرقةوإن أبيتم ففي الأسقام لي عودوا
كم ذا التجني وكم هذا الصدود صلوامن حظّه منكم همّ وتسهيد
لو تسألوا كيف حالي بعد بعدكمفالحال شاهدة والسقم مشهود
لولا التعلل بالآمال متّ أسىيفنى الزمان وما تفنى المواعيد
ولو شكوت الذي ألقى بحبكمإلى الجلاميد رقّت لي الجلاميد
يا هذه ما أنام الليل من ولهيكأنما حاجبي بالجفن معقود
قلّ اصطباري وزاد الوجد بي فأنابك الشقيّ وغيري منك مسعود
تلذّ في حبك الأيام لي وأرىالتعذيب عذبا به والقلب مجهود
كأنّك المجد أو بذل الندى وأنافي فرط حبّك فخر الدين مسعود
مولى إذا السحب ضنّت بالحيا فلهفي الخلق بحر عظيم الريّ مورود
وله مطلع قصيدة في ابن جابر أيضا:
يا من أقام قيامتي بقوامهوأطال تعذيبي بطول مطاله
أمط اللثام عن العذار تقم بهعند العذول عليك عذر الواله
وارفق ببال في هواك معذّببجفاك ما خطر السلوّ بباله
طبع الحبيب على الملال وليتهيوما يميل إلى ملال ملاله
لو كنت تسمع ما أقول وقولهلعجبت من ذلّي له ودلاله
شدّ الرحال فحلّ عقد تصبريلما سرت أجماله بجماله
أنشدني الحافظ أبو عبد الله محمد بن النجار صديقنا حرسه الله قال، أنشدني شيخنا الوجيه النحوي لنفسه:
أرفع الصوت إن مررت بدارأنت فيها إذ ما إليك وصول
وأحيي من ليس عندي بأهلأن يحيّا كي تسمعي ما أقول
وكان ملازما لدار الوزير عضد الدين أبي الفرج ابن رئيس الرؤساء ويبيت ويصبح يقرىء أهله، ونال من جهته ثروة، فحدثني عز الدين أبو الحسن علي بن محمود بن محمد المعروف بالسرخسي النحوي قال، حدثني الوجيه قال: اقترحت عليّ بعض حظايا الوزير أن أعمل أبياتا تكتبها على قميص أصفر، فعملت:
انظر إلى لابسي وانظر إليّ وكنمن مثل ما حلّ بي منه على خطر
هذا اصفراري يراه الناظرون ومافي القلب من حبّه يخفى على البصر
أموت في خلعه بالليل لي كمدالولا انتظار وصال منه في السحر
أقول عجبا إذا ما رام يلبسنيما كنت أطمع أن أعلو على القمر
ونقشتها على القميص، ورآه الوزير عليها فنلت منه بذلك السبب خيرا كثيرا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع