من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور
بن إبراهيم الدقاق أبو بكر المعروف بابن الخاضبة الحافظ العالم: مات فيما نقلت من «المذيل» بخط أبي سعد السمعاني في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة ودفن بمقبرة الأجمة المتصلة بباب أبرز.
قال أبو سعد: وكان حافظا فهما درس القرآن وتفقه زمانا وقرأ الحديث فأكثر، وكان مفيد بغداد والمشار إليه في القراءة الصحيحة والنقل المستقيم، وكان مع ذلك صالحا ورعا دينا خيرا، سمع بمكة والشام والعراق، وأكثر ببغداد عن أبي بكر أحمد بن علي الخطيب وأصحاب أبي طاهر المخلص وأبي حفص الكتاني وعيسى بن علي الوزير وطبقتهم، وأدركته المنية قبل وقت الرواية. سمع منه جماعة من مشايخنا، وسمعوا بقراءته وإفادته الكثير، ورأيتهم مجمعين على الثناء عليه والمدح له:
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلاحتى يروا عنده آثار إحسان
قال السمعاني: سمعت أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ، ذكر أبو
الفضل محمد بن طاهر المقدسي، سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقاق المعروف بابن الخاضبة يقول: لما كانت سنة الغرق وقعت داري على قماشي وكتبي، وكان لي عائلة الوالدة والزوجة والبنت، فكنت أورّق للناس وأنفق على الأهل، فأعرف أنني كتبت «صحيح مسلم» في تلك السنة سبع مرات، فلما كان ليلة من الليالي رأيت في المنام كأنّ القيامة قد قامت ومناد ينادي ابن الخاضبة، فأحضرت فقيل لي ادخل الجنة، فلما دخلت الباب وصرت من داخل استلقيت على قفاي ووضعت إحدى رجليّ على الأخرى وقلت: آه استرحت والله من النسخ.
قال السمعاني: وسمعت أبا المناقب محمد بن حمزة بن إسماعيل العلوي بهمذان مذاكرة يقول: ذكر أبو بكر ابن الخاضبة ﵀ أنه كان ليلة من الليالي قاعدا ينسخ شيئا من الحديث بعد أن مضى قطعة من الليل، قال: وكنت ضيق اليد، فخرجت فأرة كبيرة وجعلت تعدو في البيت، وإذا بعد ساعة قد خرجت أخرى، وجعلا يلعبان بين يديّ ويتقافزان إلى أن دنوا من ضوء السراج، وتقدمت إحداهما إليّ وكانت بين يديّ طاسة فأكببتها عليها، فجاءت صاحبتها فدخل سربه وإذا بعد ساعة قد خرج وفي فيه دينار صحيح وتركه بين يدي، فنظرت إليه وسكت واشتغلت بالنسخ، ومكث ساعة ينظر إليّ، فرجع وجاء بدينار آخر ومكث ساعة أخرى، وانا ساكت انظر وأنسخ، فكان يمضي ويجيء إلى أن جاء بأربعة دنانير أو خمسة، الشكّ مني، وقعد زمانا طويلا أطول من كلّ نوبة ورجع ودخل سربه وخرج، وإذا في فيه جليدة كانت فيها الدنانير وتركها فوق الدنانير، فعرفت أنه ما بقي معه شيء، فرفعت الطاسة فقفزا فدخلا البيت، وأخذت الدنانير وأنفقتها في مهمّ لي، وكان في كل دينار دينار وربع.
قال السمعاني: حكى أبو المناقب العلوي هذا أو معناه فاني كتبت من حفظي والعهدة عليه فيما حكى وروى. فإني ذاكرت بهذه الحكاية بعض أهل العلم بدمشق فنسبها إلى غير ابن الخاضبة، والله أعلم.
قال: وسمعت أبا الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي يقول:
سمعت أبا بكر ابن الخاضبة يحكي هذه الحكاية عن مؤدبّه أبي طالب المعروف بابن الدلو كان يسكن بنهر طابق وكان رجلا صالحا، وحكى عنه حكايات أخر أيضا في إجابة الدعاء، ولم يحكها ابن الخاضبة عن نفسه، فذهب على أبي المناقب ولم يكن ضابطا، كان متساهلا في الرواية.
قال مؤلف هذا الكتاب: وهذه حكاية على ما يرى من الاستحالة، وقد أوردتها أنا لثقة موردها وتحريه في الرواية، فان صحّت فقد فزت بحظّ من العجب، والا فاجعلها كالسمر تستمتع به.
قال السمعاني: وأنشدني أبو صالح عبد الصمد بن عبد الرحمن الحنوي، أنشدنا محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقاق، أنشدنا أبو علي إسماعيل بن قلية ببيت المقدس:
كتبت إليك إليّ الكتابوأودعته منك حسن الخطاب
لتقرأه أنت لا بل أناوينفذ مني إليّ الجواب
قال مؤلف الكتاب: إنما ذكرت ابن الخاضبة في كتابي هذا وان لم يكن ممن اشتهر بالأدب لأشياء منها أنه كان قارئا ورّاقا، وله حكايات ممتعة، ولم يكن بالعاري من الأدب بالكلية.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع