من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن محمد
بن مروان بن زهر الأندلسي الاشبيلي أبو بكر: ولد باشبيلية ونشأ بها وحفظ القرآن وسمع الحديث وأقبل على الأدب واللغة والعربية فبرع في ذلك كله، وعانى الشعر فبلغ الاجادة فيه، وكان يحفظ شعر ذي الرمة، وانفرد بالاجادة في نظم الموشحات التي فاق بها أهل المغرب على أهل المشرق، ولازم عبد الملك الباجيّ سبع سنين وقرأ عليه «المدونة» في مذهب مالك، وأخذ صناعة الطبّ عن أبيه أبي مروان عبد الملك، وباشر أعمالها ففاق فيها أهل زمانه وخدم بها دولة الملثمين في آخر عهدهم ثم خدم بها دولة الموحدين بني عبد المؤمن، ومات في أول دولة الناصر محمد. وكان حسن المعالجة جيد التدبير لا يماثله أحد في ذلك، وكان صحيح البنية قويّ الأعضاء، وبلغ الشيخوخة ولم يفقد قوة عضو من أعضائه إلا ثقل في السمع اعتراه في أواخر عمره.
حكى أبو مروان محمد بن أحمد الباجي أن أبا بكر ابن زهر كان شديد البأس يجذب قوسا مائة وخمسين رطلا بالاشبيلي، وهو ست عشرة أوقية، وكان يحسن اللعب بالشطرنج بارعا فيه. ولد سنة سبع وخمسمائة وتوفي بمراكش سنة خمس وتسعين وخمسمائة وقيل في أول سنة ست وتسعين، ودفن بمقابر الشيوخ وقد ناهز التسعين.
ومن شعر الوزير أبي بكر ابن زهر قوله:
إني نظرت إلى المرآة إذ جليتفأنكرت مقلتاي كلّ ما رأتا
رأيت فيها شييخا لست أعرفهوكنت أعهده من قبل ذاك فتى
فقلت أين الذي بالأمس كان هنامتى ترحّل عن هذا المكان متى
فاستجهلتني وقالت لي وما نطقتقد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى
كان الغواني يقلن يا أخي ولقدصار الغواني يقلن اليوم يا أبتا
وقال في كتاب «حيلة البرء» لجالينوس وأجاد:
حيلة البرء صنّفت لعليليترجّى الحياة أو لعليله
فإذا جاءت المنية قالتحيلة البرء ليس في البرء حيله
ومن موشحاته قوله:
أيها الشاكي إليك المشتكىقد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرّتهوشربت الراح من راحته
كلما استيقظ من سكرتهجذب الزقّ إليه واتكا
وسقاني أربعا في أربعغصن بان [مال] من حيث استوى
بات من يهواه من فرط الجوىخفق الأحشاء موهون القوى
كلما فكّر في البين بكىماله يبكي لما لم يقع
ليس لي صبر ولا لي جلديا لقومي هجروا واجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجدمثل حالي حقه أن يشتكى
كمد اليأس وذلّ الطمعما لعيني عشيت بالنظر
أنكرت بعدك ضوء القمرواذا ما شئت فاسمع خبري
قرحت عيني من طول البكاوبكى بعضي على بعضي معي
كبد حرّى ودمع يكفيعرف الذنب ولا يعترف
أيها المعرض عما أصفقد نمى حبّك عندي وزكا
لا يظنّ الحبّ أني مدعى
ومن موشحاته أيضا:
شاب مسك الليل كافور الصباحووشت بالروض أعراف الرياح
فاسقنيها قبل نور الفلقوغناء الورق بين الورق
كاحمرار الشمس عند الشفقنسج المزج عليها حين لاح
فلك اللهو وشمس الإصطباحوغزال سامني بالملق
وبرى جسمي وأذكى حرقيأهيف مذ سلّ سيف الحدق
قصّرت عنه مشاهير الصفاحوانثنت بالذعر أغصان الرماح
صار بالذلّ فؤادي كلفاوجفوني ساهرات وطفا
كلما قلت جوى الحبّ انطفاأمرض القلب بأجفان صحاح
وسبى العقل بجدّ ومزاحيوسفيّ الحسن عذب المبتسم
قمريّ الوجه ليليّ اللممعنتريّ البأس عبسيّ الهمم
غصنيّ القدّ مهضوم الوشاحمادريّ الوصل طائيّ السماح
قدّ بالقد فؤادي هيفاوسبى عقلي لما انعطفا
ليته بالوصل أحيا دنفامستطار العقل مقصوص الجناح
ما عليه في هواه من جناحيا عليّ أنت نور المقل
جد بوصل منك لي يا أمليكم أغنيك إذا ما لحت لي
«طرقت والليل ممدود الجناحمرحبا بالشمس من غير صباح»
وقال أيضا:
لله ما صنع الغرام بقلبهأودى به لما ألمّ بلبّه
لبّاه لما أن دعاه وهكذامن يدعه داعي الغرام يلبّه
بأبي الذي لا يستطيع لعجبهردّ السلام وإن شككت فعج به
ظبي من الأعراب ما ترك الضنافي لحظه من سلوة لمحبه
إن كنت تنكر ما جنى بلحاظهفي سلبه يوم الغوير فسل به
أو شئت أن تلقى غزالا أغيدافي سربه أسد العرين فسر به
يا ما أميلحه وأعذب ريقهوأعزّه وأذلّني في حبه
بل ما أليطف وردة في خدهوأرقّها وأشدّ قسوة قلبه
كم من خمار دون خمرة ريقهوعذاب قلب دون رائق عذبه
نادى بنفسج عارضيه وقد بدايا عاشقين تمتعوا من قربه
وقال أيضا:
ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهمحتى سكرت ونالهم ما نالني
والخمر تعلم حين تأخذ ثارهاأني أملت إناءها فأمالني
وقال أيضا وأوصى أن يكتب على قبره:
تأمل بحقك يا واقفاولاحظ مكانا دفعت إليه
فاني حذّرت منه الأناموها أنا قد صرت رهنا لديه
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع