تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

يحيى بن خالد بن برمك، أبو الفضل البرمكي

الوزير السّريّ الجواد: كان سيد بني برمك وأفضلهم جودا وحلما ورأيا، وكان من أكمل أهل زمانه أدبا وفصاحة وبلاغة، وأخباره في الكرم وشرف الخلال مشهورة، وإنما دخل في شرط كتابنا من جهة بلاغته وتقدمه على أكثر أهل عصره في الانشاء والكتابة وما صدر عنه من الحكم والأقوال التي تداولها الرواة وملئت بها الدفاتر، فأنا أورد منها جملة صالحة. وأما أخباره فما يتّسع لها كتابنا وليست من شرطه.

فمما روي عنه انه قال»

: ما رأيت رجلا إلا هبته حتى يتكلم فان كان فصيحا عظم في عيني وصدري وإن قصّر سقط من عيني.

وحدث محمد بن صالح الواقدي قال: دخلت على يحيى بن خالد البرمكي فقلت انّ هاهنا قوما جاءوا يشكرون لك معروفا، فقال: يا محمد هؤلاء جاءوا يشكرون معروفنا فكيف لنا شكر شكرهم.

وقال: مسألة الملوك عن حالها من سجية النوكى، فإذا أردت أن تقول كيف أصبح الأمير فقل: صبّح الله الأمير بالنعمة والكرامة، وإذا كان عليلا فأردت أن تسأله عن حاله فقل أنزل الله على الأمير الشفاء والرحمة، فان الملوك لا تسأل ولا تشمّت ولا تكيّف، وأنشد:

إن الملوك لا يخاطبوناولا إذا ملوا يعاتبونا
وفي المقال لا ينازعوناوفي العطاس لا يشمتونا
وفي الخطاب لا يكيفونايثنى عليهم ويبجلونا

وافهم وصاتي لا تكن مجنونا

وقيل له: أي الأشياء أقلّ؟ قال قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش الدون، وصديق كثير الآفات قليل الامتاع، وسكون النفس إلى المدح.

وقيل له: ما الكرم؟ فقال: ملك في زي مسكين، قيل له: فما اللؤم؟ قال:

مسكين في بطش عفريت، قيل فما الجود؟ قال: عفو بعد قدرة.

وقال: من ولي ولاية فتاه فيها فعذره دونها.

وقال: إذا فتحت بينك وبين أحد بابا من المعروف فاحذر أن تغلقه ولو بالكلمة الجميلة.

وقال: إذا أردت أن تنظر مروءة المرء فانظر إلى مائدته فان كانت حسنة فاحكم له بالشرف، وان رأيت تقصيرا فما وراءها خير.

وقال: أحسن جبلّة الولاة إصابة السياسة، ورأس إصابة السياسة العمل لطاعة الله، وفتح بابين للرعية أحدهما رأفة ورحمة وبذل وتحنن، والآخر غلظة ومباعدة

وإمساك ومنع.

وقال: العذر الصادق مع النية الحسنة يقومان مقام النجح.

وقال: ما سقط غبار موكبي على أحد الا وجب عليّ حقه.

وقال الفضل له: يا أبت ما لنا نسدي إلى الناس المعروف فلا يتبيّن فيه كتبيّنه ببرّ غيرنا؟ قال: آمال الناس فينا أعظم من آمالهم في غيرنا، وإنما يسر الانسان ما بلّغه أمله.

وقال: أنا مخير في الاحسان إلى من أحسن إليه ومرتهن بالاحسان إلى من أحسنت إليه، لأني إن وصلته فقد أتممته، وان قطعته فقد أهدرته.

وقال: الخطّ صورة روحها البيان، ويدها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصول.

وركب يوما مع الرشيد فرأى الرشيد في طريقه أحمالا فسأل عنها فقيل له: هذه هدايا خراسان بعث بها علي بن عيسى بن ماهان، وكان ابن ماهان وليها بعد الفضل بن يحيى، فقال الرشيد ليحيى: أين كانت هذه الأحمال في ولاية ابنك؟ فقال يحيى:

كانت في بيوت أصحابها، فأفحم الرشيد وسكت.

ولما كان الفضل بن يحيى واليا على خراسان كتب صاحب البريد إلى الرشيد كتابا يذكر فيه أن الفضل تشاغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى وقال له: يا أبت اقرأ هذا الكتاب واكتب إلى الفضل كتابا يردعه عن مثل هذا، فمد يحيى يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى ابنه على ظهر الكتاب الذي ورد من صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فانه من عاد إلى ما يزينه لم يعرفه أهل زمانه إلا به والسلام، وكتب تحته هذه الأبيات:

انصب نهارا في طلاب العلاواصبر على فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل بدا مقبلاوغاب فيه عنك وجه الرقيب
فبادر الليل بما تشتهيفانما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناسكايستقبل الليل بأمر عجيب
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
ألقى عليه الليل أستارهفبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفةيسعى بها كلّ عدوّ مريب

وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون.

وقال: أنفق من الدنيا وهي مقبلة فان الانفاق لا ينقص منها شيئا، وأنفق منها وهي مدبرة فان الامساك لا يبقي منها شيئا.

وقال: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا في من قبلنا أسوة، ونحن لمن بعدنا عبرة.

قال القاضي يحيى بن أكثم سمعت المأمون يقول: لم يكن كيحيى بن خالد وكولده أحد في البلاغة والكفاية والجود والشجاعة. وكان يحيى يجري على سفيان الثوري ﵁ ألف درهم في كل شهر، فكان إذا صلى سفيان يقول في سجوده: اللهم ان يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته، فلما مات يحيى رؤي في المنام فقيل له، ما فعل الله بك؟ قال غفر لي بدعاء سفيان.

مات يحيى في سجن الرشيد في الرافقة في أوائل المحرم سنة تسعين ومائة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.