من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
يحيى بن حبش شهاب الدين أبو الفتوح السهروردي
كان فقيها شافعيّ المذهب أصوليا أديبا شاعرا حكيما متفننا نظارا لم يناظره مناظر إلا خصمه وأفحمه، قرأ
بالمراغة على الشيخ الإمام مجد الدين الجيلي الفقيه الأصولي المتكلم ولازمه مدة، ثم تنقل في البلاد على قدم التجرد ولقي بماردين الشيخ فخر الدين المارديني وصحبه وكان يثني عليه كثيرا ويقول: لم أر في زماني أحدا مثله، ولكني أخشى عليه من شدة حدته وقلة تحفظه. ثم رحل أبو الفتوح إلى حلب فدخلها في زمن الظاهر غازي بن أيوب سنة تسع وسبعين وخمسمائة، ونزل في المدرسة الحلاوية، وحضر درس شيخها الشريف افتخار الدين، وبحث مع الفقهاء من تلاميذه وغيرهم وناظرهم في عدة مسائل فلم يجاره أحد منهم وظهر عليهم، وظهر فضله للشيخ افتخار الدين فقرّب مجلسه وأدناه وعرف مكانه في الناس، ومن ذلك الحين تألّب عليه الفقهاء وكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره الملك الظاهر وعقد له مجلسا من الفقهاء والمتكلمين فباحثوه وناظروه فظهر عليهم بحججه وبراهينه وأدلّته، وظهر فضله للملك الظاهر فقرّبه وأقبل عليه وتخصص به، فازداد تغيّظ المناظرين عليه ورموه بالإلحاد والزندقة، وكتبوا بذلك إلى الملك الناصر صلاح الدين وحذّروه من فساد عقيدة ابنه الظاهر بصحبته للشهاب السهروردي وفساد عقائد الناس اذا أبقى عليه، فكتب صلاح الدين الى ابنه الظاهر يأمره بقتله وشدّد عليه بذلك وأكد، وأفتى فقهاء حلب بقتله، فبلغ ذلك الشهاب، فطلب من الظاهر أن يحبس في مكان ويمنع من الأكل والشرب إلى أن يموت، ففعل به ذلك، وقيل بل أمر الظاهر بخنقه في السجن فخنق سنة سبع وثمانين وخمسمائة وقد قارب الأربعين. ويروى أنّ الظاهر ندم على ما فعل بعد مدة ونقم على من أفتوا بقتله، فقبض عليهم واعتقلهم ونكبهم، وصادر جماعة منهم بأموال عظيمة.
ومن تصانيفه: التلويحات في الحكمة. والتنقيحات في أصول الفقه. وحكمة الاشراق. والغربة الغريبة في الحكمة. وهياكل النور في الحكمة أيضا. والألواح العمادية. والمعارج. واللمحة. والمطارحات. والمقاومات، وغير ذلك.
وله شعر كثير، أشهره وأجوده قصيدته الحائية وهي:
أبدا تحنّ إليكم الأرواحووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكموإلى لذيذ لقائكم ترتاح
وارحمتا للعاشقين تكلّفواستر المحبة والهوى فضّاح
بالسرّ ان باحوا تباح دماؤهموكذا دماء البائحين تباح
وإذا هم كتموا تحدّث عنهمعند الوشاة المدمع السحّاح
وبدت شواهد للسّقام عليهمفيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكمللصبّ في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مشتاقةوالى رضاكم طرفه طمّاح
عودوا بنور الوصل في غسق الجفافالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له فقلوبهمفي نورها المشكاة والمصباح
فتمتعوا والوقت طاب بقربهمراق الشراب ورقّت الأقداح
يا صاح ليس على المحبّ ملامةإن لاح في أفق الوصال صباح
لا ذنب للعشاق ان غلب الهوىكتمانهم فنمى الغرام فباحوا
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بهالما دروا أنّ السماح رباح
ودعاهم داعي الحقائق دعوةفغدوا بها مستأنسين وراحوا
ركبوا على سنن الوفا ودموعهمبحر وحادي شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابهحتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون لغير ذكر حبيبهمأبدا فكلّ زمانهم أفراح
حضروا فغابوا عن شهود ذواتهموتهتكوا لما رأوه وصاحوا
أفناهم عنهم وقد كشفت لهمحجب البقا فتلاشت الأرواح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهمان التشبّه بالكرام فلاح
قم يا نديم إلى المدام وهاتهافبحانها قد دارت الأقداح
من كرم إكرام بدنّ ديانةلا خمرة قد داسها الفلاح
وقال:
أقول لجارتي والدمع جارولي عزم الرحيل عن الديار
ذريني أن أسير ولا تنوحيفإن الشهب أشرفها السواري
واني في الظلام رأيت ضوءاكأن الليل بدّل بالنهار
إلى كم أجعل الحيّات صحبيإلى كم أجعل التنّين جاري
وأرضى بالاقامة في فلاةوفي ظلم العناصر أين داري
ويبدو لي من الزوراء برقيذكّرني بها قرب المزار
إذا أبصرت ذاك النور أفنىفما أدري يميني من يساري
ومن كلامه: اعلم أنك ستعارض بأعمالك وأقوالك وأفكارك، وسيظهر عليك من كل حركة فعلية أو قولية أو فكرية صور جانية، فإن كانت تلك الحركة عقلية صارت تلك الصورة مادة لملك تلتذّ بمنادمته في دنياك وتهتدي بنوره في أخراك، وإن كانت تلك الحركة شهوية أو غضبية صارت تلك الصورة مادة لشيطان يؤذيك في حال حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد مماتك.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع