تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الوليد بن عبيد الله بن يحيى

بن عبيد بن شملال بن جابر بن مسلمة بن مسهر بن الحارث بن جشم بن أبي حارثة بن جدي بن بدول بن بحتر، أبو عبادة وأبو الحسن، والأول أشهر، البحتري الطائي الشاعر المشهور: كان فاضلا أديبا فصيحا بليغا شاعرا مجيدا، وكان بعض أهل عصره يقدمونه على أبي تمام بادىء الرأي ويختمون به الشعراء، وروى عنه شعره أبو العباس المبرد وابن المرزبان محمد بن خلف وأبو بكر الصولي والمحاملي أبو عبد الله.

ولد بمنبج من أعمال حلب وبها نشأ وتنبل وقال الشعر، ثم صار إلى أبي تمام وهو بحمص فعرض عليه شعره، وكان يجلس للشعراء فيعرضون عليه أشعارهم، فلما سمع أبو تمام شعره أقبل عليه وقال له: أنت أشعر من أنشدني.

وللبحتري تصرف حسن في ضروب الشعر سوى الهجاء فإنه لم يحسنه، وأجود شعره ما كان في الأوصاف. وكان يتشبه بأبي تمام في شعره ويحذو حذوه وينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله ويراه إماما ويقدمه على نفسه ويقول في الفرق

بينهما قول منصف: إن جيد أبي تمام خير من جيدي ورديئي خير من رديئه.

وقال له الحسين بن إسحاق يوما: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضرّ أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكنّي والله تابع له لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.

وحدث محمد بن علي الأنباري قال: سمعت البحتري يقول: أنشدني أبو تمام يوما لنفسه:

وسابح هطل التعداء هتانعلى الجراء أمين غير خوّان
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وسابح هطل التعداء هتان»
فلو تراه مشيحا والحصى زيمبين السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت إن تتثبّت أن حافرهمن صخر تدمر أو من وجه عثمان

ثم قال لي: ما هذا الشعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا هو الاستطراد، قلت: وما معنى ذلك؟ قال: يريك أنه يريد وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان.

قال المؤلف الفقير: وهذا هو الذي ذكره علماء البديع في تعريف الاستطراد.

وقد نحا البحتري نحو أبي تمام فوصف فرسا واستطرد إلى هجو حمدويه الأحول فقال:

ما إن يعاف قذى ولو أوردتهيوما خلائق حمدويه الأحول

وهو من قصيدة امتدح بها محمد بن علي القمي، وكان حمدويه عدوّا له فهجاه في عرض مدحه لمحمد القمي.

وكانت ولادة البحتري سنة ست ومائتين وتوفي بمنبج بمرض السكتة سنة أربع وثمانين ومائتين.

وله كتاب الحماسة على مثال حماسة أبي تمام. وكتاب معاني الشعر. وديوان في مجلدين جمعه أبو بكر الصولي ورتبه على الحروف، وجمعه أيضا علي بن حمزة الأصفهاني الأخباري ورتبه على الأنواع كما صنع بشعر أبي تمام.

ومن غرر شعره في المديح قصيدته الرائية التي مدح بها المتوكل على الله يهنئه بعيد الفطر ويذكر خروجه فيه للصلاة قال:

الله مكّن للخليفة جعفرملكا يجمّله الخليفة جعفر
نعمى من الله اصطفاه بفضلهاوالله يرزق من يشاء ويقدر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»

ومنها:

بالبرّ صمت وأنت أفضل صائموبسنّة الله الرضية تفطر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
فانعم بيوم الفطر عينا إنهيوم أغرّ من الزمان مشهّر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
أظهرت عزّ الملك فيه بجحفللجب يحاط الدين فيه وينصر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدتعددا يسير به العديد الأكثر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
والخيل تصهل والفوارس تدّعيوالبيض تلمع والأسنّة تزهر

ومنها:

حتى طلعت بضوء وجهك فانجلىذاك الدجى وانجاب ذاك العثير
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
وافتنّ فيك الناظرون فاصبعيومى إليك بها وعين تنظر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
يجدون رؤيتك التي فازوا بهامن أنعم الله التي لا تكفر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ذكروا بطلعتك النبيّ فهللوالما طلعت من الصفوف وكبروا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
حتى انتهيت إلى المصلّى لابسانور الهدى يبدو عليك ويظهر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
ومشيت مشية خاشع متواضعلله لا يزهو ولا يتكبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر»
فلو ان مشتاقا تكلّف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر

وله من قصيدة يمدح بها علي بن مر:

لم يبق من جلّ هذا الناس باقيةينالها الفهم إلا هذه الصور
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
جهل وبخل وحسب المرء واحدةمن تين حتى يعفّى خلفه الأثر
إذا محاسني اللاتي أدلّ بهاكانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
أهزّ بالشعر أقواما ذوي وسنفي الجهل لو ضربوا بالسيف ما شعروا
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
عليّ نحت القوافي من مقاطعهاوما عليّ إذا لم تفهم البقر

ومنها في المديح:

لولا علي بن مر لاستمرّ بناخلف من العيش فيه الصاب والصّبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
عذنا بأروع أقصى نيله كثبعلى العفاة وأدنى سعيه سفر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
ألحّ جودا ولم تضرر سحائبهوربما ضرّ في إلحاحه المطر
للشاعر البحتري، من قصيدة «وواعظ منه لولا أنه حجر»
مواهب ما تجشمنا السؤال لهاإنّ الغمام قليب ليس يحتفر
للشاعر البحتري، من قصيدة «في الشَّيبِ زَجْرٌ لهُ، لوْ كانَ يَنزَجِرُ»

ومن غرر شعره في الأوصاف قوله يصف إيوان كسرى:

حضرت رحلي الهموم فوجّهت إلى أبيض المدائن عنسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
أتسلّى عن الحظوظ وآسىلمحلّ من آل ساسان درس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
ذكرتنيهم الخطوب التواليولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظلّ عالمشرف يحسر العيون ويخسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
مغلق بابه على جبل القبق إلى دارتي خلاط ومكس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
نقل الدهر عهدهنّ عن الجدّة حتى غدون أنضاء لبس
فكأنّ الجرماز من عدم الإنس واخلاله بنية رمس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
لو تراه علمت أن اللياليجعلت فيه مأتما بعد عرس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وهو ينبيك عن عجائب قوملا يشاب البيان فيهم بلبس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
فإذا ما رأيت صورة أنطاكية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشروان يزجي الصفوف تحت الدرفس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
في اخضرار من اللباس على أصفر يختال في صبيغة ورس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وعراك الرجال بين يديهفي خفوت منهم وإغماض جرس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
من مشيح يهوي بعامل رمحومليح من السنان بترس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
تصف العين أنهم جدّ أحياء لهم بينهم إشارة خرس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
يغتلي فيهم ارتيابي حتىتتقراهم يداي بلمس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»
قد سقاني ولم يصرّد أبو الغوث على العسكرين شربة خلس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
من مدام تخالها ضوء نجمنوّر الليل أو مجاجة شمس
وتراها إذا أجدّت سروراوارتياحا للشارب المتحسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
أفرغت في الزجاج من كلّ قلبفهي محبوبة إلى كلّ نفس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
حلم مطبق على الشكّ عينيأم أمان غيّرن ظنّي وحدسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وكأنّ الإيوان من عجب الصنعة جون في جنب أرعن جلس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
يتظنّى من الكآبة إذ يبدو لعيني مصبّح أو ممسّي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
مزعجا بالفراق عن أنس إلفعزّ أو مرهقا بتطليق عرس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
عكست حظّه الليالي وبات المشتري فيه وهو كوكب نحس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
فهو يبدي تجلدا وعليهكلكل من كلاكل الدهر مرسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
لم يعبه أن بزّ من بسط الديباج واستلّ من ستور الدمقس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»
مشمخرّ تعلو له شرفاترفعت في رؤوس رضوى وقدس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
لابسات من البياض فما تبصر منها إلا غلائل برس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
ليس يدرى أصنع إنس لجنّصنعوه أم صنع جنّ لإنس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
غير أني أراه يشهد أن لميك بانيه في الملوك بنكس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»
وكأني أرى المواكب والقوم إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرىمن وقوف خلف الزحام وجلس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وكأن القيان وسط المقاصير يرجّعن بين حور ولعس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وكأن اللقاء أول من أمس ووشك الفراق أول أمس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وكأن الذي يريد اتباعاطامع في لقائهم بعد خمس
عمرت للسرور دهرا فصارتللتعزّي ربوعهم والتأسّي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
فلها أن أعينها بدموعموقفات على الصبابة حبس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
ذاك عندي وليست الدار داريباقترابي منها ولا الجنس جنسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
غير نعمى لأهلها عند أهليغرسوا من رطابها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدّوا قواهبكماة تحت السنوّر حمس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وأعانوا على كتائب أرياط بطعن على النّحور ودعس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وأراني من بعد أكلف بالأشراف طرّا من كلّ سنخ وأسّ

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.