من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
واصل بن عطاء أبو حذيفة الغزال مولى بني ضبة
كان متكلما بليغا أديبا متفننا خطيبا، ولقب بالغزال لكثرة جلوسه في سوق الغزّالين إلى أبي عبد الله مولى قطن الهلالي. وكان بشار بن برد قبل أن يدين بالرجعة ويكفّر جميع الأمة كثير المديح لواصل بن عطاء وفضّله في الخطابة على خالد بن صفوان وشبيب بن شبة والفضل بن عيسى يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق، فقال في ذلك:
أبا حذيفة قد أوتيت معجزةمن خطبة بدهت من غير تقدير
وإن قولا يروق الخالدين معالمسكت مخرس عن كلّ تحبير
وقال في ذلك أيضا:
تكلّفوا القول والأقوام قد حفلواوحبّروا خطبا ناهيك من خطب
فقام مرتجلا تغلي بداهتهكمرجل القين لما حفّ باللهب
وجانب الراء لم يشعر به أحدقبل التصفح والإغراق في الطلب
قوله: وجانب الراء إشارة إلى لثغة واصل، وكان واصل الثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء ولا يفطن لذلك السامع لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، وفي ذلك يقول أبو الطروق الضبي:
عليم بابدال الحروف وقامعلكلّ خطيب يغلب الحقّ باطله
ولما قال بشار بالرجعة»
وتتابع على واصل ما يشهد بالحاده قال واصل: أما لهذا الأعمى الملحد، أما لهذا المشنّف المكنّى بأبي معاذ من يقتله؟! أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه في جوف منزله أو في حفله ثم لا يتولّى ذلك إلا عقيلي أو سدوسي، فقال: أبو معاذ، ولم يقل بشار، وقال المشنف ولم يقل المرعث، وكان بشار ينبز بالمرعث، وقال من سجايا الغالية ولم يقل الرافضة، وقال في منزله ولم يقل في داره، وقال يبعج ولم يقل يبقر، كلّ ذلك تخلصا من الراء. ولما بلغ بشارا إنكار واصل عليه وأنه يهتف به قال يهجوه:
ما لي أشايع غزّالا له عنقكنقنق الدوّ إن ولّى وإن مثلا
عنق الزرافة ما بالي وبالكمأتكفرون رجالا أكفروا رجلا
وكان واصل في أول أمره يجلس إلى الحسن البصري، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكب الكبائر وقال الجماعة بايمانهم خرج واصل عن الفريقين وقال بمنزلة بين المنزلتين، فطرده الحسن عن مجلسه، فاعتزل عنه، وتبعه عمرو بن عبيد، ومن ثمّ سمّوا وجماعتهم المعتزلة.
ومما قيل في لثغه بالراء قول بعضهم:
ويجعل البرّ قمحا في تصرّفهوخالف الراء حتى احتال للشّعر
ولم يطق مطرا في القول يجعلهفعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
وقال قطرب: سألت عثمان البري: كيف كان يصنع واصل بالعدد بعشرة وعشرين وأربعين، وبالقمر وبالبدر ويوم الأربعاء والمحرم وصفر وربيع الأول والآخر وجمادى الآخرة فقال: ما لي فيه إلا قول صفوان بن إدريس:
ملقّن ملهم فيما يحاولهجمّ خواطره جوّاب آفاق
ولواصل بن عطاء خطب وحكم من الكلام ومناظرات ورسائل وأخبار يطول ذكرها، وله شعر أجاد فيه ومنه:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهمولا تلقهم بالعقل إن كنت ذا عقل
فإن الفتى ذا العقل يشقى بعقلهكما كان قبل اليوم يشقى ذوو الجهل
وله من التصانيف: معاني القرآن. وكتاب التوبة. وكتاب الخطب في التوحيد. وكتاب المنزلة بين المنزلتين. وكتاب السبيل الى معرفة الحق. وكتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد. وكتاب أصناف المرجئة. وكتاب خطبه التي أخرج منها الراء. وطبقات أهل العلم والجهل. وغير ذلك.
ولد واصل بالمدينة سنة ثمانين وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع