تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية

بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن عوف بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر التميمي، أبو فراس المعروف بالفرزدق الشاعر المشهور: كان جده صعصعة عظيم القدر في الجاهلية، وكان افتدى ثلاثمائة موءودة إلى أن جاء الله ﷿ بالإسلام، وكان أبوه غالب من سراة قومه ورئيسهم، وكان الفرزدق كثير التعظيم لقبر أبيه فما جاءه أحد واستجار به إلا نهض معه وساعده على بلوغ غرضه.

حدث أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت يونس بن حبيب يقول: ما شهدت مشهدا قط ذكر فيه جرير والفرزدق وأجمع أهل المجلس على أحدهما، وكان يونس يقدم الفرزدق ويقول: ما كان بالبصرة مولّد مثله.

ولما هرب الفرزدق من زياد بن أبيه حين هجا بني نهشل، فاستعدوا زيادا عليه، قدم المدينة واستجار بسعيد بن العاص فأجاره، وكان الحطيئة وكعب بن جعيل

عند سعيد لما دخل الفرزدق عليه فأنشده الفرزدق:

ترى الغرّ الجحاجح من قريشإذا ما الأمر في الحدثان عالا
بني عمّ النبي ورهط عمرووعثمان الألى غلبوا فعالا
قياما ينظرون إلى سعيدكأنهم يرون به هلالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا رفعوا سمعت لهم عجيجا»

فقال الحطيئة: هذا والله الشعر أيها الأمير لا ما تعلّل به منذ اليوم، فقال كعب بن جعيل: فضّله على نفسك ولا تفضله على غيرك، فقال: بلى والله، أفضله على نفسي وعلى غيري، أدركت من قبلك وسبقت من بعدك. ثم قال له الحطيئة: يا غلام لئن بقيت لتبرزن علينا.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان الشعراء في الجاهلية من قيس وليس في الإسلام مثل حظ تميم في الشعر، وأشعر تميم جرير والفرزدق والاخطل، وكان المفضل الضبي يفضل الفرزدق، قيل له: الفرزدق أشعر أم جرير؟ قال الفرزدق:

فقيل له: ولم؟ قال: لأنه قال بيتا هجا فيه قبيلتين فقال:

عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدهاكما آل يربوع هجوا آل دارم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «قيل للمفضل الضبي: الفرزدق أشعر أم جرير؟ فقال: الفرزدق، فقيل له: ولِمَ؟ قال: لأنه قال بيتًا هجا به قبيلتين ومدح قبيلتين وأحسن في ذلك فقال:»

فقيل له قد قال جرير:

ان الفرزدق والبعيث وأمهوأبا البعيث لشرّ ما استار
للشاعر جرير، من قصيدة «ما هاج شوقك من رسوم ديار»

فقال: وأيّ شيء أهون من أن يقول إنسان: فلان وفلان وفلان والناس كلهم بنو الفاعلة.

وحدث أبو حاتم السجستاني عن أبي عبيدة قال: سمعت يونس يقول: لولا شعر الفرزدق ذهب ثلث لغة العرب.

وقال آخر: الفرزدق مقدم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل، ومحلّه في الشعر أكبر من أن ينبّه عليه بقول أو يدلّ على مكانه بوصف، لأنّ الخاص والعام يعرفانه بالاسم ويعلمان تقدمه بالخبر الشائع علما يستغنى به عن الإطالة في الوصف.

وقد تكلم الناس في هذا قديما وحديثا وتعصبوا واحتجوا بما لا مزيد فيه. وبعد

إجماعهم على تقديم هؤلاء الثلاثة اختلفوا في أيهم أحقّ بالتقديم على الآخرين، فأما قدماء أهل العلم والرواة فلم يسوّوا بينهما وبين الأخطل لأنه لم يلحق شأوهما في الشعر ولا له مثل ما لهما من فنونه ولا تصرّف كتصرفهما في سائره، وقالوا: إن ربيعة أفرطت في الأخطل حين ألحقته بهما. وهم في الفرزدق وجرير قسمان: فمن كان يميل إلى جزالة الشعر وفخامته وشدّة أسره فيقدم الفرزدق، ومن كان يميل إلى الشعر المطبوع وإلى الكلام السمح السهل الغزل فيقدم جريرا.

وقال ابن سلام: كان الفرزدق أكثرهم بيتا مقلدا (والمقلّد البيت المستغني بنفسه المشهور الذي يضرب به المثل) فمن ذلك قوله:

فيا عجبا حتى كليب تسبّنيكأن أباها نهشل ومجاشع

وقوله:

ليس الكرام بمانحيك أباهمحتى تردّ إلى عطية تعتل

وقوله:

وكنا إذا الجبار صعّر خدّهضربناه حتى تستقيم الأخادع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا أنت يا ابن الكلب ألقتك نهشل»

وقوله:

وكنت كذئب السوء لما رأى دمابصاحبه يوما أحال على الدم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقائلة والدمع يحدر كحلها»

وقوله:

وان تنج مني تنج من ذي عظيمةوإلا فاني لا إخالك ناجيا

وقوله:

ترى كلّ مظلوم إلينا فرارهويهرب منا جهده كلّ ظالم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

وقوله:

أحلامنا تزن الجبال رزانةوتخالنا جنّا إذا ما نجهل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولنا قراسية تظل خواضعا»

ومقلداته في شعره كثيرة وفيما اوردناه منها كفاية وبشهرته غنى عن إيراد طرف من شعره.

قال أبو اليقظان: أسنّ الفرزدق حتى قارب المائة فأصابته الدبيلة وهو بالبادية، فقدم به إلى البصرة وأتي برجل متطبب من بني قيس فأشار بأن يكوى ويسقى النفط الأبيض، فقال: أتعجلون لي طعام أهل النار في الدنيا؟! وجعل يقول:

أروني من يقوم لكم مقاميإذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أروني من يقوم لكم مقامي»

ومات في مرضه ذلك سنة عشر ومائة ومات جرير بعده بستة أشهر، ومات في هذه السنة الحسن البصري وابن سيرين، فقالت امرأة من أهل البصرة: كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه في سنة؟

ولما نعي إلى جرير بكى ثم أنشأ يقول:

فجعنا بحمّال الديات ابن غالبوحامي تميم كلّها والبراجم
بكيناك حدثان الفراق وإنمابكيناك شجوا للأمور العظائم
فلا حملت بعد ابن ليلى مهيرةولا شدّ أنساع المطيّ الرواسم
للشاعر جرير، من قصيدة «فجعنا بحمال الديات ابن غالب»

ورثاه أبو ليلى المجاشعي بأبيات منها:

لعمري لقد أشجى تميما وهدّهاعلى نكبات الدهر موت الفرزدق
للشاعر جرير، من قصيدة «لعمري لقد أشجى تميما وهدها»
لقد غيّبوا في اللحد من كان ينتميإلى كلّ بدر في السماء محلق
لتبك النساء المعولات ابن غالبلجان وعان في السلاسل موثق

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.