تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال بن إبراهيم

بن زهرون بن حيون الصابىء الحراني أبو الحسن، وهو حفيد أبي إسحاق الصابىء الكاتب المشهور: كان هلال هذا أديبا كاتبا فاضلا له معرفة بالعربية واللغة، أخذ عن أبي علي الفارسي وأبي الحسن الرماني وأبي بكر أحمد بن محمد بن الجراح الخراز، وكان صابئا ثم أسلم في آخر عمره وحسن إسلامه. وكتب عنه الخطيب البغدادي وقال: كان ثقة صدوقا.

وصنف كتاب الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والاحسان، جمع فيه أخبارا وحكايات مستطرفة مما حكي عن الأعيان والأكابر، وهو كتاب ممتع.

ومما يستحسن من تلك الأخبار قال حدث القاضي أبو الحسين عبيد الله بن عياش أن رجلا اتصلت عطلته وانقطعت مدته، فزوّر كتابا عن الوزير أبي الحسن ابن الفرات إلى أبي زنبور الماذرائي عامل مصر يتضمن الوصاية به والتأكيد في الاقبال عليه

والاحسان إليه، وخرج إلى مصر فلقيه به، فارتاب أبو زنبور في أمره لتغير الخطاب على ما جرت به العادة وكون الدعاء أكثر مما يقتضيه محله، فراعاه مراعاة قريبة ووصله بصلة قليلة واحتبسه عنده على وعد وعده به، وكتب إلى أبي الحسن ابن الفرات يذكر الكتاب الوارد عليه وأنفذه بعينه إليه واستثبته فيه، فوقف ابن الفرات على الكتاب المزوّر فوجد فيه ذكر الرجل وأنه من ذوي الحرمات والحقوق الواجبة عليه وما يقال في ذلك مما قد استوفى الخطاب فيه، فعرض ابن الفرات الكتاب على كتابه وعرّفهم الصورة فيه وعجب إليهم منها ومما أقدم عليه الرجل وقال لهم: ما الرأي في أمر هذا الرجل عندكم؟ فقال بعضهم: تأديبه أو حبسه، وقال آخر: قطع إبهامه لئلا يعاود مثل هذا ولئلا يقتدي به غيره فيما هو أكثر من هذا، وقال أحسنهم محضرا: يكشف لأبي زنبور قصته ويرسم له طرده وحرمانه، فقال ابن الفرات: ما أبعدكم عن الحرية والخيرية وأنفر طباعكم عنها، رجل توسّل بنا وتحمّل المشقة إلى مصر في تأميل الصلاح بجاهنا واستمداد صنع الله ﷿ بالانتساب إلينا ويكون أحسن أحواله عند أحسنكم محضرا تكذيب ظنّه وتخييب سعيه؟! والله لا كان هذا أبدا، ثم إنه أخذ القلم من دواته ووقّع على الكتاب المزوّر: هذا كتابي ولست أعلم لم أنكرت أمره واعترضتك شبهة فيه، وليس كلّ من خدمنا وأوجب حقا علينا تعرفه، وهذا رجل خدمني في أيام نكبتي، وما أعتقده في قضاء حقه أكثر مما كلّفتك في أمره من القيام به، فأحسن تفقّده ووفّر رفده، وصرّفه فيما يعود عليه نفعه ويصل إلينا بما يتحقق به ظنه ويتبين موقعه. وردّ الكتاب إلى أبي زنبور عامل مصر من يومه، فلما مضت على ذلك مدة طويلة دخل يوما على الوزير أبي الحسن ابن الفرات رجل ذو هيئة مقبولة، وبزّة جميلة، وأقبل يدعو له ويثني عليه ويبكي ويقبّل الأرض، فقال ابن الفرات: من أنت بارك الله فيك- وكانت هذه كلمته- فقال: أنا صاحب الكتاب المزوّر إلى أبي زنبور عامل مصر الذي صحّحه كرم الوزير وتفضّله فعل الله به وصنع، فضحك ابن الفرات وقال: كم وصل إليك منه؟ قال: وصل إليّ من ماله وتقسيط قسطه على عماله ومعامليه وعمل صرّفني فيه عشرون ألف دينار، فقال ابن الفرات: الحمد لله، الزمنا فانا نعرّضك لما يزداد به صلاح حالك، ثم اختبره فوجده كاتبا سديدا فاستخدمه وأكسبه مالا جزيلا؛ انتهى.

مات هلال بن المحسن ليلة الخميس سابع عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان ولادته في شوال سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.