تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

عبد الملك بن قطن المهري القيرواني

أبو الوليد: شيخ أهل اللغة والعربية هناك، وراوي القوم وعميدهم ورئيسهم والمقدم في بلده وزمانه؛ عمر عمرا طويلا وتوفي يوم الجمعة لعشر خلون من شهر رمضان سنة ست وخمسين ومائتين.

كان من أحفظ الناس لأنساب العرب وأشعارهم ووقائعهم وأيامهم، وكانت الأشعار المشروحة تقرأ عليه مجردة من الشرح، فيشرحها ويفسر معانيها، فلما دخلت الكتب المشروحة إلى افريقية نظر طلبة العلم من العربية والنحو فيها وفيما كانوا رووا عنه فيها فلم يجدوا في شرحه خلافا لما قال أصحاب الشرح، ولا وجدوا عليه في روايته وتفسيره شيئا من الخطأ.

وكان لقي جماعة من العلماء بالعربية منهم ابن الطرماح الأعرابي وأبو المنيع الأعرابي. وله كتب كثيرة ألفها، من ذلك كتاب في تفسير مغازي الواقدي، وكتاب يسمى الألفاظ، وكتاب في اشتقاق الأسماء مما لم يأت به قطرب.

وكان شاعرا خطيبا بليغا، وكان من عقلاء العلماء، وقام بخطبة بين يدي زيادة الله بن محمد بن الأغلب، وهو أمير افريقية يومئذ، طويلة فصيحة ذهب فيها إلى تقريظه ووصلها بشعر فيه. وكتب إليه رجل كتابا وأطاله ولم يأت بطائل فكتب إليه خير من الاطالة السكوت وفي القصد إلى الحاجة قطع لمسافة الاطالة.

وكان نهما لا يقصد في مطاعمه فلا يمسك درهما ولا دينارا على كثرة ما يوصل

ويجبي، واستمر على حاله هذه حتى مات. قال الداروني: مشيت يوما مع أبي الوليد المهري إلى أن مررنا بالجزارين، فقام إليه رجل منهم فقال: يا أبا الوليد، أضررت بي لأن بضاعتي كلها عندك ولا بد من قبض مالي قبلك، فاعتذر إليه وسأل الصبر فأبى، فمرّ بنا رجل فقال: كم لك على الشيخ؟ فقال: عشرة دنانير، فقال: هي عليّ، مرّ حتى أدفعها إليك. فمضى معه، فظننت أنه من إخوان المهري وظن المهري أنه من أجلي فعل به ذلك، فلما صرنا إلى داره قال: الرجل الذي أدى عني الدنانير من هو؟ قلت: ما أعرفه، وما كنت أظن إلا أنك عارف به، قال: فسل عنه، فسألت فإذا هو رومي من أهل العطارين، وكان الناس من تعظيم العلم والأدب على خلاف ما هم عليه اليوم.

وقال حمدون النحوي الملقب بالنعجة: كنا عند المهري يوما فقال: اخرجوا بنا إلى ماجل مهرية نتفرج، وكانت داره بالقرب من سوق الأحد، فخرجنا فجلسنا حوله إلى أن مرّ بنا نحو عشرين بغلا أو أكثر، ومعها رجل راكب؛ فلما رأى المهريّ على إليه ونزل ثم قال: يقرأ مولاي عليك السلام، وقد وجه بهذه الدواب، وهي محملة طعاما وعسلا وخلا وزيتا، وبهذه العشرين دينارا، فقبضها منه تكرها ثم دمع وقال:

ذهب الناس، إنا لله وإنا إليه راجعون، أبو علي ابن حميد يوجّه إليّ بهذا؟! قال حمدون: فقلت له احمد الله واشكره فأن هذا كثير. قال: فنظر إليّ وهو مغضب ثم قال: هو كثير لك ولأمثالك، فأما لي فلا.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.