تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه إبراهيم

إبراهيم بن محمد بن حيدر بن عليِّ، أبو إسحاق الموذنيُّ الخوارزميُّ، المدرّس الحنفيُّ.

كان أعلم أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁ بالفقه في وقته، جليل القدر، كثير المحفوظ، متقنًا في علوم الإسلام والشريعة. وكان إمامًا في الفقه والفرائض وعلم التفسير والحديث والأصولين والكلام؛ وينضاف إلى ذلك معرفته بالنحو واللغة والأدب، مع أخذه بحاشيتي النظم والنثر. وكان له اعتناء بتصانيف أبي القاسم الزمخشري، كثير الميل غليها والتحفظ منها، وله ديوانا خطب وأشعار.

كانت ولادته في شهر ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وكان فقيهًا حنيفًا مدرسًا أديبًا بارعًا؛ له من التصانيف كتاب "ديوان الأنبياء" وكتاب "شرح كليلة ودمنة" بالفارسية، أ/ وكتاب "الوسائل إلى الرسائل" من نثره، وديوان

شعره بالعربية، وديوان شعره بالفارسية، وكتاب "الخطب في دعوات ختم القرآن"، سمّاها "يتيم اليتيم"، وكتاب "الطرفة في التحفة" بالفارسية رسائل، وكتاب "أسايش نامه" في المواعظ بالفارسية، وكتاب "تعريف شواهد التصريف"، وكتاب "أنموذار نامه" يشتمل على أبيات غريبة شرحها بالفارسية، وكتاب "كفتار نامه" منطق، وكتاب "مرتع الوسائل ومربع الرسائل".

أنشدني أبو حامد سليمان بن جبرائيل بن محمد الإربلي بها، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد يمدح النبي –ﷺ لنفسه:

سليل عبد مناف من أناف علىهامات كفر وسيف البغي مسلول
له خصائص من حكم تبرُّ علىخصائص الرُّسل لا يغتالها غول
وشبِّهت بالنُّجوم الزُّهر صحبتهفالرُّشد من كلِّهم للخلق مأمول
فمن لهاهم هجان الحقِّ في مرحومن نهاهم هجين الفسق مشكول
فعن مودَّة أهل البيت خالصةربع السَّعادة في الَّارين مأهول
ولِّيت أعمال خيرات أقوم بهابأنَّني عن قبيل الرَّفض معزول
/ ب/ أوضحت معتقدي في شأن حبِّهموالله في ذاك للتوفيق مسؤول
فمن يخالفني فالسيف مخترطومن يحالفني فالسَّيب مبذول

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يمدح الخطيب برهان الدين محمد بن محمود:

لبرهان دين المصطفى الدِّين أجمعوإنِّ بني الدُّنيا على ذاك أجمعوا
يقصِّر عن فضوى معاليه قيصرويتبعه في الأمر والنَّهي تبَّع
وبالشَّرق من ذكرى سجاياه محفلوبالغرب من عليا عطاياه مجمع
وللعلم في أحكامه الزُّهر معلموللشَّرع في أقلامه الغر مشرع
له قلم في سنِّه منعش الورىولكن إذا أستشرى العدا فيه مصرع
به يستقيم العلم إن سلَّه علىصحائف شرع الله والجهل يضلع
ففي مشقه رعد السماحة قاصفومن شقِّه برق الفصاحة يلمع
له قصدت مني إليه قصيدةغدّا الشِّيخ من أثنائهأ يتضوَّع
فلو قرعت سمع أبن أوس لما أرتضىأما أنَّه لولا الخليط المودِّع

وأنشدني، قال: أنشدني إبراهيم بن محمد يمدح شهاب الدين أبا سعيد عمران الخيوقي:

/ أ/ عذريي من ترجيل صدغ مسلسلرجال التُّقى تهفو لهذا التسلسل
عذيري من صدغ الغدار الَّذي التوًىفألوى بدين الزَّاهد المتبتِّل
يرى في مقامات المناجاة جازعًاطلوعًا ومن حسن العزاء بمعزل
بصوب دوموع دونه صوب مزنةوغلي فؤاد دونه غلي مرجل
فيا حبة القلبً أصبري صبر مبتلًىبغير هوًى فالحب للصَّب مبتلي
وما مغزل فرَّت لغدر وغادرتطلاها نحيفًا ي نحافة مغزل
وقد عولت بالكره عن سكناتهابهيرًا وتشكو صيد شاك وأعزل
وطارت شعاعًا نفسها إذ تناحتشعاع سيوف داسها يد صيقل
وأثَّر فيها ذعر جند مكبِّركما نال منها خوف جيش مهلِّل
شرايين جرحاهم مواًرد قثعمًواشلاء قتلاهم موائد جيأل
فمن سمرهم ناصت لطعن معجَّلومن بيضهم باضت لقتل مؤجَّل
بأكثر منِّي لوعة يوم آذتتبرحل جديليِّ شبيه بأجدل

ومن مديحها:

بمدح شهاب الدِّين أرجم خصمهكريم بني الدُّنيا المرجَّى لمعضل
خواطره مالت تحلُّ عويصةوآراؤه آلت إلى حلِّ مشكل
/ ب/ عديم نظير في المناظرة الَّتيلفرسان فقه صعبها لم يذلَّل
وإن أقفل الأشكال باب دقائقبفطنته ألغينا مفتاح مقفل
خبير بصير عند كل مباحثبإجمال تفصيل وتفصيل مجمل
حوى قصبات السَّبق بالعلم واحتوىعلى آخر بالمكرمات وأوَّل
أتتك ابن عمران قصيدتك الَّتيقصت بها أشعار قيس وجرول
فلو قرعت سمع أمرئ القيس لم يقلقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وكتب إلى بعض الأكابر:

يا بدر دين إله الخلق نفسي منحرمان خدمتكم ماتت فمرتعش
من رحمتي اغتدي حيران مرتعشًاكأنَّني زئبق في كفِّ مرتعش

إبراهيم بن عمر بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الحانيَّ العطّار، المعروف بابن رقيقة.

وهو من حيني مدينة من آخر ديار بكر من ثغر الروم.

كان هذا الرجل عطارًا، وله حانوت بمدينة حيني يتعيش في العطر. وكان صاحب ثراء. وكان عزبًا لم يتزوج قطّ.

شاعر متقّن، ومترسّل محسن، له أشعار مجموعة، ورسائل مدونة، وخطب مستجادة. حسن المعرفة بالأدب واللغة، أ/ له مدائح في الملوك [من] بني أيوب وغيرهم من الأمراء والأشراف.

وهو رجل صالح المروءة، عزيز النفس، سخيُّ الكفِّ، كثير التواضع، [حرّ الطبع، لا يرد سائلاً ولا يحرم وافداً يقصده، على سيرة لم يكن عليها أحد من أبناء زمانه الأسخياء من شرف النفس، وكمال المؤوءة، وسعة الصدر، والانقباض عن الأكابر والرؤساء؛ فإنه كان يرى في نفسه أنه أجل منهم قدراً، وأجل رتبة وفضلاً، ولم يعش ...... الذين كانوا يخالطونه؛ لأن نفسه كانت تترفع عن أن يمدح للاستجداء

والاسترفاد على عادة الشعراء الذين همّهم الدنيا وحطامها.

ومدح الملك الأشرف؛ فلما أنشدت القصيدة بين يديه استحسنها وسيَّر له خلعة سنية، ودنانير لها قيمة؛ فلما وصلت إليه لم يتناولها وردّها عليه، وأنفذ معها طبقًا مملواً من السكر واللوز وما يصلح أن يهدي إلى الملوك ....] ترفعه نفسه أن يسترفد بالشعر، لا يقبل عليه ثوابًا، ولم يكن من طلاّب الرفد، يرى ذلك من العار والنقص. [وكان مع ذلك قد قرأ أدبًا ونحواً ولغة فيما قرأ، وقال شعراً نادراً، ودونه وكتبه بخطه، يدخل في مجلد، وأنشأ رسائل وجمعها في مجلد. ورأيت كلا الديوانين بالموصل، وهما بخط يده. ونقلت من ديوان أشعاره جملة كافية يعربان عن بلاغة وبيان ......].

وكان الناس يقبلون عليه، ويميلون إليه لما كان عليه من السماحة والفضل. ولم يزل بحسن حال ونعمة حتى نفد ما كان بيده ............. فتوجه نحو ميافارقين، فأقام بها إلى أن مات سنة تسع وثلاثين وستمائه –رحمه الله تعالى-.

أنشدني أبو علي الحسن بن حمزة بن حمدون الموصلي، قال: أنشدني إبراهيم ابن عمر لنفسه:

ومعتدل عن منهج العدل عادلمن التُّرك مغرى بالتَّجنُّب والتَّرك
تلوح أياة الشمس في صحن خدِّهوتظهر في أجفانه آية الفتك
إذا رمت صون الحبِّ صال بهجرهعلي فكان الصول داعية الهتك
يصدُّ فيشكيني دلالا وكلَّماشكوت إليه فرط حبيه لا يشكي
جفاني فما دمعي بكيُّ ولا الكرىيلمُّ بعيني فهي ساهرة تبكي
فكم منية لي منه عادت منيَّةووعد بوصل شيب بالمين والإفك
ولمَّا حوى رقِّي هواه ابحتهدمي فنحاه بالإراقة والسَّفك
وما خلت مذ ألقيت في هوَّة الهوىبأنَّ الهوى يفضي بقلبي إلى الهلك
بروحي كثير الغدر والظَّلم متبعقليل الوفا مرُّ القطيعة والمحك
/ ب/ بخيل بريق الثَّغر لم ينور رقَّةلنا حل جسم مشبته دقَّة السِّلك
أأرجو فكاكا من هواه وإنَّنيأسير له في ربقة الرِّقِّ والملك
أحلَّ بقلبي لوعة سحر طرفهفواحربا من سحر ناظره التُّركي
إذا ما أنثنى كالغصن عوَّذت قدَّهبحاميم والأحزاب والنَّجم والملك
دعا حسنه أهل الضَّلال إلى الهدىفأنقذ أهل الِّرك من شرك الشِّلاك

وله من قصيدة وأشندنيها الشيخ الأجل تاج الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن عمر القرشي العثماني الفارقي المقرئ الفقيه –أسعده الله تعالى- بمحروسة حلب عن قائلها:

ما لاح بارق متألِّقاإلاَّ تذَّكرت الحمى والأبرقا
وسفحت سحب مدامعي أسفًا علىشمل لنا السَّفح عاد مفرَّقا
يا ساكني أرض الحجاز حجرتمطيب الكرى عنِّي قبتُّ مؤرَّقا
وهواكم ما غار مدمع مقلتيمذغار حادي عيسكم يوم النَّقا
طلعت طلائع بينكم بطويلعوجزعت إذ بالجزع عزَّ الملتقى
تعس الفراق فكم أراق لنا دمًافرقًا وكم من ناظر قد أرَّقا
/ أ/ كم خان مغتربًا وشيَّب مفرقًاللعاشقين ولم فريًق فرَّقا
ولقد سألت فما حنا بالمنحنىحادي الرَّكائب حين ساًق الأينقا
الوى فليت لوى على ذى لوعةمتشوِّ أودت به أيدي الشَّقا
عجبي لصبٍّ أوثقته صبابةيوم التَّفرُّق كيف يطمع في البقا
أم كيف يفرح في اللِّقاء متيَّمكلف الفراق به فغادره لقى
أبداً لذكر الهجر يخفق قلبهولطالما رام الوصال فأخفقا
أمسى لنوم جفونه ودموعهبعد الأحبَّة مطلقًا ومطلِّقا

وقال من أخرى:

له على كلفي في الحبِّ أعوانعيم وقدُّ كخوط البان فتَّان
ومبسم ريقه السنُّوت خامرهخمر وطرف كحيل الجفن وسنان
يا للخلائق من يعدو على رشإإخلافه موعدي ظلم وعدوان
محرَّم وصله تيهًا على دنفنصيبه منه إخفاق وحرمان
يردي المتيَّم منه حين يعوزهعذر له في الهوى صدُّ وهجران
كم رمت صبراً فلم أملكه قد فتنتعقلي من الرِّيم أحداق وأجفأن
فتور الحاظه المرضى أحلَّ دميوحلَّ في القلب من جفنيه أحزان
/ ب/ إنِّي لأرتاح في تقبيل عارضهإذا بدا فوق صحن الخدِّ ريحان
لو كنت ذا نهية تنهي إلى ورعيوراع روع لبارى الخلق عصيان
لما نظمت سوى شعر أظلُّ بهمقرِّطًا ملكًا مدحيه إيمان
أندى ملوك الورى كفّا وأسمحهمسمحًا وأعرفهم بالعرف مذ كانوا

وله من أخرى:

لو كان حسن الصَّبر من أعوانيما زادني قلقًا جنون جناني
هيهات لم يطق التَّصبُّر عاشقصالت عليه صوارم الأجفان
من كلِّ بيضاء الجبين يزينهأقدُّ يقيم قيامة الإنسان
حوراء حرت بحسنها وصدودهامن فتكها في القلب حدُّ سنان
وإذا تبدَّى وجهها بانت لناشمس النَّهار على غصون البان
أشبيهة المرَّان لين معاطفعطفًا فهجرك والجفا مرَّان
أسرفت في ظلم المحبِّ فأحسنيودوام هذا الحسن بالإحسان
ولئن عنوت إلى سواك فلا شفيممَّا يعاني فيك قلبي العاني

وقال:

ومدلَّل أضحت دلائل حسنهكالشمس واضحةً لعين النَّاظر
/ أ/ يسبي القلوب بناظر أجفانهمكحولة سحراً ووجه ناضر
ينهى وينهر سائليه تجبُّراًومن البلاء سؤال ناهً ناهر
لم يرع عهد متيَّم في حبِّهذي مدمع كالعهد هام هامر

وقال أيضًا وأوائلها أحرف يوسف:

يا من تفرَّد بالجمال فمالهفي العالمين مشاكل ومماثل
وأطال مدَّة شقوتي بدلالةفله عليَّ شواهد ودلائل
سهري بصدق مودَّتي لك شاهدولطول حزن في هواك مخايل
فتنت شمائلك الورى فاستعبدتمنها النُّفوس بأسرهن شمائل

وقال أيضا:

رام التَّكبر في الهوى فتركتهوسئمته وملكته وهجرته
وجحدته حتَّى كأنِّي لم أكنيومًا من الأيَّام قطُّ عرفته
لمَّا أصرَّ على قبيح فعالهوأذاع سرّاً صنته وكتمته
ناديت حسن الصَّبر عن فراغ لهفأجاب حين أجبته فمللته
والله لو أودى الهوى بحشاشتيوعدمت فيه تجلُّدي وفقدته
/ ب/ ما بعت عزِّي بالهوان له ولاهوَّنت صعب الضَّيم فيه ورمته

وقال أيضًا:

دعتني إلى التَّرحال عنكم ضرورةوفارقتكم رغمًا بقلب مفجَّع
ولو سمحت عيني بدمع تفيضهلأرويت تلك التُّرب من فيض أدمعي

وقال:

إذا صاحب أودعته السرَّ في الرِّضاولم يفضه للنَّاس في حالة السُّخط
فذاك الَّذي لا ينبغي لك أن ترىله هاجراً في حالة القرب والشَّحط

وقال:

يا أكرم النَّاس إنسانًا وخير فتًىأضحى لعين العلا والمجد إنسانا
أهديت لي الرُّشد مذ أهديت لي كرمًاصحيفة صمِّنت حسنًا وإحسانا

وقال:

يقولون لم لا تشرب الرَّاح إنَّهاتريح من الحزن المبرِّح والهمِّ
فقلت: ذروا هجر الكلام فإنَّنيتجنًّبت شرب الإثم خوفًا من الإثم

وله فيما يكتب على قوس:

عنت لي رماح الخطِّ في كلِّ مأقطوفاز بيمن النَّصر والسَّعد حاملي
/ أ/ فلم يخط سهمي حين يرميه باسلًمقاتل قيل في الحروب مقاتل

وله في ماردين:

يا ماردين بقيت مونقةً الربىوسقى ربوعك صيِّب الأنواء
كم فيك من ساجي اللًّواحظ قدُّهيحكي اعتدال الصَّعدة السَّمراء

وقال:

يا قلب قد أضناك فرط الجوىإنَّ الجوى يمرض أهل الهوى
هذا ومن تعشقه حاضرفكيف إن أقصاه أيدي النَّوى

وقال:

يا ظالمًا في ظلمهسخطك داني ورضاك الدَّوا
لامت أو تعشق حتَّى أرىجسمك في السُّقم وجسمي سوا

وقال أيضًا:

إلى م أرضِّية وشيمته السخطوأصغي له ودِّي فيجفو ويشتطُّ
وحتَّى م يسطو تائهًا بدلالهعليَّ ويذكي لوعتي كلَّما يسطو
غريب المعأني فلًّ غرز تصبُّريكثير التَّجنِّي دأبه الجور والسُّخط
يزيد جوًى مسكينه كلَّما بدالناظره من درِّ مبسمه سمط
/ ب/ هو البدر في مرط الملاحة طالعفواها له بدراً مطالعه المرط
يبلبل بالي كلَّما ماس معجبًامحيَّاه والصُّدع المبلبل والقرط
يضمنُّ ولم يسمح بظلم كأنَّهلراشفه في لذة الطَّعن إسفنط
أرقُّ له بالرِّقِّ طوعًا فليتهيرقُّ لصبٍّ لم يرم سلوةً قطُّ
أكلُّ مليح قد حوى الحسن هكذايجور فلا عدل لديه ولا قسط
حرمت المنى من عطفه وحنوِّهفوا حربا إذ ليس لي فيهما قسط
ترى حسنه أعطاه بألظلم قطَّهفأصبح فعًّالا لما ضمن القطُّ
وحسبك منه كلما جار واعتدىيحبُّ ولم يبخس له من هوى قطُّ
إذأ هزَّ خطِّي القوام تثنِّيًافلا عجب والله أن ينجح الخطَّ

وله فيما يكتب على سرج:

علوت مطا الجرد العتاق فلم يكنلأربابها عنِّي غنًي آخر الدَّهر
إذا ما علاني بهمة وأقلَّنيجواداً فإنِّي حزت فخراً على فخر

وله يمدح:

أريحيٌّ من أل أيُّوب بغضيكرمًا عن ذوي الذَّنوب العظام
أذعن النَّصر والفلاح بفتحتيلمليك طلق المحيَّا همام

/ أ/ وقال يمدح: من

أيُّها الماجد الجواد صلاح الدِّين نجل الأكابر الكرماء

إن طرا المنع عن لقاك فإنِّيكلَّ يوم مجدَّد الإطراء
أوعدتني على خلائقك الغرِّعوادي دهر كثير العداء

قثنائي على خلائقك الغرِّ خليق بصدق دعوى الصَّفاء

ويد العوق إن لوت وجه غشياني فلم تلو عنك وجه ولائي

وله:

أقاموه ليرقص في نديٍّفصار لحبِّه في القلب وقص
غزال كلَّمة يزداد حسنابدا في صبر من يهواه نقص

إبراهيم بن نصر بن عسكر بن نصر بن عسكر بن نصر بن عسكر، أبو إسحاق الخطيب، قاضي السلاَّمية.

وهي قرية مشهورة من قرى الموصل شرقيها وهي عنها بخمسة فراسخ. وكان أبو إسحاق يتولّى بها.

/ ب/ ولد بالسندية، وتفقه ببغداد وسمع بها الحديث من الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة. وأصعد إلى الموصل وسمع بها القاضي تاج الإسلام أبا عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الخميسي الموصلي وغيره.

وكان خراً دينًا فقيهًا شافعي المذهب. تولّى قضاء السَّلاَّمية وخطابتها. وتوفي يوم الخميس ثالث ربيع الآخر سنة عشر وستمائة.

أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي –﵀ قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه:

يا طيف من أهوى على نأيهكيف تهدَّيت إلى مضجعي
ظللت لا تبعث طيف اللِّوىإلاَّ لخدع المقل الهجَّع
ولست بالنَّائم لكنَّنيغرقت في الفكر فلا تخدع
يا حسن التَّمويه في ناظريويا شهيَّ الزُّور في مسمعي
بيِّن لمولاك إذا جئتهلعلَّه يرتاح للموجع
ما لاح ملثومك من زفرتيوبلَّ مصمومك من أدمعي

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

/ أ/ إذا أنأ أحببت الَّذي هو مبغضيوصافيته إنِّي إذاً للئيم
وإن أنأ لم أعرض كما هو معرضفما أنا إن عدَّ الكرام كريم
إذا خان من أهوى فكيف أفي لهوإن حال عن عهدي فكيف أقيم
وأكبر نفسي أن تذلِّ على الهوىوتغدو على ما لا تنال تحوم

وأنشدني، قال: أنشدني القاضي لنفسه: [في السريع]

لا تنسبوني يا ثقاتي إلىغدر فليس الغدر من شيمتي
أقسمت بالذَّاهب من عيشناوبالمسرَّات الَّتي ولَّت
أنِّي على عهدكم لم أحلوعقدة الميثاق ما حلَّت

وأنشدني يوسف بن صنو بن علىّ الإربليُّ، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه في ذمّ الصوفيه:

ألا قل لمكيِّ مقال النَّصوحوحقُّ النَّصيحة أن تستمع
متى سمع النَّاس في دينهمبأنَّ الغنا سنَّة تتَّبع
وأن يأكل المرء أكل البعيرويرقص في الجمع حتَّى يقع
فلو كان طاوي الحشا جائعًالما دار من طرب واستمع
/ ب/ وقالوا: سكرنا بحبِّ الإلهوما أسكر القومً إلإَّ القصع
كذاك الحمير إذا أخبتينقِّزها ريُّها والشِّبع

وقال أيضًا فيهم:

شرُّ الورى يا أخي وأحمقهمتراه إن كنت عاقلاً فطنا
من يدَّعي الزُّهد والصَّلاح وقدخالف في أمر دينه السُّننا
كلُّ عتلٍّ كأنَّه وعلقد عظمت بطنه وقد سمنا
خال من العلم شيخ طائفةقد صيَّروه من جهلهم وثنا
دينهم الرَّقص والغناء لقدطغوا بهذا وفارقوا
ما جعل الله ديننا لعبًاأكلاً ورقصًا وصيحة وغنا

وقال أيضًا:

أقول له صلني فيصرف وجههكأنِّي أدعوه لفعل محرَّم
فإن كان خوف الإثم يكره وصلتيفمن أعظم الآثام قتلًه مسلم

وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي –﵀ قال: أنشدني الخطيب أبو إسحاق إبراهيم في غلام عليه قباء أحمد:

/ أ/ يخطر في يلمق كوجنتهأحمر قان من خالص السَّرق
كأنَّه في أحمراره قمرقرفل في حلَّة من الشَّفق

قال القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر العراقي –قاضي السلامية من أرض الموصل- في قتل الحسين بن علي- ﵁:

يا يوم عاشوراء أذكرتنيمصارع الأشراف من هاشم
أبكي ولا لوم على من بكىوإنَّما اللَّوم على اللاَّئم
ما من بكى فيك أشدَّ البكاوناح بالعاصى ولا الآثم
رزية ما قام في مثلهانائحة تندب في مأتم
آل رسول الله خير الورىوصفوة الله على العالم
مثل مصابيح الدُّجى عفِّرتوجوههم في الرَّهج القاتم
رؤوسهم تحمل فوق القنامظلومة شلَّت يد الظَّالم
ساروا بها يا قبحها فعلةمثل مسير الظَّافر الغانم
كأنَّما الزَّهراء ليست لهمأمّا ولا الجدُّ أبو القاسم
قل لابن مرجانة لابدَّ أنتعضَّ كفَّ الحاسر النَّادم
/ ب/ محمَّد خير بني آدمخصمك يا شرَّ بني آدم
يطلب منك الثَّأر في موقفما فيه للظالم من عاصم
وفيه يقتضُّ من المعتديبالنَّار لا بالسَّيف والصَّارم

وقوله في كبر السن:

أيُّ عيش يطيب والعمر قد أربىعلى خمسة وسبعين عاما
كيف يلتذُّ في الحياة بعيشيتمنَّى لاقيه فيه الحماما
إنَّما العيش بالشَّباب لو اشتدَّ علىطيبه الزَّمان دواما

نوَّرت فودي السٌّنون فيا ليت ضياء منحن كان ظلاما

ما أرى صحَّتي على كبر السِّنِّأفادت إلاَّ ضنىً وسقاما

فكثيراً أقول: آه إذا رمت نهوضًا لحاجة أو قياما

وإذا ما مشيت [كنت] كأنِّيبتُّ أحسو مع الغواة المداما
صحبتني أولاد حام زمانًاأحصنوا صحبتي وماتوا كراما

ليتهم عمِّروا وكانوا على الدَّهر لأولاد عمِّهم خدَّاما

أكرم الشَّيب إنَّما تصحب الشَّيب إذا ما رأيته آثاما

/ أ/ ثمَّ من بعده تصير إلى القبر فياليته أطال المقاما

وقال أيضًا: من السريع]

من يتمنَّ العمر فليتَّخذصبراً على فقد أحبَّائه

وله:

إذا ما جاوز السَّبعين عمريبخمس ثمَّ أردفها بخمس
يئست من البقاء وكيف أبقىوقد نعيت إلى بذاك نفسي
وقد أيقنت أنِّي عن قريببلا شكًّ أكون رهين رمس
وكيف يلذُّ طعم العيش شيختصبِّحه المنيَّة أو تمسِّي
فيا ربَّاه جد بالعفو عنِّيفقد فرَّطت في يومي وأمسي

إبراهيم بن أبي الكرم بن المفرج القاضي، أبو إسحاق القبطي

أصله من القبط ومولده ومنشأه مصر.

اشتغل بالفقه والحديث، وقرأ شيئًا من العربية. وكان شاعراً مترسًلا ذا بلاغة ب/ وفهم. وكان من الأسخياء، واسع المروءة، يجود بما تملك يداه. وتقدّم عندً الملوك، وحظي لديهم، وتولّى القضاء بمدينة موش وأعمالها بصعيد مصر الأدنى إلى أن توفي في شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

أنشدني القاضي أبو الماثر عبد الصمد بن أحمد بن عبد الله المصري الأنصاري، قال: أنشدني القاضي أبو إسحاق لنفسه:

لئن كنت عن طرفي بشخصك غائبًافمعناك في قلبي معي لا يفارق
وشوقي لجهدي زائد وتصبِّريفقيد وإنِّي في الَّذي قلت صادق

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني القاضي قوله:

يا عتاتبي ولو انتخيت لعتبهكان الأحقَّ بأن يعاتب دائما
والشَّخص ينسى ذنبه متعاميًاويرى على عتب الصَّديق ملازما

إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن غازي بن عبد الله الحرّانيُّ، المعروف بابن النقيب.

/ أ/ كان من أهل الأدب والفضل، دمث المعاشرة، حسن المحاضرة. وكان كحَّالا بالمارستان الذي أنشأه مظفر الدين كوكبوري بن علي بكتكين –﵁ ويجتمع عنده الشعراء وأهل الفضل؛ وله طبع في النظم. وكان يحاضر بالحكايات والأشعار. وكان سريع المجون، خفيف الروح. توفي بحرّان سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي، قال: أنشدني ابن

النقيب لنفسه:

أشتاقكم فإذا أتى من نحوكمآت طفقت إليه أسأل عنكم
فتسرني أخباركم ويسوءنيإذ لم يكن معه كتاب منكم

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني إبراهيم لنفسه:

تعلِّلني الأمأني في هواكمبلقياكم فأطرب للتلاقي
وأعلم أنها خدع ولكنتحقَّق بعض ما أنا منه لاقي
أمرَّر إذ تمرُّ نوىً بفكريوأفرق حين أخبر بالفراق

وقوله:

/ ب/ لعمرك ما جفوتك عن ملالولا أعرضت إلاَّ خوف مقتي
لأنَّ طبائع الإنسان ليستًعلى وفق الإرادة كلَّ وقت

ومن شعره أيضًا قوله:

ورخيم الدَّلِّ معتدل القامة كالغصن حنَّ قلبي إليه

اشتهي أن يكون عندي وفي بيتي وبعضي فيه وكلِّي عليه

إبراهيم بن عليِّ بن محمد بن أبي الحسن بن زيد، أبو إسحاق بن أبي الحسن البغداديُّ

كانت ولادته بالسِّندية ثامن شعبان سنة ثمان وخمسمائة. وكان والده خطيبها.

وكان أبو إسحاق رجلاً صالحًا دينًا متعبداً من أهل العلم والفضل وحملة القرآن وقرائه. صاحب نظم ونثر، وسمع الحديث، وقرأ على القاضي أبي زكريا يحي بن القاسم التكريتي كتاب "الناسخ والمنسوخ" لأبي القاسم هبة الله بن سلامة المفسّر، وكتاب "إفحام اليهود".

ووعظ تكريت أ/ وحضر دروس قاضيها، وتكلّم عنده مراراً؛ وله أشعار حسنة.

أنشدني أبو الفضل العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه من كلمة قالها:

وقل لبني الإسلام والسنَّة الَّتييضيء بأدنى نورها كلُّ فاحم
ودواي لكم محض ومدحي لفضلكموداد حميم خالص الودِّ سالم

إبراهيم بن الحسن بن عليِّ بن محمد بن موسى بن عسكر بن عثمان الحنشند، المعلِّم الشيبانيُّ.

أخبرني أنه ولد بباورد من بلد الزعفران من بطن الجزيرة العمرية، ثم انتقل إلى الموصل، وفتح له مكتبًا يعلِّم الصبيان. مولده سنة ستين وخمسمائة.

من شعره:

ما بات يلحاني عبيد السَّيِّدإلاَّ معاندة لال محمَّد
ما قال: إنَّك رافضيٌّ ملحدإلاَّ بلهجة ناصبيًّ ملحد
يا للعجائب والعجائب جمَّةمثلي يضلُّ ومصله من يهتدي؟

/ ب/ وأنشدني الخنشند لنفسه باربل يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀:

وقالوا: امتدح من ولد موهوب ماجداًتحيَّر في أوصافه كلُّ من يقرأ
أبا البركات الأريحيَّ ومن لهيدلم تخلِّي في خزائنه تبرا
فقلت وقد حيِّرت في كنه وصفهبأنِّي لسان أمدح البدر والجرا

إبراهيم بن سليمان بن عبد الله، أبو إسحاق التيميُّ الخطيب الصرخديُّ.

كان يتولّى خطابه صرخة، وأنشأ حطبًا. وكان يترسل ترسلاً جيداً. وقرأ على أبي اليمن الكندي، ويقول شعراً يسلك فيه مسلك العرب من فخامة الألفاظ.

مدح الملك العادل وأولاده وأبناء صلاح الدين وجماعة من بني أيوب. وكان شاعراً فصيحًا في الإنشاد. وكان ذا فطرة صحيحة، وطبع سليم من اللحن.

أنشدني الشيخ العالم تاج الدين أبو الثناء محمود بن عابد بن الحسين التميمي الصرخدي أ/ بدمشق بالمدرسة المنسوبة إلى الملك العادل محمود بن زنكي –﵀ في شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني خالي جمال الدين إبراهيم لنفسه –وذكر أنه توفي بصرخد سنة سبع عشرة وستمائة، وبلغ أربعًا وخمسين سنة-:

غدت والهوى نحو الحجاز يسوقهاونشر الخزامي والعرار يشوقها
يسهل منها ذروة الحزن وخدهاويطوى بأنفاس الغرام سحيقها
كأنَّ الثريا تنثني في حزامهاإذا ما الصُّبا بالمسك وافى فتيقها
يشقُّ ذميلاً شقَّه اللُّيل شوقهاويعنقها حوذانها وشقيقها
ويجذبها حرُّ الجوى نحو سلعهاويشكو هواها بأنها وعقيقها
أعاذلتي كفِّي فيهاتيك دارهاتلوح وما ذاك الفريق فريقها
معاهد في قلبي لهن معاهدوإن أخلفت من ساكنيها بروقها
لهم منزل يرعاه أسود ناظريسبوح بمرجان الدُّموع غريقها
يطلُّ دفين الصَّدر شلاُّ لعيسموأين استقلَّت فالفؤاد رفيقها
محجَّبة نجديَّة غضوبةبروك إذا قام المطيُّ فنيقها
ترى الشَّمس منها تحت ناصية الدُّجىومأ حان من شمس النَّهار شروقها

/ ب/ وله:

متهلِّل يصل النَّوال ببشرهفيظلُّ يهذي منه وجه الطَّارق
كالرَّوض لم يبز ضاحكًاحتَّى تبسَّم فيه ثغر البارق

إبراهيم بن نصر بن ظافر بن هلال، أبو إسحاق بن أبي الفتح الحمويُّ.

نزيل الديار المصرية.

له:

إذا زرعت جميلاً فاسقه غدقًامن المكارم كي ...... لك الشَّجر
ولا تشبه بمنًّ فالَّذي نقلوامن عادة المنِّ أن يؤذى به الثَّمر

وكتب إلى بعض الأصحاب من الصعيد لطول مقامه بها:

[من جزوء الكامل]

من يدَّعي فيَّ الحياة يمين فيما يدَّعيه

أنا ميِّت ودليلهأن الصَّعيد دفنت فيه

وله:

يا مفتي العصر أماتفتون في قضيَّتي
قتلت عمداً خطأوقد وزنت ديتي

وله:

/ أ/ يا زماني كلَّما حاولت أمراً تتمنع

إن تعصَّبت فإنِّيباصطباري أتقنَّع

وله: من مخلّع البسيط]

لو أنَّ كتبي بقدر شوقيإليك لم تنقطع ورودا
وكان سلطان وجد قلبيينشر في خفقها بنودا

وله:

بخدمتكم لم أنل طائلاًوميزان نقصي بكم راجح
وللطَّرف من أدمعي نثرهوللقلب من سعدكم ذابح

وله:

ما يستر المملوك في بعثهنزر حقير القدر إلاَّ الرِّضا
وليس في الوقت ولكنُّنهمن فاته الفرض يؤدِّي قضا

وله:

لمَّا علمت بأنَّ ماأهديه نزر القدر تافه
أنفذته وهربت ماهذي عديَّة من يواجه

وله ب/ من قصيدة مرثية في علم الدين ابن الصاحب بن شكر:

قلت وقد زرت قبر يحيىذخري ومن كان لي ملاذا
والعين كالعين ذات سحًّياليتني متّ قبل هذا!

وله:

لا تغترر بالذين ........... من قربهم ما لجلدهم دابغ

أقمت فيهم أرجو نوالهمخمسين عامًا وما أنا بالغ

[توفي برهان الدين المذكور في ثاني جمادى الأولى سنة ثمان ...... وستمائة –بمصر، ودفن من الغد، ومولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وخمسمائة].

إبراهيم بن يعقوب، أبو إسحاق الكانمي.

الأديب النحويُّ الشاعر الأسود.

وكانم اسم بلد بلد بنواحي غانة وهي دار ملك السودان الذين بجنوب المغرب.

أخبرني شيخ الشيوخ [عبد الله بن عمر الجويني الدمشقي بها –رحمة الله تعالى-] قال: رأيته وقد قدم إلى مراكش في أيام السيد أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن. ومدح كبراء الدولة، واختلط بساداتهم، وارتزق وانتفع بجاهاتهم.

وكانت العجمة في لسانه لكنه يعرب عن شعر فصيح، ولفظ أ/ صحيح، ووزن مستقيم، ومعنى قويم. وكان يحفظ الجمل في النحو، وكثيراً من أشعار العرب.

قال: وذكر لي أنه اشتغل في بلد غانة، وتخرج بها مع أنَّها بلد كفر وجهل، وقد تردد إلىّ كثيراً، وذاكرني وجالسني؛ إلاَّ أني لم أجد في تعاليقي حين ألفت هذا المجموع سوى هذا القدر الذي علقته. فمنه قوله يمدح أبا إسحاق إبراهيم بن يعقوب. وكان قد انقطع إليه، ولازمه وحسده قوم من أصحابه على ذلك:

ما بعد باب أبي إسحاق منزلةيسمو إليها فتى مثلي ولا شرف
أبعد ما بركت عيسي بساحتهوصرت من بحره اللجِّيِّ أغترف
همُّوا بصرفي وقد أصبحت معرفةفكيف ذلك وأسمي ليس ينصرف

يعني إبراهيم.

وقوله يخاطبه على عادتهم في المخاطبة بلفظ الجمع، ويذكر السواد، وأنشده لنفسه:

سمعت بأن تهدي الطَّرائف نحوكمفسقت وليداً شاعراً وهو أعجم
وإنَّ الجياد الشُّقر أسبق خيلكمفهاك طمَّرا سابقًا وهو أدهم
/ ب/ وله يتغزلزوجته التي زوجها به بعض السادة:
غيرى عليكن يا زهراء يصطبرلأنَّ صبري على ذاك الهوى صبر
لوني بلونك من دان إذا أجتمعناكما يزين سواد المقلة الحور
وإن شككت فقيسي قيس تجربةففي أختبارك ما ينسى به الخبر
ولا يسؤك من الأغماد حالكهاًإذ كان كامنها الصَّمصامة الذَّكر

وقال: وأنشدني له محمد بن محمد بن خميس: [من البيسط]

وقائل لم لا تهجو، فقلت لهلأنَّني لا أرى من خاف من هاجي
فليس ذم كرام النَّاس من شيميوليس ذمُّ لئام النَّاس منهاجي

قال: وأنشدني مذاكرة لما دخلت إلى السيد يعقوب بن إبراهيم بن يعقوب، أنشدت:

أزال حجابه عنِّي وعينيتراه من المهابة في حجاب
وقرَّبني تفضله ولكنبعدت مهابة عند أقترابي
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «أعندك أن وجدي واكتئابي»

وأنشدني شيخ الشيوخ، قال: أنشدني أ/ الكانمي لنفسه –من أبيات- في السواد:

بكلِّ لون ينال المرء سؤددهمهما تجرَّد من أخلاقه السُّود

إبراهيم بن سليمان بن حمزة، أبو إسحاق القرشيُّ الدمشقيُّ الكاتب.

شاعر مجيد حسن الخط والكتابة من أرباب الفضل والتّميز.

أنشدني أبو الفضل [العباس بن بزوان بن طرخان] الموصليّ، قال: أنشدني إبراهيم بن سليمان لنفسه يمدح الملك الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي –رحمه الله تعالى-:

رام العواذل إصلاحي وما شعرواأنَّ الهوى جمرة بالعذل تستعر
باتت تنمِّق لي من زورها عذلاًكأنَّه في حواشي مسمعي إبر
وتستقل الَّذي ألقى وقد علمتأنَّ الغرام الَّذي استعذبته صبر
يا راقي الدَّمع إنَّ العين في فرقيا راقد اللَّيل قد أدوي بي السَّهر
من مسعدي من عذيري من هوى رشًأخاطرت بالنَّفس فيه والهوى خطر
ما كنت أحسب أنًّ الحبَّ يملكنيوأن ليث الشَّرى يصطاده النَّظر
/ ب/ إن أومض البرق من شرقيِّ كاظمةباتت مدامع من عينيك تبتدر
يجدُّ لي خطرات الشَّوق ذكركمالله ما تصنع الأشواق والذِّكر
إذا اللَّيالي بما نهواه كافلةوالعيش رطب وإذ غصن الصِّبا نضر
لياليًا كنَّ عمر الدَّهر فانقرضتعنَّا وللهَّو في أبنائه عمر

ويوم لهم ظللنا ساجدين له ........... الكأس لمَّا أذَّن الوتر

ويوم وجد وصلناه بليلتهيكاد يقبس منه الجمر والشَّرر
حتَّ بدت غرَّة الإصباح تلمع فيمهلهل النَّسج في أذياله قصر
كأنَّها يد موسى أو تبسُّمهأو ضوء غرُّته والنَّقع يعتكر

شاه أرمن بن أبي بكر أعم ملوك الأرض جوداً إذا لم يورق الشَّجر

قالت سليمى وقد جدَّ الرُّحيل بناعنهأ فدمعتها في الخدِّ تنحدر
حتَّى م ترحل أنضاء المطيِّ ولاي، فكُّ غرمك مقرونا به سفر
يا هذه إنَّني آو إلى ملكتشاركت في نداه البدو والحضر
ليست لغير النَّدى والباس همَّتهلله والمجد ما يأتي وما يذر
ترى الوفود إلى أبوابه زمراًأمامها زمر وخلفها زمر
حتَّى إذا وردوا ساحاته نزلوابماجد يهب الدُّنيا ويعتذر
/ أ/ أفعاله غرر في المجد واضحةبيض وأيَّامه في دهره غرر
ماضي الشَّباه له يومان يوم ندًىويوم بأس كلا يوميه مشتهر
لو أنَّه رام فوق الشمس منزلهما عاق عمَّته عجز ولا خور
لو طاولته يد الأيَّام طاولهاعبل الذِّراعين ما في باعه قصر
بذَّ الملوك ومأ يألون في طلبففي أعنَّتها عن قصده زور
تكبو السَّوابق في آثار عزمتهوالجدُّ منها وفيها القيق والضمر
جمُّ النَّوال يعمُّ النَّاس نائلهكفَّاءه تفعل ما لا يفعل المطر

أعطى فلم تخل كف من مواهبه كالبحر يلفظ في اعباره الدُّرر

تبيت أعداؤه منه على حذرهيهات ينفع منه الخوف والحذر
في كلِّ ثغر نذوب من وقائعهحتَّى اللَّيالي بها من مسِّها أثر
يغدو أمام الخميس المجر يقدمهكأنَّه فيه ليث الغابة الهصر
مسدَّد الحزم ماضي العزم يصحبهأنَّي سرى أو أقام النَّصر والظَّفر
يا ربَّ حومة حرب قد نقعت بهاصدى السُّيوف ونار الحرب تستعر
مهما الصَّوافن حيرى والكمأة لقًىوالمضرفيَّة كلمى والقنا كسر
والنَّقع أسفع والأبطال عابسةوالبيض
/ ب/ وكنت أشجع من يلفى وأكرم منيسمى وأفضل من ينمى ويفتخر
يجلو الخطوب إذا أسودَّت غياهبهاكما يجلي مراد الظُّلمة القمر
يروق رائيه منه منظر حسنيلقاه أحسن منه حين يختبر
باتت تمثِّل لي فيك المنى أملاًفسرت نحوك لم ينفذ بي الطير
يا دهر ويحك نكِّب عن محاربتيإنِّي بني أيُّوب منتصر
الأشرف القمر الملك الَّذي حسدتمقامه في السَّماء الأنجم الزُّهر
وزاد فضلاً بني أيُّوب أن كرموافي النَّاس أصلاً وطاب الظِّلُّ والثَّمر
عجبت من ظمأ إن جرت بي همميعلى موارد ماء صفوها كدر
سارت إليك وآمالي أزمَّتهايقتادها الجود لا الأرسان والعذر
يحملن كلَّ بديه النَّسج مطَّرديهدي إليك ثناء نشره عطر
كأنَّه روضة جاد الوليُّ بهاًحتَّى تأرَّج من أكمامها الزَّهر
لا يضحك الدَّهر يومًا عن بنيه رضًاإلاَّ إذا ابتسمت عن مجدك اليِّسر
دأمت بغرَّتك الأيَّام مشرقةإنَّ الزَّمان إليك اليوم مفتقر
تطول السننا حتَّ إذا قصرتإلى مداك ثناها العيُّ والحصر
مأكلُّ ذي خطر يسمو إلى مدحيوهنَّ دونك يا من دونه الخطر
/ أ/ ألبست كلَّ وليًّ نعمةً غبطتوإنَّني بالولاء اليوم مشتهر
يا خير من صدرت عنه الوفود ومنيثني الورود على جدواه والصَّدر
لا أسأل الله شيئًا غير مغفرةوأن يجيرك من مكروهه القدر

إبراهيم بن دنينير الموصليُّ.

أنشدني القاضي السعيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم الخشاب –أيده الله تعالى- قال: كتب إلى ابن دنينير هذه الأبيات لنفسه:

أبا محمَّد المرجوَّ نائلهأصبحت منك على أمن من العدم
قد خالطت منك نعماك الَّتي شملتوفرط حبِّك منِّي أعظمي ودمي
فاليوم لا أتخشى وقع حادثهمن صرف دهري ولا من جور منتقم
لي منك ما لم أزل أزهى به فرحًامن احترام وإكرام ومن نعم
أضف إليها قليلاً من مساعدةبجاهك العامر الموفي على الهمم
وأكتب كتابًا أفز بالنَّقع منه كماتفوز منه بحسن الذِّكر في الأمم

إبراهيم بن عيسى بن درباس ب/ أبو إسحاق المصريُّ المارانيُّ.

كانت ولادته بالقاهرة في شوال سنة إثنتين وسبعين وخمسمائة، ونشأ بمصر.

كان من أهل الحديث الذين رحلوا في طلبه [إلى] البلاد، وكتب منه شيئًا كثيراً، وسمع المشايخ، ولقي العلماء. وكان شافعي المذهب؛ إلاَّ أنه كان يطعن على أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ويقع فيه. له من أبي طاهر السلفي إجازة معيّنة في شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وخمسمائة.

وخبرت أنه دخل بلاد الهند، وسكن مدينة من أعمالها تدعى "نهر وألا"، وحصل لديها رزق واسع وثروة وافرة؛ وهو مقيم بها.

أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني الماراني لنفسه:

حكمت يا دهر في أمري بإفراطوما عدلت إلى عدل وإقساط
إنِّي وقد طرحت أيدي النَّوى جنفًاجسمي بحمص وروحي ثغر دمياط

ومما كتبه إلى القاضي زين الدين ابن الأنصاري، وأنشدنيها الشيخ شمس الدين أبو الطاهر إسماعيل أ/ ابن سودكين بحلب في شهر ربيع الأول سنة أربعين وستمائة، قال: وقد زاره ابن الأنصاري المذكور وولده عشية الجمعة ببستان كمال الدين؛ وتفضل ووعد أن يزوره فيه في الليالي المقمرة من كل شهر ويبيت فيها:

أفدي الَّذي زارني من غير موعدةفعادلي الرَّوح لمَّا زار والفرح
أكرم به مالكًا أهدى بزورتهكلَّ السُّرور وزال الغمُّ والتَّرح
فلست أحصي الَّذي أسدى بزورتهمن الجميل وما زالت له المنح
لم أبلغ الفضل من إكرام حضرتهبما يليق له فأهتاج بي كلح
لولا أعتمادي على علمي مودَّتهلكنت من خجلي والله أفتضح
أتاحه الله في الإسعأد منزلةينال منها الَّذي يبغى ويقترح

وكتب إلى المذكور يستنجزه ما وعده من الزيارة:

أيا راكبًا يبغي منازل جيرتيويمَّم في مسراه دار أحبَّتي
ألا حيِّ أهل الحسِّ عنِّي تفضُّلاًوعرِّفهم بالله يا سعد قصَّتي
/ ب/ عساهم إذا أخبرتهم بقضيَّتييغشونني منهم بعطف ورحمة
ألا حيِّ زين الدِّين أوفي تحيَّةوبلَّغ جمال الدَّين أيضًا تحيَّتي
وقل لهما إنَّ الوداد بحالهوحقِّكما حتَّى أوسَّد حفرتي
ولست بناس فضلكم وجميلكمعشيَّة ما كنَّا جميعًا وجمعة
وقد وعد المولى بعود جميلهوإسعافه في المقمرات بزورة
وقد شخصت منَّا العيون لصوبكمتراءى هلال الوصل منكم وحقت
فإن غبتم فالقلب فيكم معذَّبوإن عدتم عادت إلى مسرَّتي
فبادر فليس الأنس دونك حاضراًوما نزهة إن غبت عنَّا بنزهة
ولا زلت يا مولاي تسدي جميلةولازلت يا مولاي سلك أحبتَّي

وكتب إليه أيضًا:

لا تلمني على الولا يا جاريأنا عبد لسيِّد الأنصار
هو خلِّي وسيِّدي ونسيبيورفيقي في أشرف الأسفار
وصديقي من مكتبي ثم جاريفي حقوق تجلُّ عن إحصار
فأجبني يا سيِّدي عن مقاليببلال من بحرك الزَّخَّار

وكتب إلى كمال الدين، وقد بالغ في إحسانه:

/ أ/ ملكت كمال الدِّين رقِّي وإنَّنيلأفخر أن أصبحت أدعى بعبدكا
وما زلت بالإحسان حتًّى ملكتنيفلا زلت مملوكًا ولا زلت مالكا

رواي هذه الأبيان عن قائلها شمس الدين إسماعيل بن سودكين.

إبراهيم بن محمود بن أحمد بن حمزة بن أبي عليًّ، أبو إسحاق الشيرازيُّ، المعروف بابن الميراثيِّ.

نسبة إلى الميراث.

كانت ولادته ليلة الاثنين سادس صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة. كان فقيهًا عالمًا أصوليًا شاعرًأ؛ وهو من أبناء الرؤساء، وبيتهم أكبر بيت بشيراز.

أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي –﵀ قال: أنشدني إبراهيم بن محمود الميراثي لنفسه جواب كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه:

أحبُّ إلىَّ من نفس الصَّباحوأشهى من ملاقاة الصِّباح
وأطيب رشفة وألذُّ طعمًأمن الصَّهباء بالماء القراح
/ ب/ كلام من نواحيكم أتانيألا يا حبَّذا تلك النَّواحي
ألا أبلغ تحيَّاتي وشوقيأباك القرم ذا الكرم الصُّراح
فإنَّ أباك خير الخلق خلقًاوأعلمهم بأسباب النَّجاح
مواليَّ أذكروني في دعاءفإنَّ دعأكم أمضى سلاح
فلا تنسوا لدى الطَّيران طيراًغدا في الفخِّ منكسر الجناح

وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني ابن الميراثي لنفسه:

حياءً فما بعد المشيب غراموصحواً فما بعد الصَّباح منام
أعد نظراً في الدَّهر تبصر صروفهلوامع آل ما لهنَّ دوام

وله:

هل للفؤاد من الغرام مخلِّصأم جور ذات الخال يومًا ينقص
لا بل تمادى في الكمال كلاهمافالقلب بين الحالتين منغَّص

وقال:

دار حللت بها وأيَّة دار مغنى النُّجوم ومنزل الأقمار

/ أ/ مرَّت بنا فإذا رأتني أعرضتحذراً من الرقباء والنُّظَّار

ومنها:

نظرت فلاح ضميرها في عينهاإن العيون طلائع الأسرار

إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن سلمان، المعروف بابن البرنيِّ، أبو إسحاق بن أبي منصور الموصليُّ المولد، البغداديُّ المنشأ والأصل.

رأيته شيخًا قصيراً نقي الشيبة، ضعيف العينين. كانت ولادته في أيام التشريق من سنة ست وأربعين وخمسمائة. وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن غربها ظاهر البلدة بمقبرة المعافى بن عمران –﵄ إلى جانب الشيخ عمر بن محمد بن الخضر الملّاء الموصلي.

وكان واعظًا فقيهًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –﵁ وسمع الحديث الكثير على مشايخ دار السلام؛ كأبي محمد بن الخشاب النحوي، وأبي الفرج ابن الجوزي، وعبد المغيث بن زهير الحربي، وغيرهم من شيوخ الحديث. واشتغل بفن الوعظ وبرع فيه. ب/ وكان يعظ الناس.

نزل الموصل وسكنها، واتصل بأبي القاسم علي ابن مهاجر الموصلي، وفوَّض إليه دار الحديث التي أنشأها بباب سكّة أبي نجيح، وانتفع بصحبته واشتهر اسمه. وكان يسمع الحديث بالدار المذكورة ويفتي على المذهب الأحمدي. وصنَّف مصنفات كثيرة، وله أشعار ساقطة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.