من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه إبراهيم (٢)
شاهدته مراراً عدّة، وحضرت مجلس وعظه، ولم يتفق لي الرواية عنه.
أنشدني تلميذه محمد بن منصور بن دبيس الموصلي، قال: أنشدني أبو إسحاق ابن البرني لنفسيه:
لا تشغلنك خلوببذات فرع أثيث
عن التشاغل بالفقه واستماع الحديث
فالعلم خير قرينمستصرخ ومغيث
فلا تبعه بجهلما بليت كحيث
وأنشدني أبو علي الحسن بن محمد بن يحيى بن شمير الموصلي، قال: أنشدنا ابن البرني لنفسه، يرثي الأمير مودود أ/ ابن المراق ويعزّي أخوته وأقاربه:
طال يومي وطال بي التَّسهيدمنذ قالوا: أودى الفتى مودود
واعترتني وساوس شيبتنيلو درى بعضها لشاب الوليد
راعنا بالفراق وهو الودودوارتعى جانبيه ترب ودود
وفقدنا لفقده لذَّة العيش فصبر الصَّبور منَّا فقيد
غائب غاب ماله من إيابخاب فيه الرَّجاء ليس يعود
وهي طويلة.
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عليّ بن نصر الله، أبو إسماعيل المعروف بابن دنينير الموصليُّ اللخميُّ ثم القابوسي.
من أهل الموصل. هكذا قرأت نسبه بخط يده.
رأيته غير مرة. كان شابًا أشقر مشربًا بحمرة، مقرون الحاجبين، جميل الصورة؛ وله منظر.
اشتغل بشيء من الأدب على أبي الحرم مكي بن ريان النحوي، وكتب خطًّا حسنًا. وعرف علم النحو معرفة جيدة، وفهم حلّ التراجم، وقال الشعر، ورحل به إلى الملوك؛ إلاَّ أنه كان ب/ رديء الاعتقاد، يتهاون بالدين والصلاة، ويطعن في الشريعة والإسلام، ويتظاهر بالإلحاد والفسق، ويصرُّ على شرب الخمر. وكان مع ذلك بغيضًا إلى الناس، ممقوتًا عندهم لما يرونه سالكًا طريق القبائح والأشياء المنكرة.
سافر إلى الديار المصرية والبلاد الشامية، وامتدح جماعة من ملوكها وكبرائها. وبلغني أنه قتل سنة سبع وعشرين وستمائة؛ وسبب ذلك أنَّ بعض ما كان يخالطه عثر له على أوراق تتضمن كلامًا ردئيًا في حقّ الله ﷾ ما يوجب قتله، وأهاج في الملوك وكفريات. فأخذ الملك العزيز عثمان بن الملك العادل وصلبه بالصبيتة- قلعة قريبة إلى بانياس.
رأيته غير مرّة بالموصل، ولم آخذ عنه شيئًا لقلّة اهتمامي بهذا الشأن.
ووجدت له قصيدة بخط يده، قالها في الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب صاحب حلب ﵀ وأنشدنيها عنه أبو القاسم بن أبي النجيب أ/ ابن أبي التبريزي، قال: أنشدني دنينير لنفسه:
لولا تذكُّر عهد بالحمى سلفاما فاض دمعي على ربع ولا كفا
ولا سقيت ربى الجرعاء من إضمدمعًا غدا يوم سار الحيُّ منذرفا
كم لي أكتِّم أشواقي ويظهرهاسقم برى أعظمي يوم النوى أسفا
وفي الهوادج لي شمس إذا برزتيظلُّ منها جبين الشَّمس منكسفا
لولا النَّصيف يواري من أشعَّتهالما رأيت بمرأى وجهها سدفا
ولو بدا ثغرها يومًا رأيت لهبرقًا تألَّق للأبصار مختطفا
ومقلتاها وخدَّاها وطرَّتهالخلت في الوجه منها روضة أنفا
حتَّى نأت فغدا لي من قطيعتهاوبعدها سببا قتل قد اختلفا
ألفتها ونأت عنِّي فرحت بهحلف الضَّنى والمعنَّى كلُّ من ألفا
لا ارتضي عيشتي من بعدما ما تركتيد النَّوى بدني طول المدى دنفا
أبكي دمًا بعد تفريق الفريق أسىمن بعدهم وكفى جفنيَّ ما وكفا
يا ذا الملامة فيهم لم تعنِّفنيإنَّ الصَّفا لو رأى حالي بهم لصفا
دعني أكابد برح الحبِّ في كبدجرى وأندب ربعًا قد خلا وعفا
وأستقلُّ بعبء لو تحمَّلهرضوى لأوهاه حتَّى كلَّ أو ضعفا
/ ب/ كشفت ستر هواهم بألصُّدود كماغازي بن يوسف طرق الجود قد كشفا
ملك إذا عدم الأجواد كلُّهمكانت فضالة ما يولي لهم خلفا
تنقَّل الجود لم يبلغ لدى أحدمدى فحين تناهى عنده وقفا
لطف ينيلك ما ترجو ويكنفهبأس فؤاد اللَّيالي منه قد رجفا
في كلِّ يوم يرى من فيض أنعمهما لا رأى مثله جوداً ولا عرفا
قالوا: غدا الكرم الموصوف منه يداًلما أستعدَّ به يومًا ولا وصفا
أستودع الله من سارت ركائبهعنِّي فأودعني من بعده أسفا
جاد الزَّمان على حين برؤيتهوكان مثل خيال في الكرى خطفا
أمر عيشي منَّاه وكدَّرهمن بعد ما كانً فيه قد حلا وصفا
فرحت أوسع دهري من جوى وهوىحمداً وذمًا لما أولى وما اقترفا
يا ابن الملوك الألى لولا مآثرهملم يوجد الجود مأثوراً ولا عرفا
الباذلي عرفهم والسَّحب مخلفةوالمانهي جارهم والدَّهر قد جنفا
ما أشرفت من هضاب المجد منزلةإلاَّ تعالوا على هاماتها شرفا
فرَّقت وفرك في الدُّنيا فعاد وقدأعاد مجدك موعوداً ومؤتلفا
ذكاءك الصُّبح إن ليل الشُّكوك دجاوبأسك الجار أن رسم الجوار عفا
/ أ/ إن يدَّعي الفخر أقوام فحقُّكم الموروث متَّلداً منه ومطَّرفا
ألست من معشر نادت مكارمهمفي النَّاس إنَّ محيَّا الجود قد كشفا
من آل أيُّوب حيث الملك منسبلوالحمد مغتنم والظِّلُّ قد ورفا
قوم إذا أسرفوا في البذل من كرملم يتبعوا منَّهم بذلاً ولا سرفا
فلوقفت حادثات الدَّهر نهجهملم يختلف في مجاريها ولا اختلفا
أدنيت حظِّي إذ أدنيت منزلتيفعاد عنِّي صروف الدًّهر قد صرفا
كلفت بالجود إذ لم تلف مبتهجًابغيره وجدير أن ترى كلفا
لا تنكرن فيك أيَّامي على بخلوأغفر [فديتك] ذنبًا عندها سلفا
فأمدد إلى بعين العفو عن زلليفأنت ممَّن إذأ استغوى الجهول عفا
فما تخلَّفت عن توديعكم طمعًافي أن أرى من زماني عنكم خلفا
وكتب إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –رحمه الله تعالى-:
أيا شرف الدِّين الَّذي سوق مجدهبمعروفه بين البريَّة نافق
ويا من عطاياه إذا ضن بالنَّدىتقصِّر عنهنَّ الغيوث الدَّوافق
إذا شمت برقًا من جميل خلالكمشممت لكم عرفًا له المجد فاتق
/ ب/ لئن كان شكري في معاليك صامتًافعذري بعجزي عن صفاتك ناطق
وما غاية المثني وفيك خلائقتقصِّر عن أوصافهنَّ الخلائق
وقال:
قابلني ليلة قبَّلتهظبيٌّ من الشَّمس غدا أملحا
طيب نسيم بين أنيابهلو رقد المخمور فيه صحا
إبراهيم بن عليِّ بن محمود بن هبة بن أحمد بن يوسف بن أبي طالب بن عبد الرحمن بن عليّ، أبو إسحاق الكفر عزّيُّ الإربليُّ.
ابن عمِّ القاضي أبي محمد جعفر بن محمد بن محمود الكفر عزّيِّ.
حدثني الصاحب أبو البركات في تاريخه، قال: توفي أبو إسحاق بإربل ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة عشرين وستمائة. ووصى أن يحمل إلى كفر عزّة ويدفن بها ومولده كان فيها- فحمل ودفن بها.
ثم قال: وذكر لي القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الكفر عزّي: أن عمره خمس وثمانون سنة.
وأنشدني الصاحب أبو البركات، قال: أنشدني أبو إسحاق أ/ لنفسه:
لعمرك ما فعل الأسود إذا أعتدتولا السمهريَّات العوالي ولا الظُّبا
كما تفعل الأشواق في قلب وامقإذا حنَّ يومًا للمعالم أو صبا
أنشد هذه القصيدة القاضي السعيد العالم جمال الإسلام شرف السادة بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب، قال: أنشدني إبراهيم بن علي الإربليّ لنفسه:
لئن صدقت سعاد في المقالولجَّت في القطيعة والدَّلال
ونفَّرها مشيبي فاسترابتوكانت لا تحيد عن الوصال
ولم أصل الخرائد كاعباتوقد غفل الرَّقيب عن السُّؤال
خليَّ القلب من فكر وهمًّيقلقلني ومن داء عضال
وما ترك المشيب عليًّ حالاًتميل إليه رَّبات الحجال
فمأ أخشى إذا ما كان عونيبهاء الدِّين من غير اللَّيالي
فتى كالبدر يزهو حين يسموليالي تمِّه عند الكمال
/ ب/ تصدَّى للعلا مذكان طفلاًوها هو بالعلا والمجد حالي
يجلُّ عن القياس بكلِّ فنًّويكبر أن يمثَّل في مثال
ولو جاراه حاتم في نوالكبا من حيث يجري في المجال
له همم تجلُّ عن العواليوتزري بالمهندة الصِّقال
أمين الملك في الأشياء جمعًاصدوق في المقال وفي الفعال
له قلم به الأرزاق تجريوفي الأعداء تجري بالنَّكال
تخال مداده سم الأفاعيوشقَّة رأسه حدَّ النِّصال
فقد يغني عن الأسياف فيمايشطِّره وعن سمر العوالي
إليه شددت أكوار المطايامجنِّحة لسيري وأرتحالي
وليس إلى سواه مددت كفّالأنَّ على مكارمه أتِّكالي
أمولانا بهاء الدِّين خذهامهذَّبة كنظم بالَّلآلي
يروق النَّاس مسمعها بلفظعلى الأسماع كالماء الزُّلال
بلا كدر ولا نظم يشيهًاولا مضمونه طول المطال
وعلمك أيُّها المولى بأنِّيكما تختأره العبد الموالي
لمجدك بعد حيدرة وسبطيرسول الله والتِّسع التَّوالي
/ أ/ ولست لغيرهم أهوى ولكنمدارة الزَّمان على الرِّجال
ولا برحت نجومك في سعودولا أذنت سعودك بانتقال
إبراهيم بن عمر، أبو إسحاق الجزريُّ، المعروف بابن الزرقاء.
من أهل الجزيرة العمرية.
كان يعلّم الصبيان ويتردد إلى الأمراء يعلّم أولادهم الخط. وكان يكتب الخط الحسن، ويقول شعراً طيبًا سهلاً؛ يضمنه المجون والهزل، ويعرف الحكايات النادرة. ويحضر مجالس الكبراء والصدور، ويقبلون عليه ويكرمونه لظرفه وحسن محاضرته، ويتنافسون فيه لدماثة أخلاقه. وكان مع ذلك حافظًا للقرآن الكريم، ذا دين متين وخير وصلاح، مغرًى بالزواج لا يصبر عن ذلك.
أنشدني الأمير أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان العقيلي بمحروسة حلب –بخانكاه القصر- وكان وردها رسولاً في سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر المعلم الجزري لنفسه ما كتبه إلى والدي ب/ وكان قد أحاله بشيء من النفقة على غلام له اسمه أحمد فعوّقها عليه:
يا من رقى إلى العلاوالمجد أعلى طبقه
ومن ترى غرَّتهمثل الهلال مشرقه
إعلم بأن أحمداًهذا النَّقيف العنفقه
لحاله تعلمهاعوَّق عنِّي النَّفقه
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني المذكور لنفسه، وقد أحضرته زوجته إلى مجلس القاضي وشكت منه ما يضع في حقّها:
يا سيِّدي القاضي ويا زين الورىلي زوجة وأريد منك تصكُّها
آتي لها في كلِّ يوم بكرةًرأسين من قبل الصَّباح تفكُّها
والظُّهر آتي الدَّار أطرح عندهارطلين من سمك تقوم تحكُّها
وشرائحًافي سفُّودنا ... عند العشاء تقوم فيه تشكُّها
وإذا أتانا اللَّيل أضرب خرقهاحتَّى الصَّباح وبعد ذاك أبكُّها
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه أ/ من أبيات:
تزوَّجت إمرأة مغنيهوكانت بطلعتها مفتنه
ولكنَّها عند شغل يكونتقاصر عنه وتبدي السِّنه
وبعد ذلك هذا البيت مضمَّن:
دعوه فقد ساء تدبيرهسيضحك يومًا ويبكي سنه
إبراهيم بن أحمد بن صبح، أبو محمد البغداديُّ، المدعو بالمعين الصوفيُّ، ويعرف بابن غزالة.
استقر مقامه بمدينة حلب وتدبيرها، وأولد بها. وكان دلاّل الكتب، ومعيشته منها؛ وله شعر طيِّب يصدر عن طبع صحيح فيه سهولة.
وكان نازلاً بخانكاه القصر- وله فيها جراية ونصيب، تصل إليه في كل يوم كعادة الصوفية، فتولّى الخانكاه رجل يرف بالمخلص بن شمس الرؤساء فأظهر السياسة، وكلّف المتصوفة الذين هم مقيمون في الخانكاه الملازمة ومنعهم ب/ من الخروج، وشرط عليهم أن لا يخرج أحد منهم. وإذا أردا أحدهم حاجة أنفذ الفراش فقضاها، ومن تعدّى هذا الشرط يهان ويؤدّب؛ فثقل ذلك على الصوفية وامتعضوا منه، وضاق عليهم هذا الأمر الذي سامهم إليه. وكان المعين له عيال لم يمكنه الملازمة والدخول تحت هذا الشرط لأجل عياله والتكسب لهم في تحصيل ما ينفقه عليهم؛ ورأى أنَّ الأمر قد اشتدّ وأن لا مخلص له منه. نهض وطوى سجادته، وحمل قماشه من الخانكاه، وخرج منها إلى منزله، فأنشأ قصيدة يذكر فيها شرح أحواله وأنفذها إلى السلطات غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب –﵀ فأنشدت بين يديه فاستملحها، وأمر له بخمسمائة درهم، خلعة حسنة وجبة وبقيار ورسم أن يلبسه الخلعة بيده المخلص بن شمس الرؤساء، وأني جريه على ما كان عليه، ويبسط سجادته في الخانكاه.
وكانت وفاته في سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين وستمائة بحلب، والقصيدة أنشدنيها أ/ أبو عبد الله محمد بن عثمان بن أبي نصر البغدادي الصوفي بخانكاه القصر- تحت القلعة المحروسة- يوم الاثنين الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أخي لأمي أبو محمد إبراهيم بن صبح البغدادي الصوفي لنفسه:
يا أهل بغداد عندكم خبريتبت عن الرُّبط وانقضى وطري
لا مللاً ملت عن جوانبهاولا تألَّمتها من الضَّجر
وكيف أسلو عمَّن ربيت بهارضيع ثدي الآيات والسَّور
وطال والله ما خلوت بهاأجمع شمل العشاء بالسَّحر
مع فتية راقبوا الدُّجى زمنًاحتَّى صفوا عن مآثم البشر
على السجاجيد ساجدين كماينقضُّ شهب السَّماء بالشَّرر
صاحبت منهم كلَّ ابن منجبةيسقي رياض الإيمان بالخفر
إذ كنت في صحبة الشِّهاب أبيالقاسم شيخ الشُّيوخ في سفري
وخرقة الأصل من تبرُّك ركن الدِّين قد فصِّلت على قدري
وكم حملت الزَّبيل مجتهداًأكبر نفسي في البدو والحضر
أنا المعين الصُّوفي وآبائيبدِّلت بعد الصَّفاء بالكدر
/ ب/ قد كنت إذ نغَّم المشبِّب بالزِّير وغنَّى اللَّطيف الجزري
أدور مثل الدُّولاب في فلك الوجد وخبري ينبيك عن خبري
يا أهل ودِّي القديم في خانكاهالقصر ما زاغ عنكم بصري
فهل كريم الطِّباع يقبل إنأمكن فيما أقول من عذري
ولي عيال إذا تأملهمإنسان عيني يغني عن النَّظر
مثل فراخ القطا إذا درجواأحنوا عليهم من شدَّة الحذر
إن عشت عاشوا أو متُّ في دعةحياتهم تستمدُّ من عمري
فارثواله المخاليف في القفصة ..... أشمط الشَّعر
............ في أثري
إن طالبتني بالنَّظم قلت لهامستتراتي في السَّمت فاصطبري
تقول لي لم منعت عن خانكاه القصر هل زلَّة على كبر
فقلت لا والَّذي يطيل لك العمر وحقِّ المبعوث من مضر
ما ملت عن مذهب الكتاب ولا السُّنَّة مع قينة ولا وتر
بل قيل لي: هي الجنَّة الفيحاءفاخرج منها إلى سقر
ألا تقنًّعت بالنِّعال ومايجمل لبس القناع بالبقر
/ أ/ يا أم خضف إن كنت صاحبتيلا تعتبي للزمان واعتبري
قال: بغازي بن يوسف الملك الظَّاهر تكفي مؤنة الحذر
أمم علاه حتَّى ترى ملكًايغنيك في دسته عن القمر
كالبحر حدِّث عنه ولا حرجوهو بحار الأخبار والسِّير
إبراهيم بن عيسى بن المعلَّى بن مسلمة، أبو إسحاق الرافقيُّ.
شاعر فاضل. وكان والده من كبراء أهل الأدب والفضل؛ وسيأتي شعره مكانه من هذا الكتاب. وكان حيًا في سنة خمس وستمائة.
صار إلى ديوان والده، وقد رتبه إبراهيم هذا وشرح ما فيه من الأمثال العربية والألفاظ اللغوية؛ كل ذلك يسنده إلى والده.
وحدّثني القاضي أبو القاسم بن أبي جرادة، قال: قدم أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى حلب بعد الستين والخمسمائة، ومدح جماعة من أكابرها وأماثلها، وأنشأ خمسين مقامة. وفيها من نظمه قوله:
/ ب/ لا يأمن الدَّهر خلق في تقلُّبهفالدَّهر بالسُّوء والمكروه دوَّار
أعزَّ قومًا لئامًا لا خلاق لهموذلَّ فيه بحكم الله أحرار
وصار ذو العسر فيه موسراً صلفًاوعاد فيه لدى الإيسار إعسار
وقال أيضًا مما ضمنها المقامات:
إسأل العرف إن سألت جواداًلم يزل يعرف الغنى واليسارا
ليس إجلالك الكبار بذلًّإنَّما الذُّلُّ أن تجعلَّ الصِّغارا
ومن شعره أيضًا فيها:
نحن الألى ما أمَّنا قاصديرجو النَّدى إلاَّ منحناه
ولا أتانأ خائف يشتكيإلاَّ أزلنا عنه شكواه
إبراهيم بن عمر بن عبد الله، أبو إسحاق الموصليُّ.
المعروف والده بالقاتل، والدنبليِّ أيضًا ولم يكن دنبليًا، وإنما كان يتولّى خدمة الدنابلة وأشغالهم وقضاء حوائجهم فنسب إليهم.
وابنه أبو إسحاق أ/ هذا كان شابًا ضريراً، شيطانًا مريداً. استوطن مدينة حلب، وتديَّرها إلى حين مماته بها في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وقد نيّف على الثلاثين بشيء يسير –سامحه الله تعالى وعفا عنه-.
ينبز الجني. وكان ينبغي لهذا الفاضل أن يسمى الجنِّي –بتشديد النون- على ما خبرت من شأنه؛ لأنه كان يأتي بضروب من الغرائب، يبدع فيها، كأنّ الجن قد أتت بها وعملتها، ويغرب في أشياء يخترعها لم يأت بمثلها البصراء فكيف العميان. وكان آية في الذكاء والفطنة، حاذق الفهم، ثاقب الحس.
وبلغني أنه كان إذا حضر مجلسًا وفيه نفر يجتمعون فيتناول شمعًا مختلف الألوان، فيداخل يديه من تحت أثوابه لينفي الظنّ عنه، ويصوغ من ذلك الشمع تمثال فرس وصورة فارس فوقه، ويفرق تلك الألوان على الفرس حليًا منقوشًا من طوق وسفرسار وسرج ولجام ومهامز.
ثم يضع للفارس عدّة كاملة كسيف و .... وقوس ونشَّاب وما شاكل ذلك مستوفى، حتى لم يكد يفوته من عدَّته شيء. ب/ ثم يبرزه ويعرضه على الحاضرين فلم يبق أحد منهم إلاّ ويظهر التعجب من ذلك، ويستظرفه جداً، ويصفه بالذكاء والحذق.
وكان مع ذلك شديداً في نفسه، قوي القلب شجاعاً مقداماً جرئيًا. وأما مبلغه من العلم فكان شاعراً مطبوعًا، قارئًا حسنا. قرأ القرآن العزيز بالقراءات السبعة والشواذ، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وفهم طرفًا من الفرائض والحساب والنجوم مع معرفة بالنحو والأدب.
وكان معاشراً خليعًا مدمنًا شرب الخمر قليل الدين، تاركًا للصلوات الخمس،
مصرّاً على الفساد، يغنِّي ويشبِّب وينبسط. وكان إذا مشى في الأسواق لم يستعن بحمل عصًا معه، ويعرف أزقة المدينة معرفة لم يعرفها أحد من ذوي البصائر مثله، ويهتدي فيها إلى مسالك ومواضع كأنه قد ولد فيها، وتربى بها، وله في ذلك حكايات عجيبة، ونوادر طريفة لم يمكن شرحها.
أنشدني إبراهمي بن عمر الموصلي المعروف بالجنّي لنفسه.
أنشدني أبو سالم بن علي بن أبي سالم المقرئ الحلبي، قال: أ/ أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن عبد الله الموصلي الدنبليّ المعروف والده بالقاتل:
دع رسم سلع واللِّوى والأجرعوربى زرود والعقيق ولعلع
كان العقيق بهم أنيقًا مونقًاوهم بدور طلَّع بطويلع
خلت المغاني من مغانيهم فمايجدي غرامك بادَّكأر الأربعاء
مالي وللأطلال وهي عواطليا صاحبي فذر الدِّيار ونج معي
واندب على فقد القرين تأسُذفًاواسفح على سفح اللِّوى بالأدمع
وأقر السَّلام على المقام وذب جوًىإن كان حقًّا في الهوى ما تدَّعي
أسروا الفؤاد مع الرُّقاد وأودعواإذ ودَّعوا نار الأسى في أضلعي
قوم أقأموا بالفراق قيامتيفمتى لحشري معهم من مرجع
وأرفض معأتبتي وبثَّ صبابتيفلعلَّعن أن يرحموا لتوجُّعي
ناديت في آثارهم لمَّا سروابحشاشتي: رفقًا بقلب الموجع
بانوا ذوى من بعدهم بان الحمىوذوت غصون شبيبتي وتشجُّعي
ونأى اصطباري والغرام أقام فيقلبي وقلت لمقلتي: لا تهجعي
لله يوم النُّفر ما لاقيت منحرِّ الجوى ومن الغرام الموجع
/ ب/ وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه:
لولا تقلقل قلبي المتبولوتفكُّري وتذُّكري ونحولي
وبلابل هاجت بلابل خاطريمارقِّ لي الواشي وكف عذولي
إني لأهوى في الهوى تلفي وماأرضى الرِّضا في سلوتي يا سولي
كيف التَّسلِّي عن قضيت مائسيهتزُّ لا من شمال وشمول
أخشى عليه من النَّسيم وربماكان النَّسيم إلى الحبيب رسولي
كلفي به لا ينتهي وتولُّهيما حيلتي قد حار فيه دليلي
قمر دجاه شعره وصباحهمن وجهه بدر بغير أفول
حجب الكرى عن ناظري وحمى الحمىمن لحظه بالصَّارم المصقول
جفني حكى ليل الوصال وصدُّهيحكي ليالي هجره في الطُّول
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، أبو إسحاق النقاش.
كانت ولادته بدمشق سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. ودخل بغداد في سنة ستين؛ أ/ وأصله من بغداد، وهو من بيت الوكيل القضاة الذين يعرفون ببيت الشطويّ.
كان شيخًا فاضلاً؛ له كلام حسن على لسان أهل الحقيقة، وأشعار حسنة، وألفاظ عذاب. وقد صنَّف في ذلك كتابًا في رقاع، ما أظنّه بيّضه لاشتغاله بالكسب ونقش الصُّفر.
توفي يوم عرفة سنة أربع وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بالشونيزية.
قال: أنشدني لنفسه:
ومن لم يتب والدَّمع مسهر جفنهإذا ضحك الباكون أصبح باكيا
وكيف ينام اللَّيل من طعم الهوىوما أنفكَّ مهجوراً وما كان ساليا
وعن وجده تروي بلابل قلبهأحاديث من أمسى لظى الحبِّ صاليا
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، أبو إسحاق الكاتب الدمشقي المولد، البغداديُّ المنشأ والدار.
كانت ولادته سنة إثنيتين وأربعين وخمسمائة. تأدّب ببغداد، وقرأ بها النحو والعربية. وكان شاعراً جيد الشعر فاضلاً، حسن الترسُّل.
أورد من شعره أبو عبد الله الدّبيثي في مذيله:
......... ........ الشيخ بذكري عرضا
علَّ من أمرض جسمي بعدهبتدانيه يزيل المرضا
ولكن أنكر قتلي.............. قلبي غرضا
فقتيل الحبِّ أضحى دمههدر أبطله من أعرضا
وقال:
/ أ/ وكم في ليلى قتيل صبابةومجنونها المغرى بها العلم الفرد
وما كلُّ من ذاق الهوى تاه صبوةًولا كلُّ من رام اللِّقا حثَّه الوجد
وللحبِّ في البلوى شروط عزيزةيقوم بها في حلبة الوله الأسد
إبراهيم بن أبي النجم بن عبد الرزاق، أبو محمد البغداديّ الكاتب.
كان كاتبًا في الأيام الناصرية، ومدح الإمام الظاهر بأمر الله، وأدرك أوائل دولة أمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –خلد الله دولته- وامتدحه.
وكان شاعراً مقلاً، له ديوان. وكان شيخًا ظريفًا، كيِّسًا لطيفًا من أبناء المتصرفين، مطبوع الشعر رقيقه. وكان يخدم في أعمال السواد، ومساحة المزروعات، وفسمة الغلات.
أنشدني أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو محمد إبراهيم بن أبي النجم بن عبد الرزاق البغدادي لنفسه، يمدح الإمام المستنصر بالله ب/ أمير المؤمنين –خلّد الله ملكه-:
دعني وشرب الخندريس المسكرمن كفِّ ذي طرف غضيض أحور
كالبادر ذي وجه منير مشرقكالغصن ذي قد رشيق أسمر
رشأ ردينيِّ القوام مهفهففتن الآنام بورد خدًّ أحمر
لم أضح مسلوب الفؤاد متيَّمًافي حبِّه مضنًى بلون أصفر
الأَّ لوجدي في هواه ولوعتي[و] لما لقيت من العذار الأخضر
أضنوا من الشَّمس المنيرة وجههفاق الملاح بمنظر وبمخبر
شاد يغنِّيني إذا استنشدتهمدح الإمام الظَّاهر المستنصر
ملك سحاب بنانه ونوالهمتدفِّق كالعارض المثعنجر
خير البريَّة من ذؤابة هاشممن معشر أكرم بهم من معشر
لا زال في عزٍّ وظلِّ سعادةوسلامة تبقى بقاء الأعصر
وأنشدني أيضًا، قال: أ، شدني لنفسه يمدحه:
أنا صبٌّ بجؤذرفاتر الطَّرف أحور
ذي قوام مهفهفكالرُّديني أسمر
/ أ/ قد سباني بمنظرزانه حسن مخبر
ونجدٍّ مورَّداسمر اللَّون أحمر
فوقه ورد وجنةتحت خال معنبر
ليس يرثي لعاشقمستهأم محيَّير
ناحل الجسم مذهبًشاحب اللَّون أصفر
باع فيه صفو الحياة بعيش مكدَّر
وأشترى ذلَّة الخضوع بعزِّ التَّصبُّر
طائعًا باع نفسهفي الهوى غير مجبر
مثل ما باع نفسهفي القريض المحبَّر
بعطايا مولى الأنام الإمام المستنصر
باع خير الشِّعر الرَّقيق على خير مشتري
ملك سيل كفِّهكالسَّحاب المثعنجر
ملك طيب ذكرهكالنَّسيم المعنبر
وبريَّاه طاب كلُّ خطيب ومنبر
وله ذكر ليث هزبر غضنفر
/ ب/ وبه راق للورىكلُّ عيش مكدَّر
يا أبا جعفر الَّذيكفُّه ألف جعفر
دمت في العزِّ والعلاألف عام مكرَّر
وهو القائل في غلام اسمه بدران، أنشدني أبو الحسن علي بن الأنجب بن عثمان بن عبيد الله البغدادي بمدينة السلام، قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:
وغرير مهفهف القدِّ أحوىحار فيه عقلي ولبِّي وحسِّي
قلت: من أين قد أتيت. وما الإسم لأحظى منه بقرب وأنس
قال: بدران، قلت: تصدق والله وأضوا من كلِّ بدر وشمس!
وقال أيضًا يتغزل:
وغزال ريقه القرقف درياق اللَّديغ
من ظباء التُّرك معسول اللَّمى دون البلوغ
ذي جمال حار فيهكلُّ منطيق بليغ
أسبغ الحسن عليهظلَّه أيَّ سبوغ
/ أ/ وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني إبراهيم بن أبي النجم الكاتب البغدادي لنفسه يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله ملكه-:
شرف الزَّمان بدولة المستنصرالطَّيِّب الأصل الكريم العنصر
/ ب/ وبعصر مولانا الخليفة ذي النُّهىوالعدل والإحسان فخر الأعصر
ملك حذا في صومه وصلاتهوصلاته حذو النَّبيِّ المنذر
مولى صفا للنَّاس في أيَّامهبالجود والمعروف كلُّ مكدًّر
ولعظم سطوته وشدَّة بأسهخضع الملوك وذلَّ كلًّ غضنفر
وبد له أمن الأنام نوائب الدَّهر الخؤون وآن يسر المعسر
والدَّهر وافى النَّاس بعد قطوبهبضياء وجه ضاحك مستبشر
وحنا الزَّمان على الأنام وزال مافي قلبه من وحشة وتنمُذر
دامت له النَّعماء ما صرع الدُّجىفجر وصال بنور صبح مسفر
إبراهيم بن قصربا بن عبد الله، أبو إسحاق الموصليُّ التركيُّ الصلاحيُّ الصوفيُّ.
كان والده مولى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب –رحمه الله تعالى- وكان اسمه أيدمر فسمّى نفسه إبراهيم.
لقيته بظاهر حلب المحروسة ببانقوسا يوم الأحد سادس ربيع الأول سنة ستّ وثلاثين وستمائة؛ فرأيته شيخًا حسنًا بهيًا جميلاً.
وذكر لي أنه ولد بالموصل في سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وكان في بدء أمره
جنديًا استخدمه الأمير ركن الدين ملكشاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر.
ثم ترك الجندية في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وأقبل على الصلاة والقيام بوظائف الله تعالى، ومعاشرة الفقراء والمتصوفة، وصحبة ذوي الأحوال ومخالطتهم، والتنقل في البلدان، والاشتغال بالعبادة، وتزيّا بزي السلف الصالحولبس قميصًا قصيراً، وطاف البلاد وتوغلها، ونظم أشعاراً كثيرة في الغزل.
ثم سافر إلى دمشق ولم يزل بها مستوطنًا إلى أن توفي بها في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة –رحمه الله تعالى-.
/ ب/ رأيته بإربل ولم آخذ عنه من شعره شيئًا. نقلت من خطّه قوله في الغزل، وأنشدنيه بحلب:
يسبح الورد في الخدود باسفي بياض يزهو على القرطاس
ما يرى من توقُّد الخدِّ كألجمر فذاك اللَّهيب من أنفاسي
رشأ ذلَّت الفوارس لمَّاصاد أسد الشَّرى من الأخياس
بعيوان أعاذنا الله ممَّافعلت يوم حاجر بالنَّاس
فتكت بالقلوب تحت دروعسابغات فمالها من آسي
وجبين كأنه صبح وصلبشَّر المستهام بعد الإياس
وقوام كأنَّه خوط باًنربِّ عفواً عن زلَّتي وقياسي
إ، أكن قد غلطت فيه فقدشبِّه نور الإله بالنِّبراس
لم يزرني إلاَّ إذا عسعس اللَّيل بطيف الخيال عند نعاسي
هو سهل فيما أحاول حتَّىأطلب الوصل فهو صعب المراس
ربَّ وقت نادمته فسقانيمن سلاف الثُّغور لا من كاس
قال: هاك المدام قلت: بطيبقال: خذها فطيبها أنفاسي
واغتنم عقله الرَّقيب فلابدَّ لقلب الوصال من وسواس
/ أ/ وأ، شدني أيضًا لنفسه:
تلفي بلين قوامك الفتَّانودمي تقاد بثأره العينان
وشمائل حكت الشَّمول فهذهللروح حسب وتلك للآبدان
وهواي بالرَّشأ الَّذي وحَّدتهعشقًا فليس لحسنه من ثاني
عيناه قد نطقت تقول عليكمسحري يقضُّ مضاجع الشُّجعان
ودم الشَّهيد قتيل معركة الهوىخدَّاي قد شرباه من أجفاني
يا أيُّها الرَّشأ الَّذي لجمالهوعلى الغوير بوابل هتَّان
أنسيتني بلذيذ ذكرك كلَّماقد كان قبل هواك في إنسان
أنا ذلك الصبُّ الَّذي لو مرَّ بيصأحي الفؤاد لعاد كالسَّكران
عنِّي روت ورق الحمام بشدوهاوتحدَّثت بهواي في الأغصان
ومررن صبح وصالنا بطويلعطربًا كشارب قهوة نشوان
فتمايلت أغصانه فكأنَّماقسَّمت فأضل نشوتي في البان
ومعربد الألحاظ أحيا صبوتيوأمات لين كلامه سلواني
موتًا يودُّ بنو الهوى لو أنَّهمماتوا كذاك هوى من أحياني
/ ب/ هل تذكرنَّ لنا بمنعرج اللِّوىوقتًا لعودته أعضُّ بناني
لمَّا التزمتك للوداع صبغت منخدَّيك درَّ الدَّمع أحمر قاني
وأنشدني أيضًا لنفسه:
هو الصَّب لا يزداد إلاَّ تشوُّقاإلى جيرة بالجزع عن أيمن النَّقا
رأى السَّير لا يدنيه من فرط شوقهإلى الدَّار إلاَّ بعد حين فأعنقا
وجانب أرباب البطالة عفَّةوصاحب من ملًّ الحياة وطلَّقا
وكم زار حيّا ترعف السُّمر دونهنجيعًا وخاض الموت في طمع اللِّقا
وهان عليه كلُّ صعب تهابهنفوس بني الآمال لمَّا تعشَّقا
أخو حاجة إمَّا وإمَّا تلافهعسى يرتقي بالعزم ما ليس يرتقى
ويصبح محسودًا بنيل مرامهسعيدًا بقرب الدَّار قد باين الشَّقا
يحدِّث عن ذاك الحمى وأهليهلينهض للعلياء من قد تعوَّقا
أراح ظهور العيس بعد كلالهاوغرَّب من يبغي المزيد وشرَّقا
إبراهيم بن عبد الله العامريُّ.
شاعر يرتزق الناس بشعره، ويستجديهم.
رأيت له بخطة هذه الأبيان الأربعة، ويزعم أن مالها بيت خامس:
ما كلِّ سانحة كريمكلاَّ ولا ناد كرامه
يا من يظنُّ بأنَّ عيني بعدهم ذاقت كرى مه
كم رام قلبي الوصل منك فلم ينل ما منك رامه
لا سمع للعذَّال فيهجر الحبيب ولا كرامه
إبراهيم بن محمد بن يوسف، أبو إسحاق القابونيُّ الدمشقيُّ الحنفيُّ.
كان فقيهًا على مذهب الإمام أبي حنيفة –﵁ ذا فضل حسن ب/ وشعر جيد.
وجدت له من الشعر هذه الأبيات يذم بها القيء:
عجبت وقد ظننت القيء سكرافلم أره يعم الشَّرب طرَّا
فقلت لصاحبي: يا ليت شعريلبعض الشَّرب ممَّا ألقى يطرا
وقد بذل النُّضار لشرب راحتزيد نفاسه وتزيل فكرا
فقال: لعزَّة في الخمر تأتيمع النَّفس الخبيثة أن تقرأ
إبراهيم بن عبد الكريم بن أبي السعادات بن كرم بن كنصا، أبو إسحاق بن أبي محمد الموصليُّ المولد والمنشأ. البغداديُّ أصلا ووالداً.
الفقيه الحنفيُّ الكاتب.
كانت ولادته –على ما أخبرني من لفظه- سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة العشرين من المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة بالموصل.
كان شابًا أسمر خفيف العارضين قضيفًا. تفقه على أبي جعفر محمد بن إبراهيم بن محمد الرازي الفقيه الحنفي نزيل الموصل. وجدّ في الاشتغال وتكلم في المسائل أ/ الخلافية، وناظر الفقهاء، وحصّل من علم الأدب والعربية نصيبًا وافراً حتى فاق أبناء جنسه معرفة وذكاء. وشرح مختصر القدوري في الفقه لم يتممه.
وكتب الإنشاء بديوان الموصل لملك الرحيم بدر الدين –أدام الله نعمة عليه- مديدة؛ ثم استعفى من ذلك.
وكان نبيهًا نبيلاً فاضلاً عاقلاً متنسِّكًا ورعًا حسن الأخلاق جميل الخطاب أقتدر على أمره بالتدين وإيثار العزلة لنفسه والتصوف.
وكان –مع ذلك- شاعراً مقصداً، له منظوم ومنثور لم يقصّر في إنشائهما،
وانتظمت بيني وبينه مودة مؤكَّدة، وصحبة محكمة الأسباب.
وأنشدني من شعره كثيراً في كل فنّ، وكتبه إلي بخط يده في جزء، ومما أنشدني لنفسه –رحمه الله تعالى- يمدح الأمير الكبير أمين الدين أبا المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري بالموصل:
أمطرت سحب جفني الفيَّاضحين أبدت محاسنًا كالرياض
أعرضت يوم أعرضت يالقلبضاع بين الأعراض والإعراض
/ ب/ وأرتني حمر المنايا ضحى افترت تمشي خلال ذاك البياض
علَّمتني طريقة المطل في الحبِّ وعلَّمتها طريق التَّقاضي
من مجبيري من ظبية عقد السِّحر بأجفانها الصِّحاح المراض
رضيت في الهوى بقتلي وإنِّيفي الهوى بالسَّلام منها لراضي
حبًّذا حبًّذا الدُّهور الخواليبلوى الرَّمل واللَّيالي المواضي
وعهود عهدتنا بالحمى لميرمها الدَّهر ناكثًا بانتقاض
حين عيشي بقرب عائشة رغد شهي الإحلاء والإحماض
وعيون الرَّقيب مغضبة والدَّهر طوع في سائر الأغراض
زمن بعت حزنه بالمسرَّات وكانت تجارة عن تراضي
جاد أكنافه فروَّى رباهكلُّ جود من الحيأ فيَّاض
كندى الماجد الجوأد أمين الدِّين ربِّ الأيدي الطِّوال العراض
ملك يسند النَّوال إليهفي حديث عن جوده مستفاض
يقصد الحمد ربعه من جميع الأرض قصد السِّهأم للأغراض
فتكت بالثَّناء أخلاقهالغرُّ ولا مثل فتكه البرَّاض
خائض غمرة الوغى والمناياواقفات حيث المواضي مواضي
/ أ/ وحماة الخميس كالأسد والمرَّان قد حفَّ جمعهم كالغياض
صان بالمال عرضه إذ غدابالمال صون الأحساب والأعراض
يتلقَّى ذنب المسيء وإن أكبر عنه بالصَّفح والإغماض
فمتى أومضت صوارمه سحَّت نجيعًا عن ذلك الإيماض
أسخط المال في رضا المجد والمجد عن المرء أسخط المال راضي
وقضت بالغنى لراجيه يمناه فأزرت حكمًا على كلِّ قاضي
يقظ العزم والسِّهام لدى الهيجا نيام سواهمًا في الوفاض
راش كفَّ الورى وقد حصَّتهأيدي العدا يلا
وحمى جانبي وأفعم بالمعروف دون الأنام طرّاً حياضي
فاستمعها من عبد إحسانك الرَّافل في ثوب برِّك الفضفاض
واعتمد بسطها عروسًا وقد جاءت لفرط الحياء ذات أنقباض
باقيًا للثناء فيك اعتراب أبن زهير والحارث بن مضاض
وأنشدني أيضًا لنفسه –وهي غزل- قصيدة لم ينشدها في أحد:
دعوه كما شاء الغرام يكونفلست وإن خان العهود أمين
/ ب/ ولينوا له في قولكم ما أستطعتمعسى قلبه القاسي عليَّ يلين
وبثُّوا صباباتي إليه وكرِّرواحديثي عليه فالحديث شجون
بنفسي الألى بأنواعن العين حقبةوحبُّهم في القلب ليس يبين
وسلٌّوا على العشَّاق يوم تحمَّلواسيوفًا لها وطف الجفون جفون
لئن سمحوا عند الوداع بمهجتيفإنِّي على علم بها لضنين
أأصغي إلى العذَّال فيهم وما وفوابوعدهم إنِّي إذن لخؤون
ويطمع في السلوان قلبي حيالهوليس له إلاَّ الصَّبابة دين
سلام على ذاك الوداد فإنَّهوداد على مرِّ الزِّمان مصون
هم عاهدوا أن لا يعينوا على دميوكلٌّ عليهم بالصُّدود معين
وهم حلفوا ألاَّ يخونون في الهوىوليس لمخضول البنان يمين
خذوا بدمي يا أهل ودِّي فإنَّهدم سفكته بالفتور عيون
ودونكم وادي العقيق فلي بهحقوق هوى لا تقتضي وديون
وكيف لقائي من أحب وبيننامهامه بيد لا ترام وبين
بحقِّ ودادي في هواكم وإنِّهايمين أمرئ في الحب ليس يمين
أعبدوا بإحسان ليالينا الَّتيتقضِّت فقد ساءت بهمَّ ظنون
/ أ/ ولا تمنعوني زورة من خيالكمفقلبي بها لو تعلمون رهين
يحنُّ إذا هبَّت من الغور نسمةوهل ينفع الصَّب الكئيب حنين
ويقلق إن جنَّ الظَّلام كأنَّمابه من تباريح الغرام جنون
ذلول لمن يبغي هواه وإنَّهعلى من يروم الصًّبر منه حرون
معذِّب قلبي بألصُّدود إذا أنقضتفنون به عادت عليَّ فنون
اللواله المشتاق من ألم الجوىشفاء به بعض الأساة ضمين
يزيد إذا ظن الفراق صبابةووجداً كأنَّ الظَّنَّ منه يقين
ويهتزُّ من شوق إلى البان إن سرىنسيم صبًا تهتزُّ منه غصون
وتوقظه بعد المشيب إلى الصِّباعيون نيام بالثًّنية عون
أعيذك من داء أقاسيه إنَّهمع الدَّهر داء في الفؤاد دفين
وشوق كمين في الحشا إن لقيتهبجيش اصطبار عاد منه كمين
فلا تحرموا سمعي حديث حديثكمفلي وله دون القديم شؤون
ولا تودعوا سرِّي أمينًا سوى الكرىأليس على سرِّ سواه أمين
دعوني وصرف الحادثات فإنَّنيأعزُّ وصرف الحادثات يهون
ولا تعجبوا إن نال جوني ثروةوعزّا منيع الجنب من هو دون
/ ب/ فهاتيك أخلاق الزَّمان مضى بهاقرون على آثارهن قرون
رمتني يد الأيام عن قوس صرفهابسهم ردًى يصمي وليس يبين
وشبت ولم أبلغ ثلاثين حجًّةلجور زمان ما عليه معين
فقل لحسودي مت بغيظ وحسرةوقل لزماني كيف شاء يكون
فلي من فلان الدِّين جار من الرَّدىمجير ودخض في الخطوب حصين
وأنشدني قوله من أبيات:
يا خير من ترتجى في الخير همَّتهومن ندى كفِّه يغني عن المطر
قد كنت عوَّدتني عادات ذي كرمتعجيل حاجي وتفضيلي على البشر
فجئت نحوك هذا العام ملتمسًاما كنت عوِّدته في سالف العمر
فعدت ذا خجل باليأس مشتملاًمكرِّراً قول ميت دارس الأثر
هذي الأرأمل قد قضَّيت حاجتهافما لحاجة هذا الأرمل الذكر
فانعم نعمت بسطر الرّوز مغتنمًاشكراً يدوم دوام الأنجم الزُّهر
وأكسب ثناء يزين العمر رائقهأتأك منتظمًا في زيِّ مستتر
فالحسن يظهر في شيئين رونقهبيت من الشِّعر أو بيت من الشَّعر
وله:
/ أ/ ولمَّا حدا الحادي بعيسهم ضحًىولم يبق في غير التَّفرُّق مطمع
وقفنا فداع لا يجاب دعاؤهومستشفع بالدًّم ليس يشفَّع
وقال:
إذا أضحكتك صروف الزَّمانفقد ضحكت منك لو تفطن
فلا يغرنَّك لين العدوِّفإنًّ بمقداره يخشن
وله:
وملآن من ضغن عليَّ مقطِّبكساني وقد عرِّيت منها ذنوبه
لوى وجهه غنِّي غداة لقيتهكأنِّي مرآة أرته عيوبه
وقوله:
أعيذك أن أرى زمنًا طويلاًببابك لا أحلُّ ولا أسير
وأحجب عنك في سبب حقيرولا الله ما مثلي حقير
وأمنع حسن رأيك في زمانوملك أنت أنت به الوزير
أغار عليك من مطلي لأنِّيمحبُّ والمحبُّ كذا غيور
وقال بديهًا يصف سيفًا وقد سلّ ذلك بحضرة السلطان أتابك ب/ الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه –﵁:
وأبيض من طبع الهنود تخالهإذا هزَّ في الهيجا سنًى متلهِّبا
متى سلَّة السُّلطان مسعود لم تجدأسود الشَّرى عن منهل الموت مهربا
حسام وغى مذ فضِّضت شفراتهصقالاً غدا للهام في الحرب مذهبا
وقال أيضًا في المعنى:
ومهنَّد ماضي الغرار مجرَّدفي غير معركة وسفك دماء
عني القيون به فجاء كما أرتضوامن بعد كدًّ وأرتكاب عناء
وافي الفرند كأنَّما نسجت لهأيدي صياقله قميص هباء
ما هزَّ يوم الرَّوع إلاَّ خلتهأفعى تقلَّب في حشار مضاء
وله: [من مجزور الرمل]
ضاع قلبي فانشدهفي هوى من لا يسمَّى
صنم مازال مفتونًا به العالم قدما
طاب ورد الخدِّ منهيأنعًا عضًّا وشمَّا
خضت في بحر هواهسابحًا إمَّا وإمَّا
/ أ/ وقال أيضًا بديهًا، وقد سئل القول في النبي ﷺ:
ذاك النَّبي الَّذي مناقبهأكثر من أن يحوزها حصر
ذو الشرف الأطول الَّذي أبتهج الرُّكن به والمقام والحجر
بمدحه نزل الكتاب فماهذا الَّذي فيه يبلغ الشِّعر
إنشقًّ إيوان فارس فرقًامنه وطفَّا نيرانها الذُّعر
ذلَّت خضوعًا لعزِّة اللاَّت والعزَّى وهان الصَّليب والكفر
وليس لي إن تأخرت مدحيعنه وقد صحَّ مقولي عذر
وقال في رجلين أحدهما يلقب بالشمس والآخر بالبدر وقد زاره:
يحلُّ للدار أن تختال شامخةعلى السَّماء وتثني عطفها تيها
إذ أضحت الشَّمس تسري في منازلهاوأصبح البدر يسعى في حواشيها
وقال على لسان شخص سأله ذلك:
يا أحسن الخلق أخلاقًا وأسمحهموأذكر النَّاس للمعروف للنَّاس
ويا أجلَّ الورى قدراً وأطيبهمذكراً وأثبتهم جاشًا لدى الباس
/ ب/ حاشاك حاشاك أن ألقى ببابك ممنوعًا ويدخل شمَّاس بن شمَّاس
أظلُّ فيه ذليلاً جدُّ مطَّرحكأنَّني أمويٌّ عند عبَّاسي
إن كانأبداً ... فلست .... له ما عشت بالنَّاسي
وأنشدني لنفسه يرثي والدته –﵂ ووجد عليها وجداً شديداً:
رمتني يد الأيَّام حتَّى كأنَّنيلها غرض والنَّائبات نبال
وعاندني دهري فأصبحت تقتفيرعال الرَّدى منه إلى رعال
فريداً كنصل السَّيف ما إن يشينهشحوب ولا يزري عليه هزال
صبوراً على الأهوال لا يستفزنيإلى طمع في العالمين نوال
ويقعني والماء دان فراتهوقد كظَّني حرُّ الموامي آل
وأصبح غرثانًا عن الزَّاد طاويًاعلى الجوع والأيدي إليه عجال
تكنفني في المجد جدٌّ ووالدوعمٌّ بهم فخر الزَّمان وخال
ونلت ونال الدَّهر منِّي محاربًاوللحرب فيما قد يقال سجال
متى أسرعت نحو الدَّنية أرجلفعلقي عنها والعفاف عقال
أضلُّ إذا كان الهدى باعث الخنىوبعض الهدى لو تعلمون ضلال
/ أ/ ولست أداني النَّقض أنَّي وقد غداالكمال أبي إذ لا يعدُّ كمال
فلا كان يوم لم يزدني به عليحياة ويكسوني الفخار جلال
وأنشدني أيضًا قوله:
ولمَّا تفقَّدت أهل الزَّمانلأصحب منهم صديقًا صدوقا
ولم أر إلاَّ ودود اللِّسانيظهر برّاً ويخفي عقوقا
صحبت الدَّفاتر مستأنسًابهنَّ فكنَّ رفيقًا رفيقا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع