تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه إبراهيم (٣)

وقال:

وذي حنق تغلي مراجل صدرهعليَّ زوى عنِّي العبوس جبينه
يبين محيَّا فكره في مساءتيوذنبي إليه نيلي المجد دونه

وقال:

وربِّ ضعن عليَّ حنقلقيته وهو معرض تيها

فصد عنِّي كأنَّما أنًا مرآة رأى قبح وجهه فيها

ومن نثره، جواب:

"ورد كريم كتاب المجلس الفلانيّ فضرَّف سمعه وشنَّفه، وهذَّب طبعه ولطَّفه، وأسعده بفواضله الدَّارَّة ب/ وأسعفه.

تناوله بيد الثناء والحمد، وتأمَّله بعين الغرام والوجد، وحدَّثه بألسنته الفصاح حتى خيِّل إليه وإنه لسعد، وتمتّع بريَّاه الطيِّب مستغنيًا عن عرار نجد.

أقبِّله تقبيل فم الحبيب، واستروح إله استرواح المريض إلى الطبيب، واستنشق منه طيبًا يزري نسمه على طلِّ كلِّ طيب، وسمع من الفاظه المعجمة ما حقِّر عنده الألفاظ التي يسمعها من الخطيب؛ وطفق يشرح ظرفه في آثاره، ويجتني يانع ثماره، ويقتطف محاسن أزهاره؛ قائلاً بلسان ولائه المبين؛ ﴿سبحان الَّذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مقرنين﴾

لكنه جدد شوقه وما كان عافيًا، وأذكر غرامه ولم يكن ناسيًا، والآن قلب وجهه وحاشاه أن يرى فيه قاسيًا. فرعى الله مولًى أهداه، وسقى الله رسولاً حملته يمناه، وبرّ كتابًا جدّ به إليه سراه. ووجده مشتملاً من ذكر الوجد والغرام، ووصف الشوق الذي لا يزال ينمى على مرَّ الأيام؛ ما ظنّه يخبر به عن خاطره، ويتحدّث أ/ بفحواه عن ضمائره، ويعرب بصادق موَّته عن أول حبِّه وآخره".

جواب آخر:

"أدام الله أيام المجلس السامي، وطرف عن عليائه عين الكمال، وصرف إلى آلائه وجوه الإقبال، ونظم منه قلائد في أعناق الرجال، ولا زال مسعاه في الناس جميلاً، وبرُّه على الخلق جزيلاً، وبقاؤه على بقاء المكارم دليلاً.

ورد الكتاب الكريم الذي أعرب عن المجد وأغرب، وأزال بالأنس الوحشة وأذهب، وأوضح في الموالاة والمصافاة المذهب؛ المنفتحة لكمامه عن زهر الحسن والحسنى، المتصلة به وفود المسار اتصال اللفظ بالمعنى، فتلقاه مستمتعًا برؤيته وريَّاه، متقسم السرور بين لفظه ومعناه، وما تضمنه من الإنعام الذي لا يزال يبديه ويعيده، وتحلو به الأعناق العاطلة عقوده؛ بدعائه المستجاب، وثنائه المستطاب، وحمده الذي يذهب شخص الزمان وليس له ذهاب."

جواب آخر:

/ ب/ "ورد كتاب المجلس السامي؛ أسعد الله أيامه، وجدّد على الأنام إنعامه، وأعلى بإعلاء قدره أعلامه، وعجّل إذلال عدوِّه وإرغامه؛ ولا زال مسعود المصادر والموارد، موقوف المساعي على إقتناء مطلقات المحامد، مبني السعادة على أثبت القواعد وأصحِّ العقائد، فأزال الوحشة الكامنة بأنسه، وجلّى ظلم الأشواق الباطنة بشمسه، وشرف بوصوله يومه على غده وأمسه؛ فتلقاه تلقي الأحباب، واستقبله استقبال الغياب، وفضّه عن جنات عدن المفتحة الأبواب. وقابل ما أودعه من الإنعام بدعاء هو دأبه في ساعات ليله ونهاره، ووظيفته المواظب عليها في عشيه وإبكاره.

وجدَّ به داعي الشوق إلى خدمته، واقتسمته دواعي الغرام إلى مشاهدته، وأمطرته على بعد من سحاب مكارمه ما روّض به روض أمنيته؛ فإن حاول وصف ما وجده من الابتهاج بإقباله، وحواه من السرور عند إظلاله، وما قابله به من الاحترام الواجب على مثله أ/ لأمثاله، فقد رام أمراً يعجز عنه لسانه، ويكلّ فيه بنانه، ويتبلَّد دون إدراكه بيانه؛ والله المسئول أن يوزعه شكر حقوقه الجسام، وأياديه الباقية غرّة في وجه الأيَّام، وتفضلاته التي أضله عماؤها الدائم إظلال الغمام، وفهم ما أشار

إليه في معنى كذا وكذا".

ابتداء كتاب:

"أسعد الله أيام المجلس الفلاني ووالى فضله، وأعلى محلّه، وقرن بالنجاح عقده وحلّه، وجمّل به الزمن وأهله؛ ولا زال كلّ فصيح ناطقًا بحمده، وكلُّ بليغ حامداً لمجده، وكلُّ أمل محققًا في رفده، وكل إنجاز كامنًا في جانب وعده.

وصدرت هذه الخدمة مشتملة على الدعاء الموصوف بالصلاح، والثناء الذي لا يزال يهديه في الغدوّ والرواح، والحمد المتوالي فيه عند الملوِّ والولء الذي أصبح ضميره ابن قيسه فاقسم أن لا براح، والأشواق التي لا تنفك تتجدد، والأتواق التي زفراتها مع ساعات النهار تتردد، والغرام الذي لو كان البحر مدداً لكلماته ب/ لنفد البحر قبل أن ينفد. وكيف لا يكون كذلك وقد أصبح في محبَّته عريقًا، وغدا في بحر فواضله غريقا، وصار لرفيق إحسانه رفيقًا: ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾.

إبراهيم بن محمد بن معالى بن عبد الكريم، أبو إسحاق الرقيُّ، المعروف بابن الجبناتيِّ.

قدم الموصل في حداثته، ولم يزل بها قاطنًا إلى أن مات يوم الأحد السادس عشر من المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة.

وكانت ولادته في شهر ذي القعدة سنة أربع وسبعين وخمسمائة.

صحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريان النحوي، وتأدّب عليه ودرس فقه الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- وصار معيد درسه بالمدرسة العَّزيَّة التي أنشأها أتابك نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود –﵁ وكان خازن كتبها وكتب المدرسة العِّزيًّة التي مقابلها؛ مضافًا إلى الإعادة.

رجل طويل كهل، نزل الشيب بعارضيه. كان رجلاً عاقلاً محترمًا عند الناس،

رزينًا وجيهًا، ذا فضل وعلم، له شعر حسن في مديح أ/ وغزل.

أنشدني لنفسه يمدح الملك القاهر عّز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود –﵁ ويهنئه بالنوروز:

بات يدير الرُّضا والضَّربانشوان يهتزُّ صبوة وصبا
يجلو علينا جبينه قمراًمكلَّلاً بالجمال معتصبا

يغضب من أن رمت تقبيل خدَّيه ويا حسنه إذا غضبا

ظبي يعاني من فتكه أسدمختلسًا للنُّفوس منتهبا

طلق المحيَّا تلفاه ما لم تسم وصلاً فإن سمت وصله غضبا

قام وضوء الصَّباح قد مدَّ في الشَّرق شعاعًا والنَّجم قد غربا

وهزَّ أعطأفه فأسكرناوما شربنا خمراً وما شربا
وحثَّ راحًا كالشَّمس جلَّلهاحبابها عند مزجها شهبا
في روضة جادها الوليُّ كماسحَّ عليها الوسميُّ وانسكبا

فأصبحت غبَّ ذلك تربو وتهتزُّ وتبدي من وشيها عجبا

والطَّير يشدو في دوحه فإذاجاوبه الزِّير صأح وانتحبا
إذا أنقلبنا منها وجدت لنابدير باتحائيل منقلبا
/ ب/ نأوي إليه ليلاً فنسمع منرهبانه ما يزيدنا طربا

هذا وبدر السماء يرمي على دجلة من نار نوره لهبا

فتحسب الماء إذ يخالطه الشُّعاع ثوبًا مغرَّقًا ذهبا

ونحن في فتية تخيَّرهمللَّهو فصل الرَّبيع وانتخبا
مثل الدَّراري يزينهم كرمضمُّوا إليه المجون والآدبا
نختلس العيش في حمى ملكسمح يرى الحمد خير ما اكتسبا
سهل إذا ما الزَّمان دان لهفإن رأى ما يريبه صعبا
كالغيث للمعتفى إذا وهباوالَّيث للمعتدي إذا وثبا
نابته آمالنا وقد سدنتفقراً فزوَّى من كفِّه نسبا
إذا اعتلقنا من ظلِّه سببًالم نخش يومًا من حادث سببا
يا ملكًا لم تجد أناملهإلاَّ وبذَّت بسحِّها السُّحبا
تهنّ هذا النَّوروز والعشروالنَّحر وعش تستجدَّها حقبا
فما نبالي إذا بقيت لناما فات من عيشنا وما ذهبا

وقال يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود –﵀:

/ أ/ سل الربع عن سكَّانه أين يمَّمواسروا وهواهم بالفؤاد مخيِّم
تولَّوا فيا لله من شقيت بهمنفوس بمرآهم تلذَّ وتنعم
أحلُّوا دم العاني بوشك رحيلهموذادوا الكرى عن ناظريه وحرَّموا
وما ضرَّهم يوم استقلُّوا لو أنَّهمأشاروا بإيماض اللَّحاظ وسلُّموا
تنسَّمت أرجو نفحة من ديارهموهيهات ما أرجو وما أتنسم
وقدمًا سمعت البعد يعقب سلوةفها أنا ذا صبٌّ مع البعد مغرم
وحاولت أن أحظى بطيف خيالهموأنَّى مع التَّسهيد طيف مسلِّم
هو الدَّهر لا ينفك حادث خطبهيجوز على الحرِّ الكريم ويظلم
سألجأ من صرف الزَّمان وريبهإلى ملك يحمي الجوار ويعصم
ففي ظلَّ نور الدِّين لي متفيأمنيع يقي من سوء ما أتوهّم
شديد الإبا ماضي الثَّنا غامر الحياخصيب الرُّبى يعطي الجزيل وينعم
رحيب الفنا عالي السَّنى كاسب الثَّنامشيد البنا مولي الغنى متكرم
بطائره الميمون يستنزل الحياوتستدفع الجلَّى به حين يقدم
يضيء دجى اللَّيل البهيم جبينهوإمَّا سطا فاليوم بالنَّقع مظلم
تسيخ الرَّواسي الشُّم خيفة بأسهسراعًا وتطفو خفَّةً حين يحلم
/ ب/ إذا ما انتضى العضب الجراز انتضى بهعلى الموت موتًا يستضير وينقم
ومهما أحتبى في المنتدى بنجادهعنا اللَّيث وأنقاد الخميس العرمرم
فلا موت إلاَّ حين يزأر مغضبًاولا عيش إلاَّ حين ما يتبسم
ولا عزَّ إلاَّ في جوار جنابهولا ذلَّ إلاَّ حين يجفو ويصرم
بصير بأخرى الأمر من قبل بدئهخبير بفص الأمر والأمر مبهم
تحلَّى بعزم لا يجاريه صارموبالجزم طرّاً لا يباريه لهذم
تكنَّفت الحدباء منه مملَّكًايعالج أدواء الخطوب ويحسم
فيا نبعة الملك الأثيل غراسهويا باني المجد الَّذي لا يهدم
فداؤك روحي ليس لي فوقها فدىوذلك أقصى ما تعاطاه معدم
سقى الموصل الحدباء كلُّ ملثَّةتسحُّ على أكنافها وتديِّم
فما هي إلاَّ روضة طاب نشرهاًيهشُّ إليها النَّاظر المتوسِّم
تفوَّقت ......... العلم منها وصار ليلسان يجيد النَّثر فيها وينظم
ولا بدع أن يمتاحها كلُّ واردويصدر عنها سجله وهو مفعم
فقد أصبحت للعلم داراً ومعلمًافسيحًا إليه يفزع المتعلِّم
سأرحل عنها مكرهًا متأسِّفًاوأعظم بما ألقى ومأ أتجسم
/ أ/ وأودعها درَّ القريض مودِّعًاوأسلب فيها درَّ دمعي وأسجم
وأتحفها ممَّا جبتني مدائحًاهي الدُّرّ حسنًا بل أجلُّ وأعظم
قوافي لو مرت بسحبان وائلثناءً لأضحى وهو ألكن أعجم
ولا برحت مأنوسة بمليكهًاتتيه به منها ربوع وأرسم
ولا زال دست الملك منه متوًّجًابهاءً مدى الأيَّام ينمى ويعظم

وقال أيضًا:

كلُّ كفٍّ تجود من غير وعدنعمًا توسع البريَّة برَّا

وإذا ما وعدت كانت ببًذل الجود للمعتقين أولى وأحرى

لست من يقتضيك وعداً ولكنخفت نسيانه فجددت ذكرا

وله:

زارني من أحب واللَّيل داجفأعاد الظَّلام عندي صباحا
وثنى عطفه فعاينت غصنًاوجلا ثغره فخلت أقاحا

إبراهيم بن محاسن بن عبد الملك بن عليِّ بن نجا التنوخيُّ، أبو إسحق الدمشقيُّ.

من أهل دمشق. كانت ولادته غي إحدى الجماديين سنة ستمائة.

كان والده من العلماء المتفننين في وقته في علوم الشريعة؛ إمامًا زاهداً متعبداً في نفسه، ذا دين وتقوى.

وابنه هذا شاهدته بحلب وهو شاب فاضل حافظ للقرآن العزيز، عارف بالنحو واللغة والعربية، مستظهراً جملة وافرة من الأشعار، فهمًا للمعاني، متكلمًا مناظراً، يبحث بحثًا جيداً في كل فن من العلوم حتى تميّز على أبناء جنسه بذكائه، وقوة فطنته.

وكان يسكن بيتًا ببعض مدارسها، ولم يكن .......، وعاشر جماعة من أماثلها وصدورها؛ فأقبلوا عليه. وكان يغشى منازلهم في بعض الأوقات، ثم ينقبض عنهم ويتجنبهم؛ وفي جملة من كان يغشى عون الدين أبا المظفر سليمان بن عبد المجيد بن العجمي. وكان يرغب في معاشرته؛ وربما انبسط معه وداعبه في مجالس أنسه.

ثم إنه نبزه بالَّزلزول، فامتعض من أجل هذا اللقب، وأظهر غيظًا، فلما رآه أنه قد اغتاظ، دسّ غلمانه عليه، فكان إذا أقبل صاحوا عليه بهذا النبز. فتوغر صدره عليه حتى كاد يتلف غيظًا، فحمله الغيظ على أن صار يكتب رقاعًا يودعها هجواً شنيعًا مقذعًا في العون بن العجمي، ويلقيها في أبواب الدور التي ............ الكبار من أهل حلب وبني عمّه. ويمزقه فيها كلَّ ممزق، ويشتره أقبح التشتير حتى كتب ما يقارب خمسمائة رقعة، وشاعت في المدينة وتداولها الناس وحفظوها وتحدّثوا بها؛ فعظم ذلك على العون، ولجّ في طلبه وفحص عمن يفعل ذلك ولم يعلم من كان يكتبها .............، فقبض عليه العون أنهى أمره إلى حاكم البلد والمستولي عليه فحكَّمه فيه وأهدر دمه؛

فاعتقله في منزله، وهمَّ جماعته بقتله فلم يمكنهم العون من ذلك ......].

أنشدني لنفسه:

/ ب/ أيا من شكا الهجر المبرِّج بالصَّبلقد أقرحت شكواك يا منيتي قلبي
وأسبلت دمعًا من جفوني أقلُّهإذا ضنِّت الأنواء يعيى عن السُّحب
وأعجب شيء قاتل يشتكي الجوىإلى مغرم أشجانه ذكرها يصبي
على كبدي أضعاف ما أنت واجدمن الشَّوق والبلبال والوجد والكرب
إذا كنت في قلبي مقيمًا وناظرييراك بعين الفكر مع كثرة الحجب
فلا حاجى لي أن أخاطب ساكنًابقلبي في طيِّ الرَّسائل والكتب
ولي أنَّه ما تنقضي وتوجُّععليكم وأشجان أكتِّمها صحبي
فلو ظهرت أسرار وجدي لعطِّلتأحاديث أهل الحبِّ يا سالبي لبِّي
يهيِّجني ليلاً حمائم دوحكمولولاك ما هأج الحمائم للصبِّ
وإن خطرت عند الصَّباح نسيمةلها أرج منكم أقول لها: هبَّي
ولا تقطعي ريَّاهم عن متيَّمبه من هواهم ما يجلُّ عن الخطب
متى ينقضي هذا البعاد وأجتنيبطيب التَّداني منكم ثمر الحبِّ
وأصبح في أمن الصَّدِّ والجفاوأسعد من بعد التَّباعد بالقرب
أجلُّك أن أشكو إليك صبابتيوأشفق أن أشكو هواك إلى رِّبي
وأصبح ظمانًا إلى ورد وصلكمعسى شربة من ذك المورد العذب
/ أ/ زعمت وصالي طبُّ سقمك يا منىفؤادي من لي أن أفوز بذا الطِّبِّ
ويطلب رفقًا من أسير هواك فيجوانحه ما بين قلب إلى خلب
أيا من يشهِّيني إلى طيب وصلهويصطاد قلبي بالحديث الَّذي يسبي
ويظهر لي شوقًا ونحن شبيهناإذا خفق التَّشبيه كالحوت والشَّبِّ
ولاحظَّ لي منه سوى الهجر والقلىوتعذيب قلبي بالدَّلال وبالعجب
فلو كنت في دعوى المحبَّة صادقًالواصلتني من غير قولي لكم عج بي

إبراهيم بن حامد بن عطا بن حامد بن محمد بن نبهان بن عيسى بن عبيد الله بن بشر بن ريان الأسديُّ الحورانيُّ.

مولده بشبهة –قرية من أعمال بصرى من الثغور الشامية- سنة إحدى عشرة وستمائة.

أنشدني لنفسه يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين –خلّد الله دولته:

حرم له من ذي الجلال ذماموصلاة قدس طاهر وسلام
حرم يفوق النَّيِّرين ومنزلأضحى له فوق السِّمًاك مقام
/ ب/ فلئن سعدت بقربه وبلثمهفلأنت في الدَّارين لست تضام
قد زين الله البلاد بدولةما شابها ظلم ولا إظلام
بإمامنا المنصور فاخر دينناًطود الحجى إن خفت الأحلام
جبل الحلوم رسا وخير خليفةنيطت به في الأعصر الأحكام
من ذا يحيط بوصفه وهو الَّذيقد قصَّرت عن كنهه الأفهام
لو رامت الأقلام تكتب فضلهما أدركت ما رامت الأقلام
تزهى المنابر حين يذكر وصفهطربا ويحسن في نهاه نظام

مستنصر بالله حافظ حرمة الإسلام ليس عن الأنام ينام

فيه قوام الدِّين والدُّنيا معًاوالله شاهد ذاك والإسلام
ما همُّه في لذَّة بل همُّهأن تجبر الضُّعفاء والأيتام
هو بدر أرض الله والدُّنيا لهفلك كواكبها له خدَّام
خير الخلائق وابن عمِّ محمَّدأحكأمه لزمانه إحكام
هو كعبة القصَّاد والحرم الَّذيًأبداً له الإحلال والإحرام
طافت به الآمال وهي نوافرما قأدهن إلى سواه زمام
عمَّ الخلائق من فواضل جودهبنواله الأنفال والأنعام
/ أ/ عدل الزَّمان بخلقه وبخلقهفتباشرت بخلاله الأيَّام
لولا هداه لما أستبان لذي النُّهىرشد ولا نقض ولا إبرام
يبقى أمير المؤمنين فإنَّهللدين والدُّنيا حيًا وقوام
دينًا أشاد عمادهلعلاكم الإجلال والإعظام
وعلوتم في العالمين إلى مدىسأم يقصِّر دونه الأوهام
هم حجَّة ومحجَّة لولائهتتطهر الأوزار والآثام
تحيا به ذمم المكارم والنَّدىويموت من إفضاله الإعدام
زهرت به الدُّنيا فطاب نعيمهاوتواصلت بحنوه الأرحام
ففخاره في كلِّ فخر أوَّلوثناه للمسك الذّكيِّ ختام
ولكم قطعت إليه من ديمومةغبراء لا دبب ولا آرام
يمَّمتهاوقد حمي الحصى ... بهجيرها وبها النَّسيم سهام
والآل يلمع في القفار كأنهللناظرين يحوزها أعلام
علَّلتها بثنا الإمام فأرقلتمثل الظَّليم وقد حداه ظلام
حتَّى أفوز بلثم ترب لثمهشرف ومن جور الزَّمان ذمام
وموارد ما مسَ وارد فضلهاأبداً على طول الزَّمان أوام
/ ب/ فالله يحرسه لأمَّة أحمدما ناح في الغصن النَّضير حمام

إبراهيم بن عمر بن سعد بن محمد، أبو إسحاق ......

الشهر كرديُّ، المعروف بابن البوريانيِّ الخطيب.

وهو من قرية تدعى شهر كرد بين دقوق وقلعة كرخيني. وكان يتولّى خطابتها.

شاهدته بإربل شيخًا من أهل الفضل والصلاح وحفظ القرآن والمتفقهة. ويرجع في الشعر إلى سلامة قريحة.

أنشدني لنفسه سنة ستٍّ وعشرين وستمائة ما كتبه إلى صديق له يستمد منه الشفاعة في حاجة عرضت له:

شكوت دهري إلى خلٍّ فأرشدنيإلى كريم يزيل الهمَّ والكربا
وقال: لا تلح دهراً فيه سيِّدهفذا أقام منار الدِّين والأدبا!
فقلت: من ذاك قل لي ناصحي وحزتشكراً أضمنه الأوراق والكتبا
فقال: واعجبًا من ذي نهى ندسعداه فضل سديد الدِّين واعجبا
الألمعيِّ الَّذي ما خاب منتجعجناته من حوى من برِّه نشبا
/ أ/ الأريحي وستر الجود منسبلومن
وقد زففت إليه بكر قارفيةعمداً ليمهرها من جوده الأربا
ولست أطلب لا تبراً ولا ورقًابل اعتناء يفوق التِّبر والنَّسبا
وإن تحصل ما أبغي بهمَّتهوإن تعجَّل من إحسانه الطَّلبا

إبراهيم بن نصر بن عيسى بن عليِّ بن أحمد بن الحسين بن عليِّ بن خزريّ، أبو إسحاق بن أبي الفتح العباديُّ الموصليُّ.

رجل مكتهل أشقر اللون. كان والده إليه الإستيفاء في الدولة الأتابكية، نافذ الأمر فيها، مقبولاً في آرائه؛ وأخباره في ذلك مأثورة على ما يأتي ذكره في موضعه –إن شاء الله تعالى-.

ونشأ ولده وتخلّق بأخلاقه، وتولّى التصرف في الأعمال السلطانية، ونظر في الأشغال الديوانية، ولم يزل كذلك بسيط الجاه، ذا أمر ونهي حتى فارق الموصل متوجهًا نحو البلاد الشامية [هاربًا فهدمت داره بالموصل، أمر بهدمها بدر الدين لؤلؤ مليكها]. واتصل بملوكها بني أيوب فأحسنوا إليه إحسانًا عظيمًا.

/ ب/ ثم إنَّه عاود الموصل في جمادى الأولى سنة ثلاثين وستمائة، فرتبه الملك الرحيم بدر الدين سلطانها –أعز الله أنصاره- عارض الجيش، وولاّه النظر في ملكه الخاص، وزيد في إكرامه.

سألت أبا إسحاق عن مولده، فقال: ولدت يوم الأربعاء سابع عشر المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بالموصل.

وحفظ القرآن الكريم، وقرأ شيئًا من الفقه والأدب، وسمع كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" على مصنفه أبي السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري؛ وله إجازات من عدّة مشايخ.

وهو متفرّد بعلم الحساب والمساحة، ومعرفة مسائله. والتبريز في التصرف وقوانينه.

أنشدني لنفسه يمدح الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضل –أنفذ الله أمره ونهيه- بالخلعة التي شرفه بها الخليفة المستنصر بالله أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور –خلّد الله ملكه وسلطانه-:

مولاي يا مالك رقِّي الَّذيببأسه يدفع صرف اللَّيال
/ أ/ ملكت بالعدل قلوب الورىوحاميًا عنهم بعضب ومال
أعطيهم فوق الَّذي أمَّلواوجدت للسائل قبل السُّؤال
فجاءك السُّلطان عفواً وقدنصَّ الإمام العصر قبلكم وقال
طاعة بدر الدِّين لي طاعةومن عصاه ذاق طعم الوبال
يا واحد الدَّهر وسلطانناومن له في كلِّ ناد نوال

ومنها يقول:

فاسعد بهذا الملك في دولةخالدة محروسة من زوال

وليهن عصر أنت سلطانه .. وليلفك الرَّحمان عين الكمال

[وقال أيضًا يمدح الملك القاهر عزّ الدين مسعود بن أرسلان شاه:

يا أيَّها الملك الَّذي بمغيبهحجب الكرى عن مقلتي ونفَّرا
عوفيت من ألم غدا متعرِّضًابمزاجك المحروس يا خير الورى
يا ليته إذ لم يجد إلاَّك ذاعفو أتى من ذنبه مستغفراً]

إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد، أبو نصر بن أبي الفضائل الشيبانيُّ، المعروف بابن القفطيِّ.

وهو أخو الوزير القاضي الأكرم وزير حلب، وسيأتي نسبه مستوعبًا في ترجمة أخيه –إن شاء الله تعالى-.

أخبرنا أنه ولد في رابع عشر المحرّم ب/ سنة أربع وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدس –حمى الله حوزته-.

وكان والده القاضي الأشرف كاتبًا في دولة بني أيوب، يتولّى ذلك بالبيت المقدس، فهاجر إلى اليمن واستوطنها إلى أن توفي بها، وخلف ولده هذا أبا نصر صغيراً فتوجه إلى حلب وعمره يومئذ سبع سنين؛ فقرأ شيئًا من الأدب على أخيه، وسمع الحديث كثيراً على الشريف افتخار الدين الهاشمي، وأبي محمد عبد الرحمن بن الأستاذ الحلبي وغيره.

/ أ/ وأهزم جيوش الهمِّ عنك بعانسبكر بغير القار لم تتلفَّع
شمطاء تذكر آدمًا في طينهوتريك في الظَّلماء معجز يوشع

وأنشدني أيضًا لنفسه:

طلَّقت لهوي ثلاثًا حين طالعنيمن ثغره ...... شيبي البادي
فهل يليق بي الرّجعى وقد شهرتظباه من شفرتى همٍّ وميلاد

وأنشدني أيضًا لنفسه:

ليست عهود هواك ممَّا تنقضأبداً ولا الحرمات ممَّا ترفض
فعلام تتَّخذ الملالة ملَّةوتميل ميل معاند يتعرَّض
أفردتني بالسُّقم مذ أوردتنيفي القسم مورد من يغصَّ ويجرض
أضرمت ناراً في ضميري وقدهاوبوجنتيك لها شعاع مومض
حكم الجوى أنَّ الأسى لا ينقضيأبداً وأنَّ أخا الهوى لا يغرض

هيهات والذكرى تحرِّك ساكن البلوى وحادي الإشتياق يحرِّض

وبنفسي الغادون لو عاجوا على الوادي وعادوا مستهامًا أمرضوا

صرفوا عن الأجفان مذ سدفوا الكرىوإلى محاجرها المدامع قوَّضوا
إن فيَّضوا ماء العبون فإنَّهمعين التَّبصُّر والتَّجلُّد غيَّضوا
/ ب/ الله جارهم الجوارح بعدهممجروحة والقلب دام مرمض
وعلى تجنِّيهم فليس سواهمغرض ولا عن حبِّهم متعوَّض
يا كم نهضت وقد نمى ضعفي بماشمُّ الجبال ببعضه لا ينهض
ولقيت من حبٍّ وخبٍّ ماكرأبداً بميدان الغواية يركض
متملِّق بادي النَّفاق وحالبأفواق مذق دهره لا يمخض
يبدي المحبَّة والولاء لسانهوجنانه صلٌّ عليَّ ينضنض

فمن الصَّفاء مبرَّأ ومن الرِّياء مملا ومن المروءة مفضض

ولكلِّ ما أكرمت زاد لامةوملاله أدرانه لا ترحض
فعلى إسعاف الصَّديق بكلِّ ماأسطعيه وله جناحي أخفض
فإذا قسا لا ينته وإذا نأىدانيته وإذا تجانف أغمض
وإذا وفاة وفائه صحَّت ولمتبق الخيانة فيه عزمًا ينبض
هاجرته الهجر الجميل ووجههالمسود عند لقًى ووجهي أبيض

وأنشدني أيضًا لنفسه:

بكيت دمًا فأزورَّ سؤلي مكبراًفعالي فقلت: أرفق فما جئت بالنُّكر
نذرت إذا ما ورتني نحر مقلتيفلمَّا بدا مرآك وفَّيت بالنَّر

/ أ/ وأنشدني أيضًا في المعنى لنفسه:

ولمَّا بدا المحبوب سالت مدامعيدمًا فتولَّى مكبراً سوء فعلتي
فقلت: نحرت القلب من عظم اللِّقالديك فهذا عيد نحر لمهجتي

وأنشدني أيضًا لنفسه في المعنى:

قال حبيبي لمَّا رآنيأذري نجيعًا أرعت سربي
فقلت: من فرحة التَّلاقييا نور عيني نحرت قلبي

وأنشدني أيضًا لنفسه:

لمَّا وقفت جنونيعلى الدُّموع الجواري

فرَّ المنام وقال العوار سكنى العواري

وأنشدني أيضًا لنفسه وقد اقترح هذا المعنى:

حسد الهلال على الجمال معذِّبيفتزيد الأنوار كي يحكيه
ثمَّ اعتراه النَّقض عند كمالهبقصوره عن بعض ما يحويه

وأنشدني لنفسه:

نشدت لمَّا فصلت عيرهموحبُّ قلبي بالنَّوى حصيد
/ ب/ يا سائقي أظعانهم ترفَّقواألأيس منكم رجل رشيد؟
قد كشف الشَّوق غطا صبرنافبصر الدَّمع به حديد
وجنَّة الخدِّ وكوثر اللَّمىلحرقي عليهما خدود
لا تنطفئ بقربه وكلَّماعاودها تقول: هل مزيد

وأنشدني أيضًا لنفسه:

أفدي بسيط الغدر مجتثَّ الوفاوافر سقمي من طويل صدِّه
ذهاب صبري ومقام ضرِّيمن فضَّة مذهبة بخدِّه

وقال: كنت بميافارقين، وبلغني أن أخي أعيد إلى الوزارة للملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر، فقلت، وأنشدنيها لنفسه:

بشراي أبدى البشر بعد تجهُّموأعاضني بشهادة عن علقم
نسخت سنين السُّخط ساعات الرِّضاومحا محمَّدهنَّ كلّ مذمَّم
فرتعت من وجناته في جنَّةمسقيَّة بحيا الحياء المثجم
صفرت يدي من وصله إن لم يكننومي زمان جفاه جدَّ محرَّم
وبمهجتي كلف بوصل قطيعةمغرى بتعذيب المحبِّ المغرم
/ أ/ يرمي المقاتل عن قسي حواجبمن مقلتيه بصائبات الأسهم
سلب العقول مؤشَّر من ثغرهسلب الرِّجال ربيعة بن مكدَّم
من خطِّ عارضه ومقلة خالهقد أفصحت عذبات دمعي الأعجم
يزورُّ إن خاطبته في زورةمتشابهًا ويصول صولة ضيغم

لم أنسه إذ قال لي: يا راكب الشَّهباء خلِّ صبيًّا لراكب أدهم

فشكرت ليلاً من شبابي ظاعنًاوشكوت صبح مقيم شيبي المقتم
فأجابني يا ظالمي قدك أئَّئبوأشكر ثناي لمنجد ولمتهم

وأبشر بتجديد العليِّ الأكرم الصُّنع الجميل لدى عليِّ الأكرم

إبراهيم بن عليِّ بن الحسن بن جريّ، أبو محمد النحويُّ الموصليُّ.

أخبرني أنه ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة بالموصل. زعم أنَّ والده من قرية من قرى العراق تدعى شنا.

استظهر كتاب الله تعالى، وأخذ علم النحو والعربية عن شيخه أبي حفص عمر بن أحمد النحوي ......، صحبه مدّة حياته.

وهو رجل قد وخطه [الشَّيب] ب/ ربعة أسمر. كان يخيط القلانس في ابتداء أمره، على أشد غاية ما يكون من الفقر؛ فلما تميّز في العربية ومهر، صار من أعيان تلامذة الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد العسفي.

اتصل بالأمير أبي الفضل لؤلؤ بن عبد الله البدري بالموصل؛ لتأديب أولاده –فانتفع به وصار يصحبه إلى مدينة السلام حين ينفذ رسولاً، فتمشت أحواله. وحصل رزقًا صالحًا، وأغناه ذلك عن صناعة القلانس.

وكان يصلي الصلوات الخمس بالمدرسة البدرية إمامًا، ويختلف إليها جماعة من فقهائها، يقؤون عليه شيئًا من النحو والعربية. يتولّع بالشعر ويقول منه الشيء النزر.

أنشدني لنفسه يمدح الأمير أمين الدين لؤلؤ ويذكر أولاده من أبيات:

سرور لا يزال على التَّوالييدوم مع الأهلَّة واللَّيالي
وسعد لا يزال لكم قرينًايصرِّف عنكم عين الكمال
لقد ظفرت بما تهوى الأمانيواضحت في انتظام كالآلي
وساعدنا الزَّمان بطيب وقتوولَّى القرُّ منبتَّ الحبال
/ أ/ وقد جاء الرَّبيع بكلِّ فنٍّمن الأزهار مفقود المثال
شبيه خلائق عذبت بصفومن المولى الموفَّق في الفعال
أمين الدِّين مرموق السَّجايًاكريم الخيم مع كرم الخلال
فيا مولى صنائعه شموستسير مع النُّعامي والشَّمال
بلغت من الأماني منتهاهافولدك بالمحاسن في اكتمال
تجمَّع فيهم من كلِّ فضليسود به الأواخر والأوالي
فمن أسد يحمّل يوم روعببيض في الجلاد وبالعوالي
وأحمد في ديانته حميديعدُّ مع الأئمة في المقال
فلا زالا وأنت لهم كفيليحوزان المفاخر والمعالي

وأنشدني لنفسه فيما يكتب على سيف أهدي لأمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –خلّد الله ملكه-:

ولقد سموت على البريَّة رفعهوقصمت كلَّ معاند متجبِّر
لو لم يكن فيَّ الَّذي قد قلتهما كنت فزت براحة المستنصر

وأنشدني أيضًا من شعره:

/ ب/ أيا زمن الصِّبا ولَّيت عنَّاوما أبقيت من أمر بديع
سلبت الأنس من طرف وقلبوحلو العيش من
وقد كنت الأنيس لكل شيءفقد أذهبت أبهة الجميع

وأنشدني أيضًا قوله:

أمتلفتي بوعد في تماديوملبستي سواداً في سواد
لقد أسملت للأسقام جسميوصار الجفن منِّي للسُّهاد
فكفِّي الآن عن هجري وعوديإلى قطع القطيعة والبعاد

وأنشدني أيضُا لنفسه:

أما والَّذي سنَّ التَّحية في الكتبوفضَّل بالإحسأن في البعد والقرب
لقد سبقت منك الأيأدي تفضُّلاًوما زلت تولي
وأوليتني ما لا أقوم ببعضهفحسبي بما أوليتنيه به حسبي
أما والَّذي أحيا المودَّة بالكتبوأقصاك عن عيني وأدناك من قلبي

وأنشدني أيضًا قوله:

/ أ/ كتبت وفي قلبي من الوجد لوعةوعندي شجون من فراق الحبائب
ولولا رجائي أن نعيش ونلتقيلما كنت من وجدي إليكم بكاتب
سلام إليكم ما حننت إليكموما .......... مشتلق بمقدم غائب

وأنشدني أيضًا من شعره:

كتبت وقلبي مستهام وحقُّهيهيم بمن أهدى المسرَّة برقه
فذكَّرني عهداً وما كنت ناسيًاوأوجب شكراً في الصَّحيفة نطقه

إبراهيم بن أبي النجم بن ثريّ بن عليِّ بن ثريّ، أبو إسحاق الموصليُّ

أخبرني أنَّه ولد سنة سبع وثمانين وخمسمائة. [توفي في سنة أربع وخمسين وستمائة بحلب ودفن بالمقام ﵀].

شاب أشقر اللون، أزرق العينين؛ ربما دعي والده بنجم وأبي النجم، جميع ذلك تقوله العامة.

اشتغل وهو صغير بشيء من العلم، وطالع التواريخ وأيام الناس، واستظهر قطعة جيّدة من الأشعار العربية، وحفظ شعر أبي الطيب المتنبي حفظًا حسنًا وفهم معانيه، وقال الشعر؛ ثم أغرى بلعب ب/ النَّرد والشطرنج.

أنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله أيامه وأنشدها في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة بحضرة الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد العلقمي:

دار السلام وقبلة الإسلاموأجلُّ مرتبع وخير مقام
فاستقص في نظم الكلام ونثرهكالدُّر في سلك وحسن نظام
وأعلم بأنَّك واقف بمواقفوقف على التَّبجيل والإعظام
يكسى بها قس فهاهة باقلًويرى الفصيح بحلبة التَّمتام
حيث المقر أقرَّ أنَّ سحابههطل الفواضل صيِّب الإنعام
حرم البُنّوَّة والخلافة والتُّقىنادي النَّدى والفضل والإكرام
تتضاءل الأوصاف عن أوصأفهوتضلُّ فيه هوادي الأفهام
وأبت جلالته مقال كأنهوسما فقصَّر عنه كلٌّ مسامي
فافخروته شرفًا فإنَّك مادحخير المديح بمدح خير إمام

القائم المستنصر المنصور والبرِّ الرَّؤوف الصَّائم القوَّام

هو حجَّة الله البليغة في الورىوالعروة الوثقى بغير فصام
/ أ/ وهو المقدًّس والمطهَّر محتداًمن كلِّ رجس غائب وأثام
وهو الوسلية والمحجَّة والرِّضاوالمرتضى في الحلم والأحكام
والمجتبى والمرتجى والمنتهىفي كلِّ مطلوب ونيل مرام
هو موجد الجود المشتِّت جامعحسن المحاسن معدم الإعدام
ألف المروءة قدر ما ألفت بهما ريع مرضع درِّها بفطام
وتساويا حبًّا وفرط صبابةفكلاهما في صبوة وغرام
ومتى قرنت به الكرام فحالهمفي جوده والحلم والإقدام
كعب ككعب في السِّماح وحاتمحتم عليه النَّقض بعد تمام
ويقلُّ قيس أن يقاس بعبدهحلمًا وأحنف أحنف الأحلام
وابن الطُّفيل غدا كطفل مرضععجزاً ومدَّرعًا بدرع ملام
وعتيبة المعتوب في تقصيرههو مقدم لكن على الإحجام
وإذا الوغى أحتدَّت وكلَّ حديدهاحتَّى تشبَّه فاصل بكهام
وبقسطل النَّقع المثار كأنَّهليل تطلَّع أو طلوع غمام
وكأنَّما لبست به شمس الضَّحىثوبين ثوب دجى وثوب قتام
والخيل تعثر بالطُّلى وتقسَّمتقسمًا لقسَّام وسهم سهام
/ ب/ وترى الدِّماء على الثَّرى فكأنَّماعلَّت به الدَّهناء كأس مدام
تلقى أمير المؤمنين بمنصليبكي النَّجيع ومبسم بسَّام
وقد استعد لحزبه ولحربهرفق الشَّقيق وسطوة الضّرغام
يا بان الخلائف من قريش والألىخلفوا الكرام وخلِّفوا بكرام
يا موتمًا أبناء كلِّ معانددين النَّبيِّ وكافل الأيتام
صلَّى الإله على ابن عمِّك أحمدوعلى أبيك مفضَّل الأعمام
وعليك يا خير البريَّة رتبةمن كلِّ مكتهل وكلِّ غلام
وبقيت في نعم تقارن أنعمًاوسلامة مقرونة بسلام
ما أورقت شجر وأخصب مجدبوتهافتت في الدَّوح ورق حمام

وأنشدني أيضًا لنفسه:

لولا التَّعرُّض بالظِّباء الغيدوولوع قلبك بالمهاة الرُّود
ما صاب خدَّك صيِّب من دمعهوأصاب جفنك صائب التَّسهيد
فغدوت في أرق ترق له العداوعهاد دمع ليس بالمعهود
إن كان أمحل عارض من عارضوأهيل صوب الخدِّ بالتَّخديد
فصبابة حكمت عليك فحكَّمتًوبل المدامع في وبال خدود
/ أ/ واهًا لعان مولع بعنائهجلد على حمل الغرام جليد
كفلت لهيب حشائه نار الجوىوتكفَّلت بفؤاده المفؤود
فطةى على نارين نار واصلتوصل السَّقام به ونار صدود
هذا ولو سلم السَّلامة من ضنًىأقوى القوى منه وحرِّ وقود
قالت جهنَّمه لرِّبههل من مزيد من لظًى ومزيد
ما ذاك إلاَّ أن تعذبت الهوىعذب لكلِّ متيَّم معمود
كلف بحبِّ الرَّملتين فرملةسكنت حشاه ورمله بزرود
يغدو يعالج لا عجًا من عالجفيبيد بالمسرى سرايا البيد
ويروم من آرام رامة موعدًاًيا بعد ما وعدوا وقرب وعيد
ما زال يشكو باللِّوى أشجانهجهد المقلِّ وقلَّة المجهود
حتَّى ترنَّج رنده فكأنَّماسلب القرار بوجده الموجود
وعلى الكثيب الفرد من جرعائهرشأ كخوط البانة الأملود
بهر الدُّجى لمَّا دجأ بذوائبذابت لهأ مهج اللَّيالي السُّود
وأمدَّ نور الصُّبح نور جبينهحتَّى أهتدى بضيائه الممدود
والشَّمس والقمر المنير كلاهمالو مكِّنا همَّا له بسجود
/ ب/ وتودُّ غزلان الصَّريم بميحهاجيداً تخصَّص عنهم في الجيد
ذرِّي مبتسم شتيت واضححلو اللَّمى عذب الرُّضاب برود
لم أنس إذ يسعى بكأس سلافةحدَّث لطافتها عن التحَّديد
والخدُّ ورديُّ اللِّباس وكأسهورديُّة ورد من التَّوريد
فكأنَّ حمرة كأسه من خدِّهكسيت وفاحمه من العنقود
وكأنَّ دقَّة حصره صبٌّ شكاوصب الضَّنى من بنده المعقود
مازال يوليني دنوَّ بعادهقربًا إلى وله عليه شديد
والقلب في صفد المحبَّة هائمًاوارحمتا للهائم المصفود

وله:

سلامًا لقلب همُّه ربه القلبيملُّ من العتبى ويصبوا إلى عتب
كأنَّ علاج الحبِّ ضربة لازبعليه فما ينفكُّ من لاعج الحبَّ
إذا سمته سلمًا ليصبح سالمًامن الجهد عاصاني وجاهد في حربي
يراني من حزب الوصيِّ فما اعتنىلحزبي إلاَّ أنَّه من بني حرب
وقد كنت غرّاً بالغرام فغرَّنيوجرًّد لي من خدِّه مطلق الغرب
وسهَّل لي حزن الهوى فسلكتهوسهل الهوى لا حزنه أصعب الصَّعب
/ أ/ وما برح التَّبريح عنِّي بجانبفها هو بعد البعد جاري بالجنب
وطاوعته رغمًا ومن ذا الورىتبرَّأ من قلب لأبراً من قلبي
عفا الله عنه الآن إن كان مقصراًوإن هو لم يقصر وإن لجَّ في العصب
ألم ير جسمًا قد تجسَّم من ضنًىفعيناه معنيَّان بالسَّلب والسَّكب
يهيم متى هبَّ النَّسيم ولم يزللصبِّ الضَّبا مرُّ الضَّبا أبداً يصبي
ويأرق إمَّا لاح منهنَّ بارقويسرب بي أنَّى رنت مقل السِّرب
وجارية جادت ففاتت بسيفها إلىالحسن من جاري وجادت على الصَّبِّ
محجَّبة لم يغن عنهأ حجابهاوهل يختفي الصُّبح المنير مع الحجب
لعوب من الأتراك خاقات جدُّهأفما نشأت في دار قيس ولا كعب
متى سفرت قلت الغزالة أشرقتأو انتقبت وابن الغزالة في النّقب
وما البدر إلاَّ لمحة من جمالهاولا الشُّهب إلاَّ من قلائدها الشُّهب
لها واضحى أبدى من العذر واضحًالصحبي وقد لاموا فأغرى بها صحبي
وفاحم فرع مفخم كلَّ واصفيضلُّ به الهادي ويذهل ذو اللُّبِّ
وطرف طريف للعقائًل عقلهوطرف لطيف للعقول به يسبي
وعقرب صدغ لسبها داخل الحشاتؤجِّج ناري كلَّما أكثرت لسبي
/ ب/ وتبسم عن ثغر نقيٍّ كأنَّهسنا البرق يهدي في الدُّجى حافر الرًّكب
وما زال إذ لالي بعزِّ دلالهاويلصق إعظامي لها الخدَّ بالتُّرب
ويشتاقها قلب ثوت في صميمهوهذا من المشتاق في غاية العجب
إلى أن ألم الشَّيب وأحتلَّ لمتَّيفمالئت لوَّامي وملت إلى العتب

وقلت لجدِّي أقبل فقد فات ما مضى ..................... أبعد فما وللِّعب

وخلٍّ رأى لبثي بدار مهانةفجرَّأه إصرار لبثي على ثلبي
رآني أعاني ما يعنِّي أقلُّهوقد كاد أن يقضى .... بها نحبى
وبات يعاطيني كؤوس ملامةفأكسبني سكري بها حيرة الضَّبِّ
فقلت له: مأ في نزاعك منزععن القدر الجاري وهذا إلى الرَّب
ولا بأس إن والى الزَّمان عنادهفكم للأسى آس وللداء من طبِّ
وكم رضت أرضًا بالكريم مضرَّةثراها من الإثراء متَّصل الحدب
قضمَّت عرأها في عراها على الَّذيعراها وأغراها فصرت إلى الخصب
فخلِّ الما وأعص الكرى تطع السُّرىوعج بي إلى صهيون فهي المنى عج بي
إلى المطلب الأقصى إلى صيِّب الحياإلى الغاية القصوى إلى المنهل العذب
تجد بذرأها منبت الجود والنَّدىكما في ذراها بالنَّدى منبت العشب
/ أ/ وحيَّ هلاً فيها بملك تواترتإلينا به الأنباء عن فضله تنبي
ملاذ الورى طود الحجى قمر الدُّجىسمام العدا ترب العلا الأروع النًّدب
مظفَّر دين الله عثمان والَّذييعافى به العافي ويعفو عن الذَّنب
فما سمعت أذن بما حاز من علاًولا مرَّ في وهم ولا جاء في الكتب
أجار على جور الخطوب فبأسهعلى كلِّ خطب في الَّزمان من الخطب
وأخلاقه راقت فلو قد تمثَّلتلشرب لما أعتًاقت لديهم عن الشُّرب
فأغضى عن الفحشاء من جفن حرَّةوأمضىً لدى الخيجاء من مفصل عضب
ونمَّ على معروفه طيب عرفهكذا نفحات الرُّوض نمًّت على السُّحب
ونادى مناديه منادي سخائهفجاؤوه أفواجًا من البعد والقرب
فوافوا به عرضًا عن النًّقص معرضًاومالاً لمن وافى صبوراً على النَّهب
وكفًا بما كفَّت من العدم تكتفيودرّاً من النُّعمى بدر على الحلب

فقال الوفا نيلاً ولم يقل ........ على كثرة الإرفاد نائله حسبي

مليك لحجِّ البيت قصد جنابهيناجي بما يرجى فينحى من الكرب
إذا أحتدّ في يوم الهياج وهاجهجلاد يفلُّ الحدَّ من سورة الضَّرب
وقد راح بالأرواح عامل رمحهفأثنت على كرَّاته السن القضب
/ ب/ وأردى العدا تحت السًّنابك وأرتدىمن المجد ثوبًا لا من الوشى والعصب
ولم يرض إلاَّ الهام عمداً لسيفهوأقنعه سلب النُّفوس عن السَّلب
أعأد على من عاد عائد عفوهوأشغله كسب الثَّناء عن الكسب
لك الله أشكو ضنك حالي فأشتكيفأنت الرَّحيب الباع والمربع الرّحب

ودونكها عذراً فلو قال قائل: هي الدُّرُّ لفظًا لم يكن فاه بالكذب

إذا أنشدت في محفل ناب نشرهاعن العنبر الهنديِّ والمندل الرَّطب
وصار لها أبن العبدً عبداً ونقَّصتزياداً وكادت في فصاحتها تربي
وإن بلغت عنها البلاغة أخَّرتقدامة وأختالت على ابن أبي وهب
فدم وابق محروس الجناب مملَّكًاتدين لك الأملاك في الشَّرق والغرب

/ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه بحلب المحروسة في شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة، يمدح الأمير مظفر الدين عثمان بن منكورس –صاحب صهيون- وأنفذها إليه من حلب المحروسة:

نعم هذه نعم وهاتيك دارهاتشبُّ بأعلى الغور للعين نارها
هدت ضمَّراً بالبيد أضمرها السُّرىفأقطارها مهديًّة وقطارها
يريك سناها أنجمًا في سمائهاإذا هاج عاديها وطار شرارها
يقول لي الخلُّ الخليُّ وما درىأزندي أورى من جوى أم أوارها
أنار القرى بين الحشا منك والقرافعينك عبرى ما يقر قرارها
فقلت: لظاها ما تجنُّ أضالعيشهرت بها حينًا فبان أشتهارها
ولفتحها من زفرتي مستعارةألم ترها يحكي سعيري أستعارها
فحقَّ لدمعي أن يواصل مقلةجفا ناظريها نورها ونوارها
إذا جاورت نعم بنعمان جيرةوأبعد عنها قربها وجوارها
وأوجد أنس الوجد منِّي نفورهًاونفَّر طيب النَّوم عنِّي نفارها
وأعوز شكلي في الهوى حين أشكلتمعاني مغانيها وشطَّ مزارها
/ ب/ لها الله إن جادت وإن هي أنصفتعلى جملة الحالين والله جارها
متى شئت تلقى الغصن ريًّان ناظراًعلى الدِّعص فانظر ما يضمُّ إزارها
خفاجيَّة الأنساب عذرية الهوىسما فرعها الزَّاكي وطاب نجارها
حمتها حماة عادلت كلَّ معركفسلَّت مقبسات النُّفوس شعارها
ففي كلِّ لبٍّ روعة من مغارهمكما كلُّ قلب لم يفته مغارها
مليكة حسن الدَّهر فاللَّيل فرعهاووضَّاحها للنّاظرين نهارها
يحرن حسان الحور فيها إذا رنتومن أين للحور الحسان أحورارها
وسيَّان نظمًا ثغرها وعقودهاوشتَّان طعمًا رسقها وعقارها
لها معصم لا عاصم منه لو دعتبه العصم لانقادت وبان أنهيارها
منى البدر أني يلوى إذا ما تسوَّرتولم يسم بدراً بل تعالى سوارها
عجبت لنفسي كيف بالشَّام أصبحتوعن جيرة اتلحدباء كيف أصطبارها
أخيِّرها بين الثَّنيَّة واللِّوىفمأ ينثني إلاَّ إليها أختيارها
يؤرِّقني مرُّ النَّسيم بربعهاويوقظني عند الهجوع أدَّكارها
فللَّه ليلات قصرن لطيبهاوأطيب أوقات السُّرور قصارها
ويا ليت شعري حيث كنَّ عواريًافهل أنا يومًا قبل يومي أعارها
/ أ/ إذ الورق قينات علون أسَّرةمن الأيك يصبي سجعها وثمارها
وصوت المثاني والمثالث معرببلحن غرور في الخدور
إذا ردَّدت أقمارها نغماتهاشدا طربًا قمريُّها وهزارها
فشقَّ قميص الهمِّ عنه شقيقهاوبثَّ شحوب الوجد منه بهارها
وساق يدير الرُّوح روحًا فحبَّذامدير حميَّا كأسها ومدارها
كسا راحه راحًا يريك مزاجهابياض لجين ذاب فيه نضارها
كأنَّ على الياقوت إكليل جوهرإذا أنفض مسلًوبًا وقاري وقارها
أو البدر أبدى الشَّمس للشّرب فاكتسبًحياءً بحباب .... فالدراري
سلاف أتانا سالف الدَّهر بعدهافأعوز عصر كان فيه أعتصارها
فهات كبيراً فالسَّعادة حثُّهاكباراً كما أنَّ الصَّغار صغارها
إذا خفت عاراً واللَّيالي معارةفليس بعار أن يصيبك عارها
أرى هممًا لا تنثني عن دناءةأضرَّ عناهًا أم أضرَّ أضطرارها
ولي همَّة عن مركز العِّز ما خطتًونفس إليه طعنها وسفارها
فيا ويحها ماذا دهاها فأقصرتوعن قصدها صهيون ماذا أنتظارها؟
به أسد إن صال ذلَّت أسودهاوبحر إذا ما فاض غاضت بحارها
/ ب/ فتبًا لها إن خافت الضَّيم والأذىوناصرها عثمانها وانتصارها
مظفر دين الله ناشر عدلهوقد ضاق عن عشم الطُّغاة أقتدارها
مليك على كلِّ البريَّة حكمهوفي قبضتيه برُّها وبوارها
تكفَّلت العافي بيمن يمينهوقد ضمنت يسر المقلِّ يسارها
ففي خمسه للناكثين خميسهاوفي عشره للماكثين عشارها
له محتد أصل العلاء فروعهودوحة فخر لا يبارى فخارها
إلى منكورس القيل والمجد تنتميفمن دونه قحطانها ونزارها
ومسعر حرب إن سطا يوم معركفربح الأعادي في الكفاح خسارها
إذا نازعت أقيالها وتنازعترؤوس حمام لا يدواى خمارها
وظلَّ بها سمُّ المنيَّة نافعًافأرخت ستور النَّقع خوفًا قعارها
جرى سابقًا من لا يشقُّ غبارهبسبَّق خيل لا يشق غبارها
لها عثير بين السَّنابك معتقولكن بأعتاق الكماة عثارها
لتروى ظوام من قنًا وقواضبأبت إذ أثيرت أن يعطَّل نارها
فيصدر عن فري الصدور صدورهاوقد وردت ورد الوريد عقارها
وأضحى رفيعًا قدره واقتدارهوظلَّ وضيعًا قدرها وأقتدارها
/ أ/ على أنَّها لم تأل جهداً وما وقىوقد حذرت لو كان يغني حذارها
وإن أمعنت في الفرِّ من سطواتهفأين من اللَّيث الهصور فرارها
أيا ملكًا كلُّ الملوك مشارهاإليه وفي دفع الأذى مستشارها
ورب أيأد لا يطاول طولهاولكن طوال الطول منها أحتصارها
وغيثًا يرينا غوثه من بنانهسحائب لا تنفَّك تهمي غزارها
لك الله من غضب على الشِّرك مقصلله صفحة أرضى الإله غرارها
فكم مأزق في مأزق رهن حدِّهاوكم مهج هاجت إليه مصارها
تأمَّل قريضًا مأخلا عن مقرِّضوأبكار أفكار يروق أبتكارها
هدت بقوافيها من الفهم حائراًوأوضح سبل السَّالكين منارها
معان على جيد المعالي قلائدعرائس تجلى والفريد نثارها
يفوق شذاها المسك ليس كروضةيمجُّ النَّدى شيحانها وعرارها
ودم في سعود نيِّر بك بدرهاومكِّنه تمكين إليك بدارها

وأنشدني أيضًا لنفسه:

تهادى فكاد الغصن يشبهه قدّاًوأهدى إليه الورد من لونه خدَّا
فجاد على جوريِّه ورد خدِّهوقدَّ قضيب البان أهيفه قدَّا
/ ب/ فريد جمال جوهر الحسن ذاتهفلا غرو إن سمَّيته الجوهر الفردا
حبيب حبا الصَّهباء سلسال ريقهفراقت به طعمًا ورقَّت به بردا
كسا كأسها طيبًا وحلَّى حبابهافصار على إكليلها ثغره عقدا
وأشهد أن الشَّهد من فيه يختشىومن ذا جنى في النَّاس من برد شهدا
هدى الصُّبح لمَّا ضلَّ في ليل فرعهبصبح جبين كلُّ صبح به يهدى
علاه دجوجيٌّ من الشَّعر حالكتخال به قطعًا من اللَّيل مسودَّا
ولمَّا رأى شمس الضُّحى تستمدُّهجملاً وبدر التَّم يلتمس الرِّفدا
ومن ذا لها لو أشرقت من لثامهوكيف له لو كان يرضى به عبدا
له عامل في ناظر تحت حاجبأمير يمير المستهام به الوجدا
تجلَّى فنالا من سناه سناهمًاولولاه ما عادا ولولاه ما عدَّا
يجرِّد هنديًا من اللَّحظ مرهفامتى ما انتضاه جاز في حدِّه الحدَّا
مضاربه جارت وجادت وجالدتفلا جلداً تبقي لديها ولا جلدا
فبين قتيل لاوبين أسير لا يفدَّى ولا يعدى
فيا ساريًا يغري العلاً بمناسمتبيد عراص البيد في سيرها وخدا
إذا جئت وادي المنحنى دون ضارحوعاينت ذاك الرِّيم والبان والرَّندا
/ أ/ فلذ بحمى ذاك الجناب فمن بهإليه مطايا الشَّوق في شوقها تحدا
وقل يا مريح الرُّوح إن كان واصلاًويا رابحًا بالرُّوح إن منح الصَّدَّا
خف الله في صبٍّ من الصَّبر مخفقفخفاقه من فرط حبِّك لا يهدا
تعمَّدت معمود الفؤاد سلبيهفعنَّفته شوقًا وأقصدته قصدا
فإن قال لم أعمد فقد صحًّ قتلهلقيت بلاه إن وفاقًا وإن عمدا
وإن كان يومًا يحياه مسعداًفلا لقيت عتب ولا أسعدت سعدى
وكم لاح لاح في هواه أجبتهوقد ظنَّ ما يبديه من غيِّه لاشدا
عدمتك إنَّ القلب أضحى زمامهبكفِّ مكاف ما أرى منه لي بدَّا
فمغسوله المسكيُّ أوردني الظَّمأوعساله اللَّدنيُّ هدَّ القوى هدَّا
أرى حبَّه فرضًا وإن سنَّ قتلتيوإن هو أخفى من تعدِّيه أو أبدى
وإن هو أولى أو تولَّى وإن وفيبميعاده أفديه أو أخلف الوعدا
وها أنا تصبيني مذاكرة الحمىوأهوى الثَّنايا الغرَّ والفاحم الجعدا
ويطربني مرُّ النَّسيم إذا سرىسحيراً بريَّا جيرة سكنوا نجدا

وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بدر الدين لؤلؤ –صاحب الموصل-:

مولاي عبدك شاكر لم يثنهإبعاده عن شكره وثنائه
/ ب/ ووحقِّ نعمتك الَّتي عمَّ الورىإنعامها فعجزن عن إحصائه
قسمًا وراحتك الَّتي ما جاوزتجود الحيا إلاَّ أحتبى بحبائه
والبحر باراها فبار وكاد مننبط الكابة أن يغيض بمائة
لمَّا رفعت محلَّه في مجلسالنَّصر والإقبال من جلسائه
ووعدته نظراً بعين عنايةفغدا به يسمو على نظرائه
لم يبق في الدُّنيا سواك له رجًافمتى يراك محقِّقًا لرجائه

وأنشدني أيضًا قوله يتغزل:

قل لي عداك غرامي أيُّها البانأبان أهل الغضا للعين أم بانوا
وجيرة بالنَّقا ما خنت عهدهمولا هم لعهودي في الهوى خانوا
أضيعوا العهد أم حالت معاهدهمفحال عهدهم أم هم كما كانوا
إن أضمروا سلوةً حيث اللِّوى سلكوافإنَّهم في ضمير القلب سكَّان
أو أنكر الطَّرف مغناهم فلا عجبفالعقل معتقل واللُّب حيران
ومدمعي ضلَّ حتَّى ما أهتدى بصريأهذه رامة أم تيك نعمان؟
عهدي بعم وشتيت الوصل مجتمععلى الحمى وهم أهل وجيران
فالآن لا الأهل أهل بعد بعدهمعن الطُّول ولا الأوطان أوطان
أبكتهم وجفون السُّحب تنجدنيفالقطر والدَّمع هتَّان وهتان
وأسأل الربع عنهم من تشوِّقهمجهد المقلِّ وما بالربع إنسان

إبراهيم بن المظفر بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب، أبو إسحاق بن أبي العزِّ المستوفي الإربليُّ.

شاب أسمر اللونً؛ أخبرني أنه ولد في المحرم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة؛ وهو ابن أخي الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –﵀؛ وهو من بيت جليل أ/ بإربل في الرئاسة؛ أجلاء معروفون، رؤساء موصوفون.

حفظ القرآن المجيد، ويحفظ حملة من الشعر؛ وهو يتولّى التصرف لأمراء بلده، وفيه ذكاء.

وله شعر أنشدني منه، وكتبه إلى بخطّه:

إلى الله أشكو من هموم تواصلتأما تغلط الدُّنيا لنا بصديق
لقد خانني لمَّا هجرتم مواصليوقد صدَّ عنِّي معشري وفريقي
فواحربا كم تضرمون بصدكموإعراضكم في القلب نار حريق
أقاسي همومًا من أناس فعالهمقذًى لعيون أو شجى لحلوق

وأنشدني له:

تجلُّ عن التَّشبيه يا متملَّكًابمقدمك الميمون إنتظم النَّصر
لئن سرت في برً من الأرض فدفدفقد صار بحراً ماؤه مفعم غمر

إبراهيم بن أبي المنى بن أبي الفضل بن عليٍّ، أبو إسحاق الحبّال الحلبيُّ.

رأيته بحلب في ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ رجلاً كهلاً سوقيًا. وسألته ب/ عن ولادته، فقال: ولدت في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.

وزعم أنَّه تأدب على جماعة من فضلاء الحلبيين، واستظهر مقدمة باب شاذ وسرّ

الأدب لمنصور الثعالبي؛ فرأيته ذا طبع موات في عمل الشعر وخاطر حسن.

وأنشدني كثيراً من شعره، وكتبت عنه مقطعات؛ فمما أملى علي قوله:

سلطانة سلطانة الحسنسقى محيَّاها حيا المزن
فالشَّمس من لألائه تكتسينوراً وبدر التَّم في الدّجن
أفديه وجهًا لو تراءى لدىحسن لأصباه إلى الزَّفن
يقودني منها إلى حبِّهاقدٌّ رشيق كالقنا اللَّدن
ناديت لمّا أقبلت فرحةًمن ذا رأى شمسًا على غصن
فنٌّ من الحسن يهيم الفتىوكم لها في الحسن من فنِّ

وأنشدني أيضًا:

ساعدي سلطانة الحسنأسارى ساعديك
فأرى بالي وباليجسدي طوع يديك
وأرحمي من بات يشكومن تجنِّيك إليك

/ أ/ فلقد أشفق من عاقبة الظُّلم عليك

وله:

سيِّدي إنَّ ودادي لصحيحوبسرِّي حاش لله أبوح
ولك اليوم بقلبي منزلماله عن حبَّة القلب نزوح
خبري دلَّ عليه...... العاشق في الوجه تلوح
فاغتنم أجري ودعني أغتديعند رؤياك بنجح وأروح

وأشف جسمي من سقام شفَّه ........ الأسى إذا مات الجريح

يا لقومي آفتي من نظريلم يزل طرفي إلى السُّمر طموح
أيُّها السَّمح بهجري والقلىوهو بالوصل
لك روحي خلِّها في بدنيوهو لا تدعني جسداً ما فيه روح
أنت لي راح مزاح في فميلذَّلي منه غبوق وصبوح
قد حويت الحسن والطَّرف معًايا مليحًا لا يضاهيه مليح
ما لليليلا أرقده ... ونهاري تعب لا أستريح
أرقب الصُّبح ودمعي كدميمن رآني قال في الفرش ذبيح
قرّة العين إلى كم ذا الجفاإن جفني من تجافيك قريح
/ ب/ إن تكم ساءتك منِّي ترحةتوجب التَّقبيح ما العفو قبيح

وله:

رحة قلبي تعبوبرء جسمي وصب
ودمع عينيَّ دمفي الخدِّ منه ندب
وبين جنبيَّ جوًىبوقده التهب

كأنَّما الدَّمع لنيران الجسوم الحطب

والهم عندي مقعدما عشت لا يقترب
إن أقشعت نائبةمنه تنامت نوب
وإن تناءى سببعنِّي تدانى سبب
فيا إلهي فرجًاأو أجل يقترب
إذا أمرَّت عيشةفالموت منها أطيب

إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن يوسف، أبو إسحاق الأنصاريُّ الإسكندريُّ.

شاب قصير أسمر شديد السمرة، كوسج، يتطلَّس بزي بلده أ/ أخبرني أنَّه ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، تفقه على مذهب الإمام مالك ابن أنس –رشي الله عنه- وتأدّب على أبي زكريا يحيى بن معط بن عبد النور الزواوي النحوي المغربي؛ وذكر لي أنه سافر إلى بلاد اليمن والهند والعراق والشام والروم.

شاهدته بالموصل أواخر سن اثنتين وثلاثين وستمائة؛ فرأيته رجلاً ذا عناية بفن المنثور والمنظوم، حلو الحديث، لطيف المحاورة، جميل المحاضرة؛ له لسان وفصاحة، وقبول عند الكبراء، وفيه دماثة وكياسة، ترغب الناس في عشرته، ويتقبلونه ويقبلون عليه حلس منزله. لم يمدح أحداً رجاء نائله وجدواه إلاّ رياضة لخاطره.

أنشدني لنفسه:

رعى الله أيَّامًا مضين بجلِّقلقلبي عليها أنَّه وتوجُّع
رحلت وأبراد الشَّباب قشيبةوعدت وأسمال المشيب ترقَّع

وأنشدني أيضًا شعره:

تصفَّح تصانيف الأنأم تجد بهاعقولاً صحاحًا تارة ومراضا
/ ب/ فإن زرت مرضاها وجدت رياضةوإن رضت أرضاها رأيت رياضا

وأنشدني أيضًا:

ليس لي في غيرهم طمعوصلوا في الحبِّ أم قطعوا
أوجعوا قلبي ببينهمواستمرَّ البين والوجع
[ف] كأنِّي بعد بعدهمفي الورى بالعيش انتفع

وأنشدني أيضًا قوله:

بات يسقيني رشًا كالقمريمزج المرِّيخ لي بالمشتري
بكؤوس من لجين أبيضملئت لي من نضار أصفر
فوق أرض بسطت من سندسرصِّعت فيه نجوم الدُّرر
ذات عرض حفَّ بالتُّرك فلمًأر فيه غير أحوى أحور
وله ثوب جمال أحمرذو طراز من عذار أخضر
إبراهيم بن عرب بن عبد الرحمنالشيباني

أخبرني أنه ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدس –حمى الله حوزته-.

أنشدني لنفسه:

يا خاضب الشَّيب وفي ظنِّهأنَّ خضاب الشَّيب لا يشينه
....... ..... ............. في ذقنه

وأنشدني أيضًا لنفسه، وكتبها إلى تاج الدين الصرخدي يلتمس شيئًا من شعره، فأبطأ عليه إنفاذه:

........ تاج الدين عن شاكر عد إحسانه
هذه حالة عذرناك فيهادرر التَّاج لا تزال مصانه

وأنشدني لنفسه في إنسان كبير الأنف:

أنف عظيمفي خياشيمه يضيع الفيل
ولأنفاسه صفير إذا ماسمعت قيل قام إسرافيل

وأنشدني أيضًا قوله في المعنى:

وأعجب شيء في الذيأنفه يوازي باقي اسمه
....... ............... من أنفه في المجرّة]

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.