من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه أحمد (٣)
أحمد بن عبد الله بن أحمد ب/ بن عليِّ بن محمد بن أحمد بن عليِّ بن حماد بن محمود بن محمد بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، أبو العباس بن أبي محمد العلويُّ الحسنيُّ.
أصله من مدينة الرسول – ﷺ – فحدث لهم حدث وهاجروا إلى الموصل، وسكنوا قرية من قراها تدعى الشرفية شماليها.
ثم انتقلوا إلى لزيو مجاورة خربا، فولد بها أبو العباس؛ وهو شاب صالح متدين جميل الطريق، متفقه يقول الشعر. سافر إلى حلب، وهو بها مقيم إلى الآن.
أنشدني من شعره بحلب يوم الجمعة خامس عشري رمضان سنة أربع وثلاثين وستمائة:
إذا قلَّ توفيق الفتى قلَّ خيرهوإن كثر التَّوفيق فالخير يكثر
وما لامريء في ذاك مدخل حيلةولكنما الحالات أمر مقدَّر
فيا ربِّ إن سامحت عبدك فالَّذييروم وإن واخذت فهو المقصِّر
جديرًا أراه بالجحيم اصطلاؤهوأنت بعفو عنه يا ربِّ أجدر
وأنشدني أيضًا لنفسه:
نزِّه شهودك عن وجودك ترشدفمتى فقدت شهور
/ أ/ ما في الوجود سوى الإله وأنتأنت الفرق وهو الجمع في المتبدِّد
فإذا عدمتك فيه كنت موحِّدًاوإذا وجدتك كنت غير موحِّد
أحمد بن فلان بن جعفر بن النفيس بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو العباس الكوفي.
هو ابن أخي الشريف أبي طاهر عبد الله بن جعفر.
قال الصاحب أبو البركات – رحمه الله تعالى – ورد هذا الشريف غير مرة إربل. وكان يصله إيجاب من سلطانها الملك المعظم أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين – رحمه الله تعالى – وكان عامي اللفظ والعبارة ليس عنده شيء من علم.
كتب إليّ من شعره:
مولاي يا شرف الخليقةفي الطَّريقة والحقيقية
يا من سما بمكارمصن ماء وجهي أن أريقه
/ ب/ لسواك إنِّي لا أذُّلوأنت أسبابي الوثيقه
أحمد بن محمد بن صدقة بن إبراهيم بن ظبية الضرير الموصلي.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي في تاريخ إربل – من تصنيفه – قال: ورد أبو العباس بن ظبية إربل قديمًا؛ وهو أمرد. نزل بعينيه ماء وكان أحسن الناس صورة، وعنده طيش وخفّة. وكان يعظ الناس إذ ذاك ويحفظ الكثير سريعًا.
ثم ورد إربل في سنة خمس عشرة وستمائة شيخًا قد تغيرت أوصافه لا يكاد يعرف، يستجدي بأشعاره، ويعرف نفسه بأحمد الواعظ الضرير؛ وحدثت أنه توفي سنة ثماني عشرة وستمائة.
وأنشدني لنفسه:
يا من له ربع جودأضحى لدينا نضيرا
فلن ترى في البراياكمثل ذاك نظيرا
أصبحت تهوى عليًّافصرت فينا ظهيرا
/ أ/ وقِّع على ظهر طرسيفالعبد يهوى الظُّهورا
لمن أحلت عليهفلا برحت كبيرا
أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن الطَّيِّب بن أبي محمد، أبو عليٍّ الواعظ البطائحيُّ.
كان شيخًا في علمي الطريقة والحقيقة، يتكلم في الوعظ، ويورد فيه فصولًا أحسن كلام. رأى المشايخ وصحبهم وسمع الحديث النبوي.
وكان قطب زمانه في الورع والمعرفة والقرآن وتفسيره والوعظ. وسكن سنجار
وصار شيخ الشيوخ بها؛ وله مريدون وتلامذة ينتمون إليه، ويلبس خرق التصوف، وصادف من الملك الصالح نجم الدين أيوب بن محمد بن أبي بكر – صاحب مصر – قبولًا؛ فمال إليه وأكرمه وأقبل عليه، ووعظ بين يديه فولّاه سنجار شيخ الشيوخ، وأسند إليه أمر الخانقاهات، وتلمذ له. وكان يجتمع به ويعظه.
وله تصانيف كثيرة منها "تفسير القرآن"، وكتاب سمّاه "الدرّ المكنون الحاوي لكثير من الفنون" يتضمن .... .... والأحاديث النبوية وشرحها ب/ وفقهها، والحكايات عن المشايخ الثقات، وأبيات في المعاني مطابق وحقائق. وبوبه أربعين بابًا عن أربعين شيخًا يشتمل على أربعة كتب، والمجلدة الأخيرة أفردها في أهل البيت فقط – صلوات الله عليهم وسلامه – وكتاب "الطريق المسلوك في نصيحة الملوك" وهو أربعون حديثًا عن أربعين شيخًا سمعها في أربعين بلدًا في معنى واحد، وكتاب "التاريخ" ابتدأ فيه من الحس والبسّ إلى زمانه.
وروى الحديث عن عدَّة شيوخ منهم؛ أبو القوقت السجزي، وروى سند البخاري بطريق آخر؛ وهو عن جده أحمد بن محمد بن الطيب. وعاش مائة وأربع سنين. وكان عمر أبي علي أحمد بن عبيد الله يومئذ تسع سنين، وجدّه يروي عن الكشمبهيني عن الغربري عن البخاري.
وكان ولادته في ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بقرية منسوبة إليه يقال لها "الشيخية" وفيها تربة والده الشيخ عبيد الله ابن أحمد بن محمد من أعمال واسط.
وكان له أشعار يقولها لغلبه، ويرتاح بها في خلواته؛ أنشدني منه أ/ ولده أبو الحسن علي بحلب المحروسة، قال: أنشدني والدي لنفسه وهو مما قاله في صباه:
حنِّي إلى أرض الغوير حنِّيإن كنت حقَّقت رواح الظَّعن
ورجِّعني إذا ذكرت رامةشوقًا إلى ساكنها وإنِّي
ولا تزالي يا رياح دائمًامبلغات للسَّلام عنِّي
قصِّي على ذاك الحمى وأهلهتفجُّعي وما علمت منِّي
وأنشدني، قال: أنشدني والدي لنفسه:
أذكى الغرام بهذا الرَّكب حاديهواذكر الصَّبَّ عهدًا غير ناسيه
شدا قبيل الضُّحى بالمنحنى فبكتحمامه وتثنَّى بان واديه
ناشدتك الله يا حادي الرَّكائب إنجئت المصلَّى ولاحت نار أهليه
إلا طلبت لكربي من يفرِّجهمن الهموم ودائي من يداويه
ويا رفيقيَّ عونًا والرَّفيق منة استعنته فيعاني ما تعانيه
سألتماني التَّسلِّي يوم كاظمةفهل تعيرانني قلبًا أسلِّيه
/ ب/ وأنشدني، قال: أنشدني والدي من شعره:
أحوى أغنُّ عضيض الطَّرف وسنانألحاظه البيض والأجفان أجفان
مورِّد الخدِّ لدن القدِّ شمس ضحىفي وجهه لمجال الحسن بستان
فالغصن من قدِّه الميَّاس معتدلوالبدر من حسنه الفتَّان خجلان
هذا الَّذي شعره ليل وغرَّتهصبح ووجنته ورد وريحان
بدر يدير علينا فوق راحتهشمسًا لها تلك ذاك الدجن أزمان
محجوبة في دنان الغيب ما عرفتقسّا ولا حازها في الدَّير مطران
رقَّت فراقت لقلبي في تقلُّبهاروحًا تنقَّل في الكاسات أبدان
/ أ/ أحمد بن عقيل بن نصر، أبو العباس الزَّرعيُّ العامريُّ.
وزرع التي ينسب إليها قرية على باب دمشق.
أخبرني الشيخ العالم الفاضل نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني، قال: كان شابًا ذكيًا له طبع سليم في الشعر، يقوله ارتجالًا. خدم
الملك المعظم عيسى بن أبي بكر، وجعل له عليه رزقًا يتناوله كل شهر؛ وله فيه مدائح كثيرة. وكان ملازمًا حضرته سفرًا وحضرًا، ومات شابًا في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
وأنشدني، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه في سنة إحدى عشرة وستمائة:
[من الزجر]
إن سلَّ سيف الهجر من غمد الجفافادرع الصَّبر الجميل والوفا
وقاتل الهجران بالوصل وماكدِّر من ورد التصابي بالصَّفا
/ ب/ وإن خذلت بالسُّلوِّ فانتصربالمدمع المنهلِّ حتَّى يكتفى
ولا تطع أمرًا سوى أمر الهوىوعاص في شرعته من عنَّفا
وبالدُّنوِّ فاستعذ خوف النَّوىمن نزغ شيطان عزول سوَّفا
أحلى الهوى شهد الرُّضاب سيَّماإذا اجتناه الصبُّ من صاب الجفا
حسب الَّذي أجعله من ذلَّتيوسيلة إلى الجيب وكفى
من منقذي من يد هجر ظالميأبى إذا أنصفته أن ينصفا
يهزُّ من قامته مثقَّفًاوينتضي من الجفون مرهفا
لو عنَّ للشَّمس استحت ولو بداللبدر ضوء وجهه لانكسفا
يريك بالغرَّة صبحا نيِّرًامنه وبالطُّرَّة ليلًا مسدفا
يجذب خوط قدِّه من ردفهدعص فلولا لينه لانقصفا
مضعف ورد الخدِّ كم قلب بهبعد القوى في حبِّه قد أضعفا
أقام من أصداغه عقاربًاتحرسه من لحظنا أن يقطفا
ما أنكرت أجفانه سفك دميإلا أتاني خدُّه معترفا
خدٌّ به جمر من الحسن جرىمن حوله ماء الحيا وما انطفا
. كل مشرق ورائقبعد اختلاف عنده تألَّفا
/ أ/ كأنَّ في فيه لدى ابتسامهبرقا أضا أو درًّ عقد قد صفا
تحسب في نكهته وطعمهمسكًا وشهدًا وسلافًا قرقفا
أضاء بدرًا ورنا ظبي نقًاوفاح مسكًا وانثنى مثقَّفا
وصدَّتيهًا وتجنَّى مللًاوصال كبرًا وتولَّى صلفا
فهمت وجدًا ونحلت كمدًاوذبت شوقًا وقضيت أسفا
لم أر من قبل أراه شادنًامسوَّرًا مخلخلًا مشنَّفا
لا رأيت صنمًا من قبله .. يضلُّ رشد المسلمين الحنفا
يصلي بنيران الصدود من ثوىعليه في دين الهوى معتكفا
آليت لا أبرح مغرى مغرمًابه مغنًّى في الهوى معنًّفا
أحمد بن عبد العزيز بن محمد الواسطيُّ الطحّان.
قال الصاحب أبو البركات: كان من غلمان الطحن توجه عليه دين، وبقي مدة محبوسًا، وأطلق فخرج فسكن بعض نواحي البلد، ولم يكن عنده شيء من العلم.
وذكر هو أنه كان طحانًا، وأنه أخذ لمّا أخذ ب/ بنو أمسينا، ولم يبق له شيء مما كان، فورد إربل.
ومن شعره:
لوت الصَّبابة والغرام عنانيوأذابني شوق الحمى وبراني
وتزايدت زفرات وجدي للهوىفأنا الحريق بجذوة الهجران
يا للرجال أفيكم من آخذبدم القتيل بأعين الغزلان
بأبي الحمول سرت بكلِّ غريرةبهرَّت بقامتها قضيب البان
أحمد بن الحسن بن كمار، أبو نصر الأرمويُّ، المعروف بابن إمام الجامع.
كان فقيهًا شافعي المذهب خطيبًا فاضلًا عالمًا، سمع الحديث كثيرًا. وكانت وفاته يوم الأحد ضاحي نهاره الرابع من شوال، ودفن بكرة يوم الإثنين بأرمية سنة ست وعشرين وستمائة.
وسئل عن سنه في مرضه الذي توفي فيه، فقال: عمري سبع وخمسون سنة تخمينًا. وكان مولده في رجب سادس عشريه.
أنشدني أبو بكر محمد ولده، قال: أنشدني والدي لنفسه:
/ أ/ لمَّا فقدت أكابرًا كانوا هممن فضلهم متفقَّدي إيَّاهم
مالي سواهم لا أرى من بعدهممتأسِّيًا بقعودهم وقيامهم
قد صحَّ ما قد قاله متمِّثلًاأما الخيام فإنَّها كخيامهم
أحمد بن بهرام، أبو العباس الإربليُّ:
ابن بنت أخي الأمير مجاهد الدين أبي منصور قايماز بن عبد الله الزينيُّ.
قال الصاحب أبو البركات المستوفي: جندي لطيف المعاشرة، ظريف المحاورة، قيم بوظائف الصلوات، صائم في أكثر الأوقات، ظاهر الدين، عفيف مستور، ربما عبث في بعض الأوقات بشيء من الشعر تأدبًا.
بلغتني وفاته بطريق الشام في شعبان من سنة ثماني عشرة وستمائة.
اجتمعت به والمغني يغنّي بإربل:
دع ملامي بالحمى أو رح ودعنيواقفًا أنشد قلبًا ضاع منِّي
فقال بديهًا:
/ ب/ يا حبيبي صل محبًّا هائمًاقد براه في الهوى طول التَّمنِّي
ثم قال: تمم، فقلت:
لم يقل إذ باعكم مهجتهبهواكم يا لها صفقة غبن
فأفكر ساعة، وقال:
فانضحوا ماء وصال منكمفوق عودي فعسى يورق غصني
أيها المعرض عنِّي ظالمًالا تدعني ندمًا أقرع سنِّي
وحدثني الصاحب أبو البركات – ﵀ – قال: جمعني وأحمد بن بهرام في منزله بالموصل ليلة من الليالي مجلس مؤانسة في سنة ست وتسعين وخمسمائة، فغنى صدقة بن محمد المغني الإربلي أبياتًا من شعره في لحن صنعه، وهو:
إذا تمنَّع صبريوضاق بالهجر صبري
ناديت واللَّيل داجوقد خلوت بفكري
يا ربِّ هب لي منهوصال يوم بعمري
وأتم عليه صدقة، فقال:
لأجتني ورد خدٍّزاه على كلِّ زهر
واجتلي غصن بانيميس من .... بدر
/ أ/ إن صحَّ لي ذاك منهيومًا وفيت بنذري
وسئلت أن أقول، فقتل:
إذا بدا يتثنَّىنشوان من غير خمر
عجبت من صبح وجهيلوح من ليل ثغر
فالشَّمس تلعب ما بيننا بدارة بدر
وقال أحمد بن بهرام:
أقول من فرط وجديبه وقلَّة صبري
يا من تملَّك رقِّيإرحم فديتك ضرِّي
وقلت:
عذار خدَّيك فيهيقوم للنَّاس عذري
وفيك طاب جنونيولذَّلي هتك سرِّي
وأنشدني الصاحب أبو البركات، قال: أنشدني أحمد بن بهرام وكتبها إليّ أوّل كتاب:
يا راحلين وفي حشاي لبينهمنار تسعَّر حرُّها في أضلعي
والله ما ألفت جفوني بعدكمطيب الرُّقاد ولا هناني مضجعي
ولقد بليتكم جوى وصبابةحتى تزوَّد ركبكم من أدمعي
وأنشدني أيضًا، قال: نقلت من خط أبي العباس أحمد بن بهرام ما كتبه إلى بعض أصدقائه:
/ ب/ ورد الكتاب من الأجل العالمفقرأته ولثمت ثغر القادم
وذكرت أيامًا مضت ولياليًاقضيتها فرحًا وكان منادمي
وكان حمل الكتاب إليه صبيٌّ جميل الصورة، ظاهر الملاحة.
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أحمد بن بهرام لنفسه:
أما وهواك ما ملكت شؤونيمدامعها ولا برد الغليل
وما برح اصطباري عنك واهوجسمي بعد بعدكم نحيل
لقد أودعتني حسرات شوقعشَّية قوِّض الرَّكب الحمول
وأنشدني أيضًا من شعره:
سل اللَّيل عنِّي كيف أرعى نجومهلعظم غرامي فيك والنَّاس نوَّم
وإنِّي لمشتاق إليك وناظريطموح إلى لقياكم متألمِّ
أيأ قمرًا قد تاه عجبًا بحسنهلقد نال مني الشَّوق ما أنت تعلم
فإن يسعد المشتاق منك بنظرةتبرِّد نارًا بين جنبيه تضرم
أما فيكما يا صاحبيَّ مساعديعاتب .... يترحَّم
/ أ/ أحمد بن الخضر بن أبي بكر بن حسكويه، أبو العباس.
ابن أخي الشيخ عليِّ بن أبي بكر.
وكان هذا علي بن أبي بكر معلمًا بإربل، واتصل بالحاجب سرفتكين بن عبد الله الزيني – والي إربل من قبل زين الدين أبي الحسن علي بن بكتكين ﵁ – فحسنت حاله عنده، وارتفع قدره بصحبته، وحصل له مال كثير من خدمته؛ ولما توفي سرفتكين استؤصل ما كان عنده من مال، وبقي فقيرًا إلى أن مات – ﵀ – هكذا ذكر ذلك الصاحب أبو البركات في تاريخه.
وأما ابن أخيه أحمد هذا؛ فإنه قال: إربلي المولد والمنشأ، ويعرف بحميدان.
أوّل ما اشتغل بالفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ – بالمدرسة المجدّدة بدرب السهرية. وكان ذكيًا وقحًا.
وأخذ شيئًا من الخلاف، وسمع معنا الحديث على الشيخ أبي المظفر المبارك ابن طاهر بن المبارك البغدادي الخزاعي المقرئ، وختم عليه الكتاب ب/ العزيز.
وتوفي في يوم الأربعاء ثاني عشر شهر رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة بإربل، ودفن بها بظاهر البلد.
أنشدني لنفسه، ونقلته من خطّه، وكتبها إلى أبي الثناء محمود بن محمد بن الأنجب الإربلي:
قل للَّذي فاق الورىبالفضل والتَّفضُّل
ومن أياديه لنامثل السَّحاب الهطل
إنِّي وإن كنت كمايزعم مولاي علي
عن الحساب والخلاف والتُّقى بمعزل
لكنَّني بذلت مجهودي حيث عنِّ لي
أن أجمع الجذور منكتاب الجمَّل
ما في الحروف كلِّهاجذر لجذر الأوَّل
فكتب إليه محمود بن محمد بن الأنجب – رحمه الله تعالى -:
يا علم الدِّين الَّذييوضح كل مشكل
إسم الَّذي تيَّمنيثانيه جذر الأوَّل
وثالث الأحرف جذر ثاني المستعمل
/ أ/ ورابع الأحرف ضعف الثَّالث المكمّل
لكنَّما خامسهإن جئته بالجمَّل
تلقاه جذر جذر رابعالأوَّل المفصَّل
فالإسم إن صحَّفتهتلقاه غير الأوَّل
أحمد بن محمد بن رافع بن خليفة بن أحمد بن محمد القريحيُّ بن عمر الودّاك أبو العباس الباجسريُّ.
قال الصاحب أبو البركات – رحمه الله تعالى – كذا أملى علي نسبه، وسألته عن معنى القريحي، فقال: كان ذا قريحة جيدة فسمي بذلك – هذا لفظه -.
وسألته عن مولده، فقال: مولدي يوم الجمعة مستهل شهر رمضان من سنة ستٍّ وستين وخمسمائة بالدور، وأقمت بباجسرى.
وكان أولًا يقول القارحي فغيّره، ومن أهله بإربل قوم يدعون بني القارح؛ وله أشعار سلك في طريقها مذاهب العرب؛ استعمال ألفاظ ومعان. وكان كثير اللحن في إنشاده.
/ ب/ ورد معه نسخة من شعره إلى إربل في المحرم من سنة أربع عشرة وستمائة، وعليها خطوط جماعة من البغداديين بالثناء على شعره المودع فيها، وأرادني أن أكتب له مثل ذلك عليها فلم أفعل.
ورد إربل مرّة أخرى قبلها، وأنشدني كثيرًا من أشعاره في المرتين؛ وله بإربل أقرباء يدعون بني القارح لا القريحي.
وقد كتب إلى علي بن موسى الضرير أبياتًا نسبه فيها إلى القارحي لا إلى القريحي، فمما أنشدنيه قوله، ونقلته من خطّه:
سما لك مجد باذخ متطاولوجدُّ على أعلى المجرَّة نازل
منيف يراه النَّجم كالنَّجم ساميًايقصِّر عن إدراكه المتناول
وأبدت لك الأيَّام ما في غيومهامن السَّعد حتَّى حام عنك المماثل
ومتَّعك الله المهيمن ما دعاعلى البان ورق أو تفوَّه قائل
ومالي أن أهدي إليك فصاحةوقسُّ الأيادي في فنونك باقل
وليس لنا عن سيب جودك معدلوقد نضبت فيمن سواه المناهل
وما كلُّ مثر يرتجى منه نيلهولا كلُّ ذي مال لديه فواضل
/ أ/ ولا كلُّ جدلاء الغصون حبيكةتقمَّصها يوم الكريهة باسل
فيا خير من ضمَّ اليراعة كفُّهوأكرم من شدَّت إليه الرَّواحل
وأشجع من أحنى على قائم يدًاوأحلم غضبان إذا طاش جاهل
وأنشدني، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه في سنة أربع وستمائة:
طرقتك بعد صدودها أسماءوالحبُّ فيه سجاحة وإباء
بيضاء لو ترك الخمار جيبهالا شكَّ يقرأ أثرها الرُّقباء
وتدير خوفًا لحظها فكضأنَّهابين اللِّدات غريرة أدماء
فمضت لنا عن عفَّة وصيانةإلَّا ارتشافًا ليلة غرَّاء
أحمد بن محمد بن عليِّ، أبو العبّاس الهيتيُّ:
من أولاد السنبسيِّ الشاعر.
قال الصاحب أبو البركات – رحمه الله تعالى -: ورد إربل غير مرّة رسولًا من سنجار.
وحدثني أبو القاسم ب/ ابن أبي الحسن بن علي بن السنبسي، قال: توفي أحمد بن السنبسي في سابع وعشرين من شعبان من سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن بالموصل، قال: ثم أنشدني له:
من لعاني القلب صبٍّ مستهامحرمت مقلته طيب المنام
وجفا أجفانه طيب الكرىيذرف الدَّمع سجامًا كالغمام
لي بهيت ضيعة قد ضيَّعتكلَّ ما استكسبت من آل الكرام
تربدين موبق ... وخراج رضَّ جسمي من عظامي
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الشيبانيُّ.
ابن أخي قاضي مكة من ولد القاضي المحامليِّ.
ساق ذكره القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الفقيه الحنفي – أدام الله أيامه – فيمن قدم حلب من تصنيفه، وقال: رجل فاضل شاعر مجيد من أهل مكة – حرسها الله تعالى – قدم علينا حلب في شهور سنة ... وستمائة، ممتدحًا للملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف، وللأكابر أ/ من أهلها. وكان حسن السَّمت جيد الإيراد.
سمعته بين يدي السلطان الملك الظاهر ينشده قصيدتين رثى بهما أخاه الملك الأشرف محمد بن يوسف وقد جلس للعزاء يومين بعد موته، فأنشده في اليوم الأول مرثية استجادها السلطان والحاضرون، فعمل أخرى وأنشدها في اليوم الثاني. وسمعت القصيدتين من لفظه حالة إنشاده إحداهما.
قال المبارك – مؤلف هذا الكتاب – وأنشدنيها القاضي بمنزله المعمور يوم السبت ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة:
إلى كم ترى يا دهر ترمي بصائبإلى أن دهتني منك أمُّ المصائب
بموت مليك كنت مهما دعوتهلسلبك لي إلَّا استعدت سلائبي
بموت مليك كان عطفك قد كسيجمالًا به حتَّى نأيت بجانب
سددت فم الناعي بكفِّي تطيُّرًاوألويت وجهي عنه ليَّ مغاضب
وقلت: تبيَّن ما تقول لعلَّهاتكون كتلك الحادثات الكواذب
فلما بدا لي الكره في كرِّ قولهربطت نوازي أضلعي بالرَّواجب
/ ب/ فلا تحسبنِّي أتَّقي بعد هذهشبا طاعن من مصمياتك ضارب
ولا باسطًا للخطب كفَّ مدافعولا فاتحًا من بعدها فم عاتب
أبعد أبي عبد الإله محمَّد المليك الفتى آسي على إثر ذاهب
أبعد المليك الأشرف النَّدب أرسل الرثا رائدًا أبغي انتجاع المطالب
ونطمع من بعد المليك بن يوسفببقيا وتخليد العصور الذَّواهب
فكم قدم أماط الضيم عمَّن هوت بهالمذلُّة في عمياء ذات غياهب
وكم قد هفا الحزن الغريب بفقدهفمر هباءً في الدُّموع الغرائب
وكم نفثت جمر الغضا نادباتهكأنَّ فؤادي في حلوق النوادب
عزاءً عليه أجمعين فإنَّنيأراه عزيزًا ليس بالمتقارب
أيا شرف الدِّين الَّذي كنت آملًا..... ...... نداه حقائبي
....... ... بأصناف التَّجمُّل كاذب
فوالله لا أنفكُّ أبكيك دائمًاوأندب مجدًا منك مرخى الذَّوائب
ذخيرة أنسي لست أنساك مارساثبير وما حطَّت بأرض نجائبي
طوى منك هذا الموت بردًا مسهَّمًامصانًا لديه .....
وسدَّ طريق الجود من كلِّ وجهةوأورد ذا الآمال مرَّ المشارب
/ أ/ فما إن أزال الدَّهر بعدك ناظمًاعقود ثنائي خاطبًا بالمناقب
أريح سوامًا للمراثي لترتعيلديك أزاهير المعاني العجائب
فلا زلت ممنوحًا بأرسال مزنةتروح وتغدو دانيات المآدب
وإن كنت يمًا قد غنى في ضريحهبأمواجه عن هامرات السحائب
وأخبرني القاضي الإمام أبو القاسم - أيده الله تعالى – قال: حدثني أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل القيلوبي، قال: حدثني بعض رفقاء أحمد بن أخي قاضي مكة، قال: كان له رفيق فتوفي بدمشق قرأى أحمد بعد وفاته بأيام، كأنه جاء فقيل له: إلى أين؟ قال: جئت آخذ فلانًا يعني نفسه وأمضي؛ فلما استيقظ، قال لأصحابه: إني ميت لا محالة، فلم يبق إلا أيامًا يسيرة ومات بدمشق.
أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عليِّ بن محمد بن عليِّ بن العباس بن محاسن بن عليّ بن عيسى بن موسى بن عيسى ب/ بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن العباس،
أبو هاشم بن أبي حامد الهاشميُّ الصالحيُّ الحلبيُّ.
هو وأبوه من أهل حلب ما زالوا بها من زمن عيسى بن صالح وعليهم بها وقف من زمنه.
وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي – ضاعف الله إقباله – قال: كان أبو هاشم شاعرًا مجيدًا عارفًا بالتواريخ. سمع الحديث على جماعة من شيوخنا مثل الشريف أبي هاشم بن ..... الهاشمي، وقاضي القضاة أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، وأبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي، وجماعة غيرهم.
وأخبرني أنَّ مولده بحلب في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وتوفي بها يوم السبت الحادي عشر من شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ودفن خارج باب أنطاكية في تربة لأخواله بني عبد الرحيم.
ثم قال: أنشدني أبو هاشم لنفسه:
رأيت في النَّوم أحبابي قد ارتحلوافأوجس القلب من ترحالهم حذرا
فجئت عند انشقاق الفجر أطلبهمفلم أجد منهم عينًا ولا أثرا
/ أ/ فأقسم الجفن إذ كان الرُّقاد لهناعي الأحبَّة أن لا ذاق طعم كرى
وأنشدني القاضي أبو القاسم – أدام الله أيامه – قال: أنشدني أبو هاشم الصالحي لنفسه:
تأمَّل لسعدى بالأبيرق منزلاكسته الرِّياح الهوج ثوبًا من البلى
عفت رسمه الأرواح حتى كأنَّهبقيَّة وشم في نبات تمثَّلا
عهدناه بالبيض الأوانس معلمًافأصبح بالسُّود الطَّوامس مجهلا
تحمَّلت أعباء الصَّبابة والأسىغداة نوى عنه الخليط تحمُّلا
وإنَّ محالًا صبر قلبي وإن بدالعيني ربع المالكيَّة محملا
وأنشدني، قال: أنشدني أبو هاشم الحلبي قوله. وكان الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب قد اقترح هذا الوزن واستخفه، فعمل جماعة من الشعراء بحلب عليه، فعمل هو قصيدة منها:
نعم ذاك ربع العامريَّة قد أقوىفيا لك من قلب على البين ما أقوى
/ ب/ سروا فسروا بالعيش يتبع عيسهموولَّوا فقد ولوا على جسدي البلوى
وكم خدعتني أعين العين عنهمفما عزَّ يا قلب عليها ولا ألوى
هم أخذوا طرفي وسمعي زميلهمفما أملك الرُّؤيا ولا أسمع النَّجوى
وبالهودج المحجوب بالسُّمر غادةعدت وحديث الحسن عن وجهها يروى
منعَّمة لا من هبيد طعامهاولا قومها كعب ولا دارها حزوى
إذا أسفرت واللَّيل مرخ سدولهلنا عن محيَّاها تشعشعت الأضوا
ولو أن بدر التمِّ يشبه وجههالما أحدث الرَّحمان في وجهه محوا
أحمد بن رستم بن كيلان شاه، الديلميُّ الأصل، الدمشقيُّ المولد، أبو العباس الشافعيُّ.
كان أبوه يعرف بأسباسلار.
حدَّثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي – حرس الله مدَّته – في شهر ربيع الآخر بحلب في منزله المعمور سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: قدم أبو العباس بن أسباسلار حلب وأقام بها مدّة في صحبة أبي محمد ظاهر بن جميل، إلى أن انتقل ابن أ/ جميل إلى البيت المقدس فانتقل في صحبته وأقام بالبيت المقدس بعد وفاته، وكان من المعدّلين، وكان شيخًا حسنًا مستورًا له شعر حسن وكلام منثور.
اجتمعت به بالبيت المقدس سنة تسع وستمائة وكتبت عنه جزءًا من الحديث،
سمعه بدمشق من أبي الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبي العجائز الأزدي، آخر سمعه من أبي علي الحسن بن هبة الله بن يحيى المعروف بابن البوقي الواسطي، وكتبت منه جزءًا من شعرا.
ولما هدم البيت المقدس في سنة ..... وستمائة خرج منها وسكن دمشق إلى أن مات بها على ما أخبرني أبو عبد الله محمد بن البخاري البغدادي يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وستمائة، ودفن بجبل قاسيون.
وأخبرني إبراهيم بن الأزهر الصريفتي: أنَّ مولد شيخنا أحمد بن أسباسلار في سنة ثماني وأربعين وخمسمائة بدمشق.
ثم قال: وأنشدني أبو العباس أحمد بن رستم الديملي لنفسه في الغزل:
شهرت من لحظها لي مرهفينيوم زمَّت عيسها بالمأزمين
/ ب/ عرَّفت في عرفات وانثنتبشعار النُّسك نحو المشعرين
وأفاضت فأفاضت عبرتي..... الأعمال العلمين
لمنى ثمَّ رمت حاذقةجمرة أذكت بقلبي جمرتين
ثمَّ طابت نفسها في طيبةإذا ألبَّت سحرًا باللَّابتين
حرمت عيني الكرى وادعةحين ولَّت من وداع الحرمين
ليتها إذ عذَّبتني بالقلىسمحت مالكتي بالأعذبين
كلَّما استحدثت فيها عزمةلسلوٍّ فترت بالفاترين
كيف أسلو والهوى لمحة عينأودعتني عارضًا من عارضين
من مجيري من هواها فلقدحجب النَّوم قسيُّ الحاجبين
أعرضا عنِّي فما ينفعنيطبُّ بقراط ولا رأي حنين
ليس يرجى لي شفاء عندهبل شفائي من برود الشَّفتين
قد رآني قاضيًا حق الصِّبالحقاق حمِّلت عنبرتين
عجبًا منِّي ومن معجبةبنت تسع وثلاث واثنتين
وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم – أيده الله تعالى – قال: أنشدني أ/ أبو العباس من شعره:
ربَّ كأس عار من الآدابهمُّه ما يشيده للخراب
يتباهى بثوبه وثرا المالوجسم يبلى وعيش لباب
مهملًا أمر دينه ليس يدريأنَّ هذا جميعه للذهاب
وأنشدني أدام الله أيامه – قال أنشدني أحمد بن كيلان شاه لنفسه يمدح قاضي القضاة محيي الدين أبا المعالي محمد بن الحسن بن محمد بن يحيى القرشي الدمشقي:
إشتدِّي أزمة تنفرجيفالضِّيق منوط بالفرج
والعسر يؤول إلى يسروالرَُّّوح تراح من الحرج
مذلاح بياض في لمممن بعد سواد كالسبج
فاسمع يا صأح وصيَّة منفي زور الباطل لم يلج
إعلم واعمل بالعلم لكيتسمو في الخلد ذوي الدَّرج
ما أنت وأغيد ذو هيفبمعقرب صدغ منعرج
من نسل التُّرك إذا نسلواسلبوا وسبوا أسد الخلج
/ ب/ بعيون ظباء سانحةوفتور لحاظ في دعج
ترمي الأبطال فما تنفكُّسهام اللحظ من الودج
وبغالية من غاليةفتنتك على خدٍّ ضرج
وبلعس شفاه ظامئةما فيه شفاء للمهج
وببرد رضاب من بردكالقرقف منية كلِّ شجي
وبناصع سالفة نجمتكعمود صباح منبلج
لا ترض أخاك وتوسعهمكرًا فالبهرج لم يرج
لا ترم النَّاس بمعضلهيرموك بقاصمة الشَّبج
إيَّاك فلا تك معتذرًاللَّائم من أمر مرج
إيَّاك وعيب سواك وكنما عشت بعيبك ذا لهج
والخلَّ فواس بما ملكتكفاك ..... خلق سمج
جد بالأموال لخاطبهاحثيًا حثيًا لا بالصَّبج
فبطون أكفِّك من أنامل كفٍّ منقبض شنج
كالنِّيل ونائل محيي الدِّينمميت الباطل بالحجج
..شرس ... في الخلق ولا بالمنزعج
/ أ/ وقال أيضًا يمدح الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف بن أيوب:
سل همومك بالرضاب البلبلمن طفلة مثل المهاة المطفل
لا دارها بالرَّقمتين فبارقكلاَّ ولا طلل بدارة جلجل
نزلت بأعلى النَّيربين منازلًالم يعفها مرُّ الصَّبا والشَّمأل
تتفيأ الرَّوض الأريض وجاورتهارون لا سقط الدَّخول فحومل
بظلال كلِّ خميلة عنيت بهافي وشيها كفُّ الرَّبيع المقبل
فتبسَّمت أرجاؤها لما بكتعين السَّحاب بكلِّ دمع مسبل
حلت فحلَّت كلَّ روض عاطلمنها بأنواع الملابس والحلي
فالدَّوح بين منوَّر ومثمَّرومسيطر ومشمَّر ومذيَّل
والرَّوض بين معنبر ومزعفرومعطَّر ومكفَّر ومصندل
والنَّهر بين تدفُّق وترفُّقوترقرق وتخرق وتسلسل
والرَّاح في راح السقاة تضوَّعتأرج القرنفل في مذاق الفلفل
والكأس ما بين الكياس مذالةفمحرَّم في شربها كمحلَّل
/ ب/ والنَّاي والمزمار يخفت صوتهوالعود بين تسكُّن وتقلقل
والعيش غضٌّ والزمان كأنَّهفي طيبه زمن المليك الأفضل
وقال وهو بمصر، وقد اشتد شوقه إلى دمشق وذكر أيامًا له قد تقضت بالنيربين، ويمدح الوزير نجم الدين يوسف بن الحسين بن المجاور:
علِّلاني بالمنى صدقًا ومينفحديث النَّفس إحدى اللذَّتين
ضاع والهفي زماني ودناهرمي من صحَّتي بالهرمين
فإلى كم ذا التَّمادي ولقدأودت النَّفس بشوق الواديين
لست أسلو بسواها إنَّماراحة الرُّوح بنور النَّيربين
لا ولا أنسى رقيِّي دوحةأجتني منها جنيَّ الجنَّتين
ومبيتي جار جاريها وقدسحرتنا ورقها بالسَّحرين
قمرت ألبابنا أقمارهامشرفات من أعالي المشرقين
ظلَّ يرعى ناظري في ظلِّهاظبيات لا ظباء الحلمتين
مذ بكتها كلُّ عين... أضحكت للرَّوض منها كلَّ عين
/ أ/ رقم المزن بها ديباجةخجلت منها رقوم الرَّقمتين
وبدا بارقها مغلولسافخبت منه بروق الأبرقين
باكرت ما راع في ريعانهمن ضريب الشَّوك ضرب الشَّوكتين
زمن قضَّيته في ظلِّهالا زمان بالنَّقا والأجرعين
إن تقضَّى فلقد عوِّضت منظلِّه ظلًّ الوزيرا بن الحسين
مقول قيل وزير وزرإفتخار الملك صدر الدَّولتين
وقال يمدح الإمام الحافظ ثقة الدين أبا القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي:
قد اغتدي بكلِّ لدن أملدوكلِّ مرهوب الشَّبا المحدَّد
لا بالكهام لا ولا بالمعضدمهنَّد ناهيك من مهنَّد
في جنح ليل مسدف كالإثمدقد طلعت نجومه بالأسعد
والأرض مشن ألطاف صنع الأحدمذ جادها جود الملثِّ المرعد
كأنَّها بسط من الزَّبرجدقد طرِّزت بأصفر كالعسجد
/ ب/ وفصِّلت بأحمر كالبسدورصِّعت بأبيض كالبرد
وسوسن منمنم بأسودكأنَّه عذار الأمرد
ومن شقيق كعيون الأمدومن أقاح كثغور الخرَّد
والأيك والأغصان في تأوُّديعلو ذراها كلُّ شاد منشد
من بلبل وعندليب غردمناديًا جلَّ جلال الصَّمد
ومنهل لم يك بالمصرَّدولا بقايا ثمد مثهمد
وردته بعنتريس أجدتهوا الماوي جلدة بالجلد
ماردة كالغدن الممرَّدمتينة بقدمين القردد
تجوز جوز الهرجل البعمرَّدمحفدة تفلي الفلا بمحفد
بمثلها أجدُّ عرض الجددأجول في آجالها كالصَّرد
ما بين سيدان الفلا والأسدوالهقل والرَّال والحفيدد
يجهدها سوقي وشوقي مجهديحتَّى بدت من السُّرى والسُّهد
كالوقف في رقَّة ذات المرودأزجرها بأن تجدِّي تجدي
وتحمدي رأي أبي محمَّدالقاسم السَّامق فوق الفرقد
/ أ/ وقال وهو في مصر في الوزير بن المجاور:
حيِّ الدِّيار بشاطئ مقياسهافالقاسم الفيّاح بين دهاسها
فالرَّوضتين وقد تضوَّع عرفهاأرج البنفسج في غضارة آسها
فمنازل العِّز المنيفة أصبحتبغنى سناها عن سنى نبراسها
فخليجها لذَّاته مخلوجةتسمو محاسنه على أناسها
حافاته محفوفة بمنازلنزلت بها الآرام دون كناسها
والفلك فيه سوانح وبوارحما بين حاكتها إلى دكَّاسها
واشفع بباب فتوحها فبنصرهافمنازل السُّعداء طبن لناسها
فالتُّرك أمثال الشُّموس شوامسومساسها يحوي صلابة فاسها
أبراجها صهوات قبٍّ شزَّبمثل الصُّقور شموسها كشماسها
أطرارها تزهو على أقمارهاوكذلك الألباس فوق لباسها
فكأنَّها سردت لهم وكأنَّهافرسانها حلفوا على أفراسها
واعطف على قليوبها فقليبهافسبح ثمَّ مليح من سبطاسها
فدميرتيها فالمحلَّة بعدهافمذينتيها في جوار شباسها
فالمنتسين فحارها تقدوسهافرشيدها وخدًا إلى سقاسها
/ ب/ فمنوفها ممَّا يلي شطنوفهاإن كنت مجتازًا على أبناسها
فصعيدها فعروستنيه فقوصهافغرابها فالنَّخل عند كياسها
فاسيوط من دهيوط إن تك قافلًامن منفلوط إلى دروط فواسها
ثمَّ الثُّغور فخصَّها بتحيَّةمنِّي على مخضلِّها وطساسها
هذي ديار الملك ليس بلعلعوزود الوعساء من أوطاسها
أبدت زخارفها وزينة زيِّهاوبهاء بسطتها دمع غراسها
لجلال مولانا الوزير ومن لهخضعت رقاب الأسد في أخياسها
بهجا ببهجته ويمن يمينهويسار يسراه على إفلاسها
وقال أيضًا:
يا عاذلي برَّح بيمنظّم كالحبب
مؤشَّر معطَّرمن الزُّلال الشَّنب
ومقلة فاترةفاتنة من ربرب
وحاجب مقوَّسيرمي بسهم الهدب
من طفلة إذا بدتعاينت كلَّ العجب
تزهو على أنزابهاكالبدر بين الشُّهب
إن أقبلت أو أدبرتكانت فتاة أو صبي
يا قوم يا قوم فلمأموت بالتَّجنُّب
ولا أذيع لاعجاولا أبثُّ وصبي
وما بلغت أملًاوما قضيت أربي
وقد عزمت هتك ماأستره في الحجب
إلى الذي تيَّمنيوخصَّني بالنَّصب
/ أ/ إن كان لي كنت لهوإن أبى واحربي
وقال في خيل الحلبة:
يا من يروم عدد السَّوابقفي أمد الحلبة واللَّواحق
أصخ لما أودعه من شعريوكن فدتك النَّفس ممن يدري
لكي تنال لذَّة الفضيلةوهي لديك أعظم الوسيله
فاحفظ مقالي واتَّبع ما أوصيوكن على العلم شديد الحرص
فللعليم تطرق الرُّؤوسوالجهل لا يرضى به الرَّئيس
أوَّلها السَّابق والمجلِّيثمَّ المصلِّي بعده المسلِّي
والخامس التَّالي والمرتاحسادسها جاء له ضباح
والعاطف السَّابع والمؤمِّلثمَّ اللَّطيم قد تلاه القسكل
وهو السُّكيت زعموا والغابريا صاح والقاشور وهو العاشر
وما يوافي بعده لا يحسبولا يعدُّوه وعنه يضرب
فهذه جملة خيل الحلبهقربتها لمن أطاع ربَّه
وقال أيضًا في ترتيب سهام القداح:
/ أ/ يا سائلي عن عدد القداحخذها من الشِّعر ولا تلاحي
جاءتك منِّي أيُّها الحريصعلى العلوم زانها التَّلخيص
نظمتها للفطن المهذَّبوطالب للعلم خير مطلب
أوجزتها وما أطلت فيهاسهَّلتها لكلِّ من يرويها
قد جعلوها واحدًا وعشرهأحوالها عندهم مشتهره
حظوظها في السَّبعة العواليتتبع بالأربعة الأغفال
جاءت على ما يقتضي الترتيب:الفذُّ والتَّوأم والضَّريب
والحلس والنَّافس وهو الخامسمنهنَّ والمسبل وهو السَّادس
ثمَّ المعلَّى سابع السِّهاميفوز بالمياسر العظام
والأربع الأغفال هنَّ بعدأوَّلها رقيبها والوغد
وأبدلوا الرَّقيب بالمصدَّروالوغد بالمضعَّف المؤخَّر
ثمَّ المنيح بعده السَّفيحوذاك عندي نسق صحيح
وهذه خطبة من إنشائه أوردها بالمقر الأشرف الملكي العادلي:
/ أ/ "الحمد لله الذي يسبِّح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، والسحاب الهواطل، ويسجد لعَّزته ما اخترع من بريته ..... بالغدوِّ والآصال، جامع كلمة الموحدين، ومؤيدها بلوامع البراهين والدلائل وقاطع حجة الملحدين .....، وقامع أهل البدع والباطل. باعث النبي الأمي من أفضل المنازل، وأشرف القبائل، الذي نسخ بكتابه ورسالته ما تقدمه من الكتب والرسائل – صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه – ما وخد في بيداء بازل، وأمتع الإسلام والمسلمين بطول بقاء السيد الأجل، الملك العادل، السميدع الباسل، الحليم الحلاحل، المفضل الفاضل، الواصل الصائل، ذي العزم القاصل، والرأي الفاصل، الذي طهر الله به وبصنوه الأرض المقدسة والساحل، واستنفذ بسيفهما ما استحوذ عليه الكفرة من البلاد والمعاقل، حين غزوهم بليوث الجحافل، على متون الصواهل، فظهر دين الله بعد أن كان من الدين .....، وتحلى بالتوحيد على منبر كان منه عاطل.
فالحمد لله منير الحق بعد خبوه ب/ ومبير الباطل. جلّت ذاته، وتقدَّست صفاته، عن المشابه والمماثل، وتنَّزه عن الحلول والحين والجهة وأن يكون له العرش حامل. لا يقال: متى كان؟ ولا أين كان؟ ولا كيف كان؟ وكل ذلك سؤال الأراذل، كان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان ليس بمنتقل عنه ولا زائل. يجلُّ الربُّ عن
سمات الحدث وعن زعم المشبِّه الجاهل، وتعالى الخالق عن مشابهة المخلوق وأن يوصف بأنه صاعد أو نازل، كما وصفه المبتدع في عقيدته التي عقد بها لبّ كل غافل. جعلها ذريعة للتحريف، ووسيلة للتكليف من أعظم الوسائل، ولو اقتصر على ما قال الأوائل. أو كان عاقلًا، لكان للسانه عاقل، بل قصد ..... والإشارة إليه بالأنامل، في تكفير من خالفه من الشافعية والحنفية والمالكية وموحدي الحنابل، فانتصر الله ولينصرن الله من ينصره إن الله لا يضيع عمل عامل، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل حامل. فأنت المفزع وإليك أ/ المرجع إن نزل بالمسلمين نازل، أعانك الله على ما ولاك ورعاك، فيما استرعاك، وأراك الحق حقًا. ووفقك لإتباعه، وأراك الباطل باطلًا وأحسن عنك دفاعه. وبلغك في الدارين سؤلك وأملك، وتقبل صالح الدعاء فيك ولك. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا".
أحمد بن عليِّ بن أبي معقل بن أبي العلاء المحسن بن أحمد بن الحسين بن محمد بن معقل، أبو الحسين الأزديُّ ثم المهلبيُّ.
من أولاد المهلب بن أبي صفرة من أهل حمص.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الفقيه الحنفي المدرس بحلب
- أيده الله تعالى – في تاريخه الذي صنفه لحلب المحروسة، قال: أبو الحسين أحمد ابن علي الأزدي، شاعر أديب فاضل؛ له معرفة جيدة باللغة العربية، وهو من بيت الأدب والشعر بحمص.
ورد علينا حلب في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وذكر لي أنه: نظم "الإيضاح"، و"التكملة" لأبي علي الفارسي، ب/ أرجوزة، وأملى علي مقاطيع من شعره بحلب.
ثم اجتمعت به بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة ونقلت عنه شيئًا آخر من شعره، وهو ممن يصدّر لإفادة العلوم العربية واشتغل بها عليه.
قال: وأنشدني لنفسه:
أنى لي أن أفيق من التَّصابيوسكرته وقد جاء النَّذير
وينزع عن غوايته فؤاديوفي فودي قد لاح القتير
فما هذي الحياة سوى عناءولا لذَّاتها إلا غرور
وما الدُّنيا الدَّنيَّة غير ظلٍّيزول وطيف أحلام يزور
وليس سعيدها إلا شقيٌّوليس غنيُّها إلا فقير
يروح المرء ذا أمل طويلفيخلف ظنَّ هـ أجل قصير
ويحرص أن يقيم بدار ظعنيسير ومكثه فيها يسير
وأنشدني القاضي الإمام – أيده الله تعالى – قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه:
يا نديمي من سرِّ أذد عمانأشرف النَّاس محتدًا ونجارا
إحبس الكأس عن أخيك فقد مال إلى صحوة وملَّ العقارا
/ أ/ وطوى الأربعين لا بل طوتهوأرته المجون واللَّهو عارا
وجلى الشَّيب وانجلى لون فوديه فعادا من بعد ليل نهارا
أأرى خاسر الشَّبيبة والرُّشدجلَّ ذان عندي خسارا
ما اعتذاري بعد أبيضاض عذاريفي ارتكابي الآثام الأنام والأوزارا
أعذر الدَّهر حين أنذر بالشَّيببنيه وأسمع الإنذارا
وأرى بعضهم مصدِّع بعضوكفى ذلك اللَّبيب اعتبارا
وأنشدني، قال: أنشدني أبو الحسين قوله:
يا هند فلَّ الدَّهر حدَّ عزيمتي وتعلمينا
وأمرَّ طعم العيش بعد حلاوة مرُّ السِّنينا
ونضوب ثوب الدَّهر لمَّا أن نضوت الأربعينا
وأنشدني، قال: وسألته بعد أن أنشدني القطع الثلاث، أن ينشدني شيئًا من الغزل، فأنشدني لنفسه:
سفحت دموعك يوم سفح الحاجرآرامه بسوالف ومحاجر
بيض شهرن من العيون خناجرًاللفتك تغمد في طلى وحناجر
/ ب/ لو كان صبرك صادقًا يوم النَّوىما بتَّ مرتقب الخيال الزَّائر
ولما غدوت لذكر أيَّام الحمىوكأنَّ قلبك في مخالب طائر
عرَّضت قلبك للهوى فإذا بهإعراض ريم من ذؤابة عامر
سلَّت عليك سيوفه وعيونهفوقفت بين بواتر وفواتر
كم ليلة قد بات نومك نافرًافيها لذيَّاك الغزال النَّافر
يا صاح من عليا تنوخ أناظرماذا جناه على فؤادي ناظري
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع