تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه أحمد (٤)

وأنشدني، قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه بجامع دمشق:

مالي أزوِّر شيبي بالخضاب ومامن شأني الزُّور في قولي وفي كلمي
للشاعر عز الدين ابن معقل المهلبي، اقرأ القصيدة
إذا بدا سرُّ شيبي في عذار فتىفليس يكتم بالحنَّاء والكتم

وأنشدني، قال: وأنشدني أبو الحسين من شعره:

رأتني سعاد حليف الهموموكنت قديمًا حليف السُّرور
فغضَّت عن الشَّيب لمَّا بدابرأسي طرفًا شديد الفتور
فقلت لها: أقذى في الجفونفقالت نعم وشجى في الصُّدور

أحمد بن هبة الله بن سعد الله أ/ بن سعيد بن سعد بن مقلّد بن أحمد بن صالح بن مقلد بن عامر بن عليِّ ابن أحمد بن يحيى بن عبيد، أبو القاسم بن أبي منصور البحتريُّ الطائيُّ الحلبيُّ، المعروف بابن الجبراني القارئ النحويُّ اللغويُّ.

من أهل حلب.

قال القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن بن أبي الفضل الحلبي الحنفيُّ – حرس الله مدّته – كان رجلًا فاضلًا، مقرئًا مجودًا، عارفًا بعلوم القرآن العزيز واللغة والنحو معرفة جيدة.

وذكره القفطي في كتاب النحاة – من تصنيف – قال: كان شديد الكلب للدنيا، يدخل في دنَّيات الأمور، ويعامل المعاملات المخالفة للشريعة، ويحتمل من ضيق العيش في المأكل والمشرب ما لا يوجد من مثله، إلى أن حصل له جملة من الدنيا ما انتفع بها وخلفها لولده.

ولقد شاهدته في الأيام الشديدة البرد؛ وهو رقيق الملبوس، يقاسي من ألم القرّ ما يظهر أثره عليه، وعدته في مرضه؛ فرأيت منزله على جودة بنائه وهو في غاية من الزراية في المفرش والملبس.

ورأيته في أول مرة؛ وهو ب/ على خلاف في كل هذا، فإنني شاهدته عند ورودي حلب في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وهو حسن البزة والمخدوم والمركوب. ثم نسخ الله ذلك بما ذكرته بعد مدّة ليست بالطويلة.

وتصدّر بجامع حلب برزق قرر له من وقف الجامع لإقراء القرآن والعربية. وكان بخيلًا بما عنده من ذلك يصادف فيما يذكره في أوقات حضوره فما استفاد منه أحد، ولا ظهر له تلميذ معروف.

ولم يزل على جده في الكد وتعرّضه للطلب من أكابر بلده من الجند بغير حاجة إلى أن ذهب لسبيله بالوفاة.

وكان له شعر رديء من شعر النحاة، فيه تكلّف ..... وتصنع، يذهب رونق النظم يمدح به لطلب الازدياد. وكان إذا تلا القرآن تلاه بصوت غير شج، ويتصنع الحروف من مخارجها فيزيد في ذلك على الواجب، يرفع به صوته ..... المسامع؛ غير أنه كان شديد الاجتهاد في طلب الفوائد من صفحات الصحف يلازم المطالعة ليلًا ونهارًا، ويلزم الحفظ لبعض ما يمر به في أثناء ذلك.

ولقد حكى لي الشريف أبو هاشم أ/ ابن أبي حامد الحلبي صديقي – ﵀ – قال: أخبرني جار له، قال: رأيت ابن الحبراني في زمن الصيف يقوم في ثلث الليل الأخير في سطحه، ويوقد سراجًا في موضع ..... من .....، ويقعد للمطالعة وقتًا طويلًا دائمًا في كل ليلة لا يشغله الحر ولا القر عن المطالعة والاستفادة. وكان إذا لوحح في السؤال تضجر وسط لضيق عطنه، وربما سئل عن المسلة فسارع إلى الجواب ويخطئ فإذا ردد عليه الخطأ عز عليه واستوحش وانقطع عن ذلك المجلس.

قال الإمام القاضي أبو القاسم بن أبي الحسن الحنفي الحلبي: قرأ على شيخنا أبي القاسم بن علي بن قاسم بن الزقاق الأشبيلي المقرئ وغيره، وقرأ اللغة على شيخنا أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، والنحو على أبي الرجاء محمد بن حرب النحوي الحلبي، وسمع أبا الفرج يحيى بن أبي الرجاء بن سعد الثقفي، وأباه أبا منصور هبة الله بن سعد؛ وله شعر حسن.

تصدّر بالمسجد الجامع لإفادة علوم القرآن العظيم واللغة والنحو إلى أن مات بحلب يوم الاثنين سابع عشر شهر رجب من سنة ثماني وعشرين وستمائة ب/ ودفن في سفح جبل جوشن.

وسألته عن نسبته ابن الجبرانيُّ، فقال: من أجداده من هو منسوب إلى جبرين قورسطايا قرية من ناحية عزاز؛ قال: وهو من شواذ النسب.

وكتبت عنه شيئًا من الحديث، وشيئًا من شعره، وفوائد من شيوخه، وسألته عن مولده، فقال: في سنة إحدى وستين وخمسمائة.

أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم العقيلي – أبقاه الله تعالى – قال: أنشدني أبو القاسم أحمد بن هبة الله الحلبيّ لنفسه:

لقد سمت ما لا أستطيع من الأمررويدك إنَّ اللَّوم لي بالهوى يغري
فلو ذقت ما قد ذقت من لذَّة الهوىتيقَّنت أنَّ العذل ضرب من الهجر
سقاني الصِّبا كأس الهوى ثمَّ علَّنيوجرَّعني من حلوه ومن المرِّ
بنفسي الَّتي أودى هواها بمهجتيوأصبح قلبي عندها موثق الأسر
إذا سمتها تعجيل حلو وصالهاتكلِّفني صبرًا أمرَّ من الصبر
وترنو بطرف كلَّما طرفت بهتقلَّب قلبي في ذكيٍّ من الجمر
فتحسب هاروتًا وماروت إذ رنتلدى الرَّأي في البابنا نافثي سحر
لقد منعت يقظى لذيذ وصالهاوفي النَّوم حتَّى صدَّت الطَّيف أن يسري
/ أ/ ولو أنَّها تستطيع بخلًا بذكرهالصدَّته أن يجري ويخطر في فكري
عليه وصالًا منك بشقيه أنَّهأضرَّ به الهجران يا ضرَّة البدر
جوانحه تأتجُّ نارًا من الأسىوأجفانه قرحى وأدمعه تجري
لك الله من قدٍّ رشيق وطلعةلقد أزريا بالبدر والغصن النَّضر
تعطِّر نادي الحيِّ إذ خطرت بهولم تمس الأردان شيئًا من العطر
ولم أنسها يوم الوداع وقد سبتفؤادي وغالت ما ادَّخرت من الصَّبر
بدرَّين منثورين لفظ وأدمعودرَّين منظومين في الفم والنَّحر
لأزمع لمَّا إن رحلت ترحُّلًارقادي عن عيني وقلبي عن صدري
قفي زوِّديني نظرة منك علَّنيأعيش بها يا عزُّ واغتنمي أجري
ولا تجمعني هجرًا وبينًا فلم أكنلأقوى على بين الأحبَّة والهجر
رأت شيب رأسي الغانيات فعفننيوكنت أرى ما بين سحر إلى نجر
مضت لي أيام الشَّباب حميدةًولم يبق من عصر الشَّباب سوى الذكر
وأقبل عصر الشَّيب بالكره مؤذنًابتصريم أيام بقين من العمر
كأنَّ شبابي كان ليلة وصلهاتدج حتَّى روِّعت بسنى الفجر
كأنَّ سواد الشَّعر سود مطالبييبيِّضها غاز بأفعاله الغرِّ

/ ب/ وأنشدني، قال: أنشدنا أبو القاسم بن الجبرانيّ لنفسه من قصيدة:

ملك إذا ما السِّلم شتَّت مالهردَّ الهياج عليه ما قد فرَّقا
وأكفُّه تكف النَّدى فبنانهلو لامس الصَّخر الأصمَّ لأورقا

وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم – أيده الله تعالى – قال لي أبو القاسم أحمد بن هبة الله النحوي: عمل أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في لزوم ما لا يلزم؛ وهي النون الساكنة مع الباء والذال وواو الرِّدف:

كل واشرب النَّاس على خبرةفهم يمرُّون ولا يعذبون
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «كل واشرب الناس على خبرة»
ولا تصدِّقهم إذا حدَّثوافإننَّي أعهدهم يكذبون
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «كل واشرب الناس على خبرة»
وإن أروك الودَّ عن حاجةففي حبال لهم يجذبون
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «كل واشرب الناس على خبرة»

وقيل لا رابع لهذه اللفظة، قال: فزاد فيها أبو الحسين ابن منير بيتًا وهو:

/ أ/ قزم إذا سيلوا وإن أطمعوارأيتهم من طمع يهذبون

قال: فزدت أنا بيتًا آخر، وهو قولي:

ليس يرجِّي خيرهم آمليومًا ولا عن لاجئ يشذبون

قال، وقال، أبو القاسم عملت بيتًا ثالثًا لبيتي أبي محمد الحريري اللذين ذكرهما

في المقامات، وقيل لا ثالث لهما، وهما:

لا تسأل المرء من أبوه ورزخلاله ثمَّ صله أو فاصرم
فما يشين السُّلاف حين حلامذاقه كونها ابنة الحصرم

قال: فقلت:

وإن غدا راقيًا مراتب ذيأصل عريق فلا تقل حص رم

أحمد بن يرنقش بن عبد الله العماديُّ، الأمير أبو العباس السنجاريُّ.

كان أبوه من مماليك عماد الدين زنكي بن مدود بن آق سنقر – صاحب سنجار -. وكان أحمد أميرًا مكملًا فاضلًا شاعرًا حسن الأخلاق طيب المعاشرة ب/ متمولًا، وله أملاك كثيرة بسنجار، ووجاهة عظيمة.

تغيّر عليه قطب الدين بن عماد الدين – صاحب سنجار – وقبض عليه، وأخذ جميع ماله وحبسه حتى مات بسنجار سنة خمس عشرة وستمائة في حبس قطب الدين ممنوعًا من الطعام والشراب.

وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي – أيده الله تعالى – قال: قدم علينا أحمد بن يرنقش حلب، وأقام بها مدة وسكن درب العادل؛ ثم عاد إلى سنجار.

قال العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى: روى لنا عنه شيئًا من شعره أبو الحسن علي بن الحسين الحنفي السنجاري، وأخبرني أنه كان في صدر عمره مسرفًا على نفسه، وأنه أقلع وتاب توبة حسنة، قال: وكان يصوم الهواجر، ويقوم الليل.

ثم أنشدني أبو الحسن، قال: أنشدني أحمد بن يرنقش العمادي لنفسه:

مشيب الرَّأس حين بدايقول دنا الَّذي بعدا
فقم بادر إلى عمليسرُّك أن تراه غدا

فيومك ذا إذا ما فات ليس بعائد أبدا

/ أ/ وأنشدني أبو الحسن السنجاري، أنشدي أحمد بن يرنقش لنفسه:

تقول وقد ودَّعتها ودموعهاعلى نحرها من خشية البين تلتقي
مضى أكثر العمر الذي كان نافعًارويدك فاعمل صالحًا في الَّذي بقي

وحدثني القاضي أبو القاسم – أسعده الله تعالى – قال: أخبرني جماعة بسنجار أن أحمد بن يرنقش مات في حبس قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي – صاحب سنجار – بعد أن قبض على جميع ماله ومنعه من الطعام والشراب، فبلغ من أمره أن أكل قلنسوته وأكمامه لشدة الجوع.

ودخل إليه بعض من كان يشرف على حاله من أصحاب قطب الدين، فقال له: قل لقطب الدين يطعمني ويسقيني، وأعطيه ألف دينار ولم يبق لي غيرها؛ فلما ذكر ذلك لقطب الدين ما ذكره، سير إليه طعامًا وماء بثلج، وقال للرسول: أدخله إليه ولا تمكنه حتى يعطيك الدنانير؛ فلما دخل إليه نظر إليه، فقال: لا سبيل لك إليه! إلا بعد إداء ما ذكرت، فقال: والله ما بقي لي شيء، والذي لي قد قبض جميعه، وإنما قلت ما قلت لتطعموني وتسقوني؛ فردوا الطعام والماء، ولم يتناول منه شيئًا ب/ وخرجوا من عنده، فنام فرأى النبي – ﵇ – في المنام فناوله شيئًا فأكله فزال عنه الجوع والعطس، فدخلوا عليه فوجدوه قائمًا يصلي؛ فلما فرغ من صلاته أخبرهم بما رأى، فلما بلغ قطب الدين اتهم والدته – أم قطب الدين – بأنها أنفذت إليه مأكولًا ومشروبًا. ولم يزل على ذلك إلى أن مات.

وبلغني أن قطب الدين – صاحب سنجار – لما احتضر ودنت منه وفاته جعل يشكو العطش ويسقى فلا يروى، وذكر أحمد بن يرنقش ويردد اسمه على لسانه

إلى أن مات.

وقال لي علي بن الحسين بن دبابا: بلغني أن أحمد بن برنقش أتي بماء ليشرب فرده، وقال: لا حاجة لي فيه فإني رأيت النبي – ﷺ – فشكوت العطش فناولني خاتمه فمصصته فزال عني العطش.

أحمد بن يوسف بن عبد الرَّحمن بن مروان بن عبد الجبار، أبو العباس اللخميُّ الفرِّياني

ينسب إلى فرِّيانة موضع من نواحي القيروان.

أنشدني أبو محمد أ/ عبد الله ولده، قال: أنشدني والدي لنفسه:

أما رجاء فإسم لا يباح بهفأقسم الناس بالآيات والصُّحف
فنقطة الجيم من فوق أحقُّ بهاوالرَّا تنقَّل بين الخاء والألف

[أحمد بن يوسف بن محمد بن عبد الوهاب القيسيُّ، أبو محمد الجيانيُّ.

كان فيه فضل وأدب؛ وله شعر حسن.

أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي – ﵁ – قال: أنشدني محمد بن أحمد بن يوسف، أنشدني والدي لنفسه:

أحبه قلبي والمزار بعيدلمن يشتكي ممَّا يجنُّ عميد
كفى حزنًا أنِّي على النأَّي منكمفريد على كثر الجليس وحيد
وقلتم بأنِّي قد تسلَّيت عنكموكيف وودِّي لا يزال يزيد
أيألف قلبي غيركم وهواكمعليه رقيب لا يزال عتيد
فمازلتم مذ شطَّت الدَّار بيننايمثِّلكم شوق لديَّ شهيد
نأيتم فبان الصَّبر منذ نأيتموعندي على ما أدَّعيه شهود
سقام بجسيمي لا يزال يشفُّهوعين كما شاء السُّهاد تجود
عميت..... ... عليل ولكن لا يباح ورود]

أحمد بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيُّ المصريًُّ، يكنّى أبا المكارم، يعرف بابن نقّاش السِّكَّة.

من أهل الديار المصرية.

كانت ولادته ليلة حادي عشري شهر رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبيّ بحلب، قال: أنشدني أبو المكارم لنفسه:

يا غيث لو لم تك من أدمعيلما هفا برقك في أضلعي
أراك أقلعت وقد أزمعواكلُّ سحاب الدَّمع لم يقلع
أجاب قلبي: إن قلبي مضىيوم النَّوى معكم فلم يرجع
ويا حمام الأيك هل أنت إذتبكي على الأحباب تبكي معي
لو كنت مثلي فاقدًا إلفهما كنت تبكيه بلا أدمع
/ ب/ ويا نسيم الرَّوض حدِّث لقدناب انتشاقي لك عن مسعي

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه فيمن اسمه غبراهيم:

إن قيل إبراهيم ذو عجمةتمنعه الصرف فلا عذل
لم لا يجوز الصَّرف فيه ولامعرفة فيه ولا عدل

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في بعض المغاربة:

يقولون: أهل الغرب أهل فضيلةوكلُّهم ينبيك لفظ مقاله
وما يطلع الغرب الَّذي غير ناقصومن شكَّ فلينظر طلوع هلاله

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

وقالوا لنا: الشَّهم عيسى قضىوكثِّر في الموت معنى الحديث
وعوَّض عن ماله نفسهفقلت الخبيث فداء الخبيث

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يخاطب الملك الكامل، وقد جذب الريح بعض المراكب على ثغر دمياط، فأخذها المسلمون وأحرقوها، وطلعت ومطرت السماء، وكسرت الفرنج أ/ في ذلك الوقت:

ليهنك نصر الله يا كامل العلالقد حزت ما لا رامه قطُّ إنسان
الم تر ملك الرِّيح للسُّفن غاصبًاوعمَّهم يا مالك الأرض نيران
نصرت بجند الرُّعب، قلنا: محمَّدووافاك جند الرِّيح أنت سليمان
وطمَّ على أعدائك البحر والحيافهل أنت نوح في زمانك طوفان
فلا زلت منصورًا وجيشك غالبًانعم وعلى الأعداء ذلُّ وخزلان

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه له على حربه:

برسم لبَّات أعاديك يامصطنع الإسلام والكفر
سلطاننا الكامل ملك الورىمحمد بن أبي بكر

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

أيا ملك الإسلام خذها بشارةمن الله تنطيق لفكري بإلهام
إذا ما علا دمياط بالكفر ظلمهوكان عليه نور الدين وإسلام
فلا تيأسن ما ذاك باق وإنَّهيزول بأمر الله عنها وإرغام

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه لما مات العماد بن الشكوي:

/ ب/ تعجَّب النَّاس من قسم القضاة على الأحكام بعد العماد الكوكب السَّاري

فقلت: لم يجدوا كفرًا لمنصبهعدلًا وقد قسموا في بعض أخبار
قاض منازل عز الخلد مسكنهوالقاضيان كما قد قيل في النار

أحمد بن المبارك بن عبد الرحمن بن الحسن بن نفاذة، أبو الفضل السُّلميُّ الكاتب.

من أهل دمشق، يلقب نشو الدولة.

توفي في سنة إحدى وستمائة. كان أحد الكتَّاب بين يدي الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي – ﵀ – وممن كان بصحبته حضرًا وسفرًا.

ذكره الإمام أبو حامد الكاتب في خريدته، وأثنى على فضله ومعرفته، وقال: شاب محبّ للفضل، حريص على تحصيله، بجملته وتفصيله، وهو متولّي الإشراف على الهري بالقلعة بدمشق، وقد كتب ديواني شعري ورسائلي.

أنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري القوصي أ/ بدمشق سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو الفضل أحمد بن نفاذة لنفسه:

إن أعوز الحاذق فاستبدلوامكانه أخرق لم يحذق
للشاعر النشو ابن نُفاذة السُلَمي الدمشقي، اقرأ القصيدة

فلاعب الشِّطرنج من شأنه .. وضع حصاة موضع البيذق

وحكى أبو حامد الكاتب في خريدته، قال: أنشدنا أبو الفضل هذين البيتين؛ قلت مجاوبًا له – البيذق أصغر ما في الشطرنج تقوم الحصاة عوضه – فارتجل في المعنى ما كتبه إليّ:

ما سدَّ موضعه بمشبه فضلهولقد سما فضلًا عن الأشباه
وضعوا حصاة وهي يصغر قدرهاعن بيذق غلطًا مكان الشَّاه

وأنشدني القاضي أبو المحامد أيضًا، قال: أنشدني لنفسه:

يا من غدا شكري لهكفريضة بين العباد
للشاعر النشو ابن نُفاذة السُلَمي الدمشقي، اقرأ القصيدة
قد كدت أنسخ شكرهلولاه في جاه الوداد
للشاعر النشو ابن نُفاذة السُلَمي الدمشقي، اقرأ القصيدة

أحمد بن خليل بن سعادة، أبو العباس الخويِّيّ النحوي.

قاضي قضاة دمشق.

كان فقيهًا شافعي المذهب نظّارًا إمامًا في الخلاف والأصولين والجدل، ذكيًا مفرط الذكاء والفطنة.

سمع من المؤيد الطوسي؛ وله يد في التفسير. صنّف كتبًا شتى في العلوم الشرعية وغيرها.

ومات شابًا ولم يبلغ الخمسين. وكان وفاته في سنة سبع وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بجبل قاسيون.

قال أبو عبد الله محمد بن نصر بن أبي النيان ما كتبه إلى الخويي القاضي بدمشق:

فديتك يا أحمد بن الخليلويا حكمًا شكره قد وجب
ولا تعدمنَّ علاك الشِّاموبلَّغك الله أسمى الرُّتب

فكم حجج لك عند الجدال تثني الخصوم وتجلي الكرب

وكم مشكلات حكين الدُّجىفأوضحها علمك المنتخب
وأضحت دمشق بأحكامهتطول إذا فاخرتها حلب
/ أ/ ولولا النَّبيُّ – ﵇ –ذكرنا الأعاجم قبل العرب

فكتب إليه الخويّي جوابًا لنفسه:

أيا شرف الدِّين يا ابن الكرامويا فاضلًا قرشيَّ النَّسب
لقد بمديحك شرَّفتنيوجمَّلتني عند أهل الرُّتب
رفعت مناري نحو السَّماءولا زلت ترفع أهل الأدب
فكان مديحك من لؤلؤومدحي فالخرز
فلا تعتبن فإنِّي فقيهوشغلي في الدَّرس أو في الطَّلب
فجوزيت عني يا سيِّديوشكرك عندي إذن قد وجب

أحمد بن محمد بن عليِّ بن أحمد بن الناقد الوزير، أبو الأزهر بن أبي السعادات البغداديُّ.

أحد الأعيان الفضلاء، والسادة النبلاء، من البيت المعروف بالتقدّم والمكانة

والتجارة والأمانة.

كان أبوه من التجار المعروفين، والأمناء المشهورين. سافر إلى الشام وخراسان، وعاد إلى بغداد، وتولى وكالة الجهة ب/ الشريفة والدة الناصر لدين الله، وتقلّد أعمالًا جليلة منها النظر في المظالم والوكالة، وغير ذلك. وكان له خمس بنين كلهم فاضل جميل.

فلما مات قام مقامه أكبر من أولاده؛ وهو أبو الأزهر، فنظر فيما كان ينظر فيه أبوه من الأوقاف التي شرطت الواقفة لهم، والنظر فيها مدّة.

ثم عزله الناصر لدين الله فلازم داره مواظبًا على تلاوة القرآن المجيد؛ إلى أن عين له على نيابة بعض الأمراء والنظر في حال جنده وإقطاعه؛ فكان على ذلك مدة.

ثم انفصل عنه وانقطع إلى منزله منعكفًا على قراءة كتاب الله تعالى على أحسن قاعدة، وأجمل طريقة؛ إلى أن مات الناصر لدين الله – ﵁ – وبويع ولده الظاهر بأمر الله – رضوان الله عليه – فاستدعاه لمبايعته.

ثم فوّض إليه وكالة السادة الأمراء من أولاده، فبقي على ذلك إلى أن توفي الظاهر – ﵁ – وبويع ولده الإمام المستنصر بالله – أعز الله أنصار دولته – فقربه وأدناه، وفضله على من سواه، وأحضره في يوم أ/ المبايعة، وأحضر قاضي القضاة أبا صالح نصر بن عبد الرزاق، وقال له أستاذ الدار العزيزة أبو نصر المبارك بن الضحاك. وكانا قائمين بين يدي الشباك الشريف، وهو الذي قام بأمر البيعة لشيخوخته ... لأشغال الدار العزيزة، فقال له: إن أمير المؤمنين قد وكل أبا الأزهر أحمد بن محمد بن الناقد في كل ما يتجدد من بيع وإقرار وعتق وابتياع، فقال قاضي القضاة: أهكذا يا أمير المؤمنين! قال: نعم، فقال له: وليتني ما ولاني والدك – رضوان الله عليه؟ - فقال: نعم قد وليتك ما ولاك والدي فنزل وأثبت الوكالة الشريفة بالعلم، وأشهد عليه بثبوتها عنده سائر المعدلين.

ثم ردّ أمر الوكلاء بالأبواب الشريفة إليه مضافًا إلى الوكالة، وخلع عليه في ذلك اليوم؛ ولم يزل يرتقي ..... وجاهة في كل يوم؛ إلى أن عزل الوزير أبو الحسن محمد بن محمد بن برز القمي عن نيابة الوزارة وذلك في يوم السبت سابع عشر شوال

من سنة سبع وعشرين وستمائة. استدعي أبو الأزهر إلى دار الخلافة، وخلع عليه في موضع البستان خلعة جميلة. ب/ سنية لنيابة الوزارة، وقلّد سيفًا محلى بالذهب.

وكان قد حاز من الأوصاف الحميدة في نفسه من: الفضل الشائع، والدين الذائع، وغزارة الأدب، وتوفر الحياء والعقل الرصين مع معرفته بالعلوم الأدبية، وإتقانه من الصناعتين؛ الكتابية، والشعرية، وتفننه في الإنشاء، وتصرفه في ذلك على حسب ما شاء. وما يحفظه من عيون الأشعار، ونكت السير، مع إحكامه للقرآن المجيد، وتحصيله لفنون الأدب دراسةً وبحثًا؛ فإنه نشأ عفيفًا صينًا عالي الهمة، شريف النفس، لم يطلع له على ريبة قط.

لا جرم حصل له ما لم يحصل لغيره، وخدمته السعادة، وامتطى غارب السيادة، وانقاد لطاعته قلوب الأنام، وامتثل أمره الخاص والعام، ومدحه الشعراء، واعترف بفضله الفضلاء، وأثنى عليه العلماء، ودعا له الصلحاء.

وله نظم صحيح المعاني، جيد المباني؛ ومن شعره ما قاله وكتبه على بعض القصور الشريفة:

لله من قصر الخلافة منزلمن دونه ستر النُّبوة مسبل
/ أ/ وروقا ملك فيه أشرف بقعةظلَّت تحار له العقول وتذهل
تغضي لغرَّته النَّواظر هيبةًويردُّ عنه طرفه المتأمِّل
حسدت مكانته النُّجوم فودَّ لوأمسى يجاوره السِّماك الأعزل
وسما علوًّا أن يقبِّل تربهشفة فأضحى بالجباه يقبَّل

وله:

أبدًا لشمس سعودك الإشراقيا موطنًا شرفت به الآفاق
بل يأمن الجاني ويقترب المدىللراغبين وتبسط الأرزاق

وله في مثله:

ومنزل تخفر القصور بهلا زال يجري بسعده القدر
إنَّ القصور الَّتي تحفُّ بهكواكب وهو بينها قمر

أحمد بن عليِّ بن أبي محمد، أبو العباس الصفَّار الشيبانيُّ، من أهل دمشق المعروف بابن شقشقة.

كان له عناية بالنحو واللغة، جامعًا فضيلتي النظم والنثر. وتوفي في سنة تسع وعشرين وستمائة.

أخبرني نجيب الدين أبو الفتح نصر الله ب/ ابن أبي العّز بن أبي طالب الصفّار الشيباني الدمشقي بها – في المحرم سنة أربعين وستمائة. قال: خالي أبو العباس حبر مجيد، وإمام مفيد، جمع الفضائل والمروءات، وحاز الغايات والنهايات، إن تكلم أضرب، وإن أغرب أعرب، يفوق برقة نظمه شدو الحمام، ويخرج من بساتين فضله ثمرًا يزري بذروات الأكمام، ساد بما لديه أبناء جنسه، فنمق بيراع علمه طرسه بنفسه. أخذ من كل فن غايته، وبلغ من كل أمد نهايته، شهاب قبسه موري ولا يواري، وطرف طرفه في بيداء بدايته لا يجاري، فاق الأدباء في مضماره، فصار الشعر من بعض شعاره، ففنونه لا تدخل في العد، ولا يحيط بها حصر الحد.

وأنشدني، قال: أنشدني خالي لنفسه من أبيات:

من لي بصبر غداة البين إذ بانواوكيف بعد وفائي في الهوى خانوا
حفظتهم ثمَّ خانوني وما حفظواعهدًا لنا فيه إيمان وأيمان
أقسمت بالرُّكن والبيت العتيق ومنلبَّاه خوفًا له حاف وعريان
/ أ/ ما إن سلوت ولالي عنهم عوضوإن تناءت بنادار وأوطان

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من أبيات في مدح دمشق:

وبلِّغ سلامي قاسيون وبرزةوجوير والميطور والشَّرفين
وحيِّ ربوع النَّيربين ومزًّةوسكان داريَّا وما العلمين
فأكرم بها يا صاحبيَّ منازلًاحكت جنة الفردوس بالضفتين

أحمد بن الحسين بن أحمد بن أبي المعالي بن منصور بن عليٍّ النحويُّ الضرير اللغويُّ الفرضيُّ الحاسب الأديب الشاعر، المعروف بابن الخباز، أبو العباس.

كان أبوه من أهل إربل عاميًا يبيع الخبز، وأصل آبائه من بعض قرايا العراق. ونزل الموصل وتأهل بها وتديَّرها إلى حين وفاته؛ ولد [له] عدة أولاد من الذكور والإناث.

وولد له أبو العباس هذا ونشأ، وصرف همته إلى الاشتغال بالعلم وأحبه وأقبل عليه ب/ بكليته فحفظ أولًا الكتاب العزيز، وقرأ التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي حفظًا جيدًا.

ثم ترقى إلى العلوم الأدبية، وتردد إلى جماعة من أدباء الموصل، ولازم الشيخ أبا حفص ودرس عليه كتبًا كثيرة من علم الأدب والنحو واللغة والعروض والقوافي حتى برز على أقرانه، وفاق أبناء زمانه، وبرع في ذلك، وتمهر تمهر المجتهدين. فلما مات أبو حفص شيخه جلس مكانه، وتصدر لإفادة علم الأدب والعربية والقرآن والفرائض والحساب ومعاني الشعر وغير ذلك؛ فانثالوا عليه من كل فج. وهو اليوم شيخ وقته، وحبر مصره، ولم ير في زماننا أسرع حفظًا منه ولا أكثر استحضارًا للأشعار والنوادر والحكايات واللطائف، وهو غاية في الكاء والفهم، سريع الخاطر في نظم الشعر، قوي الروح وقت القراءة عليه. يشغل الناس من بكرة إلى عشاء الآخرة في مسجد بسكة

أبي غنج أنشأه الصاحب أبو الكرم محمد بن علي ابن مهاجر الموصلي. وأقام له فيه جاريًا يدّر عليه، وجامكية تصل إليه تقوم بأوده وتفضل عنه؛ إلّ أنَّه أ/ لم يزل متألمًا من الزمان، كثير التعب من صروفه، شاكيًا من أبناء دهره، قليل الحظ منهم.

ثم انتقل إلى المدرسة البدرية، فلم يزل مقيمًا بها إلى أن توفي. كان رجلًا أسمر اللون، عبل البدن، مدور اللحية. وذكر لي أنَّه كان في بدو أمره له بصر يسير، ويعرف الألوان، ويفرق بينها. ثم ذهب بصره بالمرّة. وكان إذا مشى لم يحتج إلى قائد يقوده. وكان له لحية سوداء حسنة مدوّرة.

وحدثني، قال: لما شرعت في الاشتغال بكتاب "الفخري في الحسنات" واجتهدت في دراسته وحفظه على الشيخ أبي المعالي ثارت على السوداء، وبقيت مدة مريضًا بها؛ فلما أبللت من ذلك انثرت لحيتي جميعها ولم تعد إلى ما كانت عليه. وكان خفيف العارضين جدًا خالطه الشيب قليلًا.

أخبرني أنه ولد في اليوم الثاني عشر من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وتوفي في العشر الأول من شهر رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة – رحمه الله تعالى -.

وحفظ عدّة من الكتب المجردة في النحو ب/ والأدب واللغة والأشعار العربية منها كتاب "الإيضاح" لأبي علي الفارسي، وكتاب "المفصل" لأبي القاسم الزمخشري، وكتاب "الكافي في علم العروض والقوافي" لأبي زكريا التبريزي، وكتاب "مجمل اللغة" لأبي الحسين [أحمد] بن فارس الرازي، وكتاب "الفخري في الحساب".

ثم إنه تحفظ من أشعار العرب الجاهلية والإسلام والمولدين والمحدثين ما لا يحصى، وصنف كتبًا مفيدة في النحو والعروض منها: كتاب "الجوهرة في مخارج الحروف" وهي قصيدة مزدوجة رجز، وكتاب "الإلماع في شرح لمع ابن جني"، وكتاب "التوحيد" في شرحه أيضًا، وكتاب "تحرير المقياس في تفسير القسطاس"

عروض، وكتاب "قواعد العربية" وكتاب "كفاية الأعراب عن علم الإعراب"، وكتاب "نظم الفريد في شرح التقييد" شرح المقدمة الجزولية، وكتاب "الغرة .... أ/ في المسائل الألفية" من علوم شتّى، وكتاب "الإفصاح في الجمع بين المفصل والإيضاح" لم يتمّمه، وكتاب "النهاية في شرح الكفاية" وهو كتاب طويل الذيل جدًا، قل أن يؤتى على مثل مسائله، وقد أملى كثيرًا منه، وكتاب "الفريدة في شرح القصيدة" وهي قصيدة سعيد بن المبارك بن الدهان؛ وهي تشتمل على مسائل معوصة من النحو، وشرع في شرح المفصل مرتين، وعاقت عن ذلك عوائق.

أنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد بن المبارك المستوفي – ﵀ – وأنفذ إليه من الموصل إلى مدينة إربل من غير انتظام معرفة بينهما ولا مشاهدة، ولا اجتماع به إلّا لما شاع من معروفه وأفضاله بين الأنام، خصوصًا أهل الأدب والفضل، وإجماع الخلق على شكره، وجلالته في العلم والرئاسة؛ فآثر أن يمتدحه ويثني على حاله حبًا وتقرّبًا، ولم يطلب بذلك أجرًا ..... لكنه رآه أهلًا للمدح والثناء.

/ ب/ سترن الغصون الرَّاح من حركاتهاوتعلَّم الملكان من لحظاتها
ونضَّت عن الوجه النِّقاب فأشرقتشمس الضُّحى والبدر من قسماتها
سمراء تحمي بالملاحة طرفهاكسنانها وقوامها كقناتها
حسناء لو أنضفتها في وصفهالحكمت أنَّ الحسن بعض صفاتها
وعدت فمات المستهام بخلفهاوحياته إنجازها وحياتها
وكفاه ضرًّا أنَّه في بعدهالم يخل من رقبائها ووشاتها
فأسرَّ شكوى حاله من خوفهمنهم وأخفت نفسه خطراتها
يا من غرست لها المودَّة في الحشاوسقيتها من أدمعي لبناتها
ثمر المودَّة أينعت من سقيهافإلى متى لا أجتني ثمراتها؟ !
لا تحسبي طول النَّوى ينسي الهوىحتى يردُّ النَّفس من صبواتها
حكم السَّقام وقد هجرت فجار فيأحكامه ورضاك في إثباتها
قل للبخيلة بالوفاء نفوسنامن غدرها قد حان حين وفاتها
إن لم يكن وصل فحسبي... بعد البلى يحيي الرَّميم رفاتها

وتعلَّمي جدون ابن موهوب أبي البركات فالثَّقلان في بركاتها

وتشبَّهي بفتى إذا ما صاب في..... بردِّ الرُّوح في أمواتها
/ أ/ جمع الفضائل والفواضل بعد مادان اللِّئام بتركها وشتاتها
وبنى من الشَّرف الرَّفيع محلَّةًجعل الطَّباق السَّبع من شرفاتها
يا والي الشُّعراء حلمًا إنَّمايجني رعايا الناس حلم ولاتها
لك بيت عزلٍّا لا يقوم بوصفهأضعاف ما حبَّرت من أبياتها

ومنها يقول في ذمّ أهل الزمان:

فحمدت ربَّ العالمين على العمىفيه فقدت شخوصها وشياتها
وذممت سامعتيَّ لمَّا كانتاسببًا تقربني إلى أصواتها
مغناك جنَّات النَّعيم فليتنيأرعى ثمار الأنس من روضاتها
وتغور منمن سكَّانه ... روحي ..... زهوقها بنجاتها

وأنشدني أيضًا من شعره يتغزل:

علقِّته غصن بانفيه جميع المعاني
ريق كخمر وثغريفترُّ كالأقحوان
تشتقُّ من وجنتيهشقائق النُّعمان
بنفسجيُّ عذارعيناه نرجستان
تملي على عاشقيهمقاتل الفرسان
/ ب/ كل عاذل فيه جهلًابما يجنُّ جناني
لسان حالي مجيبعن عذله لا لساني

فراقه والرَّدى عند عبده سيَّان

ووصله وحياة النُّفوس مؤتلفان

لا يرتجى أحد وصله ولا سلواني

يا نائي الوصل شوقيإلى لقائك داني
يا باقي الهجر صبريعن حسن وجهك فاني
لم يكف عينيك سقميوبعضه قد كفاني
نسيت ليلًا جنينافيه ثمار الأماني
ونحن من كلِّ واشوحاسد في أمان
وفي الكؤوس رحيقمنطَّق بالجمان
يخال قبل مزاجنارًا بغير دخان

أبدت لنا لونه قبل شربك الوجنتان

وفي ثناياك ريقمن الرَّحيق ثناني
/ أ/ وطيب لفظك يغنيعن استماع الأغاني
يا من حرمت رقاديبطرفه الوسنان
ومن قضى فتعدَّىفي الحكم بالهجران

ومن إذا قلت: حان الوصال، قلت: جفاني

لولاك ما لمت حظِّيولا ذممت زماني

وأنشدني أيضًا لنفسه من قطعة يذم بها أهل الزمان:

فلا تثق بالليَّالي طالما غدرتبذي الوفاء ولو أعطته ميثاقا
ذم الورىزمانهم ... لوما فأحدق بالأيام إحداقا
أعراضهم لم تزل مسودَّة فإذاقدحت فيهم أصاب القدح حرَّاقا
بلوتهم فطعمت السُّمَّ في عسلفما وجدت سوى الهجران درياقا

وأنشدني أيضًا من قصيدة:

أجد له شوقًا إلى ساكني الغضاسنا بارق منهم على البعد أو مضا
فبات وفي أحشائه فرط لاعجإذا هاج بالذِّكرى أقضَّ وأغمضا
فيا برق هلالحبيب لعاشق ... ..... في الوصل يخلف ما مضى
/ ب/ يسرُّبه المحزون من قبل موتهويشفي سقيمًا بالحمام معرَّضا
تمنَّى وصالًا والأماني منيَّةإذا لم يكن يقضيه ود لو قضى
وما زال حتف العاشقين محبَّباإليهم إذا ما العيش صار مبغَّضا
رعى الله إلفًا قرَّب القلب شخصهوإن كان عن عيني بعيدًا معرّضا
تعوَّضت عمَّا فاتني بنظيرهسواه فإنِّي لم أجد متعوَّضا
حبيبًا إلى قلبي وإن كان قاتلي..... إلى نفسي وإن كان معرضا
وأنفقت صبري بعد يوم فراقهفلم أر في أيَّام عسري مقرضا
ولم أنس يوم البين موقفنا وقدرأت زفرتي بين الجوانح تركضا
وأجريت دمعًا لو جرى فوق صفصفلأخصب منه كلُّ محل وروَّضا
وكم حاولت بسطًا لتوديعه يديفواحرَّ وجدي أن تكفَّ وتقبضا
ومن شقوتي أنِّي حرمت وداعهلأن النَّوى قد صار حتمًا بها القضا
ولمَّا رأيت الهجر كالدَّهر باقيًاتخيَّلته واش عليه محرِّضا
لعمرك إنَّ العيش من بعد حمدهذميم وكم سخط يولِّده الرِّضا
صفا لي بالإقبال والإلف مقبلوأعرض عني صفوه حين أعرضا
ولم أتجنَّب قصد مغناه سلوةولكنه لمَّا نأى ضيَّق الفضا
/ أ/ قضى الدَّهر بالهجران بيني وبينهولي دين وصل عنده ليس يقتضي
قنعت ببرق الشام يبدو مذهَّبًافيترك خدِّي بالدُّموع مفضَّضا

وأنشدني لنفسه في مشترك اللغة:

ودجاجة صارت لثور مركبًاوالفيل فوق الثُّور يقتل أخرسا

الدجاجة: الكبَّة من الغزل، والثَّور: القطعة من الأقط، والفيل: الرجل الضعيف الرأي، ويقتل: يمزح، ولبن أخرس: لا صوت له في الإناء.

ناولته قوسًا بلا وتر لهاسهم إذا ما صاب أحيا الأنفسا

القوس: ما بقي في القوصرَّة من التمر، والسهم: النصيب، وقد خيل به التشابه. وصاب وأصاب لغتان، وقوله: أحيا الأنفسا؛ لأن التمر قوت، وهذا موضع الإلغاز.

وشربت من كعب لديه مسمّنفأثرت من عسل ترابًا أغبسا

الكعب: بقية السمن في العكَّة ب/ ومنه قول الحجاج للطّباخ في سمكة سمنها. والعسل: العدو، والأغبس: من الغبسة كلون الذئب.

وفد المسيح له فزرنا مريمًاربُّ المسيح إذا رآها أفلسا

وفد: أي جاء، والمسيح: العرق، وقوله: به: أي بالعسل لأنه شيرة، والمريم

من النساء كالِّزير من الرجال، قال رؤبة:

لزير لم تصله مريمه

والمسيح: الدِّرهم الأطلس، والضمير في رآها يعود إلى مريم، وقوله: أفلس؛ لأنه يبذله لها.

وقال يرثي أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي البغدادي – رحمه الله تعالى -:

جاد الغمأم كأدمع الأحداققبرًا ثوى فيه أبو إسحاق
فلقد ثوب فيه الفضائل والعلابثوائه ومكارم الأخلاق
/ أ/ قبر بعين الشَّمس فضل جمالهبعد الشُّروق كبهجة الإشراق
قبر مقيم في الثَّرى وعلاؤهسام على سبع رفعن طباق
قبر أحاط ببحر جود مفعمعذب المذاقة ماؤه دفَّاق
لم يستفد حرٌّ جزيل هباتهإلا تقلَّد ربقة الإرقاق
ما بعد يومك للصديق سوى الأسىولهيب شوق دائم الإحراق
وسهاد عين لو تزوَّجها الكرىنشزت فبت حبالها بطلاق
وسقام جسم لو ألمَّ جديدهبالصَّخر الجأه إلى الإخلاق
أبقيت في كبدي صدوعًا لا ترىشعبًا ولسعًا لا يفوز براقي
ليت الحمام وقد غزاك بجيشهآلت غنيمته إلى الإخفاق
سخنت عيون الشَّامرأت ... شيئًا سوى العبرات والإبراق
يا غصن ريح الموتعاصفًا ... فذويت بعد الرِّي والإيراق
يا بدر فاجأك المحاق ومن رأىبدرًا يفاجأ ..... بمحاق
يا شمس عاجلك الكسوف فقطَّبتلذهاب نورك أوجه الآفاق
يا ليثالمنيَّة ظفرها ... ذا لبدتين وماله من واقي
.. من سحابة حادثهطلت عليك فعدن بالإغراق
/ ب/ أثريت من صبري وفقدك ردَّنيمن بعد إثرائي إلى إملاق
غيِّبت في لحد وذكرك حاضروفنيت والخيرات منك بواقي
إن قيَّدتك يد الزَّمان فطالماجادت يداك عليه بالإطلاق
ومن العجائب أنَّه يدري ولميستحي حين دهاك بالإرهاق
ساقيت إخوان الصَّفاء شمولهدهرًا وأنت اليوم غير مساقي
لا تغضبن عليهم فجميعهمصافي المودَّة محكم الميثاق
أسرتني الأحزان بعدك عنوةًفاعطف عليَّ وحلَّ عقد وثاقي
ولقد شفيت عداك من أدوائهملما مرضت ولست ذا إفراق
وأعدت فقداني ففقدك عارضما كان وابله سوى الإصعاق
لما بلغت حمىفقدته ... ..... ..... بفراق
لا تقدر الأيَّام بعدكما علىتقليل أحزاني ولا أشواقي
ولقد أمنت الخوف من حدثانهاأمنًا يسهِّل حزن ما أنا لاقي
يوم الحسين شبيه يوم سميِّهفي الحزن والتَّبريح والإشفاق
وإذا ذكرتكما تحنُّ إلى الرَّدىنفسي حنين الواله المشتاق
ومتى أراد الصَّبر قلبي عنكماسفهًا فإنَّ الصَّبر غير مطاق

/ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه يرثيه – ﵁:

جرت الدُّموع فسحبها لا تقلعومضا العزاء فلا أراه يرجع
أعجبت من جزعي لرزء هدَّنيلا تعجبنَّ فذو الرَّزيَّة يجزع
أبكي ولا أرجو إعادة ما مضىومتى أعادت ما تقضَّي الأدمع
في كلِّ يوم فقد خلٍّ مؤلمومحلُّ إيناس خلاء بلقع
فإلى م أحمل ما يصدِّع حملهصمَّ الصُّخور وكاهلي يتضعضع
كنت الضَّنين بوالدي فسخا [به]دهر يفرِّق صرفه ما أجمع
حفظتني الأيَّام قبل وفاتهفمضى فها أنا بينهنَّ مضيَّع
ومصاب إبراهيم إجهاز علىعلمي فما في قوس صبري منزع
يا يوم إبراهيم إلَّا... شمس الفضائل بعده لا تطلع
يوم به وجه الزَّمان مقطِّبداج وانف الفضل فيه أجدع
اللَّيل محزون عليه لأنَّهمازال يسجد في دجاه ويركع
وعلى كواكبه كآبة عاشقفقد الحبيب فطرفه لا يهجع
ذهبت محاسنها وأبطأ عيرهاوجدًا فهن به قباح طلَّع
ونهاره يثني عليه بصومهوقت الهجير وليس ريق ينقع
/ ب/ وإذا أتى صاد إلى إحسانهفله من المعروف بحر مترع
يهوى البداءة بالعطاء ودينهصمت وإغضاء به وتخشُّع
ويغضُّ عن نظر الفواحش مقلةتقذى إذا رأت العيون وتدمع
وإذا تحدَّث من يجالسه بمافيه ذهاب مروءة لا يسمع
وإذا جرى يوم السِّباق إلى العلاوقفت عن الجري الرِّياح الأربع
وإذا أمال ذوي الغواية مطمعفيما يدنِّس لم يمله مطمع
ويفلُّ حدَّ النَّائبات بحدِّهويذبهنَّ عن الصَّديق ويدفع
ويذُّل من عادى ويخفض صيتهويعزُّ بالنَّصر الوليَّ ويرفع
يا موت كم أشقيت مسعودًا بهما زال في روض التَّنعُّم يرتع
فنضا بكره عنه ثوب نعيمهفسروره يوم المصاب مودَّع
قل للسَّحاب إذا مرته يد الصَّباوذكت بأعلاه البروق اللمَّع
وأصمَّت الأسماع شدَّة رعدهفبكلِّ أذن حين يرعد إصبع
واسودَّت الآفاق من إظلامهفعلى النَّهار من الحنادس برقع
احلل عراك على ضريح حلَّهمن لم يزل يروي نداه ويشبع
وتعلَّم المعروف من معروفهحتى تنيل فكلُّ علم ينفع
/ أ/ واستحي لا تفخر عليه فإنِّهوله المفاخر بالحياء ملفَّع
وحياك نائله وبرقك نشرهفرحًا ورعدك بأسه إذ يوقع
يعفو عن الجاني بغير مذلَّةويكفُّ غرب المعتدين ويردع
يبغي رضا الله الكريم ووجههفيما يلامسه وما يتوقَّع
وإذا طريق القول ضاق على امرئمن عيِّه فله طريق مهيع
كم مشهد للعلم يعجز حيرةعن أن يفوه به الخطيب المصقع
أمضيت فيه من لسانك صارمًاتفرى الأكفُّ بحدِّه والأذرع
كم جائع أشبعته متيِّقنمن بعد موتك أنَّه لا يشبع
كم ليلة أحييتها بعبادةلله تسهر والخلائق هجَّع
سعدت قبور جاورتك وأهلهابخلود جنَّات النَّعيم تمتَّع
جزعي لفقدك في الفؤاد مخيِّمومن العجائب أننَّي لا أجزع
أرضاك رُّبك بالنَّعيم مضاعفًاووصلت بالخير الَّذي لا يقطع
وضفا عليك من الخلود لباسهوصفا لديك من الجنان المكرع
وسكنت جارًا للنبيِّ بمنزلفي كلِّ وقت بالكرامة يشفع

وأنشدني أيضًا يرثي أبا إسحاق إبراهيم ب/ ابن محمد الرُّقي المعيد بالمدرسة النوريّة:

تمنَّى بنو الدُّنيا بها أن يعمَّرواوإنَّ المنايا من مناهم لتسخر
تدور كؤوس الموت في كلِّ ليلةويوم وتسقاها برغم فتسكر
ونعرف أنَّا صائرون إلى الرَّدىولكنَّنا نهوى الحياة فننكر
نريد على مرِّ اللَّيالي تغيُّرًاوتأميلنا للعيش لا يتغيَّر
أما في ذهاب الأهل عنَّا إلى البلىلمن كان ينسى حتفه ما يذكِّر
أما في فناء الأصدقاء وفقدهمموارد أحزان لها الفكر مصدر
فحتَّى م شيطان الغرور مسلَّطوكيف انتعاش المرء والجدُّ يعثر
وكم يستغرُّ النَّفس في الغيِّ مطمعويغدر بالنَّاس الزَّمان فيعذر
وكم ينظم العيش الرَّخيُّ عصائبًافيغتالهم صرف الحمام فينثر
ومن يتَّقي بالمال سهم منيَّةيصاب به منَّا مقلٌّ ومكثر
وما نحن إلاَّ مثل سفر مشيَّعفمنَّا الذي يغدو ومنَّا المهجِّر
ولو غشي الألباب نور رشادهالكان لها في كل وقت يذكِّر
ومن أبن الموتى بذكر محاسنفتأبين إبراهيم أولى وأجدر
كريم إذا رجَّيته فزت بالغنىوحبر لأنواع العلوم يحبِّر
/ أ/ شجاع إذا ما الخصم صعَّر خدَّهأقمنا به من خدَّه ما يصعَّر
ولو كان ملكًا أو خطيبًا سما بهعلى كلِّ ما يسمو سرير ومنبر
يروقك ألفاظًا حلت ومعانياومن سرعة الإدراك لا يتفكَّر
وكم وشي شعر حاكه ببديهةإذا وشت استحيت من الوشي عبقر
بنى لأبيه بيت مجد مشيِّدًاإذا طاولته الأنجم الزُّهر تقصر
وكان عصاميَّ السِّيادة نفسهتعلِّمه أفعالها وتبصِّر
يذكِّرني أخلاقه بهبوبهنسيم الصَّبا والرَّوض ريّان أخضر
فتزداد أشواقي إليه وبينهوبيني منهال من التُّرب أغبر
شكوت خطوب الدَّهر من قبل فقدهومن بعده البلوى تزيد وتكثر
شرين خيار النَّاس من بشرهمفبعت على كره لأنِّي أخسر
خليليَّ هلاَّ تسعداني فإنِّنيذخرتكما وألخلُّ للخطب يذخر
أعيراني الصَّبر الجميل فإنِّنيجزعت ومن لي أنَّني عنه أصبر
قفا بي على قبر الغريب وإنَّماوقوفي عليه عبرة وتحسُّر
ولو أننَّي أنصفته فاض مدمعيدمًا فكأنِّي في شؤوني أنحر
وقولًا له مغناك بعدك مظلمتجنَّبه السُّكَّان والتِّبر نيِّر
/ ب/ وقولا له إن حالت الأرض بينناتساوى له عندي مغيب ومحضر
وقولا له عظَّمت قبرًا سكنتهفليسُّ يمس القبر إلا المطهَّر
فقدناك فقد الرَّوض سقيا سحابةوفقد الضحى شمسًا بها كان
ولو كانت الأنواء عالمة بماوهانا لما زالت من الحزن تمطر
ولو عرفت شمس الضُّحى ستر وجههبهيل تراب لم تزل تتستَّر
طوته المنايا في اللُّحود وحمدهإلى يوم إنشار الخلائق ينشر
ويحيا الفتى بالذِّكر بعد وفاتهوما مات من آثاره الغرُّ تذكر

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.