من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه إسماعيل
إسماعيل بن عبد الله الحداد الحلبي
وكان رجلًا سائحًا في البلاد صاحب مجاهدات ورياضات على قدم التقوى والطاعة والتجرد ومعاشرة ذوي الأحوال والمعارف، وله شعر عجيب الفن، يسلك فيه مسلك أصحاب الطريقة والحقيقة من غير أن كان يعرف الخط، وتوفي بدمشق.
أنشدني الأستاذ أبو محمد أحمد بن أيوب بن مسعود بن عبد الله الخيَّاط البعلبكي ثم الدمشقي، قال: أنشدنا الموفق إسماعيل بن عبد الله الحداد ب/ الحلبي لنفسه:
حبُّكم مذهبي ونص اعتقاديولكم أبتغي وأنتم مرادي
وإليكم وجَّهت وجهي وما زال بذكراكم يسرُّ فؤادي
أنتم منيتي وراحة قلبيوعليكم في النَّائبات اعتمادي
قد ملكتم رقِّي فرقُّوا لصبٍّلم يخن عهدكم وحفظ الوداد
ولزمت التَّشديد فيكم لأنِّيلم أجد قطُّ رخصةً للأعادي
ابعثوا طيفكم بجسِّ ضميريمذ تولَّى الكرى وحلَّ سهادي
فوحقِّ الَّذي تجلَّى لموسىملكٌ أرتجيه يوم المعاد
لاعنكم طول عمري ... أفأبغي الضَّلال بعد الرَّشاد
أنا عبدٌ لكم على كلِّ حالواصلوني فقد ملكتم قيادي
إنَّما العمر والحياة غرورٌفاز من يتَّقي إله العباد
إسمعوها وقد حوت كلَّ معنًىوهي نظم الموفَّق الحدَّاد
إسماعيل بن عليِّ بن سعدان المقرئ الواسطيُّ.
فاضل حافظ للقرآن الكريم، متقن له مجيد أ/ لادائه، قد قأ بالقراءات
الكثيرة، وسمع الحديث واشتغل بالأدب نحوًا ولغةً، وقد نظم مثلث قطرب في قصيدةٍ مزدوجة مدح بها المستنصر بالله أولها:
يا قاتلي بالصَّدِّ والهجرانوملهب الأحشاء بالنِّيران
ومسلمي ظلمًا إلى الأحزانمهلًا ترفَّق بالأسير العاني
فدمعه فوق الخدود غمروصدره ما حلَّ فيه غمر
وقد ضني ممَّا يلوم الغمرفهو سقيم القلب والجثمان
وحيِّ إن مررت بالسَّلامترم العدا إذ ذاك بالسِّلام
حين يروا الإيماء بالسلامأكرم بها من أحسن البنان
ومن مديحها:
ناديته والشَّوق قد برَّح بيوازداد من عظم التَّجافي عطبى
صلني فقال: يا قليل الذَّهبما ها هنا عندي سوى الحرمان
فقلت للقلب ارجعن عن هذاوامدح أبا جعفر الملاذا
من جوز دهرٍ للأنام آذىطاعته إرادة الرَّحمان
خليفة في كفِّه بحارطاميةٌ ليس لها قرار
/ ب/ أمطارها على الورى نضأرتعمُّ كلَّ نازحٍ وداني
أجلُّ من قدِّم للإمامهمن كلِّ ملك قد مضى أمامه
أيَّامه في الدَّهر كالعلامهتسمو على الأوقات والأزمان
مؤيَّدٌ منتجب الأعراقمكمَّل مستحسن الأخلاق
مستنصرٌ مؤتمن الإرهاقإذا اعتزى ينمى إلى عدنان
جبهته الغرَّاء تخجل القمروعدله بين الأنام كعمر
وبرُّه عمَّ الأنام وغمركالوابل المثعنجر الهتَّان
نظيفةٌ في أمره الأقداربحبِّه تمحَّص الأوزار
بنسكه مفاخر المختارفي الحشر عند الواحد المنَّان
خليفةٌ ينظر للرعيَّهبفكرة صائبة مرضيَّه
يحكم بالإنصاف والسَّويَّهفهو تقيٌّ كامل الإيمان
لا زال في عزٍّ وفي سلطانودولةٍ باسقة الأفنان
وقدره يسمو على كيوان مسلَّمًا من غير الزَّمان
إسماعيل بن صالحٍ بن أبي ذئبٍ أ/ أبو طاهرٍ القفطيُّ، يعرف بابن البنَّاء.
كان شاعرًا فاضلًا، يكتب حسنا ويرتزق من الوراقة ولديه أدب. فارق بلده، وانتقل إلى المحلّة، وصحب بها ابن بهرام وإليها هكذا أخبرني يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد القفطي بمحروسة حلب.
وأنشدني من شعره، قال: أنشدني ابن البناء لنفسه:
سيَّرت لي حملًا يساق فخلتهجملًا لأنَّ الله بارك فيه
لا تنحرنَّ فقد نحرت من العدامن قد يهاب الموت أن يأتيه
وأنشدني، قال: سمعته ينشد لنفسه من قصيدة يرثي بها الشريف قاسم بن مهنّا الحسيني، أمير مدينة الرسول ﷺ:
لمَّا اشترى من رِّبه بثوابهجنَّات عدنٍ راح يأخذ ما اشترى
إسماعيل بن حمزة بن المبارك بن حمزة بن عثمان بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن، المعروف بان الطَّبال.
بغداديٌّ من أهل باب الأزج.
كان يكتب مسائل ب/ في الفراشض شعرًا له إلى ابن الصقّال ويجيب عنها بشعر، فجمع ذلك كتابًا.
وتوفى يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وستمائة ببغداد، ودفن من الغد بالجانب الغربي بمقبرة أحمد بن حنبل باب حرب. ذكر ذلك جميعه القطيعي.
ثم قال أنشدني لنفسه:
كتبت إليكم بأكفِّ غيريوقد آيست من خيرٍ وخير
وأولادي على قدم التَّعدِّيوينتظرون لي ..... وسيري
ولا هنُّوا بما يرثون بعديولا فرحوا بأموالي وخيري
وبالإسناد:
يقلقني الشَّوق فما لي راحةٌإلَّا إذا مرَّ بعيني الوسن
تخيِّل الأحلام لي شبيبتيواجتماعي بحبيب قد شطن
فيوصل النَّوم إليَّ راحةًحتَّى إذا استيقظت عاد لي الحزن
إسماعيل بن عليِّ بن محمد بن مواهب، أبو محمّدٍ الحظيريُّ.
والحظيرة قرية كبيرة مشهورة أ/ من قرى بغداد ولد ونشأ بها.
وقدم بغداد، وقرأ الأدب والعربية على أئمتها المذكورين كأبي عبد الله محمد [بن] عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وأبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصّار اللغوي البغدادي، وأبي محمد إسماعيل بن موهوب بن محمد بن أحمد بن محمد الخضر الجواليقي البغدادي، وأبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي.
كان فاضلًا شاعرًا متميّزًا خطيبًا مترسلًا ذا بلاغة وبراعة، ورعًا زاهدًا تقيًا؛ له تصانيف معروفة متداولة، وجمع خطبًا تدلّ على علمه، وتنبئ عن صحة فهمه.
سافر إلى الموصل، وحدّث بخطبه وجمع كتابًا سمّاه "تحرير الجواب وتقرير الصواب". وكانت وفاته بالموصل لعشر مضين من صفر سنة [ثلاث وستمائة]. وكانت ولادته في رجب سنة إحدى وثلاثين و [خمسمائة] بالخطيرة.
قال أبو الحسن القطيعي: أنشدني أبو محمد الحظيري لنفسه:
أحبَّتنا من أهل بغداد إنَّنيإليكم مشوقٌ لست بالشَّوق أوضح
ومنَ يكتم الشَّكوى فإنَّ زفيرهينمُّ بها والدَّمع للسِّرِّ يفضح
/ ب/ وكيف يلذُّا العيش أو يطعم الكرىجفونٌ لمن أحبابه عنه نزَّح
له بعدهم همُّ يذيب فؤادهوفكرٌ إذا لجَّ الغَرام المبرِّح
عسى الدَّار أن تدنو وبدّل نائيًابقربٍ وإلا فالمنيَّة أروح
وله بالإسناد:
مغرمٌ يدعوك شوقًا فأجيبيوأثيبي بالهوى أو لا تثيبي
كم أنادي معرضًا عن سقميومعنًى مَن دعا غير مجيب
يا أصيحابي ومن حسن الوفاأن يجيبوا من دعا عند الخطوب
ليت شعري من دعا روض الحمىبعدنا أم من ..... القليب
وبالإسناد، وكتبها إلى صديق له وقد نزح عن بغداد. وكانت داره برحبة الجامع:
عد إلى رحبة بغداد ففيها ما تريد
من ظباءٍ سانحاتكم بها صديت أسود
وقدودٍ كغصونٍتتثنَّى وتميد
وخدودٍ كرياضٍغرست فيها الورود
وغريرٍ فيه من ريم الفلا طرفٌ وجيد
/ أ/ عاطلٍ حال من الحسنله ثوبٌ جديد
ماطلٍ إن صحَّ يومًاوعده ينسى الوعيد
أنا في الحزن وحيدٌوهو في الحسن وحيد
في هوى ذاك الرَّشا يستحسن الغيُّ الرَّشيد
عد إليها عد إليهافهو الرَّهن السَّديد
ليس بالجنَّة ما ليس بها إلَّا الخلود
أنشدني أبو محمد الحسن بن محمد بن الزاهد الشريف العلوي البغدادي، قال: أنشدني أبو محمد إسماعيل بن علي الحظيري لنفسه:
عجبت لوردةٍ كفِّ ظبيٍتنوب بلونها عنِّي وعنه
فباطنها كلون الخدِّ منَّيوظاهرها كلون الخدِّ منه
وأنشدني أبو العباس أحمد بن علي بن الحسن الموصلي العمراني المستوفي, قال: أنشدني أبو محمد الحظيري:
غبتم فما لي في التَّصبُّر مطمععظم الجوى وأشتدَّت الأشواق
/ ب/ لا الدَّار بعدكم كانت ولا ذاك البهاء بها ولا الإشراق
أشتاقكم وكذا المحبِّ إذا نأىعنه أحبَّه قلبه يشتاق
قال أبو العباس فأتممتها بقولي:
والصَّبر يسألني العذول قساوةًفي قلبه والصَّبر ليس يطاق
وإذا رأيت الصَّبر يوجد لامرئٍفاعلم بأنَّ الحبَّ فيه نفاق
وله في أثناء رسالة في وصف كلام كتبها إلى بعض الرؤساء:
تفترُّ عن ملح الأزهار ضاحكةًوالطَّلُّ مثل الَّلآلي في نواحيها
فالثَّغر مبتسمٌ والطَّلُّ منسجمٌوالقطر يضحكها طورًا ويبكيها
يومًا بأحسن ممَّا قلت من ملحٍأبدعت في غرزٍ أودعتها فيها
وقال أيضًا:
لا عالمٌ يبقى ولا جاهلٌولا نبيهٌ لا ولا خامل
على سبيلٍ مهيعٍ لاحبٍيودي أخو اليقظة والعاقل
إسماعيل بن عليِّ بن الحسين أ/ أبو عبدالله الشيبانيُّ, الفقيه الحنبليُّ البغداديُّ.
كان مولده ببغداد سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وتوفي بها يوم الثلاثاء ثامن ربيع الأول سنة عشرين وستمائة.
تلمذ في الفقه لأبي الفتح نصر بن فتيان بن مطر النهرواني المعروف بابن المنِّي, وأبو عبد الله يعرف بابن الرفا, وابن الماشطة. وكان فقيهًا حسابيًا واعظًا مصنّفًا متوحدًا في علم الخلاف والأصول والنظر والجدل.
ناظر وأفتى ودرس حتى برع في جميع ذلك, سمع الحديث من جماعة, وصنَّف كتبًا مفيدة منها في الخلاف كتاب سمّاه "جنَّة الناظر وجنَّة المنظر", وكتاب في الجدل سمّاه "نور المصباح في بيان الاصطلاح", وكتاب "صحيح المنقول وصريح المعقول", وكتاب"الأربعين مسئلة في الخلاف", وكتاب"الموجز في الفرائض", وكتاب"الإيجاز في تفسير الإعجاز" وهو تفسير القرآن العزيز, وإلى غير ذلك.
أنشدني ولده أبو طالب عبد الله بمدينة إربل في شهر شوال سنة خمس وعشرين وستمائة, قال: أنشدني والدي لنفسه:
/ ب/ أجرني إلهي فدائي عضالوقد طال سقمي وطال المطال
وحار الأساة ولو أدركوادواءً لداء بجسمي لقالوا
وملَّ زيارتي العائدونوأهل المودَّة حالوا ومالوا
وأنت الذَّخيرة للحادثاتإذا أعرضوا جملةً واستقالوا
فجد لي بما أنت أهلٌ لهفلم يبق منَّي إلاَّ الخيال
وإلاَّ تذرني لقًى للهوانفراجيك ياسيِّدي لا يذال
وإن كنت أسأل طبًا سواكفتعليل قلب به واشتغال
فأنت الطَّبيب وأنت الحبيبوأنت المجيب وأنت المال
فشكرًا وإن حملت أضلعيسقامًا تدكدك منه الجبال
وأنشدني, قال: أنشدني لنفسه في السنة التي توفي فيها:
دليلٌ علي حرص ابن آدم أنَّهترى كفُّه مضمومةً وقت وضعه
ويبسطها عند الممات إشارةًإلى صفرها ممَّا حوى بعد جمعه
وأنشدني أيضًا, قال: أنشدني والدي لنفسه:
عددت ستَّين عامًا لو أكون علىتيقُّنٍ أنُّها الثلثان من عمري
/ أ/ لساءني أنَّ باقي العمر أيسرهوآخر الكأس لايخلو من الكدر
إسماعيل بن يحيى بن أحمد بن مكابر بن الحسين بن محمد بن عبد العزيز, أبو محمد النيلىُّ العنزيُّ النفّريَّ.
من قرية نفَّر زعم أن أصًله منها.
كان شاعرًا فاضلًا, راوية للأشعار حافظًا جملة كثيرة منها, عارفًا بالتورايخ وأنساب العرب وأيامها. وتوفي سنة تسع وستمائة.
أنشدني الوزير الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي- أدام الله توفيقه- قال:
أنشدني أبو محمد لنفسه:
ألا من لنفس ما يكلُّ نزوعهاوعبرة عين مايكلُّ هموعها
وقلبٍ أذابته الكآبة كلَّمابدا من بروق الجامعين لموعها
أهضب الحمى هل من سبيل إلى الحمىوهل دارنا بالنِّيل تدنو شموعها
وهل لليالينا بشرقيِّ بابلٍرجوعٌ ومن لي أن يحين رجوعها
إذا ما تذكًّرت العراق وأهلهرقا الدَّمع من عيني وفاض نجيعها
/ ب/ ومنها يقول:
أأحبابنا إن شطَّت الدَّار أو غداوصول الإخا بالبعد وهو قطوعها
فلي مقلةٌ بحَّ البكاء سوادهاولي كبدٌ قد أوهنتها صدوعها
وبي نار شوقٍ لو تحمَّل بعضهاهضابٌ من الصمَّان زلَّت فروعها
إذا ظمئت روحي إلى ماء وصلكمففي ماء حزني والسَّقام شروعها
ومن مديحها:
تدارك أقطار البلاد بعدلهوقد درست بالجور منها ربوعها
أقام بها شوقًا من البأس والنَّدىفأثرى ثراها ..... فرعها
وأنشدني: قال: أنشدني لنفسه:
فوا أسفًا أشباحكم نصب ناظريوروحي مع الأنفاس تطلب لقياكم
ويشتاقكم قلبي المعنَّى ورُّبماشكى ألمًا من بعدكم وهو مأواكم
إسماعيل بن محمود بن مخشي بن موسى بن يونس بن آدم بن طون, أبو محمدٍ البلغاريُّ.
فقيهًا حنفيًا عالمًا فاضلًا.
سمع الحديث من أبي محمد عبد الغني أ/ ابن الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد العطار الهمذاني. وقرأ على أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري. سمع منه الصاحب شرف الدين أبو البركات المبارك ابن أحمد المستوفي, وأبو الفتح محمد ولد شيخنا أبي الخير بدل التبريزي بإربل.
طالعت من تأليفه فصلًا أنشأه في فضيلة أهل البيت- صلوات الله عليهم- ثم أتبعه بأبيات من قيله, يشير فيها إلى بعض السادة العلويين يمدحه بها, ويذكر مكارمه ونبله ومآثره وفضله:
بعزَّ الدَّين للدهر افتخارومن إنعامه أنزاح البوار
وفي أيَّامه يغشي النَّواللأهل الرَّيَّ وأخضرَّ القفار
وعلَّى للمعالي والأمانيبيوتًا ما يساميها الفخار
وأحيا من رسومٍ كان ماتتلأهل العلم في تلك انتصار
أيحصي فضله الإنسان عدّاوهل تحصي الرِّمال أو القطار
فدهري قد رماني بالرَّزاياوعزُّ الدِّين كهفي والجوار
يحوز القاصدون البحر درًّاوقصدي من أياديه بحار
إسماعيل بن إبراهيم بن صدقة ب/ الموصليُّ, المعروف بابن ظبية الخبّاز.
وظبية هي أمُّه لا يعرف إلاَّ بها.
قيل إنَّه كان خبازًا في ابتدائه, فصرف همته إلى الشعر والأدب, وله أشعار مستجادة في المديح والغزل. ثم صار متصرفًا للأمراء في أشغالهم. ومات سنة ستّ وستمائة.
أنشدني الحاجي أبو العّز يوسف بن محمود بن سلطان الموصلي, قال: أنشدنا إسماعيل بن ظبية:
ظاعنٌ والقلب في أثرهيقصص الأقطار في سفره
رشاٌ للبدر سنَّتهوشعار اللَّيل من شعره
مستطيلٌ في ملاحتهمتناهي البند في قصره
عجب الرَّاؤون من نمشٍبان في خدَّيه أو أثره
وهو نار الصَّبِّ سعَّرهابتجنِّيه على سكره
قابلت ماءً بوجنتهفانطفا ما طار من شرره
وقال أيضًا في غلام في خدّه قوبة:
/ أ/ يا ليت قوبته الَّتي عبثت بهوعلت سوادًا فوق حمرة ورده
جعلت سوادًا فوق أسود ناظريقدر السَّواد على صحيفة خدِّه
أنشدني أبو سليمان داود بن محمود الإربلي، قال: أنشدني ابن ظبية لنفسه:
تمنَّى فما كلُّ السَّرى إعناقراح الهوى وتخلَّص العشَّاق
أسروا وسلطان الغرام مطاوعٌلك والقلوب إلى رضاك تساق
وحسام جندك في القلوب محكَّمٌولمقلتيك الأمر والإطلاق
وبوجنتيك من الملاحة روضةٌماء الحياة بضميها رقراق
تستعبد الأحرار وهي دقيقةٌوتفلُّ بيض الهند وهي رقاق
ما لان إذ لسواك يجتلب الأسىولغير حسنك ..... الأشواق
جهلًا يذكِّرني بأيَّام الصَّباوالعيش غضٌّ للزَّمان نطاق
ألَّا عدلت وإنَّ ملكك مثل ماعدل المليك الواهب الغيداق
لمجاهد الدِّين المليك مآثرٌحليت بها الآفاق والأعناق
فلهنَّ في تلك البلاد مراقبٌولهن في أعناقا أطواق
يثنى ثناه معطَّرًا بفعالهفبكلِّ ناحية له استنشاق
/ ب/ نفق المديح عليه بعد كسادهثمَّ اقتناه فقامت الأسواق
يهب العتيق على العتيق وينثنيوله عتاقٌ كلُّهنَّ عتاق
مولاي دعوة مخلص في حبَّهلا مدَّع فيها ولا مذَّاق
ما كان ترصيف القريض شعارهوله الوجيز وغيره أخلاق
بل أنت مغناطيس كلِّ فضيلةٍفالنَّظم يعذب والقريض براق
فلذاك أصبحت المدائح دأبهلا مجتد فيها ولا سرَّاق
فاسلم جديد الجدِّ في درج العلاراقٍ إلى غاياتها سبَّاق
إسماعيل بن سودكين بن عبد الله، أبو الطاهر المصريُّ.
كانت ولادته بمصر سنة ثمان أو تسع وسبعين وخمسمائة.
وكان والده أكبر أمير في دولة الملك العادل نور الدين أبي القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر- ﵁ وحدثني، قال: كان والدي: رجلاً أرمنيًا صار إلى الملك العادل وتعلق بخدمته وأمره، وتقدّم ..... عنده فنسب إليه فطعن جماعة أ/ من الناس، أنه أشتراه من ماله، وأنه من عتقائه، وليس بصحيح؛ وما دخل والدي قطّ تحت رق أبدًا.
وأبو طاهر ترك ما كان عليه في الجندية، وخالط الفقراء والصالحين وصحب ذوي الأحوال، وسمع الحديث بعدة مدن منها على الشيخ أبي الفضل محمد بن يوسف بن علي وغيره وبدمشق. وله أشعار على طريقة أولي المعارف والسلف. هاجر إلى مدينة حلب واستوطنها؛ وله أشعار غزيرة.
أنشدني لنفسه:
إن تبدَّلت بي فلا [أ] تبدَّليا ملولًا وحبُّه ليس يملل
ويح قلبي ادَّعى الجلادة عنهموإذا لاح بارقٌ يتملل
ونسيم من الأحبَّة هبَّتحبَّذا ريحهم وما تتحمَّل
نفحةٌ رنَّحت شمائل صحبيأشمولٌ هزَّتهم أم شمال
غازلتنا بذكرهم ففهمناعن نسيم الأحباب ما يتغزَّل
وأنشدني أيضًا لنفسه:
إذا ذكر الجود جود الملوكفحيَّ على كرم الأشرف
فيا ليته مع جودٍ لهعلى جوهر النَّفس لم يسرف
/ ب/ أيا عجبًا أسعف الأبعدينوالجار ذي القرب لم يسعف
وبالجار أوصاه معبودهوقد جاءه النَّص في المصحف
وأقرب جارٍ له نفسهفلم يتقوَّى على الأضعف
وقد كان ما كان فيما مضى أما آن فيما بقي أن يفي
وقال أيضًا وقد التمس عليه أن يعمل موازنة:
يأكلَّ كلِّي كن ليإن لم تكن لي فمن لي
فقال:
أنتم فروضي ونفليأنتم حديثي وشغلي
يا قبلتي في صلاتيإذا وقفت أصلِّي
جمالكم نصب عينيإليه وجَّهت عقلي
وأنسكم في فؤاديوالقلب طورًا
آنست بالحيِّ نارًاليلًا فبشَّرت أهلي
قلت امكثوا فلعلِّيألقى هداي لعلَّي
دنوت منها فكانتنار المكلِّم قبلي
/ أ/ نوديت منها... ..... عدّ اليالي بوصلي
وثب إلينا اشتياقًاوالشَّوق جهد المقلِّ
حتَّى إذا ما تناهىالميقات في جمع شملي
صارت جبالي ريحًامن سطوة المتجلِّى
ولاح سرٌّ خفيٌّيدريه في الحبِّ مثلي
في الموت كانت حياتيوفي حياتي قتلي
فكنت موسى زمانيإذ صار بعضي كلِّي
وكان لي قبل قولي:يا كل كلِّي كن لي
وقال أيضًا وكان مريضًا وقد فدَّاه الطبيب:
كم شقيق رثى ورام الحملامذ رآني من الجوى أتقلَّى
قال: باللُّطف إذ رآني لما بيليت أنِّي لك الفدى قلت: كلاّ
أنا أولى بنار شوقي ووجديولهيبي بحبِّهم أنا أولى
ياشقيقي لا تغترر بالتَّمنِّيوتظنَّ الحريق بالنَّار سهلا
/ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه:
يا نسيمًا هبَّ مشكورًا لدياهدت الأشواق مسراه إلي
وبريقًا لاح من حبِّهمحاكيًا ذاك السَّنى من محجري
آه شوقي إلى من قد غدابصري يلقاهم في كلِّ شي
وإذا لم يجتليهم ناظريأيُّ نفع لي إذًا في ناظري
قرَّة العين بهم في نقطةٍلست موقوفًا على
وسماعي طيَّب ألحانهم... ..... الأحباب تتلوها علي
لو خلا سمعي عنها نفسًالاعتراني صممٌ في مسمعي
ما تشفَّعت بنايٍ مطربليعود الوجد بعد الموت حي
بل وجودي مطلقٌ لي أفقيقد طوي النَّعمة والألحان طي
قدم العهد بجيران النَّقاوهو اسمٌ مستجدُّ يا أخي
كلَّ يوم لي شأنٌ في الهوىلا خلوت الدَّهر من هذا الهوي
ليس عندي مللٌ في حبِّهمذاك بعد الرُّشد للعشَّاق غي
وأنشدني أيضًا لنفسه:
وحقِّك مذ فارقت شخصك لم أر بألطف من تلك الشَّمائل ابحرا
/ أ/ لقد ظلم الأوصاف منك مشبِّهٌلها بالنَّسيم البابليَّ إذا سرى
وفيك الَّذي لم تشهد العين مثلهولم تسمع الآذان عنه مخبِّرا
جمالك فيَّاضٌ على كلَّ ناظرٍجمالًا به ذاك المحلُّ تنوَّرا
يرى كلُّ طرفٍ منك معنٌى بقدرةوحسنك يأبى أن يحاط ويحصرا
ففي كل ِّجزءٍ منك يشهد جنَّةًويبصر بدر التَّمِّ فيه مصوَّرا
وأنشدني لنفسه:
خليلي إن جئت كثب اللِّوىفعرِّج فديت علي رنده
ورد منهلًا طال عهدي بهوإنِّي لظامٍ إلى ورده
وسلِّم على باخل لم يجدبأن يرد الطَّيف من عنده
وقل: ذلك الصَّبُّ باق علىمحبَّته ..... وجده
مقيمٌ على العهد لا ينثنيوقلَّ المقيم على عهده
لك الله مابال حبِّي إذاتلا فيه لجَّج في بعده
وإن كنت في كلِّ حالاتهحليف الوفاء علي ودِّه
شكورٌ على وصله إن بداصبورٌ على المرء من صدِّه
وأنشدني لنفسه:
/ ب/ يا بريقًا لاح وهناوحكي خدِّي مزنا
وحكي لمَّا تراءىلامعًا من ثغر لبنى
خبِّر الأحباب عنِّيأَّنني ذاك المعنَّى
إن فنى فيهم وجوديفغرامي ليس يفنى
آه لو نال فؤاديمنهم ما قد تمنَّى
ياحبيبًا حلَّ قلبيكيف ما شئت تجنَّى
فيك قد طال عنائيوبك الغير تهنَّى
ودنا منك سوائيوودادي منه أدنى
وأنشدني لنفسه:
غزالٌ قد تعرَّض ليفتًى في وصفه غزلي
خناجر لحظه حكمتعلى العشَّاق بالأجل
ولمَّا انكرت عيناه قتل العاشق الوجل
أقام الخدَّ بيِّنةًواظهر شاهد الخجل
أتى وقميص وجنتهعليه قدَّ من قبل
فحينئذ قضي حكمٌبأنَّ الذَّنب للمقل
/ أ/ أيًالله لم يحم أسيل الخدِّ بالأسل
ولم يذك لهيب القلبما يلقى من العذل
وأنشدني أيضًا لنفسه:
لي فؤاد في فناكم عرَّسابسوى حبِّكم ما أنسا
هو ضيفٌ ونزيلٌ عندكممتَّعوه بقراكم نفسا
ذكر الله بخير مجلسًابالحمى قد ضمَّنا والجلسا
إنَّ في الحيِّ مريضًا كلَّماكاد يشفيه رجاه انتكسا
إن خشى من زفرة تفضحهستر الخال وشمَّ النَّرجسا
لو تكن أنفسنا ملكًا لناذلك اليوم بذلنا الأنفسا
يا لييلات مضت عهدي بهاإختلسنا العيش فيها خلسا
وفؤادًا يترجَّى عودةًبالَّذي منَّ بها لا تأيسا
فعسى الدَّهر بها مرتجعًامابقي إلاَّ تعاليل عسى
وأنشدني أيضًا من شعره:
إذا أبصرت برقًا يثربيًّايشبُّ لهيب وجدي يا أخيَّا
/ ب/ يذكِّرني عهود أهيل نجدولم أك قبل لامعه نسيَّا
أصيحابي لعلَّكم تراعواخليلًا لم يزل لكم وفيَّا
إذا وافيتم خللًا بنجدهنيئًا جمع شملكم هنيًّا
فقولوا رام ذو قلق ووجدزيارتكم ولكن ما تهيَّا
ولي قلب ترحَّل إذ تغنَّتحداتكم وأعملت المطيَّا
فيا قلبي الَّذي قد فرَّ منَّيإلى الأحباب يطوي البيد طيَّا
إذا وافيت بدر بني تميمفحِّيي بحيٍّهم ذاك المحيَّا
ومن لي إن رأى قلبي حماهموحيَّا عن قتيل الشَّوق حيَّا
إسماعيل بن علوي بن علوان، أبو محمد البوازيجيُّ.
كان رجلًا صالحًا من أولياء الله تعالى.
صحب الشيخ حماد بن محمد بن جساس البوازيجي. نزل إربل وسكنها إلى أن توفي بها يوم الخميس تاسع عشري ربيع الآخر سنة إثنتين وعشرين وستمائة. وكان
منزله مألفًا للفقراء وذوي التّصوّف.
أنشدني ولده أبو أحمد محمد أ/ قال: سمعت والدي ينشد لنفسه:
عصيتك يا إلهي واشقائيوغيرك ليس يعرفني فني بذاكا
وإنِّي أرتجيك العفو عنِّيوليس العفو يرجى من سواكا
إسماعيل بن الحسين بن محمد بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عزيز بن الحسين بن أبي جعفر محمد الأطروش بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن محمد الديباج بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليِّ الحسين بن علي بن أبي طالبٍ، أبو طالب الحسيني المروزيَّ.
القاضي, النسَّابة، الفقيه الأديب، المصنّف.
قرأ علم الأدب والعربية على أبي الفتح محمد بن سعد بن محمد الديباجي، وأبي الفتح المطرِّزيّ. وأخذ الفقه عن الإمام فخر الدين محمد بن محمد بن محمد بن الحسين الطيّان الماهروي الحنفي, وقاضي القضاة أبي الفتح محمد بن سليمان بن إسحاق الفقيهيّ.
وسمع الحديث على إسماعيل بن محمد بن يوسف القاشاني وغيرهم من العلماء والمحدثين.
ولي القضاء بمرو، وصنّف تصانيف كثيرة ب/ منها كتاب "حظيرة القدس" نحو ستين مجلّدًا، وكتاب "بستان الشرف" وهو مختصر ذلك، وكتاب "غنية
الطالب في نسب آل أبي طالب"، وكتاب "الموجز فى النسب"، وكتاب "الفخري في النسب" صنفه للإمام فخر الدين أبي الفضل محمد بن عمر الرازي، يكون عشرين مجلّدًا، وكتاب "زبدة الطالبية"، وكتاب "العترة النبوية في أنساب الموسوية"، وكتاب "المثلث فى السير"، وشرح عدّة كتب منها كتاب أبي الغنائم الدمشقي، وكتاب "الطبقات" للفقيه زكريا بن أحمد البزاز النيسابوري، وكتاب "الشافعي" خاصة، وكتاب "وفق الأعداد فى النِّسب" وإلى غير ذلك من المصنفات.
وكانت ولادته ليلة الإثنين الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وكان أعلم الناس .... بالأنساب والنحو واللغة والفقه أ/ والشعر والأصول والنجوم وغير ذلك.
وتفرّد في بلده بالتصدر لإقراء العلوم على اختلافها في منزله ينتابه الناس على حسب أغراضهم فمن قارٍ للفقه، ومتعلَّم للنحو، ومصحح للغة، وناظر في النجوم، ومباحث في الأصول؛ وهو مع سعة علمه متواضع لين الجانب لا يرد غريبٌ إلاّ عليه ولا يستفيد مفيد إلاَّ منه، قد طبعه الله من كرم الأخلاق، وطهارة الأعراق، وحسن البشر، وحرمة الطبع، وحياء الوجه، وحبّ الغرباء ما لا يرى متفرقًا مع خلق كثير- فرضي الله عنه وأرضاه- فلقد كان من محاسن الدنيا وعجائبها.
ومن شعره قوله:
قولوا لمن لبِّي في حبِّه:قد صار مغلوبًا ومسلوبا
وفي صميم القلب منِّي أريهواه والإيمان مكتوبا
وصحَّتي في عشقه صيَّرتجسمي معلولًا ومعيوبا
ومدمعي منهمرًا هاميًامنهملًا فى الخدِّ مسكوبا
وقال أيضًا:
والعين يحجبها لألأء غرَّتهعن التَّأمل في ذا المنظر الحسن
/ ب/ بل عبرتي منعت لو نظرتي عبرتإليه من مقلتي إلا على السُّفن
لولا تجشُّمه بالإبتسام وماأمدَّه الله عند النُّطق باللَّسن
لما عرفت عقيقًا شفَّه دررٌولم يبن فوه نطقًا وهو لم يبن
إسماعيل بن إبراهيم بن شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أرقم بن أنود بن أسحم بن النعمان- ويقال له الساطع- ابن عديِّ بن عبد غطفان بن عمرو بن بريح ين خديجة بن تيم اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة- وقضاعة لقبٌ واسمه عمرو بن مالك بن عمرو بن مرّة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أبو محمد بن أبي إسحاق، المعريُّ الأصل، الدمشقيُّ المنشأ والدار.
كان جده أبو اليسر شاكرًا كاتبًا لنور الدين أ/ أبي القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر. وهو من بيت عريق في القضاء والعلم والأدب والفقه والشعر. وأبو محمد من الفضلاء الفصحاء العلماء الأدباء.
حدّثني الأمير أبو حفص بن أبي المعالي، قال: سألت الإمام محمد بمدينة دمشق في شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وستمائة أن يحلّ أبيات أبي الحسن بن الرومي وهي:
وحديثها السِّحر الحلال لو أنَّهلم يجن قتل المسلم المتحرِّز
إن طال لم يملك وإن هي أوجزتودَّ المحدِّث أنَّها لم توجز
شرك النُّفوس وقينةٌ ما مثلهاللمطمئنِّ وعقلة المستوفز
فنثرها، وقال: "وحديثها الحديث لا كالحديث عذب كالماء الزلال، وأسكر فأشبه العتيق من الجريال، واستملى من غير ملّ ولا إملال، وشغل عن غرر من واجب الأشغال، وجنى من قتل المسلم المتحرز ما ليس بحلال صادت بشركه النفوس،
ومالت إلى ب/ وجهة الأعناق والرؤوس، فيهن نزهة العيون وعقال العقول، والموجز الذي ودّ المحدّث أن يطول .. ثم أنشد لنفسه:
حديثٌ حديث العهد فتَّح نورهفمن نوره قد زاد في السَّمع والبصر
يخرُّون للأذقان عند سماعهكأنَّ بهم شيعيَّه وهو منتظر
يلذُّ به طول الحديث لسامرولا يعتريه من إطالته ضجر
به طرفٌ للطرف تجنى وعقلةٌلعاقل ركب مستفزًّا إلى السَّفر
هي البدر فاسمع ما تقول فإنَّهغريبٌ وحدِّث بالرِّاوية عن قمر
إسماعيل بن الحسين بن حامد بن جبارة بن المحسن بن عبد الله، أبو الفداء الموصليُّ، المعروف بابن القائد.
وهو والد رشيد ومعتوقٍ، وسيأتي شعرهما في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
كان رجلًا عاميًا، يقول الأشعار طبعًا من غير قراءة نحو وأدب، وبلغ قريبًا من تسعين سنة، ولم يتغير ذهنه وعقله.
أنشدني ولده أ/ رشيد قال: أنشدني والدي لنفسه:
ومزرفن الأصداغ معسول اللَّمىجرح الفؤاد بطرفه لمَّا رمى
كتب العذار على سوالف خدَّهسطرًا فقام به الجمال مترجما
ما تمَّ حسن البدر عند تمامهحتى أستدار به الظَّلام مخيِّما
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
قامت تودِّعني أميمة والهوىقسمان بين مودَّع ومودِّع
في برقع برزت إليَّ فمن رأىشمس الضُّحى محجوبةً في برقع؟ !
فلثمت رشف رضابها ودموعهاهطَّالةٌ خوف الفراق وأدمعي
وشكوت ما ألقاه من وجدي بهايوم النَّوى فتنهَّدت وبكت معي
ثم أفترقنا وهي قائلةٌ لقدبلغ الحسود مناه فيما يدَّعي
فارقت جيران الرِّضا لا بالرِّضامنِّي ونيران الغضا في أضلعي
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني والدي لنفسه:
لم أنساها وهي إلى جانبيتعبث في حلِّ سراويلي
قلت: وما تبغين يا منتهىسؤلي ويا غاية مأمولي
قالت وقد زال الحيا بينناياعمُّ إحليك يحلو لي!
/ ب/ وأنشدني، قال: أنشدني والدي قوله:
ولمَّا رأت ايري كبيرًا تمنَّعتكأن بها ضيقًا وسيِّئ أخلاق
فأولجت فيها بعضه فتحسَّرتفقلت: على ماذا؟ فقالت: على الباقي
إسماعيل بن عليٍّ، أبو الفداء البغداديُّ.
كان متوليًا الأبنية المعمور في زمان الإمام الناصر لدين الله- ﵁ وحبس. وكان عنده أدب وفضل.
ومن شعره وهو محبوس ما كتبه إلى أهله وأقاربه، ويمدح الناصر لدين الله:
ألا فابلغا الأهل الكرام سلاميوقولا لهم وجدي بهم وغرامي
وإنِّي لا أنسى زمان وصالهموأذكرهم في يقظتي ومنامي
وأعجب شيء أنَّ طيف خيالهميزود دجًى والحارسون أمامي
لئن فاتني فصل الرَّبيع بقربهمفإنَّ ربيعي علَّتي وسقامي
ووردي ورودي مورد الذُّل والضًّناوآسي يأسي والدُّموع مدامي
ولو شاهدد الحسَّاد ما قد لقيتهمن الحبس رقُّوا الاستماع كلامي
/ أ/ وما أنا إلاَّ السَّيف لان لصيقلٍوإني في يوم الوغى لمحامي
وإن كنت محبوسًا فقد طال ما ثوىبحبس رفيع القدر نجل همام
فلا تيأسوا من عودتي وتمسَّكوابحبل دعاء فهو خير ذمام
فلولا دعا ذي النُّون في اليمِّ ما نجاودام به في وحشة وظلام
وعفو أمير المؤمنين مؤمَّلٌورحمته لي فهو خير إمام
وخير مليك يفتح الشَّرق عنوةًويملك غربًا فاتكًا لحسام
وقال في الشيب:
شيب الدَّواة وشيب الرَّأس قد منعاخطَّي وخطوي فلا حكمٌ ولا سبب
مركَّب النِّقس ما لي عشر قيمتهولا الركاب يواتيني ولا الرُّكب
وقال أيضًا:
لهفي على صاحب قد كان يسعدنيعلى الرَّجاء ويحدوني على الأمل
وعزمتي كلَّما عاينت طلعتهفوق السِّماك ويتلو عزمتي عملي
وقال أيضًا:
إنِّي أخاف من التَّأخير فاستمعييارَّبة الخدر قولًا غير مندفع
والوجد يحرقني والشَّوق يقلقنيوالدَّمع يسبقني والقلب ليس معي
/ ب/ أموت باليأس إن طال الفراق وإنوعدتم باللِّقا أحيا من الطَّمع
وله:
بكيت شبابي إذ رأيت مشيبيوأبدلت من إلف بعرف غريب
وما أسفي أن فاتني اللَّهو والصِّباولكن لأيَّامٍ مضت بعيوبي
وما توبة الإنسان بعد مشيبهوزهد الغواني فيه مثل حبيب
وكيف يقاس الغصن بعد جفافهبغصن ربيعيِّ القوام رطيب
وإني لأرجو بعد ذلك كلِّهمن الله عفوًا عن جميع ذنوبي
إسماعيل بن موسى بن منصور بن إبراهيم بن العاص الربعيُّ المقرئ، أبو المجد البوماريُّ.
شيخ ضعيف العينين، ربعة كبير السن أربى على الثمانين. وهو من قرية من قرى
الموصل الغريبة تدعى "بومارية" بها ولد ونشأ وخرج عنها صغيرًا.
وحفظ القرآن العزيز حفظًا جيدًا، وسمع الحديث وسافر إلى مدينة السلام في طلب العلم، وقراءة القرآن وتجويده، ونزل عبادان.
ثم كرّ راجعًا إلى الموصل فاستوطنها، وأدرك أ/ الإمام أبا بكر يحيى بن سعدون بن تمام القرطبي المقرئ بالموصل؛ وله منه إجازة.
وهو رجل صالح متدّين له أشعار فى الزهديات والتحريض على طاعة الله تعالى والتمسك بسنة رسول الله ﷺ.
أنشدني لنفسه من قصيدة طويلة أولها:
أستغفر الله في سرِّي وإعلانيممَّا جنيت ومن زلَّات إخواني
وأسأل الله لي عفوًا ومغفرًةفإنَّه أهل ذي عفو وغفران
واحفظ الودَّ للإخوان إن بعدواوإن دنوا ثمَّ أعفوا عن أخي الجاني
والعهد أرعى لأصحابي وإن نقضواعهدي كذاك أراعي حقَّ جيراني
وأطلب الرِّزق من رَّبي ويطلبنيأشدًّ من طلبي والحرص أعياني
وأتبع الشَّرع فيما قد أمرت بهوالشَّرع يأمرني والشَّرع ينهاني
وأحمد الله رِّبي ثمَّ أشكرهكما هداني لهذا وهو يرعاني
أصحابنا أستمعوا ما قال والدكمقد قال نصحًا وصدقًا غير بهتان
واستمسكوا بكتاب الله واتَّبعواقول الرَّسول هما للشَّرع أصلان
وسنَّة الخلفاء الراشدين بهاأوصى النَّبيُّ الَّذي من ولد عدنان
خلُّوا الهوى وحديث النَّفس واتَّبعواما قد ذكرت لكم تجزوا بإحسان
/ ب/ إسماعيل بن إبراهيم بن غازي بن عليِّ بن محمدٍ، أبو طاهر النُّميريُّ المعروف بابن فلّوس.
من أهل ماردين.
كان فقيهًا حنفيًا أصوليًا فاضلًا ذا قدرة على ما يريد من إنشاء القريض، وخاطر مطاوع في ذلك.
سكن بالآخرة دمشق، يدرس الفقه بالمدرسة العزيَّة المنسوبة إلى الأمير عزّ الدين ايبك أستاذ الدار، وتوفي بدمشق يوم الأربعاء من المحرم في سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وكانت ولادته فى أربع وتسعين وخمسمائة.
أنشدني أبو الفتوح الحسين بن الحسن بن محمد بن محمد البكري، قال: أنشدني أبو طاهر بن فلّوس لنفسه بدمشق:
لحاه الله من زمن خسيسأكابره الأراذل والعبيد
زمانٌ قلَّ أهل الفضل فيهبل انقرضوا فليس لهم وجود
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
سأترك من أهواه لا عن ملالةٍولكن لأمرٍ أوجب الأخذ بالتَّرك
/ أ/ أراد شريكًا في المودَّة بينناوإيمان قلبي لا يميل إلى الشِّرك
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه جوابًا لبعض أصحابه، وقد كتب إليه أبياتًا وهي:
يا أيُّها العالم ماذا ترىفي عاشق ذاب من الوجد
في حبِّ ظبي لأهيف أغيدسهل المحيَّا حسن القدِّ
فهل ترى تقبيله جائزًافي النحر والعينين والخدِّ
من غير ذي فحشٍ ولا ريبةبل بعناقٍ ضم في جلد
فأجابه أبو طاهر بن فلّوس:
يا أيُّها السَّائل إنِّي أرىتقبيلك العينين بالخدِّ
يفضي إلى ما بعده فاجتنبتقبيله بالجدِّ والجهد
لأنَّ من يرتع في روضةلا بد أن يجني من الورد
إسماعيل بن هبة الله بن يوسف بن إبراهيم بن أبي الفضائل, أبو الفداء الحمويُّ.
كانت ولادته ب/ في سنة خمس وتسعين وخمسمائة. شاب له معرفة حسنة بالنجوم, وكتبة التقاويم, وفيه فضل وعلم.
أنشدني لنفسه بدمشق في سنة أربعين وستمائة وماكتبه إلى بعض الأمراء يخاطبه:
إسعد بهذا الحول يا ملك الدُّنيوتملَّ نعمى ليس عنك لها انثنى
واغنم مسرَّات النُّفوس فإنَّهافرضٌ ودع ذكر اللِّوى والمنحنى
يا مالكًا أبت الهوي آراؤهشرفًا كما عزماته أبت الونى
ما بال ملكك ليس يبرح موطنًاوجزيل مالك ليس يألف موطنا
وأنشدني لنفسه ماكتبه علي لوح رمل معمول من .... يولد فيه ويضرب من غير أن يكون فيه رمل, يستغني بذلك عن الرمل:
أنا كاشف الأسرار فيَّ بدائعٌمن حكمة وغرائبٌ وعيوب
أنا ذو البلاغة والمحدِّث صامتٌوبمنطقي التَّرغيب والتَّرهيب
يخفي اللَّبيب ضميره فأبينهفكأن أعضائي خلقن قلوب
إنِّي بسطت أديم وجهي خاضعًاوتركته عوض التَّراب ينوب
إسماعيل بن عبد الرحيم أ/ بن المرجَّى بن عبد الله بن المؤمَّل, الفقيه الشافعيُّ المدرس المفتي القوصي الأنصاريُّ.
سألته عن مولده، فقال: ما أتحققه؛ إلاَّ أنَّ لي من العمر خمسًا وستين سنة, فيكون مولده تخمينًا فى سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
حفظ القرآن العزيز ببلدته, وسمع الحديث بمنية ابن الخصيب على الشيخ علي بن خلف بن معز الكومي التلمساني, وبدمشق على أبي طاهر الخشوعي, والحافظ أبي محمد بن عساكر وطبقتهما خلق كثير, وبالموصل من المجد بن الأثير, وعبد القادر الرّهاوي, وأبي الحرم النحوي وجماعة بها؛ وبمكّة- شرّفها الله- من الحافظ برهان الدين أبي الفتح نصر بن أبي الفرج الحصري وغيرهم.
وترسل إلي الملوك بذلك الزمان عن الملك العادل, ودرس بزاوية جمال الإسلام بجامع دمشق, وتولّى وكالة بيت المال عن ملوك بني أيوب, ونفذ إلى الأطراف إلى ديار بكر والموصل وسنجار والجزيرة العمرية وخلاط وبلاد الحشيشية وحلب.
ودرس فقه الشافعي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة, وحضر مجلسه الأكابر والصدور والوزراء من العلماء, وقرأ الأدب على تاج الدين الكندي, ب/ ولازم عماد الدين وأخذ عنه علمًا كثيرًا, وقرأ عليه تصانيفه حتى لم يكد يفوته منها شيء؛ "كالفتح القدسي" و"البرق الشامي"، و"نحلة الرحلة وحلية العطلة"، و"عتبى الزمان وعقبى الحدثان".
وله مصنفات منها كتاب "الدر الثمين في شرح كلمة آمين" المصنّف للسلطان الملك الكامل سمي بني أكرم الأكرمين محمد, وكتاب "بغية الراجي ومنية الآمل بمحاسن دولة الملك الكامل"، وكتاب "الروض الناضر في محاسن دولة الملك الناصر"، وكتاب "تحف المحاضرة وظرف المذاكرة" مبوب أبوابًا، وكتاب "الحلة الموشاة في أسباب النصرة على خوارزم شاه" المصنف للملك الأشرف– رحمه الله تعالى-، وكتاب "الروض البهج والعرف الأرج" المصنف لعلي بن قلج.
أنشدني لنفسه يوم السبت الحادي عشر من المحرم سنة أربعين وستمائة بمنزله المحروس بدمشق في التاريخ المذكور:
/ أ/ فكري تقسَّم والأشواق تزعجنيوالقلب في لهب النِّيران يتَّقد
وسحب عيني بماء الدَّمع هاطلةٌوالصَّبر قد خانني ياصاح والجلد
وأنشدني لنفسه أيضًا:
هب الدَّهر أرضاني وفرَّج كربتيوأنقدني من ذلَّة السَّجن والأسر
فمن لي بأيَّام السُّرور الَّتي مضتومن لي بما أنفقت في السِّجن من عمري
وأنشدني أيضًا لنفسه لغزًا في القداحة:
قدَّاحة يحكي فؤادي نارهاتخفى وتكمن تحت برد الظَّاهر
فاعجبت لنارٍ تحت بردٍ تختفيكالمكر فى قلب العدوِّ الماكر
إسماعيل بن هبة الله بن سعيد بن هبة الله بن محمد بن باطيش، أبو المجد بن أبي البركات الموصليُّ.
أصله من الحديثة.
كان والده عدلًا بالموصل مقبول الشهادة؛ وابنه أبو المجد هذا فقيه شافعي المذهب، قرأ الفقيه بالموصل، وسافر إلى بغداد فتفقه بها مدّة في المدرسة النظامية ب/ حتى برع فيه وفي الخلاف والجدل والأصولين، واشتغل بالأدب والحديث، وقرأ الفقه على يحيى بن سليمان بن العطار، وأبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر، وسمع من أصحاب أبي القاسم بن الحسين، وأبي بكر محمد بن عبد الباقي, وأبي غالب بن البناء، وأبي العز بن كارش العكبري وطبقتهم، وعاد إلى بلده ورتب معيدًا بالمدرسة البدرية وخازن كتبها.
وصنّف كتبًا منها كتاب فى "طبقات أصحاب الشافعي- ﵁"، وكتاب "مزيل الارتياب عن مشتبه الانتساب"، وكتاب في "مشتبه النسبة"، وكتاب "شرح ألفاظ المهذّب" لأبي إسحاق الشيرازي والأسامي المودعة فيه، وكتاب "التميّز والفصل بين المتفق في الخط والنقط والشكل"، وكتاب "غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل"، وكتاب "نهاية الأرب" في تهذيب عجالة النسب"، وكتاب "أقصى الأمل فى
علم الجدل"، وكتاب "عدّة السالكين"، وكتاب "فريد الشهاب"، وكتاب "مزيل الشبهات في إثبات الكرامات"، وكتاب أ/ "نهاية المرام في إيضاح أركان الإسلام"، وكتاب "فضل الصيام وما ورد الحث على صومه من الشهور والأيام"، وكتاب "النخبة من مشتبه النسبة"، و"أربعين حديثًا عن أربعين من فقهاء الصحابة"، و"شرح البنية" لأبي إسحاق الشيرازي في عشر مجلدات أخذته الغرب في جملة كتبه، وعاد بعضه، وكتاب "بغية المشتاق إلى نعرفة الأوفاق" وغير ذلك .... على يده بحلب.
سافر صحبه أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي إلى الرّقة، وقد وصل إلى الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن ايوب ففارقه منها، وقدم حلب فسمع بها قاضي القضاة أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي الأسدي، وأبا محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي.
وكان قصد دمشق في سنة ثلاث وستمائة، فسمع بها أبا اليمن الكندي، وأبا القاسم الحرستاني وجماعة من أصحاب الفقية نصر الله وابن قبيس وغيرهم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع