من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه طاهر
طاهر بن محمد، أبو الفوائد الفاريابي:
شاعر عالم، وكان مقامه بأذربيجان، واشتهر ذكره هنالك، كان يشعر باللسانين، عربيًا، وفارسيًا، والغالب عليه اللسان الفارسي، امتدح جماعة من ملوك تلك البلاد، وسلاطينها، ورؤسائها، وأشرفها.
وأخبرني من أثق به أنه كان حيًا بعد الستمائة، وصار إلى مجموع أشعاره، وفيه شعر بالعربية يسير، فاخترت قوله يمدح بعض الرؤساء، وهو ربيب الدين أبو القاسم:
دعاني وما اضمرت من لوعة الهوىففي القلب منّي ما خييت بلابل
أاشفي سقامي بعد ما قد مضى الصِّباورنَّح أغصان وحنَّ بلابل؟
وإنَّ شفائي في كؤوس رويَّةيساعدني فيها حبيب مجامل
فبدِّد للدَّمع المصون قلائدوحرك للقلب المشوق سلاسل
/ ب/ ومنها:
ورقَّ كمام الورد عنه كأنَّهكواعب بيض شفَّ عنها غلائل
أقلاَّ ملامي إنَّ ذنبي لديكماكثير وأيام الرَّبيع قلائل
هل العيش إلا أن تنوَّر روضةعليها لنوء المرزمين مخايل؟
يفئ إلى أطلالهنَّ هواجرًاوقد طلقت أسحارها والأصائل
الثَّ رباب المزن فيها كأنَّهبنعمى ربيب الدِّين هام وهاطل
أبو القاسم المقسوم في الناس عرفهفإن جاد وفرًا جاذبته الوسائل
أقام عماد المجد والمجد ساقطونوَّه باسم الفضل والفضل خامل
وصبَّ على الآفاق سجلًا من النَّدىففاضت به عذرانها والمسايل
وقال من قصيدة:
أقبل السَّاقي بريحان وراحهاتها تفتَّر عن ثغر الملاح
أنبهن في السُّكر أغصان الرُّبىما لصحبي بين سكران وصاح؟
ومنها في المديح:
قام في نصر الهدى مستنصرًاأحرز الملك بأطراف الرِّماح
/ أ/ ينتحي أرض العدا في جحفلضلَّ في لألائه ضوء الصَّباح
ثابت الإقبال منصور اللِّوامستقيم الأمر مأمول النَّجاح
طاهر بن محمد بن قريش بن أحمد بن عبد الملك بن قريش، أبو محمد العتابي البغدادي:
من أهل العتابيين، وهي محلة مشهورة غربي بغداد، كان يتفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ وكان له طبع يطاوعه فيما يرومه من صناعة الشعر، وقول سهل متسق، يشبه بعضه بعضًا في رقة الألفاظ ولينها.
وكان فيه خفة روح ودعابة ودماثة، ورأيت له من جمعه كتابًا مطبوعًا سماه: غنية النديم، في وصف الخمر والغناء، وأخبار المغنين، وطرف من أخبار الطفيلية، مما يستحسن في ذلك من الأشعار والنوادر والحكايات.
ونظم قصيدة مزدوجة في أهل مصر، وأودعها نكتًا طريفة، وسبب إنشائها أنَّ بعض المصرية عمل رسالة هجا ب/ بها بغداد، فأنشأ أبو الطيب هذه الأرجوزة، ورسمها بالأرجوزة البغدادية المنتقمة من الرسالة المصرية، هجا بها المصريين.
وسكن بآخره سنجار، وبها توفي في رجب سنة تسع وستمائة، أنشدني
أبو الحسن علي بن الحسن بن علي الأواني الموصلي قال: أنشدني طاهر بن محمد العتابي لنفسه، وأنشدنيها الصاحب شرف الدين قال: أنشدني طاهر لنفسه:
درست معهد النَّعيم الدُّروسفالام الوقار والنَّاموس؟
فاعمروه في العمر عمرًا فقد رقــقت وراقت في كأسها الخندريس
وليال بالدَّير دير سعيدحبَّذا ذلك الزَّمان الأنيس
وسقى فيه غرفة لأبي جابر غيث فربعها مأنوس
قهوة عيسويَّة طال ما صلــلت عليها وسبَّحتها القسوس
بزلت وهي بالشام فدانتبسناها بأرض كسرى المجوس
وغناء يكاد ينبعث الشَّاهد منه حيًا ويبدو الحبيس
والرَّوابي بالزَّهر تزهو كما يزهو بألوان ريشه الطَّاووس
/ أ/ ونديم له معين على اللَّهـووثلاث كأس وكسٌّ وكيس
يخلص الود للجليس وما للــراح طيب حتى يطيب الجليس
كلَّما رتَّل المثاني والزِّيــر اذانًا أجابه ناقوس
قسما بالّذي تزفُّ إليهطلب الأجر والثواب العيس
ما لليل الهموم إلا شموسدائرات أفلاكهنَّ شموس
وأنشدني قال أنشدني أيضًا لنفسه:
هذي شيبتي شبه شخصمنافق معلن مصر
بظاهر فيه كلُّ خيروباطن فيه كلُّ شر
وأنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الصيقل الشاعر الموصلي قال: أنشدني طاهر بن محمد لنفسه:
شم سيف لحظك عن فؤاد التَّائهفمثال شخصك منه في سودائه
عجبًا لوجهك وهو بدر كيف لايخفي شعاع الشَّمس نور بهائه
ولحسن قدِّك وهو لدن كيف لايلويه من ترف هبوب هوائه
/ ب/ ولخال خدِّك كيف ينبت مسكهفي ناره ويخوض لجَّة مائه
وأنشدني أبو الربيع سليمان بن الحسن بن علي البصري الموصلي قال: أنشدني طاهر لنفسه:
مررت في بعض أحياني بمعصرةوللمدامة في أرجائها لهب
وكلَّما أخمدت نار العصير بهاأذكى سناها مجاري دمعها العنب
وللسُّقاة اضطراب في قرارتهاتخب أرجلهم طورًا ةتضطرب
فقلت والعين ما تقضي بهم عجبًاوالخمر ما زال في حالاتها عجب
ايرقصون ولمَّا يشربوا قدحًامنها فكيف بهم لو أنهم شربوا؟
وقال أيضًا:
قوِّض خيام الشُّكر عن معشربرق الأماني عندهم خلَّب
لا بأسهم يخشى ولا برهميرجى ولا ذكرهم طيِّب
يصدق من يثلم أعراضهمبقدر ما مادحهم يكذب
أموالهم باللوم محروسةنعم وأعراضهم تنهب
إن صفعوا بالكف لم يغضبواأو سئلوا خردلة فطَّبوا
/ أ/ يهدون في طرق المخازي فإنضلَّوا إلى مكرمة نكَّبوا
تقاسم النَّاس النَّدى كلَّهوأوسقوا منه وهم غيب
فحين جاءوا وجدوا اللؤم في موضعه قد حلَّ فاستحقبوا
لو مثل الجود سفينًا وقدالقوا بقعر البحر لم يركبوا
وقال: وقد طلب من بعضهم حماضًا، فما طله به ولم يعطه شيئًا:
قصرت في المكارم الأغراضما لخلق إلى ذراها انتهاض
كرم مخلف السَّحائب لا يصــدق فيه برق ولؤم مفاض
فدع المدح والهجاء ولا تلــمم بشعر فللقريض انقراض
ما بقي في الأعراض موضع ظفريتمشى في قطعة المقراض
كم تحمضت وامتقعت فلا كنــت ولا كان ذلك الحمَّاض
وقال أيضًا:
يا ذا الذي درهمه ربَّهوعرضه من لؤمه عبده
يسجد للدِّرهم حّبًا لهوعرضه اتعبه كدُّه
سألت عنه بعض جيرانهوالضدُّ قد يظهره ضدُّه
/ ب/ فقال لي هذا الّذي وجههثكلته من حجر جلده
هذا يشمّ الخبز غلاَّ بهكأنَّما كثرته نده
وجوده أعمى عيون الورىفليتها يكحلها فقده
هذا الَّذي قد مات من بخلهوهذه أثوابه لحده
وقال يهجو:
وليلة بتُّ على طولهاأفكر في عرض ابن عمَّار
لعل أن افتح من هجوهبيت خلًا في بيت أشعار
فلم أجد فيه سوى رقعةقد خلقت من كثرة العار
وقال أيضًا:
لو كان عرضك مبيضًا رقمت لهمن الهجاء طرازا غير مندرس
لكنَّه بالخنا واللُّؤم مذ وضعتعنك التَّمائم مشحون من الدَّنس
بخلت حتّى لو أنَّ النَّار طوعك في الــجحيم ما نالها مصباح مقتبس
فاصبر فسوف يفيق الدَّهر عن كثبفالدَّهر لو لم يكن قد جنَّ لم ترس
وقال أيضًا:
وذي ثروة لا يطرق الضَّيف بابهسمين إهاب الذَّم نضو المحامد
/ أ/ فكعبته في ماردين ودارهدنيسر لا بل وجهه سور آمد
وقال أيضًا:
عذيري من قوم وردت بمدحهمعلى أيَّما واد من اللؤم مترع
مدحتهم وحدي فلمَّا هجرتهمهجرتهم والنَّاس كلُّهم معي
وقال أيضًا:
وباخل قلت له مرةخبز فهزَّت جسمه البارده
رأيت في منزله مصحفًاوليس فيه سورة المائده
وقال أيضًا:
وما بذل القوم القليل لأنَّهمكرام ولا عادوا عن اللُّؤم والبخل
ولكنَّهم صاروا نصارى جهالةوهذا الذي يعطونه جزية الجهل
وله في أبي غالب الماوردي الطبيب النصراني:
لا تستطبنَّ أبا غالبفإنَّما تدبيره قاتل
يحكم بالتَّخمين في غيرهوهو بما في نفسه جاهل
يمشي إلى المرضى فيمشي علىآثاره الحفَّار والغاسل
/ ب/ وقال أيضًا:
وقالوا فلان ذو يسار وثروةولكن بخيل ما ينيل ولا يقري
فقل فيه شعرًا يعرف النَّاس لؤمهفما يكشف اللؤم المستَّر كالشِّعر
فقلت اعذروني ذاك بالبخل ميِّتوقد قيل قدمًا عدِّ عن صاحب القبر
وقال أيضًا:
يا إخوتي تفهَّمواوكلكم تعلَّموا
نصيحة يحظى بهاسامعها ويغنم
هذا الزَّمان فرضأوقاته تغتنم
وذا الرَّبيع مقبلووشيه المنمنم
والماء في مروجهبقسطه مقسَّم
والطَّير قد أفصح منــهنَّ اللسان الأعجم
والراح تجلوها على الشــشرب الزُّجاج المحكم
كأنَّما شعاعهافي الكأس نار تضرم
أو ذوب تبر قد علاهـ لؤلؤ منظَّم
يكسى بها كفُّ المديــر صبغة والمعصم
/ أ/ أنحلها الدّهر فمايدركها التَّوهم
فهي من الدَّهر وإنطال مداه أقدم
آنس موسى نورهاواللَّيل داج مظلم
فقال آنست لكمنارًا وأنتم نوَّم
وهي التي كانت تسقِّيهالعيسى مريم
حرَّمها النَّص وكميرتكب المحرم
يسعى بها ظبي علىعشَّاقه محتكم
حلَّة حسن وجههله العذار علم
وقدُّه من القضيــب الخيزران أقوم
فلو رآه صنمدان لديه الصَّنم
يقتلني إذا أنتشىكلامه المجمجم
لبَّى من الفقه فما حقَّ الفقيه يرحم
يموت بالجوع وفيدماغه التبرطم
وهو على حرقتهمقمَّص معمَّم
وقال أيضًا:
/ ب/ يا عاذلي هات المدامهودع التبرطم والملامه
فأنا الشَّقيُّ بشربهالا أنت في يوم القيامه
أنا مذهبي مذ كنت طفـلًا رشف كاسات المدامه
أتعجَّل العيش اللَّذيــذ وأسأل الله السَّلامه
لو كنت شاهدنا وبدر التِّم قد أرخى لثامه
مثل القصيب اللَّدن قدزانته أعطاف وقامه
يسعى بشمس مدامهوالليل مدرع ظلامه
فتخاله صبحا إذاأبصرت طلعته وجامه
وسماع مطربة لهامع حسن صورتها وسامه
أخلاقها مثل النسيــم أرق من ماء الغمامه
ألفاظها كالدُّرَّ أتــقن حذق ناظمه نظامه
حوت الفصاحة والملاحة فهي بين النَّاس شامه
تشدو فتطرب ثم تطــرب وهي للقفص الحمامة
فيجيبها مثل المحبــب يبثُّ محبوبًا غرامه
إن أذَّن الوتر الفصيــح بمجلس فهي الإمامه
/ أ/ تقضي صلاة سرورنافي الحال من قبل الإقامه
قم نطَّرح قول النَّصوح فلا تطعه ولا كرامه
فأشرب إذا طاف الغلام بها وطرَّبت الغلامه
وكتب إلى نقيب العلويين بالموصل، وكان قد مدحه فأبطأ في جائزته:
يا سيدي يا طلعة البدرويا سليل الأنجم الزُّهر
ألست من قوم أتى مدحهمفي ﴿هل أتى﴾ في محكم الذكر؟
ألست من قوم أنا خوا حمىأموالهم في الحمد والشُّكر؟
ألست من قوم إذا فاخروابذُّوا جميع الخلق بالفخر؟
ألست من قوم إذا استمطرتأكفُّهم أربت على القطر؟
قد عشت شيعيًا إلى أن مضىفي حبكّم سبعون من عمري
فكيف ترضى لي وحوشيت أنأبدِّل الإيمان بالكفر؟
وأن أرى مدحك كلاَّ علىلفظي وأن أمحوه من شعري
وما احتالي في غد إن خلتصحيفتي عنه وما عذري؟
إن قلت: قد أعرض عنِّي وقدأضرب عن حمدي وعن شكري
/ ب/ كذَّبني الخلق جميعًا فوافضيحتي في موقف الحشر
وقال أيضًا:
شحُّو فلو مرضوا دهرًا وقيل لهمهبوا لنا ألم الحمَّى لما وهبوا
ولو راوا في زلال الماء مكرمةوهم عطاش لعافوه وما شربوا
وقال أيضًا:
اليوم ما اجترح الندمان مغفورومجلس الراح في النيروز مأثور
فبادر الرَّاح واشربها معتَّقةفقد دعاك إليها البمُّ والزِّير
كأنما نثرت من نور جوهرهاعلى ثياب نداماها دنانير
صفراء روميَّة قد طال ما بزلتفأمها في ظلام اللَّيل مقرور
ناريَّة اللَّون عند النَّوح عظَّمهاكسرى وصلَّى لها في البيت سابور
إذا تحلَّت عقود الدرِّ دائرةدارت على أذرع الساقي أساوير
تكسو الزَّجاجة لونًا لا بقاء لهفالكأس من كسيها عار ومستور
كأنَّها فضَّة في وسطها ذهبمن حولها حبب كالدرِّ منثور
سواذج فإذا طاف السُّقاة بهاتشكَّلت في تلاليها تصاوير
يا حبَّذا أرض سنجار إذا لبستنور الرَّبيع وزانتها الأزاهير
/ ب/ وحبَّذا المرج حيث الزَّهر منتظمفي سلك أغصانه والماء مذعور
والورد وهو أمير الزَّهر يقدمهفرسانه ولها [في الأرض] تشهير
والأقحوان كمبيض الثغور لهأزرار تبر وحول التِّبر كافور
والسَّوسن الغضُّ بين الرَّوض تحسبهأعلام جيش فمطري ومنشور
أرض كأجنحة الطاووس مختلفألوانها والنَّدامى حولها سور
والطَّير إن أعجمت لحنا بلابلهاعنَّت به أعربت عنها الشَّحارير
فبادروا غفلات الدَّهر واغتنمواأوقاته فزمان العمر محضور
وله وقد صعد صديق له إلى كرسي، قرية من قرى سنجار، فتركه في البستان يومه أجمع، ولم يطعمه شيئًا، ومضى في بعض أشغاله، فقال فيه ارتجالًا:
يا أبا طالب رويدك ما عنــدك لا كلفة ولا تقصير
قد تناهيت في الضَّيافة هذيروضة غضَّة وهذا غدير
يترجَّى بها إذا عدم الزَّاد ويعطى خير الجزاء الصَّبور
كحمار القصَّار يقنع بالماء ويعدو وإن عداه الشَّعير
/ ب/ وله وهو مريض، وقد سأله صديق له عن حاله فقال:
يا عائدي لا تسألن عن حالةجلَّت عن الآلام والتَّبريح
فلقد ضنى جسمي فلو كشَّفتهلعلمت منه صنعة التَّشريح
وقال أيضًا في مرضه:
ألف السَّقام جوارحيحتَّى خفيت عن الضمير
فكأنِّني في مضجعيمن بعض طاقات الحصير
وقال من ربيعية:
ألا هبَّا فقد صفت الخمورلشاربها وغرَّدت الطُّيور
وهبَّ نسيم أنفاس الخزامىولاح الصَّبح وانشقَّ الغدير
وأزهار الرَّبيع مفتَّحات الــجفون كأنهَّا حدق تدور
فصوص قد نثرن على حريرفأظهر حسن رونقها الحرير
إذا ما احضرَّ وجه الأرض فابكرإلى حمراء حقَّ لها البكور
ومطربة متى ما شئت غنَّتمكانك أيَّها القلب الأسير
وقال أيضًا:
/ أ/ واحسرتا ضاعت الدَّراهم منكيسي وأصبحت اشتكي عدمي
وقام إن قام من هويت إلىجنبي وقد قام وهو لم يقم
وقال أيضًا:
الحمد لله قد رجعت إلى الــحقِّ وزالت عن قلبي الرِّيب
وتبت إلا عن شرب صافيةصفراء يجلو كاساتها الحبب
إذا بدا كرمها يقدِّح بالأوراق يبدو في نفسي الطَّرب
وأنثني كلما مررت بهلا سيَّما أن يلوَّن العنب
وقال أيضًا:
ذكر الصِّبا وزمانه فصباوتمايلت أعطافه طربا
شيخ يكاد يطير من فرحبين الكرام إذا رأى العنبا
ويعود ريعان الشَّباب لهغضًّا إذا ما خمسة شربا
لا يصطلي في القرِّ غير سنىلهب الكؤوس ويربح الحطبا
وقال أيضًا:
عج على حانة الدَّنان ففيهاكسرويَّ غطّى عليه الغبار
نسخ العنكبوت فيها بيوتًاعاونته في نسجها الأعصار
/ ب/ قف يمينًا على البزال وحاذرربما طار من سناها الشَّرار
إنَّ شيخًا من النَّصارى كبيرًاعاين الدُّرَّ أفرغت فيه نار
وقال أيضًا:
وعاذل لجَّ في عذلي وعنَّفنيعلى المدام وعيشي دونها نغص
إنِّي لبيب وما شربي لها رفثولا فسوق كما جاءت به القصص
لكن غصصت بزاد الهم اطعمهوالخمر حلّ إلى أن يذهب الغصص
وقال أيضًا:
بادر صلاتك في الغلسوالق الدُّروس لمن درس
وذر الخليع وقهوةحمراء تلمع كالقبس
واغفل إذا الزَّمان فلذَّة الدُّنيا خلس
وقال أيضًا:
وليلة قرَّيت أهزم بردهابجيشين من خمر عتيق ومن جمر
فطورًا ظنَّ الخمر ذائب جمرهاوطورا أظن الجمر من جيِّد الخمر
وقال أيضًا:
بادر صبو حك مطلع النَّجمإنَّ البدار قضيَّة الحزم
/ أ/ أو ما ترى جيش الصَّباح وقدغارت أشاهبه على الدُّهم؟
ولخير ما زوَّجت مبتكرًاماء الغمام كريمة الكرم
ومدامة لطفت فليس لنامنها سوى الإدراك بالوهم
لم يبق إلاَّ رسم صورتهافكأنَّها روح بلا جسم
تغري السَّفيه على سفاهتهوتمدُّ ربَّ الحلم بالحلم
وتثير حربًا للعقول علىخدع لها في صورة السَّلم
وتعلَّم الكرم البخيل فلا يخشى إذا دارت من العدم
تبدو طلائعها ملبَّسةزردًا فتهزم عسكر الهمَّ
وقال أيضًا:
لا تخلين بيتك من خابيهورواقن تجري إلى باطنه
وصاحب يستر في حالة الــسُّكر على عورتك الباديه
يعني كتابًا
وسلِّم الدُّنيا إلى أهلهافإنمَّا مدَّتها فانيه
من عرف النَّاس أنزوى عنهموضمَّه في بيته زاويه
وقال أيضًا:
/ ب/ خلَّني حلس منزلي فنداماي كؤؤس مملوءة وقناني
فظروف المدام خير لمن قدخبر الخلق من ظراف الزَّمان
وقال أيضًا:
ربَّ يوم قابلت فيه شعاع الشـشمس بالضَّعف من شعاع السلاف
وكأنَّ الراووق مفصود عرقسائلًا أو ممرَّض بالرُّعاف
وقال أيضًا:
وكم ليل شربنا الرَّاح حتَّىوشى بحديثنا ضوء النَّهار
ولم تحفل بنا الأقداح حتَّىشربناها وعيشك بالجرار
وقال في عنقود قد تخمر ارتجالًا في مجلس:
ما أحسن الخمر في العنقود كامنةلم يبتذل حسنها كف ولا قدم
بكر عروس وقفناها وما انفصلتولا تشقَّق حتى أبرزت رحم
ولا اشتكت لفحات الشَّمس ضرَّبتهاولا تناولها في مجلس خدم
ثم قيل له: ومعه، فقال في الحال:
لا تشرب الرَّاح إلاَّ في الزُّجاج [وقد]تعنَّست وجنتيها الأعصر القدم
/ أ/ وعافها الدَّنُّ حتَّى أبرزت شبحًاكأنَّه قبس يخفي سناه فم
واستجلها وتأمَّل حسن صبغتهاكالشَّمس تشرق من لألائها الظُّلم
بعدًا لها وهي في العنقود يسترهاكأنَّ أفواهها من سارق حلم
وقال أيضًا:
قالوا اطبخ الخمر واشربها محلَّلةفقلت كفرا فما للنَّار والرَّاح؟
فإنَّني لا أحبُّ الخمر قد عصرتمن كرمة غرسوا فيها بمصباح
وكان قد وعده مؤيد الدين أبو المحاسن ابن الصابوني بمطبوخ، فأبطأ عليه، فكتب إليه:
مؤيَّد الدِّين ما المطبوخ من أربيوكيف أصبر حتى تطبخ العنبا؟
فإن مضى نصفه بالنَّار تأكلهفإنَّ أطيب نصفيه الذي ذهبا
لكن أخو الودِّ من يسقي معاقرةفي شرعة الرَّاح بالكأس الذي شربا
فإن بعثت به نيئًا رضيت بهوالأمر أمرك فيه فأربح الحطبا
وقال أيضًا:
وقيِّم دير جئته بعد هجعةوقد حان من نجم الثريا شروقها
/ ب/ فقام سريعًا والنُّعاس يردُّهوقد بان من أجفان عينيه موقها
وملنا إلى كرم فعاينت جذوةفقلت لحاك الله ممَّ حريقها؟
فقال معاذ الله بل هي قطرةمن الدَّنِّ حتَّى يستبين طريقها
وقال يذم مغنيًا:
ومطرب ترجيع الحانهمن كلِّ شيء وحش أوحش
فليته يخرس أو ليتناإذا تغنَّى بيننا نطرش
وقال أيضًا:
وذي وفاء لجَّ في توبتيوالنُّصح ممّا يبعث الودُّ
فقلت أنظرني وحسبي بهعذرًا إلى أن ينقضي الورد
وقال أيضًا، وهي الأجوزة البغدادية، المنتقمة من الرسالة المصرية، التي هجا بها [أحد المصريين] بغداد:
يا سادتي هل عائد وراجعدهر مضى والشَّمل فيه جامع
وهل يعود عيشنا والدَّارجامعة والحبُّ فيها جار
هذا كتاب مدنف كئيبمبعَّد عن أهله غريب
/ أ/ مسهَّد باللَّيل ما ينامودمعه لبينه سجام
يرتاح إن أقبل ركب الشَّاموإن أثار كامن الغرام
لعلَّ فيه من ديار الموصلمخبِّرًا عنها وإن لم يسأل
لعلَّه أن يبرد الغليلاوأن يداوي جسدًا عليلا
كنت أظنُّ العزَّ في الترحُّلوأنَّ طيب العيش في التَّنقُّل
وأنَّ من يستوطن البلادالا يحرز الكمال والسَّدادا
أدرس ما قد قيل في الأسفارونفعها من ملح الأشعار
فلم أزل يسوقني القضاءوالطَّمع الكاذب والرَّجاء
حتّى سلكت المسلك البعيداواللَّقم المرتَّق المسدودا
مفاوز جميعها مهالكمجهولة يحا فيها السَّالك
وقلت مصر بلد كبيروماله وخيره كثير
وما علمت إذ دخلت مصرالشقوتي أني دخلت القبرا
البوم في دورهم يصيحوبقُّهم منَّته تفوح
أزهارهم تجمع في الغفاريوشربهم من كدر الآمزار
وصرُّهم أجوده مادوَّداوكان في ما عونه مقدَّدا
/ ب/ ونقلهم ألذه المدلينسوبقلهم أطيبه البقدونس
والزفر الماشي إذا ما احتفلواعليه في شربهم المعوَّل
هذا وإن قدِّمت القضامةفما بقي عتب ولا ملامه
يا حبَّذا رائحة السِّمَّانمقدَّدًا في الملح في البراني
فريحه أطيب من أخلاقهموماؤه أطيب من أعراقهم
والطَّائر البرَّيِّ وهو الغاريأكله من أهله التجَّار
يقول يا أسود كم بدرهم؟يقول عشر فاكتسبها تغنم
وحزمة الحشيش في أيلونفرض عليهم ليس بالمسنون
ترشُّها المرأة في الحيطانتحرزًا من أعين الجيران
رئيسهم يشرب وهو نائموعبده بين يديه قائم
في يده اليمنى وغير فخرلفتيَّة قد ملئت بمزر
وبطَّة للبول في شمالهوالعبد لا يقصر في امتثاله
حتَّى إذا أراد أن يبولاأشار إن أشفق أن يقولا
ورفع اليسار من رجليهوكلُّ شخص ناظر إليه
وجاءه غلامه بالبطَّهوغير بدع إن أتى بضرطه
/ أ/ فيدخل البطَّه في إحليلهمن غير أن يستر عن خليله
وإن تدشَّا واحد بنفرهفهو اللَّطيف بين أهل الحضره
هذه تذكر في المناقبليست إذا عدت من المثالب
هذا وإن عاقرهم غريبفليس شخص دونه محجوب
بنوهم يسقون والبناتوربَّما قيَّنت الزَّوجات
وربما كاسرربُّ الدَّاروقال أمضي قاعة المزار
ثمَّ مضى وغلَّق الأبوابايوهم أنِّي أحضر الشَّربا
وربما غاب جميع اليوموقال كنت عند بعض القوم
وقصده أن يخلو الإنسانبعرسه لأنَّه قرنان
وهذه شنشنة قد ورثتمن العزيز سالفًا ودونت
إذ قال يا يوسف أعرض وأتركواستغفري يا هذه لذنبك
حديثهم جميعه خرافهوجلُّ حلوائهم الكنافه
وبيدة كأنَّها رجيعالفلس في قنطارها يضيع
وقولهم عند التَّلاقي شفتوكيف حتى كان هذا البخت
وانقشرت بوشِّك الميمونوجاءني البلاَّن بالتَّبلين
/ ب/ والتُّوم والتُّوت وتوري وكذاولَّهتني قرفان من ذاك الغذا
والعدس في قاعتها والفولفاسمع من المرأة ما تقول
وطاجن البوريِّ واللُّفاتيوكلُّ هذا الشَّرِّ من حماتي
فتبرز المرأة كالشَّرارهقد خربت بكفِّها إزاره
تقول فتِّش حزبتي يا قازيهذا غلام الله ذو المخازي
ومرهف يشهد والدِّرغامبأنَّه في فسقه مقدام
ومصطفى وخيلجان شهدابأنَّه لماله قد بدَّدا
وابنتي قد عافها من شهروها لخبزي وبقولي مزري
يحكي بما يقشعه وشيرجيفما الذي من مثل هذا ارتجي
ومقعدي قد بعته وسفليفهل يرى بعد طلاقي مثلي؟
وهو لحيني رجل رقَّاصفكيف من نكاحه الخلاص؟
وقال لي يومًا صديق صادقلا كاذب الودِّ ولا مماذق
بأنَّني حضرت دار القاضيملازم خصمي للتَّقاضي
فجاء شخصان كما أنبيكافوضعا بين يديه ديكا
ثمَّ تبدَّى واحد فهيَّطاونال من صاحبه وخبَّطا
/ أ/ وقال هذا باعني دجاجهكأنَّها في حسنها درَّاجه
وكنت قد حسبتها تقفُّوخير مما قد لقيت الحتف
وأنت قد عددتها بياضهفما وجدت مثلها غضاضه
فخرجت كما تراها ديكاإنَّ العيان يذهب الشُّكوكا
فردهَّا الحاكم بالتَّدليسأحسن بذاك الحكم الخسيس
وقيل لي: جاء إلى الشنباشييومًا فلان راكبًا أو ماشي
فقال في جارتنا سمَّانقد شاع عنه النَّحس والبهتان
أرسلت مع جاريتي محبوبهإليه ربعًا طالعًا خروبه
فقالت: اقنع لي به قطارهفغرَّها وباعها عصاره
حرى إليه صحبتي رقاصايأخذ لي من خصمي القصاصا
وسم عليه ساعة من يومفما عليك بعدها من لوم
خبز له في الخزبل في العينهفإنَّها حصينة أمينه
غيومهم جميعها جهامفما يبلُّ تربهم غمام
ما للقطاط عندهم مقامإذ ليس في دورهم طعام
بل الدُّروب كلَّها كلابلكنَّهم ليس لهم أذناب
/ ب/ مركوبهم جميعهم حميرولبس أعيانهم المقصور
ينقش في عرسهم الرِّجالأمارة بأنَّهم جهَّال
وهذه من سمة النّسوانلا سمة الكهول والشُّبَّان
خلق كثير مالهم خلاقودينهم جميعه نفاق
لا يقبسون الضيف فضل نارولا يردُّون يدًا عن جار
بل يضمرون الغلَّ والخيانهوما لهم عهد ولا أمانه
المكر من عادتهم والختلواللُّؤم في طباعهم والبخل
قد حزِّبوا في دينهم أحزاباوعبدوا من جهلهم أرباب
ففرقة تقول بالتَّشبيهوظاهر الأخبار والتَّمويه
قد جعلوا احلامهم في النَّومدلائلًا يا ضعف رأي القوم!
وفرقة ينتظرون الحاكموأنَّه في كلِّ وقت قادم
إذا رأوا عن بعد حماراقالوا الإمام قد أتى جهارا
وفرقة قالت تصير فالارأيته لذاته مثالا
واثبتت تناسخ الأرواحمنقولة في سائر الأشباح
وفرقة قالت بأنَّ زيداإمام حقِّ قد أكيد كيدا
/ أ/ وإنَّنا نلقى إله الحقِّبدينه فهو إمام حقِّ
وفرقة تقول إسماعيلإمام حقِّ ماله عديل
قد شملت آل عبيد دعوتهوأنهم نوَّابه وأسرته
وإنَّ منهم نرتجي الرِّضواناوالفوز والعطاء والإحسانا
وآخرون من سراة القاهرةأفعالهم بما ادَّعوه ظاهره
تزعم أنَّ الحقَّ في محمَّدفي حاضر وغائب معتقد
وأنَّنا أتباعه في الأرضفي كلِّ مستور وكلِّ فرض
وأنَّه في وقتنا إماممحكَّم بعدله قوَّام
وفرقة تخلِّق الأركاناقالوا الإمام خلف هذا كانا
وقد حكى لي رجل ظريفأنَّ وراء كنهم كنيف
وفرقة يرون قول الزُّورشهادة من أحسن الأمور
وهذه معتقدات فاسدهجميعها منتحلات باردة
يجمعها من الضِّلال جامعوالحق ما بين الجميع ضائع
هذا وفرعون لهم إلهقدمًا فكم قد عمهوا وتاهوا
/ ب/ وعبدوا بعد عبور البحرعجلًا مصاغًا من حلي التِّبر
وقال قولوا حطَّة ثمَّ ادخلوافصحَّفوها حنطة وبدَّلو
وهبطوا من بعد موسى مصراوحملوا من النَّكال إصرا
والبسوا الذِّلَّة والصَّغاراوورِّثوا الغباء والزَّيارا
وفرقة جميعهم سودانكأنَّما أشخاصهم غيلان
قد سكنوا الأرياف والسَّواداوأضموا الفتنة والأحقادا
حتَّى لقد أغراهم الشَّيطانوعصبة عقيدهم ريحان
وكان رأس القوم لمَّا التأمواعلى اليمين رجل منجِّم
حكى لهم من طالع البروجما حمل القوم على الخروج
وقال قد آن لكم أن تملكواودولة التُّرك سريعًا تهلك
واتَّخذوا المنجِّم الوزيراووقَّروا منصبة ترقيرا
وأخرجوه في رباع الفاضليسكن منها أحسن المنازل
وقال يوم ستَّة وعشرمن شهر شوال ظهور الأمر
فوثبوا بعد عشاء الآخره وشهروا السُّيوف وسط القاهرة
واخترقوا الدُّروب والأسواقاوأظهروا الفتنة والشِّقاقا
/ أ/ وانتظروا أحلافهم فخانواونكثوا عهودهم ومانوا
ووقفوا هنيهة وارتكبواوقام في الحال الأمير موسك
واستيقظت عساكر السُّلطانوعرفت مكائد السُّودان
فأمسكوا من وجدوه إلباوصلبوا على الجذوع صلبا
وأخذوا المنجِّم الكذَّابافافرغوا من فوقه العذابا
تبًا لهم اللمليك الناصرفوق مديد الأرض من مجاهر! ؟
كيف وقد أطاعه الجمادوفتحت بسيفه البلاد! ؟
وغمرت بعدله العباديا بؤس ما ترهَّموا وكادوا
وفرقة للكيمياء وظَّفواقد أحكموا كيزانه ورصَّفوا
إن صلب الزِّئبق منهم عاملفهو على رأي الجميع واصل
وأي نفع كان في تبييضهوإنَّما شيطانه يلهو به
حتَّى إذا أفسدها المرواسعاد إلى دماغه الوسواس
وإن رأى تبييضه في الدَّهريقول قد فزت بملك العمر
وما درى أنَّ العمى مآلهوأنَّه قد غرَّه محاله
حتَّى إذا ضاقت عليهم الحيلمالوا إلى ضرب الزَّبوق والزَّغل
/ ب/ وفرقة تدور في المطالبتسلك فيه أصعب المذاهب
يضيِّعون العمر في المحالوينفقون حاصل الأموال
وأيُّ شخص ظفرت يداهبمطلب بلَّغه مناه
وفرقة تبخِّر الكواكباتسلك في تبخيرها عجائبا
لهم دعاء ولهم بخوروهكذا تلبَّس الأمور
فليس السواد أصحاب زحلمع الخضوع والخشوع والوجل
يلبث طول اللَّيل في الوهادمنغمسًا في أهبة السَّواد
وآخر للمشتري تبخيرهقد طال في تبخيره تخييره
هيأته البياض والوقارواللُّطف والطِّيب له شعار
وهذه من ترَّهات القيليغنى بها الغرُّ بلا تحصيل
صنَّفها إبليس للجهَّالكي تنقضي الأعمال في المحال
وهل سمعتم والظُّنون تكذبفي الدَّهر من لبَّى نداه كوكب؟
والسِّيميا وصنعة التَّنجيموعمل الخاتم والتَّغريم
هذا وعندي لهم دفاترمكسورة يسرح فيها الخاطر
أكبر أفراحهم الخليجلهم إليه أبدًا حجيج
/ أ/ ينتظرون العام ثمَّ يكسروما الَّذي في ذاك لو تدبروا؟
وجانباه كلَّها ترابوقعره الزِّحام والضَّراب
وما الخليج غير نهر جارييمدُّه البول من المجاري
يدوم شهرًا سيله وينشفوكلَّ عام حافتاه تكشف
حتَّى إذا عاد لبعض الأرضفي عمقه وطوله والعرض
ثوى به الذُّباب والنَّاموسوالفأر والجرذان والعروس
إن حكَّموا عند التَّداعي قاضيفي حالة النُّفور والتَّراضي
يقول شيخ القوم هذي حوزتيقد خزنت كتابها وجرتي
وعندها القلقاس والفقوسوالزِّير والوردة والقادوس
والقدر والحصير والسَّريروالقمح والجلبان والشَّعير
وقد أكلت بعده أشناناوذي خوافي يأكل اللّحمانا
صنيعة الملك متاع العادلوخذ قماشي من زمام الفاضل
جاريتي خازنة أمينةتنظف القاعة بالبلينه
أباعها مني بتسحتحشرشيخ وكيل لحظايا شاور
دورهم مشحونة خنافسفمن ترى في طيبها ينافس؟
/ ب/ والحيَّة النَّاظر في الآباروالفأر والعروس ملء الدَّار
لو مسح السُّلطان سوء صورلسئلوا قد حلَّ في القدور
وأرسل الرِّجال والأحمالاوالخيل والبغال والجمالا
وجمع النّمل الذي بمصروسيَّروه نحو ذاك الثَّغر
وقد حكى لي رجل سفَّاروالصَّدق ما يحدِّث التُّجَّار
قال سكنت حجرة في خانمليحة القسمة والبنيان
والخان في الشَّارع وسط القاهرةطباقه مرتفعات عامره
وكان قد جاء معي غلاميكالبدر في إنارة التَّمام
أبيض رومي طويل الشعرلحاظه قد ملئت بالسِّحر
وقدُّه كأنَّه القضيبوردفه كأنَّه كثيب
وعارضاه كمدبَّ النَّملوحاجباه كقسيِّ النَّبل
وثغره كالدُّر في نظاموشعره كسدفة الظَّلام
فبتُّ في بعض اللَّيالي وحديمعانقًا في طول ليلي زندي
ونام مملوكي في الخزانةوكنت قد اريته الإهانة
/ أ/ وبتُّ طول اللَّيل في وسواسيوفي سبيل الحبِّ ما أقاسي
حتى تبدَّى الصُّبح في المشارقواللَّيل لا يرثي لوجد العاشق
فقمت ولهانًا إلى الغلامأبلُّ من تقبيله أوامي
فحين أقبلت على دواجهمخالسًا أحذر من إزعاجه
وجدت في ثني اللِّحاف عبداقد مدَّ من فوق الفراش مدّا
أسود في سواده تنقيطوقد علا من نومه الغطيط
فصحت لمَّا عاينت عينايتبدل الأسود من مناي
وكاد أن يذهب منِّي عقليوقلت هذا كلُّه من فعلي
وانتبهوا من كان في جواريواقبلت عصابة التُّجار
وأقبل الحارس بالسِّلاحقد ملاء الأقطار بالصِّياح
وقال ما شأنك يا مولايليس الزَّعيم فيهم سواي
فقلت قد أبدل لي غلاممثل النَّهار اغتاله الظَّلام
ولم يكن في سالف الأزمانعوائدي أرغب في السُّوادن
واعجبًا أين مضى الرُّوميُّونام في مكانه زنجيُّ؟ !
فأقبل الحارس كالضِّر غاممفكِّرًا في قصَّة الغلام
/ ب/ ثمَّ دنا ورفع الإزاراوصاح عارًا يا تجار عادرًا
هذي البراغيث على الغلاملا خير في إجارة الطَّغام
وهذه أرجوزة وجيزهرائقة في نظمها عزيزه
نظمتها والغرض الإحماضوالعقل تستخفُّه الأعراض
ولو تتبَّعت الخصال كلَّهالكان من طالعها قد ملَّها
وإنَّما التَّطويل والإكثارحاصله الملال والإضجار
والحمد للواهب جمع الشَّملوملحقي عن كثب بأهلي
عليَّ للرَّحمن صوم شهرإن فارقت عيناي أرض مصر
طاهر بن ثابت بن أبي المعالي ب ثابت بن حسان ابن أبي نصر بن محمَّد بن لؤلؤ، أبو الطَّيب القاضي البوازيجي:
ذكر لي ولده أبو عبد الله الحسين، أنهم يرجعون في نسبتهم إلى حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي ﷺ، وأبو الطيب ولد بالبوازيج، ونشأ بها، وقدم الموصل، وتفقه بها على الإمام/ أ/ أبي حامد بن يونس بن محمد بن منعة الفقيه الموصلي، المدرس الشافعي مدة طويلة، وتميز في الفقه، واتصل بخدمة القاضي حجة الدين أبي منصور بن عبد القاهر بن الحسن الشهرزوري، فسمع شهادته، ولازمه مدة، ثم عاد إلى شيخه أبي حامد محمد بن يونس، وسكن المدرسة الزينية، ثم عاد إلى خدمة القاضي حجة الدين أبي منصور، ولازمه، وكان يصحبه في [حمل] الرسائل إلى ديوان الخلافة وغيره، وفوض إليه عقود الأنكحة، والتدريس بالمدرسة الكمالية، فأقام بها برهة من الزمان، يدرس ويفتي، وذكر بها كتاب الشمل، للإمام أبي نصر ابن الصباغ في الدرس، وكان القاضي حجة الدين يأذن له في سماع الشهادة والحكم في بعض القضايا، وبقي على ذلك مدّة، ثم ولاه نيابة القضاء، واستقل بسماع البيّنات، قبول الكتب الحكمية، والحكم، والتثبيت، والإشهاد عليه بذلك.
واستمرت أحواله على الانتظام، ولم يزل كذلك إلى أن توفي يوم الأحد، سادس وعشرين صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة ب/ وصلي عليه من الغد بالموصل بالجامع النوري، ودفن في داره.
وكان حسن السيرة، مددًا في القضاء، قيمًا بمعرفة المذهب، متطرفًا من سائر العلوم الدينية، وكان قد سمع من الحديث شيئًا كثيرًا على أبي حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد، وقال الشعر، أنشدني الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي –أدام الله إقباله- بمدينة حلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني القاضي أبو الطيب طاهر بن ثابت البوزايجي من شعره:
فلا تغترر يومًا بطيِّب عيشةوقرب حبيب فالفراق قريب
فإني أمنت الدَّهر يومًا فخاننيعلى عجل إنَّ الزَّمان عجيب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع