تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر مفاريد الأسماء في هذا الحرف (٣)

أبو طالب بن علي بن علي بن علي العبسي الحلي، من الحلة المزيدية، المعروف بابن الخيمي:

كذا وجدت نسبه بخط يده، في غير قصيدة من نظمه، واسمه كنيته، وبذلك يعرف.

كان شاعرًا شيعيًا، فاضلًا، عارفًا باللغة والشعر، مكثرًا من نظمه، شخص إلى مصر، فسكنها أ/ إلى أن توفي بها.

وله مدائح كثيرة جيدة في أهل البيت -صلوات الله عليهم وسلامه- أنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الغريب الصيقل الشاعر الموصلي قال: أنشدني أبو طالب بن الخيمي لنفسه:

كم من مريق يوم الفراق دمهوبائح سرَّه الذي كتمه؟
وكم حبيب سرت ركائبهعلى محبِّ مضى فما رحمه؟
دعا على ظالميه محتسبًاوما درى أنَّه الذي ظلمه
ذو طلعة كالصَّباح مشرقةمن تحت فرع كأنَّه العتمه
ومقلة بابليَّة شهدتبصدق هاروت في الذي اجترمه
ظبي نسيت التوحيد من كلفيبه وأمسيت عابدًا صنمه
سألته قبلة فأوردنينار صدود بالهجر مضطرمه
فقلت يا مالكي اتحرق منبات قسيم النّيران معتصمه! ؟

ونقلت من خطه قوله، وهو ما كتبه إلى النقيب مجد الدين أبي جعفر أحمد بن زيد بن عبيد الله الحسيني ب/ الموصلي – ﵁:

زادك الله أيُّها المجد مجدافلقد رحت أغزر الناس رفدا
وأجل الورى أبًا وعمومًاوخؤولًا زهرًا وأما وجدا
معشر ما نظمت فيهم قريضًامن مديح إلاَّ تضرَّع رندا
لا ولا فهمت باسمهم في أجاجمن شراب إلاَّ تبدَّل شهدا
يا أبا جعفر اجر ذا ولاءلكم نازحًا عن الأهل فردا
حلَّ في الموصل الفسيحة حتَّىخالها للهموم والضِّيق لحدا
وهو لا يرتجي سواكم لدنياهـ ولا للمعاد سؤلًا وعضدا
كان وعدي لقيا المجاهد مذ أمــس فلا أفتا دون ذلك جهدا
وتفشَّت تلك الأحاديث عنِّيعاد عندي بيض الأمانيِّ ربدا
وجيوش الشِّتاء قد بادرتنييتوَّعدنني خواء وبردا
وعطاياك لم تزل قطُّ نقدًاوعطايا الأيام وعدًا وفقدا
فتحنَّن عليَّ يا ابن عبيد الــلَّه يا أوسع البريَّة رفدا
إنَّني عبدكم ومثلك في السَّادة ما إن يبيع مثلي عبدا
فاغتنم شكري المريع الذي مازال وقفًا عليك قربا وبعدا
/ أ/ مثلما بات ناصب اللَّعن والثَّلــب لمن ما رعوا لجدِّك عهدا

وكتب إليه يهنيه بالشهر:

ليهن بك الشَّهر الجديد فإنَّمابقاؤك في العزِّ الهناء المجدَّد
وحسبك مدحًا أن تبيت وحيدرأبوك وأن تضحي وجدُّك أحمد
وأن تغتدي والعالمون ملوكهموأحرارهم رغمًا لبيتك أعبد
ولست بمحتاج إلى المدح بعد أنأتت لكم الآيات بالفضل تشهد
ولكنَّما يدعو الغرائز فخركمإلى القول منا قربة فنقصد
ونعلم أنَّ المدح ليس بزائدمناقبكم لكنَّنا نتودد
ونرعى عهودًا للنَّبيِّ أضاعهاطوائف في بغض الوصيِّ وألحدوا
فيا ابن عُبيد الله يا من بحبِّهمنفوزُ غدًا يوم المعاد ونسعد
ويا أيُّها المجد الذي با مطلقًاعطاه وشكر النَّاس فيه مقيَّد
ويا من له في كلِّ أنملة ندىيفيض ونارٌ في الوغى تتوقَّد
ألست من القوم الذي بشرعهمتٌحلُّ أمور العالمين وتعقدُ؟
فعش ما أقام الفرقدان وما بكىغمامٌ وما ناح الحمام المغرّدُ

وقال فيه أيضًا يمدحه:

/ ب/ أفي كلِّ ربع دمع عينيك هامعوفي كلِّ جمع سرُّ قلبك ذائع؟
وفي أيِّما أرض حللت معرِّسًاأجدَّ لك الشَّوق الحمام السَّواجع؟
هواتف بالأسحار شجوًا كأنَّهانساءٌ تلبَّسن الحداد فواجع
تُذَّكرني بالجامعين وبابلمرابع عفَّتها الرِّياح الزِّعازع
فأسعدها بالنَّوح نوحًا وتارةًتتابعني في شدوها وأتابع
أنا الفلق إن عيَّ المقال فخاطبأنا السَّيف إن فلَّت ظباه فقاطع
وإنِّي إذا ما نابني الهمُّ والأسىوبتُّ تجافي جانبيّ المضاجع
جعلت وسادي كور عنساء جسرةجماليَّة لم يعلها الدَّهر فارع
مُخفَّفة نحو السُّرى بمناسبهمصلاب تشكَّى وقعهنَّ البلاقع
ويثلثنا قاض وقور وإنَّهجهول إذا ما استعقلته الوقائع
إذا كذبت صحف الخؤولة أظهرتمعاطفه حكمًا به العمُّ قانع
صفا رونقًا حتّى كأنَّ لموعهتبسُّم مجد الدِّين حين يقارع
أبي جعفر نجل الميامين أحمدفتى حمده في البرِّ والبحر شائع
سليل رسول الله وابن وصيِّةعليِّ الَّذي تثنى عليه الأصابع
إمام أبان الدَّين بعد كمونهوأخبر بعد الكون ما الله صانع
/ أ/ فهل بالغ مدح امرئ كلَّ قومهله مننٌ ما تنقضي وصنائع؟
مغاور إن شنَّت من الدّهر غارةمغاوث إن لم يعد في الأرض ضارع
تظلُّ سراحين الفلا لسيوفهممصليّة حيث الرِّماح صوامع
فما ساجدٌ بالطَّعن بات وفوقهمن الطُّلس إلّا أسحم اللون راكع
مجمِّع فلِّ الحمد والحمد شاردٌوهازم جيش اللُّؤم واللؤم جامع
حسيب أديب قادرٌ متعطِّفٌسخيٌّ أبيٌّ مالكٌ متواضع
أعزُّ مليك للورى وخدت بهعلنداة أسر هجَّنتها الجلافع
وأكرم محمول على متن سابحبقبهلة لطخ من الفجر لامع
تُزاحمني فيه القوافي كأنَّهاحوائم حمسٌ بالفرات تدافع
إذا ما انتضى في حندس الخطب عزمهتسرَّى ووجه النَّصر أبلج ناصع
وإن لبست أقلامه الطِّرس ساخطًاأُبيحت حلال واستقيدت صعاصع
وإن جاد إنعامًا أتتك كتابةوفي كلِّ سطر جعفرٌ متدافع
غدت سيرة الحدباء في الأرض صورةًبعدلكم تحدى إليها المطامع
إذا تليت بين اللِّئام تحتمواوأنشد كلٌّ وهو في البذل راتع
/ ب/ سما بي أوسٌ في السَّماح وحاتمٌوزيد القنا والأثر مان ورافع
فاصغ إليَّ السَّمع يا مجد إنَّنيلأجدر من تصغي إليه المسامع
فما المدح إلَّا ما أنا اليوم موردٌوما الطَّول إلَّا ما غدا أنت جامع
ولا الفضل إلَّا فضل ما نطقت بهسوابق كتب قبله وشرائع
مناقب غرٌّ ما دجا شرك فترةفأظلم إلَّا وهي زهرٌ طوالع

طه بن إبراهيم بن أبي بكر بن فبرك بن أحمد بن شيرك بن بختيار، أبو محمَّد الإربليُّ المولد والمنشأ، الكرديُّ الهذبانيُّ:

حفظ القرآن العزيز، وقرأه بواسط للسبعة والعشرة، وتفقه وتأدب، وله طبع سمح في الشعر، وذهن صالح في النثر، وبديهة حسنة، وفطنة جيدة، يصنع البيتين والثلاثة بلا فكرة.

وكان قد اعتقله السلطان مظفر الدين، صاحب إربل، وأنشأ أربع مقامات في الحبس بألفاظ تشجي سامعها، ضمنها شرح حاله.

جمعتني وإياه حضرة الصاحب أبي البركات المبارك بن أحمد المستوفي –﵀ أ/، فوجدته رجلاً متواضعًا حسن الفضل، وأنشدني لنفسه في الصاحب أبي البركات، وكان السبب في إطلاقه من الاعتقال:

مولاي دعوة يائس ذي عيلةأطفأت بالإطلاق نار عياله
قعد الزَّمان به فقام بحملهنحو ابن موهوب عرى آماله
أي ربِّ أبق لي المبارك واستحبمنِّي دعائيّ للنَّبيِّ وآله
أولاني الأفراح أيَّ صنيعةأولى وأردفها بخالص ماله

وحضرنا ليلة في جماعة مجلس الصاحب أبي البركات –﵀ –ونحن في دكة لبستان داره –عمرها الله تعالى –فجاء الغيث متواليًا، وقمنا مسرعين، ودخلنا منزله المحروس، وكان طه حاضرًا، فارتجل هذين البيتين بديهة، وأنشدهما:

دخول لإقبال الشتاء مباركعليك ابن موهوب إلى آخر الدَّهر
/ ب/ تفرُّ من الفطر الملم عشيًةولم نر بحرًا قطُّ من القطر

وأنشدني لنفسه، وهو ممّا قاله في السجن يذم إربل وأهلها، وعمال الديوان بها:

ألا قف بالأجيرع والكثيبوناد نحوه هل من مجيب؟
وحيِّ أهليه عن مستهامأسير موثق صبٍّ كئيب
لعلَّ الله يرجع لي زمانًاقضيناه على رغم الرَّقيب
لممشوق القوام إذا تثنَّىرجعت من المديح إلى النَّسيب
يغيب عن النَّواظر خوف واشويبرز في سويداء القلوب
له منِّي المصرَّع والمقفَّىولي منه معالجة الكروب
واخشاه ولا الأسد الضَّواريفيا لله من رشأ مهيب
واهون من صوارم مقلتيهملاقاة الكتائب والحروب
أسائل عن سواه وهو قصديولا تخفى مساءلة المريب
دعا لي بالتَّسلِّي عنه قوميفلا تك يا إله بمستجيب
فقد أيست منه ومن زمانيبحبس الملك من فرج قريب
/ أ/ فما يوم يمر ولست فيهعالج للردى داعي النقيب
لحاك الله من بلد خبيثفلست تطيب إلاَّ للغريب
أإربل لا سقاك الله غيثًافقد أقفرت من رجل لبيب
أرى الغرّاء قد ملئت لثامًاوقد ضاقت على النَّصح الوهوب
فما في مالكيها من معينعلى صرف الزَّمان ولا الخطوب
ولا في قاطنيها اريحيٌّولا في ساكنيها من طروب
ألا أخزى الإله بليد سوءتحكَّم فيه عبَّاد الصَّليب

واجتمعنا ليلة أخرى في مجلس الصاحب شرف الدين أبي البركات فأنشدني:

وناحل الجسم دقيق الشَّوىمعتدل لم يحك ما فيه وصف
فهو إذا أنت تأمَّلتهبفكرة إسم وفعل وحرف

فما كان في الجماعة من عرفه، فلما كان بعد ساعة قال طه: قد عرفته، وأنشد ارتجالاً:

يا شرف الدِّين الذي ليس فيأفصاله وفضل مغناه خلف
/ ب/ إنَّ الذَّي أنشده ملغزًاالألف المكتوب –بقيت –ألف

فعجب الحاضرون من حلِّه اللُّغز وارتجاله البيتين.

ولمّا حبس الصاحب شرف الدين أبو البركات بن موهوب، أنشد طه المذكور هذين البيتين:

أقول لصاحبي يا صاح قوِّضخيامك نرتجل نحو الشام
فقد عزل ابن موهوب وولَّىوما بعد المبارك من مقام

ثم سافر إلى الشام، وكتب إلى شرف الدين، وهو في الحبس كتابًا صدره بهذه الأبيات:

أمذكري الأوطان إنَّ لذكرهاأرجًا يشوق إلى الدِّيار نفوسا
ذكر تنيها فاجتلبت بلابليونشرت من داء الغرام رسيسا
هي ما علمت منازلي زمن الصِّباتجلو البدور بها عليَّ شموسا
لكن لريب الدَّهر أضحت مألفًاوكفى بريب الدَّهر فيها بوسا
الأربل الغرّاء تطلب أوبتيهيهات فارقت الجسوم الرُّوسا
/ أ/ كيف الرُّجوع إلى مغاني بلدةفارقت ماجدها بها محبوسا
كبرت عزائم اهلها من برِّهفوشوا به للظّالمين رئيسا
باعوا بدنيًا دينهم وتخيَّرواجهلاً على صدر الهدى قسِّيسا
لا تقر عنِّي موحشات ربوعهموأقر التحيَّة ربعه المأنوسا
ما قبل بيت النار دهليز لهاإلاَّ لكون السَّاكنين مجوسا
عندي أبا البركات كلُّ عظيمةمن حبسكم ما كلُّ جرح يوسى
فتود نفسي لو تكون مكانكموأظنها نفسًا تروم نفيسا
تشكو الذي أشكو الغداة وما لمنأودى به فرعون إلاّ موسى

وأنشدني كثيرًا من قيله في الدوبيت، وصنف له عروضًا لم يسبق إليه، وسماه

المخترع، وذكر فيه كثيرًا من دوبيتاته فمنها:

ذا علم الحمى وذا واديهفاحبس نفسًا وقف بنا نبكيه
ما أطيب ما كان زماني فيهوالهفي والهفي على ماضيه

ومنها:

هذي عرصاتهم وهذي الدَّارصارت غرض الدُّموع لمّا ساروا
قد كان لنا بها أحاديث هوىطابت فتحدَّثت بها السُّمَّار

زمنها:

يا واحد فيك جسدي الفانيوالجفن عليك والبكاء إلفان
والدَّهر ليدك خاضعًا الفانيواطول جفاك عند صبري الفاني

/ ب/ ...

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الطاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.