تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد الله (٢)

وكان قليلاً ما يفتقر إلى تسديد وتثقيف لما فيه من الهمة واليقظة، وكان يقرأ في كلّ مجلس جزءًا قوامه عشرون قائمة، في كل صفحة سبعة وعشرون سطرًا وكل سطر لا يخلو من عشرين كلمة، يهذّ ذلك هذًا فإذا أتاه ما يشكل عليه معناه وإعرابه ولفظه، توقف، وتفهم، وحشاه على هامش الكتاب، بخط ابن العصار، وأثبته بخطه في ورقة.

وكان في كل يوم على الدوام مستمرًا على القراءة، فانقطع يومًا لغيث هطل، فأرسل الزعيم بالاستيحاش له، فلما جاء من الغد، كتب إليه بديهًا:

/ ب/ لسيل الغيوث ودرِّ السُّحبقطعت المجيء اعتماد الأدب
وأخَّرت ذلك في أمسناوبكَّرت يومًا لما قد وجب

فأحضر [عبد الله] وقرأ، ولم يزل على ذلك حتى دخل شهر الصيام، واستوعبت بطالته من القراءة عشر أيام، وابن حنيفة لا يحضر، وإذا روسل بأعوان زعيم الدين، يعتذر، فحضر عبد الله عند الزعيم، وأنشده أبياتًا على سبيل الدعابة، منها:

تقارب من شهرنا نصفهوابن حنيفة ما يحضر
وفي كلِّ يوم يصدُّ الغلامويعرض عنه ويستعذر
يقول كبير وهذا الصِّيامفلا يد فيه لمن يفطر
وثمَّة لحم فمن أين ليفحيلي إذا لم يكن، مدبر
فدَّبره العبد في أمرهبأشياء فيها الذي يؤثر
يكون نزيلي فإنِّي بهعن الخلِّ والبقل ما أقصر
وعندي قصبان في خلِّهغريق كثير ومستعزر
وإن شاء ريحان أخلق بهيضاهيه في طعمه السكَّر
وإن شاء كامخنا بالكشوكوإن شا فكا مخنا الأحمر
/ أ/ وفي هرطمان لنا رونقوماش وسلق لنا أخضر

كان زعيم الدين، شريف النفس، هشا إلى المكارم.

عبد الله بن موسى بن عبد الله، أبو محمَّد الشَّاطبيُّ البونتيُّ.

وبونت حصن شرقي شاطبة.

كان شاعرًا، متأدبًا، حافظًا للقرآن الكريم، فقيهًا على مذهب الإمام مالك بن أنس –﵁، وله شعر مليح.

أنشدني أبو محمد عبد الله بن موسى البونتي لنفسه، في أبي الحسن علي بن حريق الشاعر بمدحه:

ما حبيب أو الوليد إذا ماصغت من جوهر القريض نظاما
لم نخل في الأنام قبلك شخصًافكره بالنُّهى يصوب غماما
إنَّما أنت في البلاغة فذٌّوأرى من سواك فيها سواما
لك في الكيمياء سرٌّ عجيبفتَّ فيه الورى فصرت إماما
تنفث القول من جنانك سحرًايستفزُّ الحجى فيدعى كلاما

عبد الله بن مسلمة بن عبد الله/ ب/ أبو محمَّد الشاطبيُّ:

كان من أعيان أهل شاطبة وفضلائها المشتهرين بالفضل والآداب، شاعرًا فقيهًا، مترسلاً.

أنشدني عبد الله بن مسلمة لنفسه، في عامل جائر، له ولد جميل حسن الصورة:

غدا جور موسى وجور ابنهعلى كلِّ خلق بدا أو حضر
فهذا يجور بسمر اليراعوهذا يجور ببيض الحور

وأنشدني لنفسه:

أشبهت وجهك الغزالة حسنًاوحكاك الغزال طرفًا ولينا
ووليت الجمال ملكًا عظيمًافتوليت معرضًا إذ ولينا

عبد الله بن أحمد بن عليٍّ، أبو محمَّد الإسعرديُّ الرُّبعيُّ، المعروف بابن زهراء:

وهي أمّه، لا يعرفه الناس إلاَّ بها.

كان شاعرًا ماجنًا، ظريفًا، قيِّمًا بعلم النحو واللغة، مجيدًا في الشعر، ذا بديهة في النظم جيّدة، وكان متصلاً بالملك الصالح أبي الفتح محمود بن/ أ/ محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد، وبعده لولده الملك المسعود مودود.

أنشدني الخطيب أبو النجاة ذو النون بن أحمد بن محمد بن فضلان المعدني –من معدن خلاط- قال: أنشدني عبد الله بن أحمد بن زهراء لنفسه يمدح الملك الصالح ناصر الدين أبا الفتح محمود صاحب آمد من قصيدة أولها:

لو كان يخطر سلوان بخاطرهخبا تضرُّم وجدي في ضمائره
نهوه عنكم ليسلوكم فزاد لكمذكرًا فناهيه عنكم مثل آمره
صبٌّ تدلَّه حتَّى بات عاذلهلديه من خيره فيه كعاذره
من لي بعذب اللَّمى مرِّ الضُّدود رشاحلو الشَّمائل ساجي الطَّرف ساحرة
جذلان نام خليًّا ملء مقلتهعن ليل أسوى الليل ساهره
يحدِّث الشَّهد عمَّا في مراشفهحديث بابل عمَّا في محاجره
لا يشرق البدر إلاَّ تحت طرَّتهولا يرى اللَّيل إلاَّ في غدائره
أحمُّ يحمي بعينيه حمى بلدله خفارة باديه وحاضره
تستبشر الشَّمس إن مرَّت بطلعتًهتباشر الدِّين في أيام ناصره

/ ب/ وأنشدني قال: أنشدني الدِّين في أيام ناصره

/ ب/ وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

ذا العضب من مقلتيك من شهرهوالورد في وجنتيك من نثره
يا غصنًا ناعمًا يحركهكلُّ نسيم وليس من شجره
وفاتر الطَّرف في لواحظهسحر يقوِّي عزائم السَّحره
إن تنكره أنَّه أراق دميقفوا انظروا خدَّه تروا أثره
في غاية اللِّين واللَّطافة لومرَّ نسيم الصَّبا به عقره
تحسبه الخمر في الزُّجاج وقدأزانه فرط رقَّة البشره
يعشقه كلُّ من يراه فلايحبُّه واحد ولا عشره

وأنشدني قال: أنشدني من شعره:

لو كنت أسمع فيك لومة لائمما رحت عنك بقلب صبٍّ هائم
من كابد اللَّيل الَّذي كابدتهأطوي على الزَّفرات فيه حيازمي
بأبي ظلوم كلَّما حاكمتهأودت لواحظه بعقل الحاكم
نشوان من خمر الدَّلال يهزُّهمرح الصِّبا هزَّ القضيب النَّاعم
خافوا عليه أذى العيون فعوَّذواأعطافه بقلائد وتمائم
عقدت يمين السِّحر في أجفانهعقدًا يحلَّ به عقود عزائمي
/ أ/ يا ذا الصَّبابة كيف تطلب رحمًةممَّن كلفت به وليس براحم
أتريد أخذ الثأر من رشأ لهعين يريق بها دماء ضراغم
لا تبرزنَّ إذا برزت لحربهفي مأزق إلاَّ بشكَّة حازم
وتوقَّ صارم مقلتيه فقد ترىما حلَّ بي منه وكان مسالمي

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

صدودك يا من لا يطاق له صدُّدليل على أن ليس عندك لي ودُّ
أصبر عنك النَّفس وهي لجوجةولا صبر عمَّن ليس من وصله بدُّ
هواك هوان والنُّفوس تحبُّههو السُّمُّ إلاَّ أنَّ أوَّله شهد
مزحت لحتفي في هواكم ولم أكنعليمًا بأنَّ المزح آخره جدُّ
أعيدوا زمان الأنس إن كان راجعًاوردُّوا الصِّبا إن كان يمكنكم ردُّ
وإن كان بعد الدَّار غيَّر ودكمفعندي ودُّ لا يغيِّره البعد
فصمتم عرى العهد الذي كان بينناوخنتم ومثلي لا يخان له عهد
أراد العدا التَّفريق بيني وبينكمفنالوا غداة البين فوق الَّذي ودُّوا
رحلت وقد خلَّقت في عرصاتكمفؤادًا أذابته الصَّبابة والوجد
خليليَّ من نجد هل الدَّهر راجعفيجمعنا –فيما نسرُّ به- نجد؟
/ ب/ سمحت بما عندي لكم وبخلتموأهديت أشواقي إليكم ولم تهدوا
دياركم لا أرض نجد مرامناونشركم المطلوب لا الشِّيح والرَّند
ومن بعض غيِّ النَّفس في الحبِّ أنَّهاتظنُّ بأن الغيَّ من فعلها رشد
ودون الكثيب الفرد من رمل عالجغزال بديع في ملاحته فرد
له من ظباء البيد جيد ومقلةوبعض غصون الخيزران له قدُّ
يقصِّر عن الحاظه سحر بابلويخجل من توريد وجنته الورد
وقد ملكته دولة الحسن دولًةمعظمًة يعنو لها الحرُّ والعبد

وقال أيضًا: وأنشدنيه ذو النون عنه:

لجَّ فيض الدَّمع ف تخديد خدِّيوالحَّ الوجد إلحاح المجدِّ
وتصدَّى لتلافي رشابابليُّ يا له من متصدِّي
أين في رامة ريم مثلهلا ولا يسبح في آرام نجد
وعذار دب في سالفهكدبيب النَّمل في روضة ورد
سرد الحسن على جانبهزرد العنبر في أحسن سرد
وتراءت فوقه من صدغهعقرب سوداء من مسك وندَّ
/ أ/ قمر يشرف في بوريَّةوهلال يثني في ثني برد
فاتر الألحاظ ينضو طرفهمرهف الخدَّين لمَّاع الفرند
صيَّرت صورته عشَّاقهفي أسار محكم من غير قيد
عنِّفوني في هواكم واجهدواجهدكم إن كان هذا اللَّوم يجدي

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه ابتداء قصيدة:

رفقًا فديتك بالكئيب الوالهفإلام أنت تزيد في بلباله؟
وعلام تقتل بالقطيعة والقلىصبّا فداك بنفسه وبماله؟
لو كنت تعلم ما تجنُّ ضلوعهلرحمته وحملت من أثقاله
يشكو إليك من الصَّبابة والأسىسلوى العليل إلى العليم بحاله

وأنشدني الشريف أبو محمد الحسن بن محمد الزاهد الموسوي الشاعر البغدادي قال: أنشدني عبد الله بن زهراء لنفسه من قصيدة:

هل الوجد إلاَّ أن أبيت مسهَّداويضحي لذيذ النوم عنّي مشرَّدا
/ ب/ أقلِّب قلبًا في لظى الحبِّ كلَّمانسيم الصَّبا هبَّت عليه توقَّدا
ويجفو الكرى جفني وأهواه زائرًالعلِّي أرى من طيف علوه موعدا
وأنَّى يروم الطَّيف من بات ساهرًاوأمسى بهجران الحبيب مهدَّدا
سألتكم ردُّوا لذيذ رقادهفقد بات من فرط الصَّبابة مكمدا
سأطَّرح الأهواء إلاَّ هواكموأنشد بيت العاشقين مغرِّدا:
إذا رمتم قتلي وأنتم أحبَّتيفلا فرق ما بين الأحبَّة والعدا

ومما نسب إليه أيضًا من الشعر قوله:

بيني وبينك في المودَّة قدمةمستورة عن علم هذا العالم
نحن اللَّذان تعارفت أرواحنامن قبل جبل الله طينة آدم
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

وقال أيضًا:

كاتبتكم والدَّمع من مقلتييفيض فيض الوابل الماطر
حتَّى لقد أشفقت ممَّا جرىمن مائه الهامي على ناظري
فكيف أنسى سكنًا ما جرىلغيره ذكر على خاطري؟

وقال أيضًا:

كادت الرُّوح أن تطير بجسمينحوكم من صبابة وغرام
/ أ/ فثناها عن النُّهوض بعبء الــجسم ثقل من جوهر الأجسام

وقال أيضًا:

بنفسي من أهدى إليَّ صحيفةمكرَّمة مملوءًة حشوها نعمى
فتلن بها السؤال الذي كنت آملاًوزادني الشوق الذي كان بني قدما

وقال أيضًا:

أتاني منك مكتوب كريموجدت من البلاغة فيه أجزا
كتاب كلًّما عوَّلت أنَّيأردُّ به أمسكت عجزا

عبد الله بن الحسن بن الحسين بن أبي الفتح بن الحسن بن أبي السِّنان، أبو محمد العدل الموصليُّ:

كانت ولادته فيما قرأته بخطه، ليلة الإثنين الثاني والعشرين من شهر صفر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بالموصل، وتوفي بها يوم الخميس ضاحي نهاره، رابع عشر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وستمائة، ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة، ظاهر المدينة بين باب كندة وباب الجديد/ ب/ -رحمه الله تعالى-.

ويعرف بابن الحدوس، وذكر لي ولده أبو منصور محمد أنهم من أولاد الأشتر النخعي.

وكان أبو محمد شيخًا جليلاً محترمًا عند القضاة والرؤساء، خدم العلم، وصحب الأعيان والأماثل من أهله، وكان لديه فضائل جمّة لا ينكرها من صحبه، وله مسجد بالموصل جميل، كان يتردد إليه فيه كبراء أهل الموصل، من ذوي النباهة، وأرباب الرتب العالية من أبناء الدين والدنيا، ويقصده من يرد من الغرباء من أهل العلم والخير، وذوي الحاجات، فيتعصب لهم ويجتهد في قضاء مآربهم، وحصول أغراضهم، وبلوغ أوطارهم.

وكان من ظرفاء العدول، وجيهًا عند الوجهاء، ذا ثروة ظاهرة، وسمع الحديث

الكثير، وتفرد بأسانيد عالية، وقرئ عليه الحديث والتفسير، وافاد الناس مدة حياته.

شاهدته عدة مرات، ولم أرزق أن أسمع منه شيئًا من شعره وشعر غيره، إلاّ أني استجزته، فأجازني جميع رواياته، وما يتعلق بها.

أنشدني أبو/ أ/ عبد الله محمد بن عثمان بن أبي هندي الموصلي قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن الحسن لنفسه في النقيب شرف الدين أبي منصور محمد بن زيد بن عبيد الله الحسيني الموصلي، وقد بلغه أنه مريض ولم يعده:

مولاي يا شرف الدِّين الذي شهدتبفضلكم محكم الآيات والسُّور
ويا ابن بنت رسول الله ما أحدأحق منك بتفضيل على البشر
يا من سحائب كفَّيه إذا هطلتتنوب في الجدب عن مثعنجر المطر
ومن إذا رمت أن أحصي مناقبهأفضى بي الأمر عن عجز إلى الحصر
حاشا لمجدك من شكوى تعادلهايا من تشكِّيه في سمعي وفي بصري

وأنشدني أبو البركات عليّ قال: أنشدني والدي لنفسه في مجاهد الدين قايماز الزيني:

ما كان تركي ضمَّه وعناقهعند اللِّقاء تجنُّبا وملالا
لكنِّني أعظمته لمَّا بداوتركت ذاك لقدره إجلالا

عبد الله بن المختار/ ب/ بن محمَّد بن شريف الزُّهريُّ، أبو الفتح، المعروف بابن قاضي دارا:

المقيم بديار مصر، وهو مشرف بدواوين قوص وأسوان، من قبل الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد ابن أيوب.

وهو شاعر مجيد، فاضل أديب، له مصنفات في علم الكتابة والترسل والشعر.

أنشدني خالد بن درباس بن يوسف الحميدي الكردي قال: أنشدني ابن قاضي دارا لنفسه:

خلِّني من ذكر غيلان وميواطو عنِّي بالهوى أخبار طي
أنا مالي ولأيام الحمىما الحمى عندي ولا الجزع بشي
تلك آثار أناس درسواوطوتهم حادثات الدَّهر طي
هات بالله أحاديث الحمىفهي أشهى من أحاديث لؤي
واسقني صهباء تبدو كأسهافكأن النَّار تذكى يا أخي
من يدي معتدل القدِّ فإنعطفته نشوة مال إلي
غربيٌّ عجميٌّ لفظهأيَّما حسن تراه منه أي!
/ أ/ فلقلبي فيه صبر دائموغرام فوق ما تعهد حي

ومنها يقول:

واستمع منِّ فإني شيخهكلُّ من يقرأ عشقًا فعلي

عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر بن موسى بن حفص، أبو محمَّد بن أبي عمر الأنصاريُّ الأندلسيُّ الدانيّ:

شاب أسمر مربوع، كانت ولادته بدانية سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ونشأ بشاطبة شرقي الأندلس.

شاهدته بمدينة الموصل شابًا، تفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ بالمدرسة البدرية –حرسها الله تعالى- ذكر أنه سمع الحديث كثيرًا بالأندلس، وحفظ كتاب الله تعالى، وله نظم ونثر، ويحفظ من أشعار الأندلسيين والرسائل والموشحات صدرًا جيدًا.

أنشدني لنفسه يمدح بعض أمراء العرب، واسمه موسى:

عادت لحسن بهائها الأيَّامواخضر عيش جادة الإنعام
/ ب/ لمَّا بدت شمس الهمام المرتضىوانلَّ من يمنى يديه غمام
ملك نمته للعلاء عصابةقد حفَّها الإجلال والإعظام
وتهدَّلت أغصانها عن نبعةحارت بوصف سنائها الأوهام
مختارة من عنصر بجلالهعند الأذان يبيَّن الإسلام
فالمجد بدر والمعالي هالةوبهاء موسى في سناه تمام
قرم بذكر مضائه وعطائهأودي الضَّلال وقتِّل الإعدام
يغني ويحيي بالحسام وبالغنىفبكفِّه عيش يرى وحمام
جمعت محاسنه كريم أرومةوعميم علم زانه إعلاام
وأرت به الدنيا خلائف غيبتتحت الصَّفائح منهم الأجسام
وأتت به آيات دهر عابسغظَّى بهاء إياته الإظلام
والحرب قد شبَّت لنًا نيرانهًاوأبيح فيها للدِّماء ذمام
فأزال مظلمًة وأطفأ كربًةوجرت له في دهره الأحكام
عرف الخليفة فضله وغناءهومضاءه والنَّائبات جسام
فأعدَّه لسداد أمر معرضقد حلَّ من أقطاره الإحرام
فغدا يضم الشَّمل بعد تفرُّقويزيل ضغنًا لا يكاد يرام
/ أ/ بكلام صدق في النُّفوس مقرًّةلمهابة هي في القلوب حسام
فالقلب قرطاس وسود ضمائرنقش وأفكار الحجى أقلام
لم يختلف في معظم إلاَّ لكمفي جمعه الإسراج والإلجام
فالنَّصر يسرج خيلكم ويقودهابزمام حزم عزمه الإقدام
وكأنَّ يوم قدومكم من حسنهشمس ورعد مبرق وظلام
فالشَّمس منكم والرُّعود لجردكموالبيض برق والظَّلام قتام
والنَّاس قد غضوا العيون مهابًةوحداهم شوق لكم وهيام
جمعتهم الأشواق ثمَّ تفرَّقوالمهابة فيها يزلُّ شمام
فوهبتهم بالسّلم منهم أنفسًاقد رام نهب كيانها الصَّمصام
وجعلتهم للدَّهر ثغرًا ضاحكًاكالزَّهر يبسم عن سناه كمام
فالآن قرَّ السَّعد في أرجائهوصفت من الأقذاء فيه جمام
[ورجوت من دهري قضاء مآربيفي نيل ما غلبت به الأيَّام
فأنال عزَّة رفعة ويضمُّنيوعد بكم للمكرمات ذمام
لازلتم والنَّصر من خدّامكموببابكم من آمليه زحام]

وأنشدني أيضًا لنفسه في كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه:

أتاني كتاب منكم فقرأتهوقرَّت به العينان وانشرح الصَّدر
فقرطاسه بدر وحالك نقشهظلام وشكل الأحرف الأنجم الزُّهر
/ ب/ ومعناه أنفاس الرِّياح وقد وهىنطاق من الجوزاء وابتسم الفجر
وألفاظه نور وحسن صنيعهجنى لا يفي بالواجبات له شكر

وأنشدني لنفسه يخاطب بعض الكتاب:

لله درُّ مجمِّع لبلاغةهبَّت على روض النِّظام نسيما
ألقت بحار بيانه لبنانًهغررًا تنظِّم حسنه تنظيما
وغدت تصيِّره لمفرق دهرهتاجًا وتطلع من سناه نجوما
فكلامه سحر يريك معانيًاغرًا ويمطر للقلوب علوما
قد خطَّه في البدر عند تمامهفبدت بهالته الحروف وشوما

وأنشدني لنفسه في آس ونور وورد:

آس ونور ناصعوحسن ورد خضل
كشارب ومبسموخدِّ ظبي خجل

وأنشدني لنفسه يصف الشقائق:

إعجب بنور شقائق النُّعمانيحكي مداهن مشرق المرجان
فيها بقايا من خلوق حالككالخال في خدِّ الرَّشا الوسنان

وأنشدني لنفسه أيضًا فيه:

/ أ/ أنظر إلى نور الشَّقيق كأنَّهأصداغ مسك فوق خدٍّ مخجل
أو مثل نقش في مقبَّل شادنجمع الغوالي واحمرار الصَّندل

عبد الله بن أحمد بن عليِّ بن أبي الحسن، أبو حامد، الموصليُّ الزُّهريُّ النَّحويُّ:

شيخ ربعة من الرجال، أبيض يعلو لونه صفرة، وذكر لي غير مرّة أنَّه ولد بالموصل تقديرًا في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وكانت صناعته عمل القلانس.

وقرأ العربية على جماعة من أدباء الموصل، وأقرأ الناس مدّة، وهو رجل مفيد عاقل، له معرفة وعلم حسن، ويعمل الأشعار.

أنشدني لنفسه في أخوين أحدهما يسمّى عليًا، والآخر إبراهيم يرثيهما:

صبري وحزني راجل ومقيموالدَّمع من بعد الحميم حميم
أسفًا على من كان زين زمانهإنَّ الزَّمان بما أتاه لئيم
لهفي على الأخوين جار عليهماإنَّ النَّسيم عليَّ فيه سموم
فكأنَّ يوم عليِّ يوم سميِّهوكأنَّ إبراهيم إبراهيم

/ ب/ وأنشدني لنفسه يرثي أخاه أبا المعالي:

عفت المكارم والمعاليلمَّا فقدت أبا المعالي
وعدمت من عيني الرُّقادوصرت نضوًا كالخلال
واحسرتا للدَّافنيــه أمأ رعوا حسن الخلال! ؟
قد كان ذخرًا للصَّديــق وللشَّقيق وللموالي
قد كان حصنًا للغريــب وللقريب وللموالي
ما لي أرى البستان والشُّبَّـاك منه اليوم خالي
يتقاسمون متاعهكلٌّ يقول أبي ومالي
حيَّاه رقراق النَّسيــم وجاد مثواه العوالي

وأنشدني لنفسه:

وإنِّي لمَّا بلوت الأنام طلَّقت كلَّ أناس بتاتا
فمن جاء جاء ومن راح راحومن عاش عاش ومن مات ماتا

عبد الله بن أسعد بن عليِّ بن المبارك بن عبد الغفار، أبو المظفَّر ابن أبي القاسم/ أ/ الواسطيُّ:

تقدم شعر والده المعروف بابن رشادة.

كهل أسمر مربوع، سألته عن ولادته فقال: ولدت سحرة يوم الثلاثاء ثالث عشر من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.

وهو من بيت علم وقفه، صحب الفقراء والصوفية، وسافر [إلى] بلاد العراق والشام وديار مصر، وجالس المشايخ الصالحين، وعاشرهم، وهو رجل فقير رقيق الحال، يفهم شيئًا من أحوال أهل التصوف، وعنده دين، وتكلم في علم الطريقة، وفيه فصاحة، [وكان] يعظ الناس، ويقول الشعر.

أنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀

أبا البركات الصَّاحب النَّدب ذا النُّهىرضيع اللهى نجل الكرام الأطايب
نداء محبٍّ يعرف الرُّتبة الَّتيلكم في الورى لا كالجهول بواجب
أقل عثرتي فالوقت قد عضَّ عضَّةوأنشبني في معضلات المصائب
ديون وأمراض وبرد وغربةوبعد مزار عن ديار الحبائب
فعش وأنعش المسكين وابق على المدىمبيد العدا بالمرهقات القواضب
فليس أرى إلاَّ جنابك جنَّةولا جددًا إلاَّ إليك بلا حب

/ ب/ وأنشدني لنفسه في غلام اسمه حسن بن مرجّى:

أفدي الذي كاسمه محاسنهمن حادثات الزَّمان والمحن
بدر دجى كالقضيب قامتهعند التَّثنِّي يهتزُّ كالغصن
كلُّ عذاب الهوى بليت بهوكلُّ معنى للحسن في حسن
أقسمت لازال عن محبَّتهوهو حياتي والرُّوح في بدني! ؟
به اشتغالي عن كلِّ شاغلةوهو مناي في السِّرِّ والعلن
يا أبن مرجَّى أرجوك تسمح ليمنك بوصل فالصَّبر عنك فني
تظفر منِّ بالشكر يا أمليطول حياتي ما عشت في الزَّمن

وأنشدني لنفسه، يصف واعظًا من أبيات:

ومدرك بحر والعلوم جواهروليس بغير البحر تلقى النَّفائس
ومنبرك الميمون كالطِّرف راكضًاوأنت عليه بالبلاغة فارس
فشرِّف وشنِّف أعينًا ومسامعًاليرتدَّ عاص أو يراجع آيس
/ أ/ ودم سالمًا كي يسلم النَّاس كلَّهمفأنت هم حقًا لك الله حارس

عبد الله بن إسماعيل بن عليِّ بن الحسين، أبو طالب بن أبي محمَّد الشَّيبانيُّ البغداديُّ:

سبق ذكر والده، كان يعرف بابن الرفّاء، ويعرف الآن بغلام ابن المنّي، لأن والده كان أحد تلامذته.

وعبد الله شاب أبيض اللون، ربعة، حفظ القرآن الكريم على أبي شجاع ابن المقرون، وتفقه على أبيه، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –﵁ وسمع الحديث الكثير على شيوخ منهم أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وأبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبو الفتح محمد بن أحمد المندائي وغيرهم.

لقيته بمدينة إربل سنة خمس وعشرين وستمائة، وأخبرني أنه ولد في يوم السبت تاسع عشر من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وخمسمائة ببغداد.

وهو فقيه مناظر، عالم بالتفسير، جيد المناظرة، واعظ/ ب/ حسن الكلام في الوعظ، جاري المنطق، وذكر لي أنه قال ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر، وأخبرني جماعة من أهل الفضل أنه يتَّهم في أشعاره، ويسرق أقاويل الناس، والله أعلم بصحة ذلك.

وجرت له حادثة ببغداد في أيام المستنصر بالله –خلد الله ملكه- فأودع السجن.

أنشدني لنفسه من قصيدة يمدح بها الناصر لدين الله أمير المؤمنين –﵁:

من مبلغ المتنبِّي أنَّ مدحتهلنجل حمدان فيها الحيف والميل؟
يقول: أنعلت أفراسي بعسجد مننعماك، تبًا له إذ فعله الزّلل
ولو يجوز لمثلي مثل فعلتهفعلت ما لم يكونوا مثله فعلوا
وكنت أصنع قصرًا من زمردةمن جود أحمد ملك دونه زحل
وإنَّما خيل مثلي في محبَّة مولانا الإمام دم الأعداء تنتعل

وأنشدني لنفسه من قصيدة:

أتت سحرًا واللَّيل في قبضة الفجرففكَّت أسيرًا موثقًا في يد الهجر
وأبدت لنا من وجهها وحديثهابدائع ترزي بالبدور وبالدُّرَّ
/ أ/ شكوت إليها ما ألاقي من الهوىفقالت: رعاك الله مالك من صبر
خلقت جليدًا إنَّما الحبُّ سائقعنيف إلى ما لا يطاق من الأمر
سرت سحرًا من أيمن الحيِّ نسمةفكاد لها قلبي يطير من الصَّدر
وأطرقت خوفًا أن يقال به هوًىفقالوا مصاب عاده عائد الضُّرَّ
ألا فليقل من شاء ما شاء إنَّنيرضيت بما بي من جنون ومن سحر
ألا لا تلوموني فما لي حيلةولا قدرتي تجدي ولا بيدي أمري

وأنشدني لنفسه، يمدح الناصر لدين الله أبا العباس أحمد –رضوان الله عليه-:

جوب المهامه بالعيديَّة الرُّسمألذُّ من حفض عيش عند ذي همم
ووقفة في مثار النَّقع يوم وغىأولى به من تلقِّي جور مهتضم
والحزم في الأمر أن ينأى على عجلإذا كسته اللَّيالي حلَّة العدم
ولا يقيم بدار يزدريه بهامن كان يرجو نوالاً منه في القدم
فكم تغرَّب سيران وقد صفرتكفَّاه فقرًا فحاز المال عن أمم
وكم نحا مسعفات المجد معتضدبحيلة الحزم فاستولى على أمم
لا يلبث الحر في دار يضام بهامادام في دهره يسعى على قدم
/ ب/ بل يخطب العز في أعلى معاقلهويمتطيه بغرب الصَّارم الخدم
ولا ينال العلا إلاَّ فتى مصعماضي العزيمة مقدام على البهم
تعاف برد ظلال الخفض همتهويستلذُّ هجير الغور والأكم
يا قاتل الله دهرًا لا يزال لهميل على كلِّ ندب زاهر الشِّيم
كم حل عزمًا لذي عزم فغادرهحلف الهموم يعضُّ الكفَّ من ندم
وكم سطت ببزاة الجوِّ غدرتهوكم وفى سفهًا للبوم والرَّخم
سر في البلاد ولا تقعد على ضمدإمّا بلوغ المنى أوحفرة الرَّجم
فإن تنل كلَّ ما تبغيه وارتفعترايات مجدك بين العرب والعجم
فاسمح بما ملكت كفَّاك مكتسبًاحسن الثَّنا بما توليه من نعم
لولا ابتذال اللُّهى والقطر محتبسما سار شعر زهير في ندى هرم
ولا تذَّكرت الرُّكبان في سفركعب بن مامة بالإيثار في القسم
ولا ارتدى في فجاج الأرض منتشرًاذكر الإمام أبي العبَّاس بالكرم
جادوا بما ذهبت أيدي الزَّمان بهوالمدح باق على الأخلاق والرِّمم
لا ترجونَّ من الدُّنيا بلهنيًةتدوم وهي على الإقبال لم تدم
فكلُّ لذَّة عيش طاب موردهافإنَّها كطروق الطَّيف في الحلم

/ أ/ عبد الله بن محمَّد بن منصور بن جميل، أبو العزِّ بن أبي عبد الله التغلبيُّ:

كان أبوه يتولى صدرية المعمور في الأيام الناصرية، وابنه هذا أبو العزّ ولد بجبَّا، قرية من أعمال هيت، في جمادى الآخرة في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وخرج عنها وهو ابن همس سنين، ونزل بمدينة السلام. وتأدب بها، وقال شعرًا لطيفًا، وتميزَّ وخدم في بعض الأعمال الديوانية، ثم صار في الدولة المستنصرية كاتبًا على التركات الحشرية في سنة أربع وعشرين ثم عزل عن ذلك وانتقل في صفر سنة ست وثلاثين، ورتب في حجابة المخزن المحروس، وهو مقدّم الشعراء في الديوان المستنصري، وله قصائد شتى في الإمام المستنصر بالله –﵁.

شاهدته مصادفة بمدينة السلام، سلخ جمادى الآخرة يوم الجمعة، شابًا كيّسًا

جميلاً، في سنة وثلاثين وستمائة، وأنشدني من شعره، وكتب لي شيئًا منه بخطه، وهو:

زفرات وجد نارهابين الضُّلوع أوارها
وصبابة قد أقسمتأن لا يقرَّ قرارها
شوقًا إلى من أوحشتبعد الأنيس ديارها
يا من أنست بأدمعيلمّا استمرَّ نفارها
إنّي لتسحرني الظِّباويلذُّ لي إسحارها
ما بال أيام الوصال قصَّرت أعمارها
أيام لهو طوَّلتليل المشوق قصارها
/ ب/ طابت بكم آصالهاوتعطَّرت أسحارها
لله ليلات مضتووجوهكم أقمارها
خطبت سيوفك إربلاًفتمرَّدت أغمارها
وغدا ينازع في القلاع لقلعة يزدارها
ففتحتها بسوابقسدَّ الفضاء مثارها
وبغلمة مثل الصُّقور من القنا أظفارها
فأتتك تجلى كالعروس من الرؤوس نثارها
حرست وقد جليت فملـكك سورها وسوارها
أطلقت أموالاً أقام مسلسلاً دينارها

وله:

دع كلَّ من بات يلحى في ابنة العنبوخذ بقسط من الأقداح والضَّرب
واجل العروس ففيها للهموم جلىوزفَّها في أكاليل من الحبب
وقل لمن لام فيها إنَّني رجلمن الهموم إليها لم يزل طربي
أما ترى اللَّيل في أجلى شمائلهوالبدر في الجانب الغربيِّ لم يغب
من كفِّ من أنشب النِّيران في كبديلمَّا رماني ببرد الثَّغر والشَّنب
جمال معناه لي في غرِّ بزّتهكما الإمام نداه غير منسكب

عبد الله بن إبراهيم بن عليِّ بن إبراهيم بن يوسف، أبو بكر الموصليُّ:

كان رجلاً نساجًا، ضعيف العينين، أسمر، أميًا، لا يكتب ولا يقرأ، ويقول شعرًا صالحًا في التشبيهات، والأوصاف، وله أشياء في الغزل، والمديح، والهجاء، يجيد رصفها بصحة غريزته، وكنت أقترح عليه وصف شيء فينظم فيه نظمًا مرضيًا.

ولم يعلق الآن بحفظي من شعره سوى ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى.

أنشدني لنفسه يصف الثريا:

كم قطعت الظَّلام من فوق بكرعيطموس تفلي نواصي البيد
والثُّريا تلوح في الشَّرق كالكأي وطورًا في الغرب كالعنقود

وأنشدني لنفسه في طلوع البدر على الماء:

كأنَّ ماء الفرات العذب حين جرىوالبدر من فوقه في اللّيل ممدود
فيروزج ذائب في الأرض منبسطفيه من الذَّهب الإبريز عامود

عبد الله بن عمر بن صامح/ ب/، أبو محمَّد الإربليُّ:

وهو أخو الذي مرّ شعره.

رجل طويل مائل إلى السمرة، يخضب بالسواد، أخبرني أنه ولد سنة ست وسبعين وخمسمائة، وخبرت أنه توفي بقلعة إربل سادس ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.

من أبناء المتصرفين بإربل، وله في صناعة التصرف، والحساب، والمساحة، الحظ الأوفر، وقد ولي للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين، صاحب إربل –﵁ أعمالاً جليلة.

وهو شاعر جيد حسن الشعر، مطبوع المعاني، أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد المستوفي –أجدّ الله سعده-:

يا نسمًة تضوعت بندِّومزنًة جادت بماء ورد
من أين هذا العرف هل حللتماأو جزتما بروضة بنجد؟
أم نسمت إليكما منه صباباناته وأثله والرَّند؟
أم جئتما لتخبرا عن علوةبأنها قد سمحت بوعد؟
/ أ/ أم تنظرا ما بي من نار جوىمشبوبًة بأعظمي وجلدي؟
ويا ركاب الصَّبر هل حادي النَّوىحداك عن ربع الحشا أم وجدي؟
أم زفرات أضلع لو ظهرتأحرقت الأرض بغير وقد؟
أم عبرات أدمع شؤونهامحمرة السَّح احمرار الورد؟
أم لانسكاب ما جرت واستبقتوأثرت في صفحات الخدَّ؟
فإن يكن روعك منهنَّ ارجعيساكنة الرَّوع بغير ضدِّ
فإنَّني أرسلها لآلئًامنظومًة في سلكها كعقد
وأجري من غروبها سحائبًاوابلة الهطل بغير رعد
وأنبتنَّ الأرض منها زهرًايغنيك مرعى عن عرار نجد
بالله ناشدتك إن لم تحبسيبقلعة عن السُّرى والوخد
حاملًة رسالة الصَّبِّ إلىمن بالصَّريم والكثيب الفرد
والعلمين واللِّوى والمنحنىوالأجر عين والهضاب الجرد
مبلغًة عنِّي السَّلام مربعًاعن مربع وموردًا عن ورد
وناديًا علوة إنَّ مغرمايكنّ ما بين ضنى وجهد
إن تنقضي منك العهود لم يكنبناقض عنك قديم عهد
/ ب/ أو تصرمي منه الوداد لم يكنبصارم منك حبال ودِّ
أو تقصري بالصَّد عنه سلوًةفليس يسلوك المدى عن صدِّ
لعلَّها تسمح بالوصل إذاما علمت بحاله والوجد
فإن ابت فاعتسفي ويمِّميربع ابن موهوب الخصيب المجد
مولى له عزائم مرهفةتبري يد لخطب بغير حدِّ
وأنعم لو أنَّها تجمَّعتلم تحص من كثرتها بعدِّ
كأنَّها إذا جرت من يدهالبحر عند جزره والمدِّ
ترهب من جنانه الأسد إذاما زأرت عند لقاء الأسد
وكيف لا يرهب من بأسي الرَّدىوربعه أضحى الغداة قصدي
أي شرف الدِّين أتيت مهديًاإليك حالاً طالبًا لرفد
معانيًا فهت بها ما ضمِّنتبنظم من قبلي ولا من بعدي
يقوله مبتدئًا في نظمهتنبَّهي يا عذبات الرَّند
ألحقتها بمن مضى من الألىلكنًّها زائدة في الحدَّ

وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه:

وغلام أدنى يديه إلى الكأس لتفتضَّها يداه جهارا
/ أ/ فسطت سطوًة فألقت على كفَّيهمن نورها شعاعًا ونارا
قلت ماذا الشُّعاع قال سل الكأس فإن لم يجبك فالخمَّارا
فسألت الخمَّار قال ابن موهوب الوزير المولى يدًا ويسارا
جاز يومًا بها فأوما إليهافكساها إيماؤه أنوارا

وأنشدني لنفسه يصف عوادًا وأحسن:

ومطرب تفهم أوتارهالأسماع ما لا يفهم النُّطق
كأنَّها رعد ومن فوقهاكفَّاه في تحريكها برق

وأنشدني أيضًا قوله:

إذا لم تكن ذا قدرة بمن افترىعليك وأولاك الأذى بافترائه
فذره فإنَّ الدَّهر يفعل فوق ماتؤمِّل من إضراره وإذائه

وأنشدني لنفسه يخاطب بعض الرؤساء في أمر جرى له وحبس بسببه:

أأمين دين الله يا من لم يزلمبسوطًة كفَّاه بالإسعاف
ومبيد جيش الخطب يومًا إن سطابوميض حدّ سنانه الشفَّاف
/ ب/ أمن المروءة أن أولَّى عاملاًيومًا على طرف من الأطراف؟
يومًا ولا طرق المسامع لفظةفي أرضه من منطقي بخلاف
وأظلُّ بالحبس الخسيس وما جرىلي فيه من ثلم على إجحاف
ويظل من ظهرت عليه خيانةفي المال في أمن وعيش صافي؟
فلئن يكن ذنبي العظيم لديكمبين الأنام كفايتي وعفافي
قد تبت يا مولاي عنه توبًةليست على شرط ولا استئناف

وأنشدني أيضًا لنفسه:

إذا ضامك الدَّهر في قسمةفصبرًا على ذلك القسم صبرا
فلا القسم باق عليك المدىولو شئت ذلك ما اسطعت قدرا
فبينا ترى المرء في ضيق أمرترى فرج الله يأتيه أمرا

وأنشدني أيضًا قوله:

إذا ما الفتى أبداك بعض ضميرهلسان له يومًا وأخفاك من بعض
تأمل بما أبدته عيناه إنَّهاتبوح بمخفيِّ المودَّة والبغض
فعين الفتى تبدي الذي بضميرهعلى يقظة منها وتخفيه عن بعض

وأنشدني لنفسه:

/ أ/ أيا مولى أقرَّ الدَّهر طوعًاله بالفضل والذِّكر الجميل
ومن عمَّت مواهبه البراياعطاءً للحقير وللجليل
إذا ما مال غصن بالتواءعليك حناه بالحمل القليل
تدارك قطعه أبدًا لئلاًيميل عليك بالحمل الثَّقيل
فكم مالت غصون عن أصولفأوجب ميلها قطع الأصول

وأنشدني لنفسه:

مولاي إن تكن الأرزاق قد قسمتوظلَّ قسمك منها أوفر القسم
فلا تكن فرحًا يومًا به أبدًاوأحذر باذهابه من زلَّة القدم
فإنَّ موليك هذا الرِّزق ظلَّ علىإيلائه ثملاً من خمرة النَّدم
فإن صحا سترى في صحوه نقمًايلقيك أيسرها في عالم العدم

وأنشدني أيضًا من شعره:

ولمَّا رأيت الحبَّ ليس لدائهشفا غير ما وصل يجود به الحبُّ
ولم أر من حبِّ يجود بوصلهعليَّ ويدنيني إليه ولا يصبو
وقد زاد ما بي فوق ما تجد الورىوأدركني من عظم ما زادني العطب
عذلت لذاك القلب كيما يطيعنيعليه لأسلوه فلم يطع القلب
/ ب/ فأيقنت أنِّي لا محالة هالكفذاك الذي لم ينج منه المدى صبُّ

وأنشدني لنفسه أيضًا:

بعدًا لقوم غدوا من عظم ما جهلوايعلو الغواة بهم فوق النَّحارير
ودولة ظلَّ أعناق البزاة بهامجرورًة بمناقير العصافير
والفار قد علقت يومًا وقد نشبتأظفارهن بلبَّات السَّنانير
فاربأ بعمرك يومًا أن تقيم بهموإن أقمت فقل أي مهجتي سيري

وأنشدني أيضًا قوله:

قالوا نرى ببلاد النَّاس أجمعهاأمنًا ومن دونها في إربل الحذرا
أحبتهم لو أراد الأمن يسكنهاما أرسل الله في أطرافها التَّترا

عبد الله بن محمَّد بن بشير بن سعد الله بن أبي محمَّد بن أبي مضر بن أبي تغلب بن عليِّ بن أحمد بن الحسن بن محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن موسى بن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب –صلوات الله عليهم أجمعين-، أبو الأزهر بن أبي المعالي الحائريُّ:

من مشهد الحسين بن علي/ أ/ ﵉، لقيته بمدينة السلام.

سنة أربع وعشرين وستمائة، وأنشدني من شعره يفتخر، من جملة أبيات:

أنا الموسويُّ الفاطميُّ الذي سمتبنا مضر والعالمون شهود
إذا افتخرت في كلِّ يوم قبيلةففخري على كلِّ الأنام يزيد
ولولا أبي ما كان في النَّاس صالحولا نصبت للمسلمين عمود
وجدِّي رسول الله أكرم مرسلرقا عند ربِّ العرش وهو حميد
وأمِّي البتول الطُّهر سيِّدة النِّسالأولادها كلُّ الأنام عبيد
فمن شكَّ فيما قلته واعتمدتهفذلك فيما يقتضيه عنيد
تخرَّق ثوب المجد عن كلِّ لابسوثوبي بهم في العالمين جديد

عبد الله بن محمَّد بن عليٍّ بن محمَّد بن عليٍّ الأزديُّ، أبو محمَّد البغداديُّ المولد والمنشأ، المعروف بابن الهرويّ:

شيخ أبيض ربعة، نقي الشيبة.

أخبرني أنه ولد في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة.

وهو أحد الشعراء البغداديين المطبوعين.

قرأ الأدب على/ ب/ أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي، ولقي أبا محمد عبد الله بن أحمد الخشاب البغدادي النحوي، وغيرهما من العلماء.

وشعره كثير في الهزل والسخف، وهو يحذو حذو أبي عبد الله ابن الحجاج، في فنونه، ويسلك نهجه في سائر منظومه.

شاهدت أبا محمد ببغداد، واجتمعت به غير مرّة، فرأيته رجلاً حسنًا، يجمع

فضلاً وكيسًا وظرفًا ولطافة، ويمزح ويلهو ويتماجن، وهو ممن يشار إليه في هذه الأصناف، وأنشدني الكثير من شعره، إلا أني لم أحفظه، ولا كتبت عنه شيئًا غير أبيات، أنشدنيها ملغزًا في المشط:

وما شيء له وجهان فيهاله رأسان شأنهما عجيب
له ثغران مبتسمان بشرًاوبشرهما فليس له قطوب

يفرق كلَّ مجتمع وهذا الَّذي من فعله تهوى القلوب

أبن لي أيَّ شيء قد لغزنافما يدري به إلاَّ لبيب

عبد الله بن يوسف/ أ/ بن عبد الرَّحمن بن يحيى بن عمران بن إسماعيل الهنتانيُّ، أبو محمَّد المراكشيُّ:

شاب يحفظ كتاب الله تعالى، ويعرف طرفًا حسنا من الأدب، وهو شاعر صالح المنظوم، وقع إلى إربل، من بلاد الشام والديار المصرية منتجعًا بقوله، ومستميحًا بكلامه، فشاهدته بها في شهر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة، قاصدًا مجلس الصاحب شرف الدين –﵀ وتأملاً له، ورجاء لنائله، فأنشدني قصائد وقطعًا من شعره، وسألته عن ولادته فقال لي: الآن سبع وعشرون سنة، وكان سؤالي له في الشهر المبدوء بذكره، وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات –رحمه الله تعالى-:

لا وجد أعظم من وجد يخامرهولا جوى غير ما تحوي ضمائره
صبٌّ ألمَّ به يوم النَّوى ألممن الهوى فثوى في القلب ضائره
يهمُّ ممَّا به شوقًا فلا جلدله ولا عاذل في الحبِّ عاذره
لله درُّ زمان اللَّهو من زمنقضيته حيث لا واش أحاذره
والدَّار جامعة والشَّمل ملتئموربرب الحيِّ تهواني جاذره
/ ب/ ولي حبيب كبدر التِّمِّ طلعتهواف له من بديع الحسن وافره
اغنُّ اغيد مثل الغصن معتدللم يستطع حمل ما تحوي مآزره
بيض ترائبه سود ذوائبهزجٌّ حواجبه كحل نواظره
يزورني ثمَّ يجفوني بل سببوآفة الصَّبِّ أن يجفوه زائره
أقول لمّا غدا في الهجر مجتهدًاكيف اصطبار محبٍّ أنت هاجره؟

ومنها في المدح يقول:

هو المبارك ما في النَّاس مشبههونجل أحمد ربُّ المجد باهره
ربُّ الجدى معدن الجود الَّذي عظمتعن أن تحدَّ وأن تحصى مآثره
فتة يجيبك عمَّا أنت مضمرهقبل السُّؤال وقد لبَّاه خاطره
قد كمَّل الحسن والإحسان خالقهبه فباطنه خير وظاهره
أكرم به سيِّدًا طالت مناقبهفي المكرمات كما طابت عناصره
ما ذمَّه من نزيل منذ كان ولاترحَّل الضَّيف إلاَّ وهو شاكره
يا ذا الَّذي حسنت من حسن سيرتهفي كلِّ قطر من الدُّنيا محاضره
إليك جاء يجوب البيد منتجعًامن أرض مصر وحيد العصر شاعره
يرجو لديك بما أرجو وآملهمن الجميل فإنِّي عنك ناشره
/ أ/ واسلم ودم في علا عزٍّ وفي نعمتأتيك من كلِّ ما ترجو بشائره

عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن محمَّد بن عبد الله بن رواحة الأنصاريِّ، أبو القاسم بن أبي عليٍّ الحمويُّ:

وجده الأعلى عبد الله بن رواحة كان شاعر النبي ﷺ، وكان والده الحسين بن عبد الله من الشعراء المجيدين، والفقهاء المبرزين، وهم من بيت الأدب والعلم بحماة.

وأبو القاسم كانت ولادته فيما أخبرني من لفظه بساحل البحر بمدينة صقلِّية، سنة ستين وخمسمائة، وانتقل مع أبيه إلى الإسكندرية، وأسمعه الحديث الكثير من الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السَّلفي الأصفهاني، وأخذ له إجازات من مشايخ ذلك الوقت، كالحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي وغيره، وقدم إربل في شهر ذي الحجة سنة خمس وعشرين/ ب/ وستمائة، مجتديًا نوال سلطانها الملك العظيم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ وطالبًا رفده كعادة الذين يردون إربل من البلدان للاستجداء، فأقام بها أيامًا، وسمع عليه من مسموعاته جماعة، وحصل له نفقة صالحة.

وكان عسير الأخلاق، ضيق العطن، شرسًا في الإملاء، تافه النفس، لم يحب أن يسمع عليه أحد إلاّ بعوض، وفائدة، وفضل إليه.

أنشدني لنفسه ابتداء قصيدة عملها في الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي –﵁ أولها:

صبرًا لعلَّلك في الهوى أن تنصفاأو أن ترقَّ لمدنف أو تعطفا
ما كلُّ من أضحى الجمال بأسرهفي أسره منح القطيعة والجفا
كلاَّ ولا من حاز أفئدة الورىبجماله أبدى المسير تعسفا
يا مانعًا جفني الكرى بصدودهقسمًا بعهدك بعد بعدك ما غفا

غفا، لغة رديئة، وإنما يقال: أغفى.

/ أ/ إن كان قصدك أن تريق دمي فلاتتقلَّدن سيفًا فطرفك قد كفى
لو أنَّ جسمي في بحار مدامعييطفى لنار فيه من سقم طفا

ومن مخلصها في المديح:

أحييت يوسف في المحاسن مثلماأحيا أبو بكر أخاه يوسفا

وأنشدني لنفسه في صديق له سافر ولم يودّعه:

رحلت ولم أودِّع منك خلاَّصفا كدر الزَّمان به وراقا
ولكن خاف من أنفاس وجديإذا أبدى العناق يرى احتراقا
فكأس الشَّوق منذ نأيت عنِّيأكابدها اصطباحًا واغتباقا

وأنشدني لنفسه في غلام أصفر الشعر، كان عريانًا في الحمام، وقد عرق جسمه:

واغيد كقضيب البان معتدلقدًا وألحاظه أمضى من القضب
كأنَّما جسمه كافورة رشحتدرًا وطرَّته الشَّقراء من لهب

عبد الله بن عبد المحسن/ ب/ بن عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن عبد القاهر بن هشام بن محمَّد بن أحمد بن المظفَّر، أبو الفضل بن أبي القاسم بن الطّوسيِّ الخطيب:

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.