تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد الرحمن

عبد الرَّحمن بن محمَّد/ ب/ بن عبد السَّميع بن عبد الله بن عبد السَّميع بن عليِّ بن القاسم بن الفضل بن الحسين بن أحمد بن جعفر بن سليمان بن عليِّ بن عبد الله بن العبَّاس بن عبد المطَّلب، أبو طالب بن أبي الفتح الهاشميُّ العبَّاسيُّ الواسطيُّ:

كانت ولادته بواسط في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بها، ودفن بدير وردان، غربي واسط، في سادس المحرم سنة إحدى وعشرين وستمائة.

كان يسمى بواسط: الشيناتي؛ لأنه اجتمع فيه سبع شينات، لم تجتمع في أحد سواه من ذوي الشرف.

كان شيخًا في العلم والآداب، شافعي المذهب، يلقب شرف الدين، شريفًا شاعرًا، شروطيًا شاهدًا، وقد نظمت هذه الألفاظ ببيت شعر وهو:

شرف الدِّين شيخنا شافعيشاعر شاهد شريف شروطي

وهو من بيت العلم الغزير، والجاه الوافر، اعتنى بالحديث وسماعه، فصار فيه

إمامًا، يشار إليه، سمع بواسط من أبي جعفر ابن البوقي، وأبي الحسن علي بن المبارك بن نغوبا، وأبي طالب/ أ/ محمد بن علي الكتّاني، وسمع ببغداد من أبي المظفر هبة الله بن أحمد ابن الشبلي وأبي الفتح بن البطي، ويحيى بن ثابت في جماعة، حدث بمسند مسدّد ابن مسرهد، عن علي بن نغوبا.

وكان ثقة صحيح السماع، فاضلاً، مصنفًا، عذب المنطق، حسن الفصاحة، جيد الكلام في الوعظ، ينشئ الخطب والفصول في المواعظ، وله مديح كثير في الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ﵁.

وصّنف كتبًا مفيدة منها: كتاب "اللباب المنقول في فضائل الرسول ﷺ"، و"كتاب الدرّ المنثور في معرفة الأيام والشهور"، وكتاب "المناقب العباسية"، وكتاب "مجموع الرسائل والوسائل"، وكتاب "تعبير الرؤيا"، وكتاب "الدرّة الفريدة في العقيد"، وهي أرجوزة، وكتاب "النخب في الخطب"، وكتاب "الخواطر العقلية والفصول الوعظية"/ ب/، إلى غير ذلك من المصنفات.

أنشدني أبو نصر بن أبي طاهر البغدادي الهاشمي قال: أنشدني الشريف أبو طالب بن أبي الفتح لنفسه يذم الدنيا:

دع ما يزول من الدُّنيا وزخرفهاواطلب رضا الله في قول وفي عمل
ولا تطع آمرًا بالظُّلم مبتغيًانيل الحطام غبيَّ الحسِّ ذا خطل
يغريك بالنور جهلاً منه بغيتهظلم العباد كثير الغيِّ والزَّلل
واعلم بأنَّك مسؤول فكن حذرًامن الوقوف غدًا في موقف الخجل
واشفق على الخلق إن وفِّقت مجتهدًامادمت مقتدرًا واصفح عن الخلل
فالعفو والصَّفح عمَّن زلَّ مغتنمولا تكن عجلاً فالخطء في العجل
واسأل إلهك توفيقًا وكن ورعًاتمسي وتصبح في خوف وفي وجل

وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه:

دار تكدرِّ صفوهاوسرورها غير الليالي
ويحيل بهجة حسنهاصرف الرَّدى في كلِّ حال
غدَّارة خوَّانةأفراحها مثل الخيال
وكمال صحَّتها يؤول إلى فناء أو خبال
من كان ساكنها يعدُّالزَّاد حقًا لارتحال
أو كان مغترًا بهاألقته في شرك الوبال
/ أ/ فارفض علائق حبِّهافصحيحها عين المحال
واعلم بأنَّك راحلعنها إلى دار المال
والموت قد نادى بنافتأهبوا يا للرجال

وقال أيضًا في الوعظ:

إلى متى ذا الغرور يا غافلتخوض طول الزَّمان في الباطل
تضيع العمر منك في عمللا يرتضيه لنفسه عاقل
وتدَّعي العلم ثمَّ تتركهمرتكبًا ما يعافه الجاهل
تستمع الوعظ ثمَّ ترفضهوأنت للَّغو سامع قائل
حبُّك دنياك لو عقلت فيهداء لعمري مستمكن قاتل
غرَّك حتى أطعته سفهًاوبعت أخراك منه بالعاجل
دع عنك ما أنت فيه مغتنمًاما قد تبقَّى من عمرك الزَّائل
واعمل ليوم الحصاد مجتهدًاعساك تحظى من ذاك بالحاصل
وقل إلهي، لا تقطعن أمليمنك وكن لي في بغيتي كافل
جد لي بما أنت أهله كرمًايا خير مولى يعنو له الآمل
وأضرع إلى الله جلَّ مبتهلاًفإنَّه لا يخيِّب السَّائل

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

/ ب/ تبًا لمن همُّه الدُّنيا وبغيتهزيادة المال فيها وهو منتقص
يسعى ويدأب فيها ليس يدركهحرصًا وتنتابه الأسقام والغصص
كم أسعف الدَّهر أقوامًا يبغيهمفيها وأعطى فلمّا زادهم نقصوا
وكلَّما أدركوا ما أمَّلوا بطرواوكلَّما زيد في أموالهم حرصوا
رأس الخطيئة حبُّ المال فاسخ بهواسمح وجد فذوو الأفضال قد خلصوا
والباخلون حظوا بالذَّمِّ إذ بخلواوقتَّروا وعلى أعقابهم نكصوا
واحذر مصارعهم إن كنت متَّعظًافقد أتتك به الأنباء والقصص

عبد الرَّحمن بن صالح بن عمَّار بن عربدّ بن رافع بن المزعفر العربدَّيُّ، أبو محمَّد التَّغلبيُّ الدُّنيسريُّ:

كان يتولى الحسبة بدنيسر، تعلق بسبب قوي من علم العربية والعروض، وحفظ القرآن العظيم، وفهم طرفًا من اللغة والأدب، وكان شاعرًا فصيحًا، فيه سماحة ومروءة، حبسه الملك المنصور ناصر الدين أرتق أرسلان بن إيلغازي بن ألبي بن إيلغازي بن تمرتاش الأرتقي، صاحب ماردين/ أ/ بسبب قصيدة نظمها في الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكان يومئذ محاصرًا قلعة ماردين، فأنكر الملك المنصور تخلفه عن الصعود إليه إلى ماردين، وأنه امتدح الملك الأشرف، فأخذه وسجنه خمس سنين، ومات مسجونًا في أواخر ذي الحجة سنة سبع وعشرين وستمائة.

أنشدني أبو الثناء محمود بن أسعد الهمذاني قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:

تزايد في هوى أملي جنونيوأورث مهجتي سقمًا شجوني
وصرت أغار من نظر البراياعليه ومن خيالات الظُّنون
وأحرص أن يكون له وفاءمن الأبصار قلبي أو جفوني
ويعذب لي عذابي في هواهوهذا نصُّ معتقدي وديني
فقل للاَّئمين عليه جهرًادعوني لست أدركه دعوني

وقال أيضًا:

دع الملامة فيه أيُّها اللاَّحيفما أطيع عليه قول نصَّاحي
/ ب/ شدُّوا علىَّ فسدُّوا باب مصلحتيوظنُّهم أنهم جاءوا بإصلاحي
وهزَّة السُّكر لا يخطى بلذَّتهاإلاّ خليع تحاشى حشمة الصَّاحي

وقال أيضًا:

لاحي المتيم بالملام متيَّموبما يضر أخا الصَّبابة تحكم
يلحاه وهو مدلَّه بأحبَّةلفؤاده ملكوا وفيه خيَّموا
سنُّوا الجفا فكلُّ هجر متلففي سنَّة العشَّاق يروى عنهم
وفتى تنمُّ بسرِّة أجفانهإن زمَّت الأجمال أنَّى يكتم؟
بالله يا ركب الحبيب ترفَّقوابالمستهام أخي الصَّبابة وارحموا
لا تعجلوا قلص الرِّكاب فتتلفوادنفًا بعيد فراقهم ما يسلم
متلهِّب الزَّفرات نار غرامهما تأنلي في قلبه تتضرَّم
عملت جراح الهجر فيه ومالهاإلاَّ الوصال وعزَّ ذلك مرهم
وإذا أتت برضا الأحبَّة خطَّةتردي فمثل الشَّهد منها العلقم
رفقًا بحقَّكم على ذي لوعةعنها تنشَّأ لحمه والأعظم
ما فارق الحمد المبرِّح قلبهنفسًا ويعدم والهوى لا يعدم

وقال من قصيدة/ أ/ يمدح الملك المنصور أرتق أرسلان، صاحب ماردين:

لم تولينَّ الصَّبَّ يا ذات اللَّمىوتحلِّلين من الصُّدود محرَّما؟
يا ضرًّة القمرين بل يا غلطةالدُّنيا حجى وصيانًة وتكرُّما
إن كان في قتلي رضاك فقطِّعيكبدي بهجرك واسفكي منّي الدِّما
فلقد أطعت صبابتي وأضعت منكلفي الصَّواب وقد عصيت اللُّوَّما
وغدوت مكتئب الفؤاد مدلَّهًاقلق الحشا قرح الجفون متيَّما
فتكاد تحرق زفرتي أثل الغضاأسفًا وتغرق عبرتي أهل الحمى
يا من يبدِّد شمل دمعي في الهوىمن وصفه لفظ وثغر نظِّما
قل للعباهلة الكرام بحرزمشرَّفتم عن كلِّ واد حرزما
هل تعرف مع الهجوع بأننيما زلت بعدكم أناجي الأنجما
ليلي وليلكم سواء إنَّماقضَّيته سهدًا وبتُّم نوَّما
من كان عن ورد المراد محَّلاًألفى حلاوة كلِّ شيء علقما
كم نظرة جنت الهوى وألذُّ مننظر العدوِّ منعَّمًا صفة العمى
يا عادليَّ بحقِّ ربِّكما ارحماولهي لعلكما غدًا أن ترحما
/ ب/ وترفَّقا بحشاشتي وتأيَّدافي قصَّتي بلِّغتما ما رمتما
إن كنت أخدع عن هواها إنَّنيمن جود أرتق ذي النَّدى غيث هما
ما سلَّ سيفًا فوق طرف أو رمىيوم الهياج إلى عدوٍّ أسهما
إلاَّ ظننت البدر حمِّل بارقًاريح الصَّبا وأقض عنها أنجما

وقال أيضًا:

أنا أوحد العشَّاق يتلف مهجتيمن ساق سائلة الظّغائن أوحدا
قرح الجفون يظن ناقف حنظلإثر الظَّعائن أو مريضًا أرمدا

ومنها يقول:

لولا منظَّم ثغره وكلامهما ظلَّ دمعي في الرُّسوم مبدَّدا
رشا أرقُّ من الهوى جسمًا حوىقلبًا قسا فحكى لحيني جلمدا
يا ذاكرين تذَّكروا كلفًا بكمما نام قطُّ ولو سقوه المرقدا
بيد يردُّ بها الحداة عن السُّرىويردُّ من وله على كبد يدا
أسفي على يومي القصير بوصلكمكيف استحال مع القطيعة سرمدا
يا عاذليَّ أتعلمان حقيقًةأنِّي أطيق مع القضا ردَّ الرَّدى
لو كنت أملك مهجتي يوم النَّقاما كنت أنصف من على ضعفي اعتدى

/ أ/ وقال أيضًا:

لا والَّذي بيديه البرء والسَّقمما لي سوى وجنتيه في الهوى قسم
أحوى حوى السِّحر في أجفانه وعلىخدَّيه من مهجات المدنفين دم
مزنَّر الخصر واشوقًا إلى خصرفي فيه يقصر عنه البارد الشَّبم
كالماء جسمًا ولكن قلبه حجروما سباني إلاَّ وهو لي صنم

وقال أيضًا:

أما وجفنيك والسِّحر الَّذي بهمالقد تقطَّع قلبي للنَّوى ندما
أظبية الخيف ألحاظًا متى سفكتدمًا غزيرًا بلا جرم لحاظ دمى؟
أما لهذا القلى والصدِّ من أمدأما رثيت لمقتول يذوب أما؟
وحرمة الحبِّ إيمانًا بمولدهوصبوة الصًّب عشقًا عزَّ ذا قسما
زمُّوا الجمال عليها كلَّ مشبعةمن الجمال لخضر يستغيث ظما
لمياء سحَّارة الأجفان ما تركتبالخيف إلاَّ مخافَّا يشتكي ألما
لها ذوائب تحكيها الأراقم منصاف مبين فويق الأرض ما رقما
كأنَّها ليل مهجور وأعجب مافي حسنها جمعها الأنوار والظُّلما

عبد الرحمن بن يخلفتن/ ب/ بن أحمد، أبو زيد الفازازيُّ المغربيُّ، الساكن بمدينة مراكش:

فاضل عالم مقدّم في الأدب، كبير المحل في الفضل، شاعر مقتدر على الكلام، صاحب فصاحة في الإنشاء، نزل مراكش، وتقدم عند مليكها، وحظي لديه، وقلده الوزارة، وكتابة الإنشاء، وله شعر كثير في كل نوع.

أنشدني أبو القاسم عبد الرحيم بن أحمد بن علي بن طلحة الأنصاري السبتي، بمدينة إربل في أواخر ذي الحجة سنة ثلاثين وستمائة قال: أنشدني الوزير أبو زيد عبد الرحمن الفازازي لنفسه:

أزيد اشتياقًا كلَّما زدتني بعدًاوآلف وجدًا حين أطَّرح الوجدا
وتشفع عندي في صدودك لوعةتجاذبني لا أستطيع لها ردَّا
وما مرَّ يوم من شديد مودتيوحقّك إلا زدت في غده ودّا
كأنَّ الهوى جسم ثوى بين أضلعيفضمَّ عليه الشَّوق من جسدي بردا
أرى نار إبراهيم بين جوانحينشبُّ ولكن لا سلامًا ولا بردا
وما جزعي للموت إلا لعلَّةإذا لم تقرَّ العين لا تشمت الأعدا
عجبت لأهل الوجد ماتوا بوجدهموما اعتنقوا غصنَّا ولا ارتشفوا شهدا
/ أ/ فلو أنَّ ما أهواه في علم من مضىلما عشقت لبنى ولا مدحت سعدى
ولا مشت الخنساء تسحب ذيلهاولا علَّقت عفراء في جيدها عقدا
إذا ظفرت عيناي منك بنظرةفقد أسكنت عدنًا وجاوزت الخلدا

عبد الرَّحمن بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسين بن أحمد بن محمَّد بن عيسى بن محمَّد بن حمدويه بن دينار بن شيلة بن شيلمة بن فذهر مز بن آه بن أوه بن أشك بن شكرك بن زاذان فرّوخ بن بيغان بن زاذان فرُّوخ الأكبر –وزير الحجاج بن يوسف-، وهو أخو

يزدجرد بن هرمز بن نوشروان ملك الفرس، المعروف بابن بصلا البندنيجي، وبصلا لقب لمحمَّد بن حمديه، أحد أجداده.

هكذا ساق هذا النسب شيخنا أبو عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي قال: أملاه عليّ من حفظه أبو المكارم عرفة بن علي، والد شيخنا عبد الحميد، وأثنى عليه خيرًا.

وعبد الرحمن، يكنى أبا محمد، كان متصوفًا، وسمع الحديث، وصحب الصوفية، قال القاضي أبو القاسم الحنفي: / ب/ شيخ حسن صالح، وقور فاضل، من شيوخ الصوفية، قدم علينا حلب في صحبة شيخنا عمر بن محمد السُّهروردي، وسيره رسولاً إلى ملك الروم، ثم قدم مرّة أخرى في سنة ثماني عشرة وستمائة، وسمعنا منه الجزء الثاني والرابع من أمالي المحاملي بسماعه من أبي بكر أحمد بن المقرئ أبي الحسين بن الحسن الكرخي، وأبي القاسم يحيى بن ثابت بن بندار البقال.

وكانت ولادته سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وله أشعار، فمنها ما أنشدنيه أبو جعفر محمد بن عبد الحميد بن محمد الهمذاني قال: أنشدنا أبو محمد عبد

الرحمن بن بصلا لنفسه، وقد طلبت منه الإجازة:

أجزت للولد المذكور ما سألاآتاه رِّبي التُّقى والعلم والعملا
فليرو عنِّي ما صحَّت روايتهلديه ممَّا روى عنِّي وما نقلا
ويتَّق الله فالتَّقوى له شرفوأكرم النَّاس في تقواه من عقلا
وليجعل العلم مالاً يستعين بهوليس ينفع إلاَّ من به عملا
ومن تحمل علمًا ليس يحملهفإنَّما هو أسفار لها حملا
وحامل العلم من يخشى الإله ومنيكون في كلِّ حال خاشعًا وجلا
/ أ/ ومن تحمَّل علمًا وهو حاملهفهو الَّذي عند أهل العلم قد كملا
فالله ينفع من هذا السُّؤال لهوالله أكرم مسؤول إذا سئلا
ثمَّ الصَّلاة على المبعوث من مضرخير الأنام ومن فاق الورى فعلا

عبد الرَّحمن بن نجم بن عبد الوهَّاب بن عبد الواحد بن أبي الفرج بن محمَّد بن عليِّ بن يعيش الأنصاريُّ، أبو الفرج الواعظ:

هو من ولد سعد بن عبادة صاحب رسول الله ﷺ، المعروف بابن الحنبليّ الدمشقي.

من أشهر بيت بدمشق في العلم، وأكبره، وهو واعظ حسن، فقيه حنبلي، محدث مفسر، عالم سائر الذكر ببلاد الشام، كانت ولادته فيما أخبرني [سابع عشر شوال] سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي بدمشق، ثالث المحرم سنة أربع وثلاثين وستمائة.

و[كان] يقول الأشعار، أنشدني أحمد بن إسماعيل بن نجم الحنبلي الدمشقي قال: أنشدني أبو الفرج عبد الرحمن لنفسه:

يا صاحبي إن كنت لي ناصحًافمر وسلِّم لي على جلِّق
/ ب/ وابرد بوادي بردى واستمعالحان طير طيِّب المنطق
واذكر أحاديث ليال مضتبالنيرب الأعلى وبالجوسق

وأنشدني قال: أنشدني أبوالفرج قوله:

اذكرتني ناسي وما فعل الصِّبابالنَّيرب الأعلى على باناس
نهر كحدِّ السَّيف تكسو متنهالأزهار غمدًا فهو عار كاس
وجواسق مثل القصور شواهقومقاعد محفوفة بالآس
فهي الشِّفاء لعلَّتي ولربماطال السَّقام بسوء فعل الآسي

وأنشدني قال: أنشدني أيضًا لنفسه:

سلَّم الله على قوم سرواوفؤادي بعدهم قد أسروا
عاهدونا وتناسوا عهدنافدموعي غدر مذ غدروا
ما لصبحي سحر بعدهممات حزنًا أم له قد سحروا
يا نسيم الرِّيح من أرضهمخبِّريني ليس عندي خبر
هل هم في راحة أم تعبكدت من همَّي بهم أنفطر
خبِّريهم أنَّني حلف الضَّنىما بقي منِّي إلاَّ الأثر

عبد الرَّحمن بن عمر/ أ/ بن الحسن بن نصر بن سعد بن عبد الله بن باز، أبو محمَّد الموصليُّ:

كان يكتب القصص بالأجر، ويعمل أشعارًا، ويمدح بها الناس، وكان مخلاً بفردعين، متشيعًا، خارجًا في التشيع، وربما كان يظهر منه في حق الصحابة كلام رديء، وتوفي بالموصل سنة عشر وستمائة.

حدثني سبطه أبو محمد الحسين بن إبراهيم بن حماد، النبع الموصلي قال: رأيت جدي في المنام بعد موته، وهو بزيّ جميل، وهيأة حسنة، فقلت له: ما فعل الله لك؟ قال: غفر لي، فقلت: بماذا وقد كنت تتناول أبا بكر وعمر، وتطعن في صحابة رسول الله ﷺ؟ فقال: إنني رجعت عن ذلك وتبت عنه قبل موتي بشهر، فتاب الله عليَّ.

أنشدني أبو الفضل مودود بن مسعود الإربلي قال: أنشدني عبد الرحمن بن عمر بن باز الموصلي لنفسه:

رأت غصني بعد النَّضارة ذاويًاوماء شبابي غاض عن كلِّ مورد
فنفَّرها ما كان من لون لمَّتيفصدتَّ وقالت أيبض بعد أسود
فقلت ضلالاً واهتديت فأعرضتوقالت ألا يا ليت لم تك تهتدي
/ ب/ ألم تدر أنَّ الشَّيب ذنبك عندنافقلت لها لا تعجلي وتأيَّدي
بهجرك أضرمت الغضا في حشاشتيفهذا شرار النَّار من غير موقد

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه عبد الرحمن، من قصيدة يمدح بها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب:

يا مستميح الحمد دعوة نازحعن داره أوفى بحلية شاعر
وله من الحدباء أكرم موطنفيه منه الجيران خير مجاور
ورأيت من الحدباء أكرم موطنفيه من الجيران خير مجاور

ورأيت من شعره هذه القصيدة يمدح بها أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي –﵁ ويهينه بتشريف أمير المؤمنين الناصر لدين الله –رضوان الله عليه-:

أيُّها المالك المؤيَّد نور الددين قرَّت لديك عين الزمان
حيث أصبحت للخليفة ظهرًاظاهر المجد عالي الأركان
فأتاك التَّشريف منه فللتَّشــريف فخر الإسلام في الأديان
/ أ/ واكتسى منك أشرف الرُّتب العلــياء حتَّى علا على كيوان
وكذا الغمد يكتسي الشَّريف العالي بحدِّ العضب الحسام اليماني
ولواء الحمد الذي عقد النَّصــر به في مثقف وسنان
وجواد تعلو به قمم الأعــداء قبل السِّباق في الميدان
فانتهز فرصة الزَّمان فقد أمــكن منه نهاية الإمكان
واملك الأرض كلَّها فهي طوعلك مشحونة من الأعوان
عصرك اليوم منك يسمو على الأعـصار مثل الرَّبيع في الأزمان
وعلى الدَّهر من أياديك وسمفوق جيد يسمو بأرسلان
إنَّما سائر الملوك كألفاظ كلام وأنت فيها المعاني
فاشمل الجند بالعطاء فللإنــعام وقع التَّعجيل عند التَّواني
فجميع الأنام أعبد آمال وقيد الإنسان بالإحسان
جد وطل وابق في نعيم مقيموعلوَّ ورفعة وأمان
وتملَّ الصِّيام فالله راضعنك فيما تأتيه من رمضان
ولك الله ناصر ومعينوظهير في كل شيء تعاني

ومنها يقول في آخرها:

/ ب/ فاستمع نبذًة أتت من محبٍّأخلص العهد منه بالإيمان
ينظم المح في معاليك كالدُّرروما المدح نظمه كالجمان
فلهذا أضحى يوالي مواليــك ويشنا بهجوه للشَّاني

عبد الرَّحمن بن أبي بكر عليِّ بن أحمد بن عبد الله، المؤدِّب البغداديُّ المعروف بابن الحمّامي:

أصله من نيسابور، وكانت ولادته ببغداد، وتوفي بها ليلة الجمعة، سابع عشر جمادى الأولى سنة عشر وستمائة. وكان يؤدب الصبيان، ويشعر، والذي وقع إليّ من شعره، يقول في رجل يلقب الشميس الفقيه الأنباري، ويعرف بالحيوان، وكان قد أضاف صبيًا من أهل سنجار أمرد مليح الصورة، وقدّم له قطايف، فحين أكلا، تقدم إليه فقبّله، فغضب الصبيّ، فقام إليه، فضربه ضربًا مؤلمًا، فقال في ذلك عبد الرحمن:

/ أ/ لقد دام دهرًا للشّميس دبيبهفظلَّ على علاَّته يستطيبه
يدبُّ إذا ما اللَّيل أرخى ستورهعليه فلا يدري بذاك رقيبه
ولا يشعر النُّوَّام من حوله وقدأغار على سرم الغلام يصيبه
فغيره الدَّهر الغشوم عن الَّذيتعوَّده والدَّهر جمٌّ خطوبه
فصادف من سنجار ليثًا فظنَّهغزالاً فأهوى نحوه يستجيبه
وجذَّره لمّا حواه قطايفًاليشغله والقلب باد وجيبه
وأهوى إلى تقبيله فرأى فتىمن الحيوان النَّذل حالاً تريبه
فدقَّ قفاه ثمَّ شجَّ جبينهوغادره يبكي عليه طبيبه
طريحًا جريحًا بالدِّماء مضرَّجًاينادي ضعيف الصَّوت من لا يجيبه
ومن يدلِّي للواط عصيبًةفأكثر من هذا لعمري يصيبه

عبد الرَّحمن بن عبد الله بن أبي المحاسن، أبو الدُّرِّ الرُّوميُّ:

هكذا قرأت نسبه بخط يده في غير موضع، كان اسمه ياقوتًا، مولى منصور الجيلي التاجر، فسمى نفسه عبد الرحمن.

نشأ ببغداد/ ب/ وحفظ القرآن العظيم، وشدا طرفًا حسنًا من العربية، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وقال الشعر الرائق الألفاظ، واستكثر منه في فن الغزل والتصابي، وذكر المحبة والغرام، وراق شعره، وتحفظه الناس، وتناقله الرواة، وغنّى به المغنون.

وكان تاليًا للقرآن، مشغوفًا بمذهب الإمامية، والتعصب لهم، كثير الميل إلى أهل البيت –صلوات الله عليهم- سيّر فيهم عدة قصائد اشتهرت في البلدان، ومدحهم مدحًا كثيرًا، وكان مع ذلك يحفظ كلّ غريبة ونادرة، ويذاكر بالأشعار، وملح الحكايات، وكانت وفاته فيما بلغني يوم السبت رابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وجد في بيته ميتًا.

وكان عزبًا لم يتزوج قط، أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي قال: أنشدني أبو الدرّ الرومي لنفسه، وكتب ذلك لي بخط يده:

أتظننُّي أسلو هواك وأنتهيعن جنَّة تجني النُّفوس وانتهي
/ أ/ برح الخفاء وشاب صبري في الهوىووهى وها عزمات وجدي لم ته
بأبي الَّذي أنا منته في حبِّهشغفًا كما هو في الملاحة منتهي
يا منتهى أملي أما لي من مدىفي الحبِّ أو أمد إليه أنتهي؟
أمط اللِّثام فلثم ثغرك واللَّمىوهواك غاية ما أروم وأشتهي
تجني وأصبر في هواك فأجتنيبالصَّبر شهدًا من مقبَّلك الشَّهي

وقال نشدني أبو الدرّ لنفسه:

إن غاض دمعك والأحباب قد بانوافكلَّما تدَّعي زور وبهتان
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
وكيف تأنس أو تنسى خيالهموقد خلا منهم ربع وسكَّان؟
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
لا أوحش الله من قوم نأوا فنأىعن النَّواظر أقمار وأغصان
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
ساروا فسار فؤادي إثر ظعنهموبان جيش اصطباري ساعًة بانوا
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
لا افترَّ ثغر الرُّبى من بعد بعدهمولا ترنَّح أيك لا ولا بان
أجرى دموعي وأذكى النَّار في كبديغداة بينهم همٌّ وأحزان
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
فماء نوح ثوى في مقلتيَّ وفيطيِّ الحشا لخليل الله نيران
لو كابد الصًّخر ما كابدت من كمديفيكم لجاد له أحد وثهلان
يا من تملَّك رقِّي حسن بهجتهأمما لسلطان هذا الحسن إحسان؟
/ ب/ كن كيف شئت فما لي عنك من بدلأنت الزُّلال لقلبي وهو ظمان

وأنشدني قال: أنشدني من شعره:

جسدي لبعدك يا مثير بلابليدنف نحيل ما أبلَّ بلى بلي
يا من إذا ما لام فيه لوائميأوضحت عذري بالعذار السَّائل
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
إن كنت تجهل ما أتى في النصَّ منتحريم سفك دم المحبِّ فسائل
ما قول أرباب الشَّريعة والتُّقىوالعلم والفضل العميم الشَّامل
أأجيز قتلي في الوجيز لقاتليأم حلَّ في االتَّهذيب أم في الشَّامل
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
أم في المهذَّب أن يعذَّب عاشقذو مقلة عبرى ودمع سائل
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
أم طرفك الفتَّاك قد أفتاك فيتلف النُّفوس بسحر لحظ بابلي
أو ما علمت بأنَّ سحر جفونك الـمرضى الصَّحاح يفوق حدَّ الذَّابل
والسِّحر إن قتل المتيَّم غالبًاوجب القصاص على الظُّلوم القاتل
رفقًا بجوهر جسم صبٍّ مغرمغادرته غرضًا كخصر ناحل
وجعلت أسهم مقلتيك وسيلةوذريعًة حتَّى أصبن مقاتلي
إن أنكرت عيناك قتلي في الهوىفبخدِّك القاني وضوح دلائلي
لكنَّ طرفك ناعس والشَّرع قدكفَّ القصاص عن النؤوم الغافل
لا تأخذوا بدمي فإنِّي عبدهوالحرَّ ليس لعبده بمماثل
/ أ/ طرفي تسبَّب وهو ناشر قتلتيفلمن ألوم ولحظ طرفي قاتلي؟

وأنشدني الإمام عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الفقيه الشافعي الموصلي قال: أنشدني أبو الدر لنفسه ببغداد:

خليليَّ لا والله ما جنَّ غاسقوأظلم إلاَّ جنَّ عاشق
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
أحبُّ سواد اللَّيل حبًا لشادنيواصلني ليلاً وصبحًا يفارق
إذا سمت قلبي الصَّبر زاد تشوُّقًافقلبي مشوق واصطباري شائق
وما الصَّبر بالمشتاق عمَّن يحبُّهوإن ساءه منه خلائق لائق
بروحي من روحي تساق إذا حدامطاياه حادي البين أو ساق سائق
مفارقة الأحباب لولاك لم يذبفؤاد ولا شابت لصبٍّ مفارق
أمنت الجوى والبين غبَّ فراقهفلست أبالي بعده من أفارق
وأنكحت أجفاني السُّهاد لبعدهوقلت لنومي بعده أنت طالق

وأنشدني أبو القاسم التبريزي قال: أنشدني [أبو الدرّ] أيضًا:

إذا ما ضحك الوردوماس البان والرَّند
/ ب/ وعاد العود مخضرًاله من زهره برد
وأضحت ترقص الأشجار إذ أطيارها تشدو
فلي والرَّاح من راحــة من هيَّمني ورد
هلال ماله في حســنه شبه ولاندُّ
إذا ما أعوز الرَّاحوعزَّ المسك والنَّدُّ
فلي من ريقه راحومن نكهته ندُّ
ومن حاجبه آسومن وجنته ورد
بروحي رشأ ذلَّتله في غابها الأسد
رشيق القدِّ ميَّاسسباني ذلك القدُّ
يكاد الخصر من لينإذا ما قام ينقدّ
غزال وصله وعدولكن هجره نقد
كأنَّ الورد من أهوىدنوُّ بعده بعد
فلا ذاك له ودٌّولا هذا له عهد
ومالي منه إذ واصــل أو قاطعني بدُّ

وأنشدني عبد الكريم بن الذكي/ أ/ بن شبانة الحظيري المعلم قال: أنشدني أبو الدرّ لنفسه يمدح أهل البيت –صلوات الله عليهم-

دعا عذلي وكفّا عن ملاميفعذل عوذالي يغري غرامي
وكيف يرام صرفي عن هداةبهم عرف الحلال من الحرام
ليوث كريهة وغيوث محلبدور هدى مصابيح الظَّلام
بهم فيي يقظتيي شغفي ووجديوذكرهم سميري في منامي
إذا ما شئت أن تمسي وتضحيعريًا من ذنوبك والأثام
فزر بمدينة الزَّوراء موسى الـإمام بن الإمام بن الإمام
وأمَّ بأرض سامرّا وطوسقبور أئمَّة غرر كرام
وقف بالطَّف وابك بكربلاءعلى ظمانهًا والماء طامي
وعذ من كلِّ نائبة وخطببحبِّ أبيهم البطل الهمام
وحي بيثرب أجداث قومهم خير البريَّة والأنام
فما خابت مساعي مستجيرتمسَّك منهم ذيل الذمِّام

وأنشدني أبو عبد الله الحسين/ ب/ بن عربشاه بن عبد الوهاب البغدادي قال: أنشدنا أبو الدرّ الرومي لنفسه:

فؤادي على مرِّ الزَّمان متيَّموصبري ووجدي ظاعن ومخيِّم
أيا جنَّتي غادرت بالبعد في الحشاجحيم أسى نيرانه تتضرَّم
ألست من الولدان أحلى شمائلاًفكيف سكنت القلب وهو جهنَّم؟
للشاعر ياقوت الرومي، اقرأ القصيدة
نفرتم فنفَّرتم رقادي ببينكموثوَّرتم الأحزان يوم أثرتم
إذا ما خلت منكم منى لا خلت منىولا جادها جون من المزن مرزم
أنادي مناديكم وقد عزَّ عنكمعزائي ألا لا أوحش الله منكم
ربيعي جمادى مذ نأيتم ومنزليبه صفر منكم ونومي محرَّم
جفا الغمض جفني والكرة بعد بينكمكأنَّ الكرى طيب وجفني محرَّم
ظننتم وبعض الظَّن إثم بأنَّنيسلوت هواكم والسُّلوُّ مذمَّم
هواكم يقين والسُّلوُّ توهُّموأين من الأمر اليقين التَّوهم
أنا ذلك الصَّب المعنَّى بحبكموأنتم وإن خنتم عهودي أنتم

عبد الرَّحمن بن بدر بن الحسن/ أ/ بن المفرِّج، أبو محمَّد النابلسيُّ، المنبوز بمدلويه:

أحد الشعراء المعروفين، والفضلاء الموصوفين، كثير الشعر، نبيه الذكر، ذو نظم مستجاد، أحسن في إنشائه وأجاد، يجمع السهولة والمتانة والعذوبة والرصانة.

امتدح الملوك من بني أيوب، ملوك الشام، وأكرموه لفضل أدبه غاية الإكرام، ثم غيرهم من الأمراء والقضاة والوزراء والولاة، تأدّب على الإمام الأديب أبي اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي البغدادي النحوي، وقرأ عليه كثيرًا من مسموعاته، واشتغل في صباه على الشهاب فتيان بن علي الأديب الفاضل الشاغوري، ورحل إلى مدينة السلام، وقرأ بها المقامات الحريرية على أبي الفضل منوجهر بن محمد بن

تركانشاه البغدادي الكاتب، عن مصنفها، واتصل بأخرة بالملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب دمشق، ولم يزل منقطعًا إليه إلى أن توفي بدمشق، يوم الجمعة في العشر الأولى من ذي الحجة/ ب/ سنة تسع عشرة وستمائة، عن ستّ وستين سنة، وكانت ولادته في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.

وكان مشغوفًا بشرب الخمر، مفتونًا بها، منعكفًا عليها، إلى حين مماته، وكان نزقًا، مرّ المذاق، شرس الأخلاق، جافي الطباع، غليظ الجواب، يخاطب من يستنشده شعره خطابًا بشعًا، ولا ينشده من شعره غير مرّة واحدة، كذا كانت شيمته مع الناس، وكان يحتمل لفضله وموضعه من الأدب، وديوان شعره يدخل في مجلدين كبيرين.

أنشدني أبو بكر محمد بن نصر الله النابلسي الشاعر قال: أنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن بدر النابلسي لنفسه، يمدح الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذى –﵁

زار وسيف الصَّباح مسلولواللَّيل ملقى لديهمقتول
معفر خدُّه ومن دمهقان على المشرقين مطلول
والأنجم الزُّهر في مواكبهامنهزم داهش ومذهول
/ أ/ كأنَّها والصَّباح يلفتهاقسرًا إلى الغراب أعين حول
فالنَّسر يهوي كأنَّه ملكوللثُّريا عليه إكليل
والرٌّمح رمح السِّماك منحطم الــقناة والحدُّ منه مفلول
والقطب قطب الشَّمال معتقلفي أوجه كالأسير مكبول
وقد تغنّى لجاشريتهديك له في الغناء ترتيل
حيَّ على مجلس الصَّبوح إذاكان له بالصَّباح تكميل
زار وقد رنَّحت شمائلهراح بها راح وهو مشمول
أهيف عذب الرُّضا قامتهوثغره عاسل ومعسول
قام ينادي وعطفه ثملوطرفه بالنُّعاس مكحول
قم يا نديمي إلى الصَّبوح فماعذر مخلِّي الصَّبوح مقبول
نشرب في بيعة بساحتهاتتلى المزامير والأناجيل
بين قوس كأنَّ أوجههملدى محاريبهم قناديل
على عذارى ملحور بهجتهامن النَّصاري بيض عطابيل
أوانس أنطقت مناطقهاوأخرس السُّور والخلاخيل
تحسبها والقباب تحجبهاهياكلاً بينها تماثيل
/ ب/ ومن بني الرُّوم شاذن غنجحلو مكان الوشاح مجدول
مكتحل بالفتور ناظرهولم يجل في جفونه ميل
لشعره الجعد فوق غرَّتهكما لعزمي لديه ترجيل
مزنًّر راق عقد مبسمهفعقد صبري عليه محلول
يقرأ للحسن فوق وجنتهسطر بشكل الجمال مشكول
ولاية وقَّع العذار بهالكنًّ والي العذار معزول
فامدح مليكًا تبقى ولايتهما مدَّ يحكي نواله النِّيل
خير فتى يمَّمت مواهبهعلى النَّوى البزَّل المراسيل
وانقلبت عن نداه يثقلهامنه القناطير لا المثاقيل
الملك الأروع المظفَّر منلمجده في العلاء تأثيل
نجل الألى منهم الأكاسرة الأنــجاب والسَّادة البهاليل
هم المناسب في مناقبهموجلُّ من في الورى مجاهيل
لله منهم هاد إلى سنن الــرُّشد إذا عمَّت الأضاليل
غيث ولكن سحابه يدهليث ولكن يراعه الغيل
كالسَّهم عزمًا والسَّهم منصلتوالسَّيف رأيًا والسَّيف مصقول
/ أ/ بحر نوال عذب الموارد لايقدر عرض له ولا طول
يسبق إحسانه الوعود فإنأوعد فالعفو منه مأمول
مطلق باع النَّدى لسائلهساعة باع الكريم مغلول
يصان بالمال مجده فكم الـمال لديه مبذول
ومنشر العدل في البريَّة فالظُّلــم قد اغتال ذكره غول
ولابس العزِّ ذيل أنعمه الضَّافي على الخافقين مسدول
تحمل أمواله كرائمهوللنَّدى حامل ومحمول
إذا ملوك تكلَّفوا كرمًافهو على المكرمات مجبول
يا طالب الرِّفد بابه فبهللمعتفي حظوة وتنويل
مل نحو ظلٍّ لكلِّ مفتقرمال إليه غنى وتمويل
مولي الأيادي مولى الملوك تقــيِّ الدِّين لا خاب فيه تأميل
ملك له في عفاته نعملها عليهم برد وتظليل
كماله في عداته نقمترميهم طيرها الأبابيل
فجنَّة الخلد في رضاه لمنشاء وفي السُّخط منه سجّيل
حبر إذا سوجلت فضائلهحار لها سائل ومسؤول
/ ب/ ينطق فصل الخطاب واليقظ الــمدرة عن الجواب مذهول
ويوسع الحلم والرَّضانة إذحبل ثبير بالطَّيش موصول
خرق أقلُّ النَّوال من يدهفيه لجود الغمام تبخيل
قرم إذا أغمد الظُّبا خورفعرفه كالقضاء مسلول
حيث لحدِّ العضب المهنَّد فيخدِّ الشُّجاع الكميِّ تقبيل
يقدم في الرَّوع كالأتيِّ وللضَّــرب بهام الكماة تنكيل
ساعة ذو الجأش دمعه طلقوعقله كاليدين معقول
فكم له وقفة على غررلا ينقضي ذكرها وتحجيل
ورتبة ما استوى الأجل الحتــم بها من يشاء مثكول
كان لدين الهدى بساحتهاعزٌّ وللمشركين تذليل
أفرط فيما ينيل من كرمحتَّى النَّدى من يديه مملول
وجاز في البأس حدَّه فلذًاتحار في وصفه الأقاويل
فهارب لم يلذ بساحتهلحم بناب الخطوب مأكول
وغالب لم يصل بنصرتهعلى صروف الزَّمان مخذول
/ أ/ قضى بتفضيله الحسود وللــفضل بهذا القضاء تسجيل
وأطرب المدح في علاه كأنيسمع منه آي وتنزيل
فهو نبيٌّ للمكرمات وماأتاه بالمعجزات جبريل
يا عمر العدل ما لذي أملفي الأرض إلا عليك تعويل
يا من إذا أربع العلا درستفربعه بالعلاء مأهول
دان لأيّامك البقاء فلايرى لنعمى عليك تبديل
وعشت ما غرَّد الحمام وماحنَّ مشوق وأن متبول
فارغ قلبه من الهموم ومنيشناك بالحادثات مشغول
لا جيل يبلي الزَّمان جدَّتهإلاَّ ويفديك ذلك الجيل

وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن أيوب ابن شاذى –قدّس الله روحه- وهي تقرأ وزنين وقافيتين:

بدر دجى نوَّر ليل السَّفر أم شمس ضحىجلت دياجي الظُّلم
أم واضح الغرَّة بالحسن بدا متَّشحابكى المحبُّ وابتسم
/ ب/ لاح فغضَّ طرفه من لمحبِّيه لحايقرع سنَّ ذي ندم
معتدل يميله الدَّل صبًا ومرحاوجائر إذا احتكم
معربد سكران من خمر الدَّلال ما صحامسكر عذب المبتسم
صيَّر جسمي في هواه بالسَّقام شبحاوجوده يحكي العدم
وغادر الدَّمع لطول هجره منسفحاممتزج الماء بدم
كأنَّما جدوله جدوى الصَّلاح سمحابه يداه للأمم
من عرفه وعرفه الرَّوض إذا ما نفحاضاع أريجًا وفغم
ومن نداه ويداه للغمام فضحا وأزرياعلى الدّيم
ومن صيال بأسه لصوله الأسد محاأسد العرين والأجم
كعبة جود فاز من طاف بها أو انتحىفهي من الدَّهر حرم
ما زارها ذو حزن إلا وعاد فرحامبرًا من كلِّ هم
عاد بما أمَّل غاد صدره منشرحايحمد محمود الشِّيم
طاف بباب لم يزل لسائل مفتَّحالا بل لعرب وعجم
ينهلُّ للعافي نداه منحًا فمنحاوينهل العاتي سقم
يسقي الموالي خمر جود قدحا فقدحاويسكر الأعداء سم
/ أ/ مرتديًا برد الجلال بالعلا موشَّحاله من المدح علم
لو عدله في الذِّئب والشَّاء عدا لاصطلحاواطَّرحا ضغن القدم
محمَّد من لم يزل من الورى ممدَّحاسامي العلا خلاه ذم
يسمح طبعًا إن يجد ذو كرم تسمُّحافيا له من ذي كرم
أيُّ حسام لم يفل حدَّه مجرّحاوأيَّ داء ما حسم
أيُّ غنى لم يبنه لسائل مجترحاوأيَّ فقر ما هدم
أربح من تاجره بشعره ممتدحاوحاز ما شاء وضم
وكيف لا يرجع من أمَّ حماه مربحايرفل في ثوب النِّعم
قريب إيراء زناد جوده مقتدحابعيد عزم وهمم
تدو من آرائه على أعاديه رحىينقض منهم ما انبرم
ملك ترى الملوك ما بين يديه سرحاتجرُّ أذيال الخدم
لو وزنت نداه بالبحر ندى لرجحاعلى ندى البحر الخضم
أو ناضلا أحدًا ورضوى حلمه تطحطحاواثناهما طود أشم
يخدمه الإقبال والسَّعد ألا لا برحاله عبيد وخدم
يا من يقرُّ ضدُّه بفضله مصرَّحاإن حاسد فضلاً كتم
/ ب/ إلمح تجد من غرر الآداب فيها ملحايفض عنها كلُّ فم
لو أعجميٌّ ذاقها سمعًا لعاد مفصحاينثر درًا إن نظم
تلذُّ للسَّامع إذ يسمعها مفتتحاكما تلذُّ مختتم

وله وقد رأى بين يدي الملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي بن يوسف صبيًا حسن الصورة، بديع الحسن، بين عبدين أسودين، شنيعي الخلق:

لله من عاينت عيني محاسنهيومًا فعوذته بالله من عيني
يختال كالغصن تيها في تمايلهما بين عبدين لون اللَّيل علجين
فقلت والشَّوق يطويني وينشرنيلم ألق قبلك صبحًا بين ليلين
فمرَّ يضحك من قولي وقال بلىكم قد رأى النَّاس سعدًا بين نحسين!

واقترح عليه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب –قدس الله روحه- بمرج عكّا، ما يعتذر به عن الشيب، أنه ليس بوهن، ولا ضعف، ولا كبر، فقال:

/ أ/ يا من لآيات شبابي في الهوى تأوَّلت
ما شيبة قد فعلتبلمَّتي ما فعلت
لكنَّها نار شبابي قويت فاشتعلت

وقال أيضًا:

لا تنكري رأسي عن ريبةولا تظنّي أنَّه أشيب
فإنَّه في مفرقي العنبر ابــيضَّ وخير العنبر الأشهب

وقال أيضًا في معناه، وفيه لزوم ما لا يلزم:

رأت بليل لمتيكواكبًا قد طلعت
وأوقعت في نفسهامن كبري ما أوقعت
وإنَّها دليل أيامشبابي لو وعت
فآية اللَّيل إذازهر النُّجوم اجتمعت

وقال أيضًا:

لئن شاب رأسي قبل حين مشيبهوذاك من الأيَّام غير عجيب
فمن بعد أوطاني وقرب صبابتيووصل علاقاتي وهجر حبيبي
/ ب/ وإن تهجر السُّود الغرايب لمَّتيفلي سؤدد في المجد غير غريب
وإنِّي لأغنى عن شبابي بهمَّتيويغني وقاري عن بياض مشيبي
فإمَّا تريني نازعًا عن غوايتيأنادي من الأحباب غير مجيب
فقدمًا أرى والغانيات يريننيبعين مريد لا بعين مريب
شفيعي نضار عندها ونضارةتحلُّ ويحلو في طللى وقلوب

وكتب إلى الملك الأفضل نور الدين، وأشار في ذلك إلى بعض كتابه:

قف بجناب الملك الأفضلوناد يا ذا الشَّرف الأطول
إصرف طويسًا إنَّه كاتبيراعه أحصد من منجل
واحذر على ملكك من رجلهفكعبه أقلع من معول
ألا ترى قبلك آثارهفي السَّلف الأوَّل فالأوَّل
فاقبل وأبعده وإلاَّ فعنقرب ترى إن كنت لم تقبل

وكتب إلى هذا الكاتب:

لا توحشنَّك سطوتيإنِّي نحيف الجسم بالي
فالنَّجم تنظره صغير الــجرم من فرط التًّعالي
/ أ/ والشَّمس وهي الشَّمس في الـأفلاك تكسف بالهلال

وقال غزلاً:

وأهيف يخزي الغصون قدُّه إذا انثنى
ويفضح الظَّبي إذاأتلع جيدًا ورنا
لم يره طرف امرئفي النَّاس إلاَّ وزنى
قلت له ممازحًاوقد دنوت ودنا
في ليلة لوصلهنبذت فيها الوسنا
لو طلع البدر لكان ضوؤه آنسنا
فقال لي مبادرًاويك وما البدر أنا؟ !

وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العز قال: أنشدني أبو محمد لنفسه عند الكبر:

أرى النَّاس يستعذبون الحياةوغايتهم أن يصيروا رفاتا
فمن دبَّ شبَّ ومن شبَّ شابومن شاب مات ومن مات فاتا

وقال مثله:

/ ب/ وساحر المقلة في حبِّهعصيت لوَّامي والعذَّلا
ناديته لمّا أبى في الهوىإلاَّ صدودًا إذ نوى أو قلى
يا راجلاً بالكره عن ناظريتطيق عن قلبي أن ترحلا

وقال أيضًا:

وغزال بات معتنقيآنسًا بي غير ذي فرق
ظلت من وجد بزورتهلاثمًا للخدِّ والعنق
والدُّجى من لون طرًّتهقد تردَّى حلَّة الغسق
وهو والبدر المنير وقدتمَّ بدر التمِّ في نسق
فتخيَّلت الفراق فلمأستطع صبرًا ولم أطق
وجرى من أدمعي غدقفاض حتّى خاف من غرقي

وقال أيضًا، وأنشدنيه عنه أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الصّفار الشيباني الدمشقي:

/ أ/ أما وأجفانك المراضإنِّي بما ترتضيه راضي
كم فيك للحسن من معانترتع منهنَّ في رياض
بسطت كفّي إليك أبغيحسنى فما زلت في انقباض
وسيف جفنيك من فتورفما له في القلوب ماضي؟
يا ماطلي في الهوى ديونيما آن أن تحسن التَّقاضي
قد كنت في الحبِّ ذا انتصارلو أنَّ للعاشقين قاضي

وقال أيضًا، وأنشدنيه أبو الفتح عنه:

يا للهوى هل فيكم مسعديقرضني الصَّبر فقد أعوزا
أصبحت من وجدي في مأتمقد خانني الصَّبر وعزَّ العزا
وما رزاني الدَّهر لكنَّهريم من الرُّوم لقلبي غزا

وقال غزلاً:

طبعت على دين الوفاء وشرعهفما شيمتي للغدر أن أتطبَّعا
فيا يوسفيَّ الحسن لم غصن قدِّك الررطيب بوصل لا يرى قطُّ مونعا
لقد أفرغت فيك الملاحة وسعهاوصاغك صواغ الجمال فأبدعا
/ ب/ وملّكت أهواء النُّفوس فكلُّهاتجيب إّا داعي هواك به دعا
فديتك لا أنفكُّ أودع مهجتيلديك ولا ألفاك إلاَّ مودِّعا

وقال أيضًا:

يا من عيون الأنام ترقبهرقبة شهر الصِّيام والفطر
وإنَّما يرقب الهلال فلمترقب بعد الكمال يا بدري

وقال في مملوك له:

وشادن كالغصن فيرشاقة وهيف
والظَّبي في طرف يجيء سحره بالطُّرف
والبدر في كمالهوليس بالمنكسف
حفَّ إلى أمر علىحسِّي المعنَّى ما خفي
فقمت في ضربي لهكالخابط المعتسف
وكدت أن أتلفهوكان أيضًا تلفي

وقال أيضًا، وأنشدنيه عنه أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب/ أ/ الشيباني الدمشقي بها في أوائل المحرم سنة أربعين وستمائة:

أدرها على برد النَّسيم فإنَّهالداء همومي يا نديم دواء
مشعشعة للشَّب منها إذا دجاصباح منير مسفر وضياء
سطت فهي نار في العقول وإنَّهاولا شكَّ في عين الحقيقة ماء
تخال إذا فضت ختوم دنانهامجامر فيها عنبر وكباء
وتحسب من فرط الصَّفاء كؤوسهافوارغ منها والكؤوس ملاء

وقال يصف الشراب الأصفر:

ومدامة صفراء فاقع لونهايجلو سناه دجى الظَّلام الرَّاكد
بزغت على ندمانها فرأيتهممن راكع صعق وآخر ساجد
صفراء كلّلها فريد حبابهابتمائم من درِّه وفرائد
مسكيَّة النَّفحات تحسب نشرهاأنفاس ما اشتملت عليه قلائدي
لم تدن من شفة امرئ إلاّ شفتهمًا يدين لقربها بتباعد
فكأنَّها ويد المزاج تشجُّهانار تسعَّر بالزُّلال البارد
وكأنَّها والكأس محدقة بهاذهب مذاب في لجين بارد

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.