تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد الرحمن (٢)

/ ب/ وقال أيضًا، وأنشدنيه عنه أبو الفتح نصر الله بن أبي العز ابن أبي طالب الشيباني الدمشقي، في سنة أربعين وستمائة، في المحرم:

إشرب على الورد الجنيِّ مدامًةتجنيك أثمار المني صهباؤها
ذهبيَّة لهبيَّة لطفت فمافي الكأس إلاَّ نورها وبهاؤها
نار ولكن في الكؤوس ضرامهاشمس ولكن في النُّفوس ضياؤها
لا عيش غير صبوحها وغبوقهالا عمر إلاَّ صبحها ومساؤها
نهّابة لهمومنا وهَّابةأبدًا مسرَّات النُّفوس عطاؤها
ورد وورد مدامة تشفي الجوىحتم عليَّ ولاؤه وولاؤها

وقال غزلاً، وأنشدنيه أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب عنه:

/ أ/ ومهزوزة الأعطاف أمَّا قوامهافرمح وأمَّا طرفها فحسام
حكت رشفات من لماها وأسكرتولا غرو شهد ريقها ومدام
وصحَّت مرامي لحظها في قلوبناوإن كان فيها فترة وسقام
أحلَّت دم العشَّاق وهو محرمفلم وصلها وهو الحلال حرام؟

وقال أيضًا:

وليلة قضيتهامن اللَّيالي الغرِّ
يسَّر فيها من أحبــب للوصال أمري
خريدة قد كحلتأجفانها بسحر
تبسم عن مثل الذيتقلَّدت في النَّحر
بيضاء صبح وصلهامن مزَّق ليل الهجر
تسفر عن وجه لهتأنواره بالبدر
وتستبي بمنطقله فعال الخمر
فإن بدت فقمروإن شدت فقمري

وقال أيضًا:

من لي بفاترة الجفون غريرة نشوى المعاطف
/ ب/ هيفاء مخطف خصرهاإذ ينثني للعقل خاطف
ما اهتزَّ رامح قدِّهاإلاَّ وفي الأجفان سائف
كم رمت عنها سلوًةوالعطف لي عن ذاك عاطف
يا ليتني يومًا لوردة خدِّها باللَّحظ قاطف

وقال في غلام له، لعب معه بالنرد وغلبه، فبدا منه ما ضربه عليه:

وشادن نادمتهوقد تجنَّى وعتب
وقد لعبنًا ندبًافناح منه وندب
في قبله منه ومنِّـي إن غلبت في وهب
فقال لي بغيظةوقلبه قد التهب
وعقله لغلبهقد بان عنه وذهب
تضربني وريقتيتصفع بالنَّعل الضَّرب؟ !
علام ذا يا مالكيقلت على سوء الأدب

وقال أيضًا:

علَّم الغصن التَّثنِّيقمر حلو التَّجنِّي
غصن ثمر الأمانيمنه لا تجنى ويجني
/ أ/ خلته لما تبدَّىالشَّمس في حلَّة دجن

وقال أيضًا، وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العز الشيباني قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:

حوت الجمال بأسرهفقلوبنا في أسرها
وتقلَّدت فحسبت مافي نحرها في ثغرها
هيفاء صبح وصالهاأنسى ليالي هجرها

وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب قال: أنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن بدر النابلسي لنفسه:

ومعربد الأجفان صرف الرَّاح فيفيه فمائس عطفه كيف انتشى
رشأ يعار الرُّمح هّزة قدهويغار غصن البان منه إذا مشى
في خِّده ماء ونار أسكنالصدوده في ناظريًّ وفي الحشا

وأنشدني قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:

/ ب/ وساحر بالفخِّ فيحبَّة قلبي نفثا
شمس ضحى جنــاه والصَّد عثا

بدر دجي حفظت عهـ ـ- حبِّه إذ نكثا

ما بعث الطيف ولــكن يتلاقى عبثا
يا حسنه لو رقَّ ليمما أقاسي ورثا

وقال أيضًا:

يا عتب حمَّلت المتيَّمفي الهوى ما لا يطيق
وتركته سكران منخمر الصَّبابة لا يفيق
فعلت به عيناك مالا يفعل الخمر العتيق
ورحيق ثغر في حشاي على ترشُّفه حريق

وطار بأوطان تضمنَّها العقيق

لولا عقوقك ما جرىدمعي ولؤلؤه عقيق
ولقد فرقت وقد تحمَّـل نحو كاظمة الفريق
فحشا تذوب ومقلةبالدمع ناظرها غريق

وقال أيضًا:

/ أ/ أيُّ بريق ومضاهيَّج وجدي ومضى
غضَّ من الطَّرف وأذكى في الحشا جمر غضا
يا ظالمًا للعهد منبعد الوفاء نقضا
أصبح في حبّكمجوهر جسمي عرضا
غادرتموني لسهام البين منكم غرضا
إذا رضيتم بالجفاقتلي فصبرًا ورضا

وقال أيضًا، وأنشدنيه أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الشيباني الصفار الدمشقي في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:

وساحر الطَّرف أغيدلدن المعاطف أملد
مثل الهلال تجلَّىوكالقضيب تأود
ريم يصدّ بعينــه ......... أصيد
/ ب/ الخمر من فيه تجنىفطرفه كيف عربد
ظبي شرود ونوميعنِّي به قد تشرَّد
أذاب بالهجر قلبيفمدمعي كيف يجمد
وسنان وكِّل طرفيبرعي نجم وفرقد
فلا أسرُّ بنومولا أقرُّ بمرقد

وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:

أقاسي من صدودك ما أقاسيوقلبك لا يزال عليَّ قاسي
وعهدك ذكره أبدًا سميريوأنت مضيِّع للعهد ناسي
وما مثِّلت لي وشربت إلاَّمزجت بدمعي المنهلّ كاسي
تحكَّم فيَّ ما تهوى وغادرسقامي لا تداركه الأواسي
فمهما تأتني من فعل سوءفمحمول على عيني وراسي

وقال أيضًا:

قل للحبيب الهاجريوالواصلي خياله
يا غصنًا جاد علــيَّ في الهوى اعتداله
/ أ/ وبدر تمٍّ لم يزليشيبني جماله
فديت منك هاجرًادلاله إدلاله
فليس يرجى من جميــل وجهه إجماله
مهفهف يخال منحبة قلبي خاله
خيَّبت فيه أمليلا خيِّبت آماله

وقال أيضًا:

زار الحبيب فقلت أهـلاً بالحبيب ومرحبا
ونايت عنه مهابًةفدنا إليَّ تقرُّبا
وسألت منه قبلًةعند الدُّنو فما أبى

ورشفت مبسمة فكا ن من المدامة أعذبا

فرأيت يومًا مذهبًاللهمِّ رغدًا مذهبا
وعهدته متجرِّمًامتجنِّيًا متجنِّبا
فظللت أظهر حيرًةفي أمره وتعجُّبا
فرنا إليَّ مغازلاًوشدا بلحن أطربا
/ ب/ إنِّي بليت بما بليــت به فصرت مهذَّبا

وقال يستدعي صديقًا إلى مجلس الشراب، وفيها لزوم ما لا يلزم:

فديتك مجلسي عطل فأنعمفإن أنعمت عن عجل تحلّى
ولي من وجهك الميمون [بدر]وأحسن ما يكون إذًا تجلّى
وعندي قهوة كالمسك ريحًاوحاشا أن يناسبها وكلاّ
وشاد شادن لو أنَّ [عيسى]تمثله لصام له وصلَّى
وقد صلبت إلى لقياك روحيفأدركها تجد بردًا وظلاّ
فسهمك في المكارم والمعاليعلى طول المدى السَّهم المعلَّى
وعجِّل مسرعًا من غير بطءتحز شكري الَّذي تهوى وإلا

وقال يشكو قلة الإنصاف في العشرة، وعدم الصديق:

نادمت روحي وراحيومنزلي وغلامي
إذ لا نديم عليهايخلى من الإيلام
/ أ/ من كلِّ مجنيك شهدًابالقول خافي السِّمام
لئيم طبع فما إنيخشى مضيض ملام
فكان منها سراجي الــوهَّاج عند الظَّلام
وكان منها شميميالضَّواع عند اشتمامي
أجل وكان قعوديلكاسها وقيامي
ولا يزال عليهاتحيَّتي وسلامي
فيا ابنة الكرم من ليعليك بابن كرام
عليه أعقد في الودِّ خنصري وبهامي
هيهات لا في عراقهذا ولا في شام
ولا من العرب يلفىولا من الأعجام
ولا أرى من صديقخياله في منام

وقال أيضًا:

قتلتني بسحرها الألفاظوسبتني بغنجها الألحاظ
وحبيبي أغنُّ أغيد مازال عند نومه استيقاظ
فإذا نام عامدًا لوصالبرحت بي وشأنه الإيقاظ
/ ب/ هو لي جنَّة ولكن بقلبيمنه في حالة الصُّدود شواظ
رقَّ لي قلبه ولكن بلائيرقباء في حبِّه أغلاظ

وقال غزلاً:

من لصبّ بحلوة الــقدِّ مهضومة الحشا
كالغزال الغرير في الــلحظ والجيد كالرَّشا
تخجل الغصن في التَّثنــني إذا قدُّها مشى
وتعير السُّلاف سكـرًا إذا طرفها انتشى
وتغير البدر المنيــر تجلَّى بعد العشا
فلها حكمها علىعاشقيها كما تشا

وقال أيضًا:

إن نقضتم فإنَّني حافظ العهــد وإن خنتم فلست أخون
أيُّها المعرضون بالودِّ عنَّالكم في الحشا مكان مكين
لست أرتدُّ عن هواكم لدينحبُّكم شرعة لقلبي ودين
لا تبيعوا بالغدر ودِّي وحبِّيإنَّني بالوداد عنكم ضنين
لي قلت أضحى بقبضة عينيـك وتستملك القلوب العيون

/ أ/ وقال أيضًا:

يا من جنى ولحاسديمن وصله الثَّمر الجني
من سقم جفنك قد سقمــت فعد كما أمرضتني
إنِّي الفقير إلى لقاك وأنت عن هجري غني

وقال وقد تفكر [في] أحوال الدنيا:

ما لي أحاول علمًابالغامض المكنون
الأمر أعظم حالاًمن هاجسات الظّنون
وهل أنا غير خلقمن الحما المسنون؟

وقال غزلاً:

ريقك العذب الفراتوثناياك النَّبات
وإذا ما متَّ بالبيــن فلقياك الحياة
يا غزالاً غزلي فيــه تهاداه الرُّواة
لا يرى يومًا لشمليــنا مدى العمر شتات
تغفل العذَّال عنّاويوالينا الوشاة

وقال مثله:

/ ب/ لي حبيب إليه منه المعاذكبدي من صدوده أخّاذ
ما لقلبي من طاقة بتجنّيــه ولو أنَّ قلبي الفولاذ
صار دمعي وبلاً عليه وقدمًاكان يجري عليه وهو رذاذ

وقال أيضًا:

وشادن رأيتهوحوله النَّاس زمر
كأنَّه البيت لمنحجَّ إليه واعتمر
فقلت هل أحدوثةتتلى عليكم أو تمر
فقيل لا بل عجبننظر في الأرض قمر
فقلت لي فراسةإن صدقوا فهو عمر

وأنشدني القاضي الأمين الأجل، بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب أيده الله تعالى –بحلب المحروسة قال: أنشدني عبد الرحمن بن النابلسي لنفسه مبدأ قصيدة يمدح بها الملك الظاهر غياث الدين –رحمه الله تعالى-

/ أ/ جار عليه البين لمَّا حكمافلم يدع من نفسه إلاَّ الذِّما
وهكذا حكم الفراق دائمًاما سئل الإنصاف إلاَّ ظلما
أحبابنا لا لذَّ طرفي بكرىإن كان مذ فارقتموه هوَّما
وإن رقت جفونه من بعدكمفلا جرت دموعه إلاَّ دما
أو نظرت إلى سواكم نظرة الــمحبِّ عاث في ماقيها العمى
لا وهواكم ما السُّلو خاطربخاطري وجلَّ [هذا] قسما
ولا حمى عن ناظريَّ نومهاإلاّ كم يا ساكني روض الحمى
يا للهوى هل فيكم متيَّميرحم منِّي عاشقًا متيَّما
ينشدُّ قلبي للغضا فإنَّهوالصبر يوم البين منِّي عدما
واعجبًا طلَّ طلا الخيف دميهيهات لو لم ينتظر تلك الدما
رنا من التُّرك غزال أغيديصبي ويصمي إن رنا وإن رمى
يرمي سهامًا من فتور لحظهوراش من هدب الجفون الأسهما
حلو اللَّمى مرُّ الصُّدود والقلىأبيض يجلي الأسمر المقوَّما
لم أعص في حبِّي له صبابًةولا أطيع ما حييت اللُّوَّما
بدر دجى من قبل سهمي لحظهلم تر عيني في هلال أنجما
/ ب/ ولا ظننت قبل ما لثمتهبأنَّ درًا حلَّ عذبًا شبما
منعم لو نسمت ريح الصَّباوهنًا أذابت جسمه الممنعًّما
راق روقَّ خدُّه فلو سرى الــوهم على وجنته تألّما
يعقِّد الصُّدغ إذا سلسلهرأيت منه عقربًا وأرقما
أصبح وهو في الجمال ملكفكيف للفتنة أمسى صنما؟
أطلب ريَّا من رضاب ثغرهوكلَّما رشفته زدت ظما
كذا اللَّمى المعسول يستشفي بهمن حرِّ وجد من يريد [الألما]
واستطبُّ نظرًة من طرفهوقلَّما يبري سقيم سقما
يريك منه التِّيه قلبًا كافرًالا يعرف العطف وعطفًا مسلما
كما يريك وصله الجنَّة والـمزيد من هجرانه جهنَّما
كالملك الظاهر إن صان وإنصال استهل أنعمًا ونقما
مولي الأيادي مشرقًا ومغربامولى الملوك عربًا وعجما

عبد الرَّحمن بن عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص بن الصَّفراوي:

كان أحد أجداده/ أ/ من موضع يقال له الصَّفراء، قريب من مدينة النبي ﷺ.

وكان من أعلم الفقهاء المالكية في زمانه، رأسًا في الفقه، وفي غيره من العلوم الدينية، وكان مفتي الإسكندرية في وقته، وسمع الحديث النبوي كثيرًا، مع نظره في علم الأدب واللغة، ومعرفة القرآن والقراءات والتفسير، وتشدُّ إليه الرحال في زمانه، وصنف كتابًا في علم القرآن سماه "العنوان".

وخبّرت أنه توفي سنة أربع وثلاثين وستمائة ولي منه إجازة كتبها إليّ من ثغر الإسكندرية، وأنا مقيم بإربل –رحمه الله تعالى-.

قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد بن الصفراوي الإسكندري، يمدح الفقيه الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السِّلفي نثرًا:

[كان] ممَّا ينتقده ديوان المفاخر صحفًا، [ومما] يتقلَّده منكب المعالي مرهفًا، وتقصر عنه أنفاس المدائح، وتستفتح له سرائر القرائح، ويتعين على الأعيان نظمه ونثره في ترصيع لآليء أوصاف سيدَّنا عقودًا، ووشي مناقبه برودا، وتحبير ما ضاق الزَّمان عن حصره انتفاعًا، وتدوين ما لم تبلغ شاو وصفه/ ب/ الشُّهب ارتفاعًا، حتى استوى في العجز عن إدراك حصر أوصافه، والقصور عن الإحالة ببعض أطيافه، اللَّسن المسهب، والمكثار المطنب، والعجز الآخر، والحصر القاصر، إذ كان حافظ نظام الشَّريعة، وخير هذه الملَّة الرفيعة، وبيده حلُّ إحكام هذا الدِّين وعقده، وإليه ألقي نظامه وعقده، فهو عين الَّزمان، وأوحد الأنام، وإمام الأئمة، ولسان السُّنًّة، وإشراق شمس الهداية، وفريد علم الرِّواية:

سمحت به العلياء وهي بخيلةوبمثله من حقِّها أن تبخلا
ألفته رحب الباع آخر سيِّدمنّا وفي سبق المعالي أوّلا
لمَّا سما شرفًا ومحض جلالًةلم يرض منزلة السِّماك الأعزلا
كن كيف شئت فمفضل أو فاضلومتى ارتقيت إلى المديح تبدَّلا
كم بين من فنيت محابر أمَّةفيه وبين من اسمه لن ينقلا
ومدائح الفقهاء فيه يزيدهمشرفًا ول يخشون منه تبذُّلا
والسّيد الندب البصير مميزبين القريض المجتنى والمجتلى

/ أ/ سيِّد عمَّ نواله، وغمر إفضاله، وأشرق زمانه، وأغرق إحسانه، وفاح روضه، واستفاض فيضه:

ليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

وليس بغريب للبحر الزَّاخر، والبدر الزَّاهر أن ينعم الأنام نداه، وتهتدي الكافَّة بشمس هداه، جاد به هذا الثَّغر على الثغور، وزها به هذا الدَّهر على الدُّهور، فكأنَّما نشاهده قسُّا في الفصاحة، وسحبان في البلاغة، ولبيدًا في اليقظة والبراعة، والسَّلف الصَّالح في السُّنَّة والجماعة، وتنظر منه إلى معاوية حلمًا، وشريح حكمًا، وحاتم كرمًا، والمبرِّد قلمًا، ومالم إتقانًا، والشافعيِّ برهانًا:

جمعت فضائل من مضى في واحدفرد فعبَّر عالم عن عالم

فكم من مشكلة أوضحها، ومعجمة أفصحها، ومعوجَّة صحَّحها، ومنيحة منحها، أرضع الأفهام سلسبيل العلوم، وهذَّب القرائح بمعرفة المنثور والمنظوم:

وإنِّي وإن كنت البخيل بأن أرىمرصِّع مدح في فتى أو منظِّما
/ ب/ وأمزج جاه العلم بالشِّعر مرًةولو كنت منه بالسِّماك مخيِّما
أرى مدح صدر الدِّين أحمد شيخنامبدًّى على كلِّ العلوم مقدَّما

شهرته بعلوِّ الأسانيد، والعلوِّ في معرفة المراسيل والمسانيد، والعناية بحفظ الآثار، والتَّبصُّر في الأخبار، محيل الشَّمس شمعًة،

والأسد ضبعًة، منه يستمدُّ فقهاء الإسلام، وأئمَّة الهدى الأعلام، وهذا الشَّأن لم ينفرد به في هذا العصر، ولا شاتهر به في سالف الدهر:

سوى أحمد النَّدب الذي شهدت لهسعود المعالي بل صدور المحابر
بأنَّ اسمه مازال يتلى ويجتلىعلى كلِّ هضب في رؤوس المنابر

فكم ببابه من ركب نازل، وراكب زائل، وملك زائر، وقمر زاهر، وظافر بمناه، وعارف بنداه، كلُّهم يرتوون من بحر فضله، ويكرعون في منهل جوده المعين:

زره تجده للعفاه إذا طمىبحرًا وللسَّارين بدرًا مشرقا
وإذا امتطى عند الحوادث جسرًةألفيته في الحرب نارًا محرقا

وأمّا أنا فمستضيء بشمس هدايته، ومستظلٌّ بظلِّ عباءته/ أ/ يعينني على المقال، وإن عجز الخاطر عن مدحه واستقال، وعلى الجملة فإنِّي أقول:

ما المجد إلاَّ ما احتواه الماجدعلمًا فإمَّا فاقد أو واجد
والعلم ما شهدت بوافر حظِّهلفظ المحابر لا الأغنُّ الشَّاهد
والعلم موروث النَّبيِّ محمَّدلا يمتري في مثل ذلك جاحد
والصَّدر صدر الدِّين لا صدر الخنًاوالسَّيِّد السَّامي الإمام الناقد
دع عنك فخرًا للجدود وللملالا يبخسنك علاه ربٌّ واحد
المجد ما جنَّ الجنان وعبَّرتعنه سطور أو لسان حامد
ومتى ترد علمًا وفضلاً أو حجىفاقصد محلاًّ للسَّعادة ساعد
من ذلَّت الأيَّام وهي عزيزةبجلاله فهو الأجلُّ الماجد
ومن اغتدى بحر العلوم فلا ترىبذراه إمّا مورد أو وارد
يا أحمد العالي نداء متيَّمبهواك مات بما جزيت الحاسد
ما الفخر إلاَّ ما عقدت لواءهبركات أقوام لهنَّ سوعد
ومقصِّر ومبالغ ومواصلومقاطع ومحاسد ومساعد
فخر الأئمة كم دعاك من امرئدان وكم وافاك قاص قاصد
/ ب/ فأجبت هذا واستمعت مقالهونصرت هذا وهو ليث شارد
والحافظ المفني خزائن مالهبالبذل لا من ماله متزايد
جمَّعت من شمل العلوم مفرَّقًافبك العلوم وأهلها تتزايد
فلكم حديث مشكل إسنادهأوضحته وجوابه متابعد
ومصنفات قد حفظت بها لناأركان دين الله فهي فرائد
وفصاحًة إن عرِّيت عن مشكلفنعتَّها للنَّفس ماء بارد
من كان ينثر في الورى درَّ العلاًنظمت له فيما ينيل قلائد
قالوا الإمام الحافظ العلم الهدىفأجبتهم هو للسَّماح الواحد
هذي مناقبه تبدت في الضُّحىشهبًا وفي الإظلام صبح صاعد
عذب وعضب في النَّدى أو في الرَّدىردء فإما موعد أو واعد
لا يدرك الماشي مفازة راكبلا يستوي من جدَّ لا والقاعد
شمت الكرامعن فضلكم ... وشروق مرآهم إليهم قائد
عزَّت صفاتك أيُّها الحبر الَّذيبيمينه للمكرمات قلائد
ومهابة لله جلَّ ثناؤهوعقيدة تزداد فهي عقائد
ندب لدين الله فيه حراسةوتواضع وتذلُّل وتوجًّد
/ أ/ زهد تبيَّن في تقى فمنامهإن نام إمَّا راكع أو ساجد
علاَّمة بل قطب أعلام الهدىعدد كثير وهو شخص واحد
يا من شرفت به بأعلى منزلإعرف مكاني إن وشى بي عاند
واعلم بأنِّي إن مدحت فمقصديمض الولاء ولي بذلك شاهد
صوني القريض عن الأنام ونظمهلا في سؤال أدله لتشاهد
ولهمَّتي ولأنت تعلم شأنهاتأبى شعار الشِّعر وهي شواهد
لكنَّ من يطريك ليس بشاعرهو عالم بل عامل بل عابد
إن كنت ذا شرف بعلم أو تقىفالشِّعر في علياك عزٌّ زائد
يا من تنوَّع في المفاخر تارًةقمرًا وأخرى بحر علم مائد
وتقسَّمت أوصافه وصفاتهنار تشبُّ وبحر جود
أهديتها هيفاء رودًا طفلًةللطَّيف رقَّتها يلين الجاحد
خذها موشَّحة البرود سنيَّةتدعى قصيدًا وهي فيك قصائد
وليهن عيد النَّحر أنك سالمفلذاك جاد وعطفه يتمايد

وقال أيضًا يمدحه:

لولاك ما بسط المقال لسانيولما تهذَّب خاطري وجناني
/ ب/ ولما غرست فكنت غصنًا يانعًايزهو بمنظره على الأغصان
وأنا الذي في بحر جودك غارققد فزت منه بوابل هتَّان
ألبستني من عزِّ فضلك حلَّةفأنا أتيه بها على الأقران
وإليك يا فخر الأئمة أحمدأعزى ولولا ذاك ضلَّ زماني
ما كنت أوَّل من ألمَّ ببابهفغدا يميس مفوَّف الأردان
لم لا أبوح بشكر ما أوليتنيوأذيعه في السِّر والإعلان؟
وجميل رأيك قد بنى لي سلَّمًاأعددته سببًا إلى كيوان
قالوا وكيف حويت مدحًا يرتقيسنن الأكابر جاء بالبهتان
أتراهم جهلوا غراس مروءةلا والرَّحيم القادر الرَّحمن
ما يعرفون بفيض فضلك فيهمورضاعك الآداب للولدان
ما قال قط صغار من آويتهموكلأتهم كبراء أهل زماني
أم معجبون لشاعر من مصرهمأربى على متباعد أو داني
إن كنت فيهم عالمًا... أو كنت فيهم داعيًا بلساني

عبد الرَّحمن بن أحمد بن القصريِّ:

[من شعره]:

/ أ/ سقيًا لأيامي على حاجرإذ ما على اللَّذات من حاجر
وناظري يرتع في روضةأريضة للزَّمن النَّاضر
وللهوى ربع غدا عامرًابمن سباني من بني عامر
بحسن دلِّ عاد ذلّي بهمن بعد عزٍّ طاهر ظافر
طاب الهوى العذريُّ في حب منأصبح فيه عاذلي عاذري
ظبي من الأعراب أعربت فيعشقي له عن عقلي الوافر
فحسنه الطَّائر ما وكرهإلاَّ سويدا قلبي الطَّائر
قد ضلَّ قلبي فيه حيث اهتدىلرشده يا للرَّشا الجائر
شكوت وجدي وشكرت الهوىفاعجب لشاك في الهوى شاكر
خاطرت في عشقي له جاهلاًفما وهى من نظرة الخاطر
بحسن قدٍّ قدَّ قلبي أسىبلحظ طرف فاتن فاتر
أنا الذي طلَّ دمي عامدًامن مستبيح لدمي هادر
لمّا عتبت القلب في حبِّهأحال بالذَّنب على النَّاظر
وقال هذا الباعث الوجد ليوكنت منه في حمى ساتر
هذا الَّذي أوقعني لحظهفي لجِّ بحر للهوى زاخر
/ ب/ قلبي وطرفي اشتركا في دميالجور من قلبي ومن ناظري
قلبي محتاج إلى قالبوناظري أيضًا إلى ناظر
في هجره أوثر قتلي عسىأخلص لكن بيد الهاجر
وأشتهي طرد همومي بكاسات عقار بيدي عاقر
صفراء لم تنزل بقلب امرئبحادثات الهمِّ من صافر
فهاتها يا صاح واشرب ودعمن لام يبغي صفقة الخاسر
ما طاعتي إلاَّ لمن أمرهيطاع في النَّاهي وفي الآمر

وقال أيضًا يمدح كمال الدين أبا القاسم عمر بن العديم:

وأسمر صرت في هواه قمرلو قامر البدر بالجمال قمر
أهيف ترزي الغصون قامتهبحسن التَّثنِّي إذ تثنى وخصر
قلوب عشَّاقه على خطرمنه إذا ماس معجبًا أو خطر
أحوى حوى مهجتي وتيَّمنيمليح غنج بطرفه وحور
هاروت ماروت في لواحظهالمرضى الصَّحيحات مقلًة ونظر
الرِّدف عبل والخصر مختصرفيه لحتفي والرِّيق فيه خصر
/ أ/ آه عليه ومنه واحرباواعظم وجدي كم ملَّني وهجر
أقسم لو عاين العذول بلاعلم عليه حسن العذار عذر
فجل ناري من جلِّنار بخذيه ووجه كائن أليف قمر
ظبي من التُّرك لست أتركهعشقًا ولو نلت في هواه سقر
فاعجب لملكي وقد تملَّكنيوخلّف أسري وللفؤاد أسر
عقرب أصداغه وحيتَّهاتسعى للسب القلوب وهي شعر
جدَّ بوجدي والهزل شيمتهوصين عنِّي بعفَّة وخفر

خاطرت في حبِّه ولم أدر أنَّ العشق يجني على المحبِّ خطر

فاق جمالاً كلَّ الملاح كمافاق كمال الدِّين الإمام عمر
بالعلم والحلم والسَّماح فقدشيَّد أركان مجده وعمر
الأوحد العالم العظيم تقىوالحبر كاس من العفاف حبر
أحيا لميت العلوم علمًا وأحــيا ميِّت الجود حيث كان غبر
مفتي الفريقين لا يرجع في الفتــيا ومفني الأموال لا بقدر
والله قد خصَّه خصائص ماخصَّ بها قبل في الأنام البشر
/ ب/ علمًا وحلمًا ونائلاً وعلاًوعفَّة نورها عليه ظهر
هذا ابن قاضي القضاة سيِّدناهذا أبو القاسم العظيم خطر
مولاي يا من يولي الجميل لمنوالاه طبعًا منه وحسن نظر
منَّا لك المدح حيث منك لناالمنُّ الذي سيبه العفاة غمر
خذها عروسًا بكرًا أتاك بهاكفوًا بمدحيك قلِّدت بدرر
منسرح بحرها لمنسرح الـجود نوالاً من كفِّه ببدر
واهنأ بعيد الفطر السَّعيد فلازلت مهنَّا بنيل كلِّ وطر
وابق سعيدًا ما هبَّ ريح صبًاوما صبا سامر لطيب سمر

عبد الرَّحمن بن محمَّد بن عبد العزيز بن سليمان بن محمَّد، أبو القاسم اللَّخميُّ:

كانت ولادته بقوص في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، كان فقيهًا حنفيًا، فاضلاً، شاعرًا، متأدبًا، عالمًا حسن الشعر، استوطن مصر مدة مديدة.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبيني بحلب قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه:

/ أ/ عجب من الأيمان كيف يقرُّ فيصدر الفقير المقتر المتذلِّل
من كان ذا صبر عليه فإنَّهذو البرِّ والتَّقوى وذو القدر العلي

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه يصف كتاب البسيط:

خصَّ البسيط بمجد ذاع وانتشرابين الأئمَّة والحكَّام والوزرا
شمِّر إلى حفظه تشمير مجتهدفقد حوى باتِّفاق ذائع دررا
كذا المهذَّب أهل الدِّين كلُّهممضوا عليه فمن يعرف لذاك ذرا
ففيه سرٌّ عجيب فاعتبره ترىما قد رأى وروى من قبلك الكبرا

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

الفقر باب للمروءة والتُّقىوالصَّبر والإيمان إلاَّ من كفي
فهو الصَّبور المؤمن الورع التُّقيطوبى له قد خصَّ باللُّطف الخفي

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه في كتاب كتبه لأبي إسحاق:

يا من يروم صعودًا لازمًا أبدافي دينه ثم دنياه وما قصدا
عليك بالحفظ للتنبيه ملتزمًاتعش به في نعيم عيشًة رغدا
/ ب/ نعم الذَّخيرة صنه صون مجتهدطريقه من نحاه يقتبس رشدا
فرحمة الله تغشى روح جامعهمدى الدُّهور مع الأبرار والشهُّدا

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

سلام عليكم كلَّ وقت فإنَّنيأتوق إلى تلقائكم وأودُّه
وأوثر تخفيفًا مع الشَّوق دائمًاخلاصة قلبي ملككم وهو ودُّه

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

صبرًا على الفقر لتحظى بماقد ناله خير رجال السَّلف
فالفقر خير من غنى مقترأدَّى إلى الكبر وقبح الصَّلف

عبد الرَّحمن بن يوسف بن عبد الرحمن بن عليِّ بن محمد بن عبد الله بن الجوزيِّ، أبو الفرج بن أبي محمد:

من البيت المشهور بالعلم والدين والتصنيف في كل فن من الفقه، والتفسير، والحديث، والوعظ، والتاريخ، وأيام الناس.

وأبو الفرج هذا ربي في حجر والده، فتأدب بآدابه، وبحلو أخلاقه، وتحلّى بحليته، / أ/ واتصف بصفته، وحذا حذوه، وسلك طريقته الواضحة، واقتدى بأفعاله الصالحة، ونابه في الحسبة، ثم استقل بها، وخلفه في التدريس في المدرسة المستنصرية، فقام مقامه، وسدّ مسدّه، وكان أذن له في الوعظ في الأيام الظاهرية، وعمره إذ ذاك ثماني عشرة سنة.

وكان يجلس في كل أسبوع يومًا، ويحضره الخلق الكثير، واستمر ذلك وصارت له الملكة التامة، واليد الطولى في الوعظ، وهو مليح العبارة، لطيف الإشارة، حسن

الصورة، جميل الأوصاف، طيب الإنشاد، حلو الإيراد، وله نظم ونثر.

ومن شعره في المستنصر بالله أمير المؤمنين –أدام الله أيامه-:

حرام على مقلتيَّ المناموقد طرد الشَّوق عنها المناما
ومن هام وجدًا بطيف الكرىيكون على مقلتيه حراما
فاه على طيب عيش مضىلنا بالمحصَّب لو كان داما
ألا ما لجيران ذاك الجنابرحلن فأسكنَّ قلبي غراما
فليتهم حين سارت بهممطاياهم ودَّعوا المستهاما
/ ب/ لقد عاد من بعد بعد الحبيبفؤادي في كلِّ واد وهاما
فهل من سبيل إلى نظرةتبلُّ الغليل وتشفي الأواما
أيدري غزال الحمى أنَّهبقلبي لا بالحمى قد أقاما
يميط لثام الأسى والجوىإذا زارني وأماط اللِّثاما
بروحي حبيب بديع الجمالأرى وصله فرصًة واغتناما
ويسكرني بعتيق الحديثحتَّى كأنِّي ارتشفت المداما
كما أنني لست أبغي النَّسيبإلاَّ لأمدح هذا الإماما
لقد بذَّ آباءه الراشدينبأجمعهم همَّة واعتزاما
وأولى الهبات وأدَّى الصِّلاتوأحيا العفاة وفاق الغماما
وسنَّ العطايا وأسنى الصَّفاياوخصَّ الرَّعايا بعدل وداما
أبا جعفر ثق بفتح قريبونجح مديد المدى لا يسامى
مضى رجب شاكرًا جودكموأظهر شعبان حمدًا مداما
تملَّ بشهر الصِّيام الَّذيأتى شاكرًا برَّك المستداما
فكم لك من نائل في الصِّياموبرٍّ غزير يعمُّ الأناما
فلا وجد الرَّاضعون النَّدىمدى الدَّهر من راحتيك الفطاما
/ أ/ فعش أبد الدَّهر يا من بهتهنَّى المواسم عامًا فعاما

عبد الرَّحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسيُّ، أبو محمد:

كانت ولادته في يوم عاشوراء، سنة أربع وتسعين وخمسمائة.

يروي عن عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي، وعبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، وغيرهما.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبيني، بحلب قال: أنشدني عبد الرحمن بن عبد المنعم المقدسي لنفسه:

أتى الرَّكب من أرض الحجاز مخبرًابأخبار أحباب أتوا عرفات
فقلت وفي القلب المعذَّب جمرةمن البعد إذ لم أحظ بالجمرات:
ألا ليت أنِّي كنت بالقرب من منىفنلت المنى بالوصل قبل مماتي
ويا ليتني قد كنت بالخيف من منىفما الخيف إلاَّ الخوف من تبعاتي

سعيتم فلا خابت مساع سعيتم ولا زلتم في أرفع الدَّرجات

وأنشدني بالإسناد:

وحقِّ ذمة ما بيني وبينكممن الوداد ومن عهد وميثاق
/ ب/ إنِّي مقيم على وجدي بكم أبدًاوإنَّ ودكم بين الحشا باقي

وله بالسند:

أضمُّ يدي من خوف حرصي إلى الحشافيعرض منك الحلم لي فأمدُّها
فأذكر ما في سالف الدَّهر أسلفتفأقبضها من خوفه وأردُّها

عبد الرَّحمن بن الحسين بن عبد الله، أبو منصور النُّعمانيُّ، المعروف بشريح:

قاضي النيل والنُّعمانية.

كان فقيهًا فاضلاً، له أدب وشعر ورسائل، دمث الأخلاق، حسن العشرة، سجن ومات في سجنه يوم الخميس تاسع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة، ودفن في داره، وقيل عنه: إنَّه لمّا حضره الموت أذكر الله فقال:

تألّق البرق نجديًا فقلت له:يا أيُّها البرق إنِّي عنك مشغول

عبد الرحمن بن إبراهيم/ أ/ بن نصر بن ظافر بن هلال، أبو القاسم بن أبي إسحاق، الحمويُّ أصلاً، المصريُّ مولدًا:

من بيت فيه علم ونباهة، وكان والده يتقلد القضاء بقوص، وقع إليّ هذه الأبيات، أنشدنيها عنه أبو المكارم فتيان بن محمد بن فتيان بن سمينة الجوهري قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه:

إذا لم يلذَّ الطَّرف منكم بنظرةفما ضركم ذكر يلذُّ به سمعي
فوالله مالي بعد بعدك فرحةولا بلذيذ العيش بعدك من نفع
ولو نلت مقصودًا بطيب وصالكملما كنت مغرى بالكثيب وبالجزع
ولكنَّها فرع وأنتم أصولهاومن لم يصل للأصل حنَّ إلى الفرع
تذرّعت في حرب الغرام بعشقكمولكنَّ سهم الهجر ينفذ في روعي
وأصبحت عبدًا مفرد الاسم سالمًاولكنَّني أخشى أن أكسر بالجمع
وبي ألف من قدِّ طيَّات لفِّهاتكون إلى وصل ولم تك للقطع
واسمك اسم معرب متمكِّنبقلبي ومنه النَّاس في الضَّرِّ والنَّفع
ولولا بقلبي من هواه حرارةتنشِّف طرفي كنت أغرق في دمعي
أقول لعذّالي عليه أطلتمفما دينكم ديني ولا شرعكم شرعي

/ ب/ عبد الرحمن بن محمود بن بختيار بن عزيز بن محمد، أبو حامد، الكاتب الإربليُّ والدًا، الموصليُّ مولدًا ومنشأ:

كان شابًا قصيرًا، أسمر اللون، تفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ على أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن زبيدة الجزري، وكان متصلاً بالقاضي أبي منصور المظفر بن عبد القاهر بن الشهرزوري، وانقطع بأخرة إلى أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي، يتولى خدمته.

لقيته غير مرة، ولم آخذ عنه شيئًا، أنشدني الإمام عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن هبة [الله] بن باطيش الموصلي –أدام الله سعادته- قال: أنشدني أبو حامد لنفسه، لما مررنا بدير الحافر، قاصدين حلب، يتشوق إلى الموصل:

يقول زميلي حين جدَّ بنا السُّرىوعاين منِّي فيض دمع المحاجر
أشوقًا إلى الأوطان وهي قريبةإليك فما ألفاك عنها بصابر؟
فقلت له: مهلاً وكن لي عاذرًافأين ربى الحدباء من دير حافر؟

وأنشدني موفق الدين أبو الثناء/ أ/ محمود بن يوسف بن إسماعيل بن مكي ابن الهائم الفقيه السنجاري، قال: أنشدني أبو حامد عبد الرحمن بن محمود بن بختيار بن عزيز بن محمد الكاتب الإربلي لنفسه:

خمر بثغرك أم ضرب من الضَّربسكرت منه وهذا غاية العجب
ما خلت أنَّ رضاب الثَّغر يفعل فيعقل الفتى أبدًا فعل ابنة العنب
يا أسمرًا صرت في حبِّي له سمرًابين الأنام حليف الهمِّ والنَّصب
سللت سيف لحاظ حدُّ مضربهيفلُّ حسنًا سنى الهنديَّة القضب
إن دام لي منك وصل قد حصلت علىصفاته نلت أقصى غاية الأرب

وأوائل هذه الأبيات إذا جمعت كانت اسم خميس.

ومن شعره قوله في سليمان بن جبرائيل الفقيه الشافعي:

قل لسليمان الَّذي جهلهلو كان علمًا فاق كلَّ الورى
تذكر للدَّرس ولكنَّماذكرك إيًّاه شبيه الخرا

/ ب/ وقال أيضًا يمدح قاضي القضاة حجة الدين عند قوله مترسلاً، ويهنيه بعيد النحر أيضًا:

محبٌّ ليس يثنيه الملاموقلب بات يغريه الغرام
ودمع فوق خدَّ ليس يرقاوجفن ذو سهاد لا ينام
فبين الجفن والنَّوم افتراقوبين الدَّمع والخد التئام
بنفسي صارم للودِّ طبعًاوودِي ماله الدَّهر انصرام
غرير بتُّ أعذل فيه ظلمًاوبين جوانحي منه اضطرام
الأم على هواه وليس يدريبأني في هواه له ألام
أروم وصاله في الدَّهر يومًاودون وصاله الموت الزُّؤام
لقد لذَّ التَّهتُّك في هواهكما لذَّت لشاربها المدام
كلفت به فأعداني سقاملجفنيه فلذَّ لي السَّقام
رمى عن قوس حاجبه سهامًانكصن لها العوالي والسِّهام
وأعمل لحظه عضبًا حسامًافدان لحدِّه العضب الحسام
وفاق ملاحًة دون البراياوبي برح يطول له المقام
/ أ/ كما في الفضل فاق الخلق طرًاحليف المجد والنَّدب الإمام
فتى خلق الحيا من راحتيهفسحُّهما انسكاب وانسجام
فقل لمؤمِّليه وقاصديه:عرى نعماه ليس لها انفصام
تفرَّد في خلائقه وأضحىفريدًا في الخلائق لا يرام
رضيع البذل قبل [كون] طفلاًفما لرضاعه أبدًا فطام
سما أهل الدُّنى علمًا وحلمًافلا كهل لديه ولا غلام
له قلم مدى الأيَّام طولاًلزاخر بحر سطوته النِّظام
تنوب عن القواضب شفرتاهوفي أبوابه الجيش اللَّهام
فحدُّ غراره ماض طليقوحدُّ سواه مفلول كهام
سبرت الناس سبرًا بعد سبرفكنت التِّبر والنَّاس الرَّغام
فكلُّ فريدة نثرت لديهملها في سلك علياك انتظام
حماك حمى منيع لا يبارىوجارك لا يذلُّ ولا يضام
ورفدك دائم في كلِّ وقتدوامًا لا يضرُّ به دوام
فيا مولى له في كلِّ وقتيد تهمي كما يهمي الغمام

ويا قاضي القضاة أقول حقًّا: لقد شرفت بمقدمك الأنام

/ ب/ نأيت فحلَّ بالحدباء همٌّلنأيك لا يضاهيه اهتمام
وبان ضياء نورك عن رباهافحاق بجنب ساحتها الظَّلام
إلى أن أبت في أمن ويمنفعاد بها ابتهاج وابتسام
لنا عيدان عيد حيث وافىقدومك للإله به سلام
وعيد النَّحر فانحر للأعاديفحشو جسومهم خوفًا
ومن عمَّ الأنام بكلِّ فضلفأنَّى ينتهي فيه الكلام؟

وقال أيضًا يهجو شخصًا وجماعة منتمين إليه، ومستند ذلك سبب يطول شرحه، ويمتدح فيها الأمير الكبير الأصفهسلار بدر الدنيا والدين، والقاضي حجة الدين:

نفسي فداؤك من مشيرسمعًا لذا العلق الظَّهير
ذي حلقة مطروقةأبدًا على مرِّ الدُّهور
من لم يزل ......من ......... الأمور
لو جئته فوجدتهيبغي الفسوق مع الفجور
/ أ/ لحظيت منه بما أروم من المسرَّة والحبور
لكنني وافيتهبفرائد الدُّر النَّثير
فوجدته في فهمهاكالتَّيس أو بعض الحمير
بالله أقسم إنَّهأزرى ببيت الشَّهرزوري
رأس بخفَّة مخِّهوالرُّوح أثقل من ثبير
مستهترًا بالجهل طول الدَّهر في شرب الخمور
وله من الوزراء منيزرون بالكلب الحقير
مثل الشّقرَّاق القبيــح الخبر من بين الطُّيور
تالله لولا خالقيألقيته بين الصُّقور
تنتاشه بمخالبتنسيه أيَّام السُّرور
وكذا الموزَّر... تبًّا لذلك من وزير
ذو الحكمتين الفيلسوف وصاحب العقل الغرير
لا تبغ شيئًا عندهلا كان ذلك من نظير
ولقد أتانا نجلهيختال ما بين القدور
أضحى حوائج كيسهلشرا الطُّبول أو الزُّمور
/ ب/ وكأنَّه في الجبَّة الــخضراء جاء من الحضير
وكذاك سقف .......كهيأة التَّيس الكبير
بسواد وجه كالغدافولحية كخرا النّسور
فلتنقرنًّ قفيَّهمنقر الدُّفوف بل فتور
فليأخذوها كالسِّهام تغير عن شخص غيور
لا يرتدي ثوب الهوان ولو تجلب بالحصير
إن كنت من قصري أهنــت فليس شعري بالقصير
أو كنت أظلم في البريَّــة فانتصاري بالأمير
مولى يخاف سطاه أرباب الممالك والثُّغور
ليث وغيث في الورىوحليف معروف وخير
بدر ببهجة وجههيزهو على كلِّ البدور
لم يبق فيض يمينهفي النَّاس من شخص فقير
أضحت قلائد برِّهتسمو على كلِّ النُّور
وغدت تميس لذكرهالأيَّام كالغصن النَّضير
ذكر تضوَّع عرفهكالمسك فاح أو العبير
/ أ/ مولاي يا حلف النَّدىسمعًا كلامًا غير زور
لمَّا أمرت بنفيهومنعته سكنى القصور
شكرتك أبناء الدُّنىوأثبت من ربٍّ غفور
أنت المبخِّل حاتمًاكرمًا وذو البأس الخطير
مولاي بدر الدِّين أقــسم بالمصاحف والزًّبور
لو شئت كنت جعلتهفي الحال من أهل القبور
لكن رعيت حقوق هــذا البيت بالصَّدر الكبير
قاضي القضاة أخو النَّدىكهف الطَّريد المستجير
لازال ملك شاملاًلهم على كلِّ الأمور

عبد الرَّحمن، أبو القاسم القليوبي:

أنشدني وجيه الدين الإسكندري قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه:

تجلَّى الَّذي أهوى عن الشِّبه والمثلفيا عاذلي دعني وخلِّ من العذل
ورقَّ لما ألقاه من فرط حبَّهولا تحسبن العذل لي في الهوى يسلي
/ ب/ وكن لمعاني حسنه متأمِّلاًتجد كلَّ جزء فيه معنى من الكلِّ
فبدر الدُّجى والشَّمس من نور وجههفمن لي بأن أقضي على حبَّه من لي
وكلُّ صفات الحسن بعض صفاتهفواحسرتي قد حار في وصفه عقلي
خضعت له في موقف الحبِّ طائعًاوقابلت عزِّي في المحبَّة بالذُّلِّ
فهمت به إذ قد فهمت جمالهوأصبحت عن كلِّ البريَّة في شغل
تعلَّمت فيه النَّوح والحزن والبكاوأمسيت من علم اصطباري في جهل
تهتَّك سترى فيه بعد تستُّريفواخيبتي إن لم أفز منه بالوصل
ولست أخاف الموت في الحبِّ إذ أمتغرامًا فقد مات المحبُّون من قبلي

عبد الرَّحمن بن عيسى بن أبي الحسن بن الحسين، أبو الفرج البزوريُّ الواعظ

كان يعظ بالجانب الغربي بجامع المنصور.

وكانت ولادته في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث، وقرأ شيئًا من الفقه.

وكانت وفاته يوم الإثنين لست مضين من شعبان سنة أربع وستمائة، ببغداد/ أ/، ودفن بمقبرة أحمد بن حنبل –﵁.

قال أبو الحسين القطيعي: أنشدني أبو الفرج البزوري لنفسه:

إذا ذكرت ما مضى من وصلهمبين الرِّياض فالنَّقا فالمنحنى
أهجت بلبالي ففاضت أدمعيوأصبح القلب عليهم حزنا
لله درُّ الوصل لو عاودنيبذلت نفسي في هواه ثمنا

عبد الرَّحمن بن عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن عبد القاهر بن هشام بن أحمد بن محمَّد بن المظفر، أبو أحمد بن أبي القاسم ابن الطُّوسيِّ، الموصليُّ المولد والمنشأ:

كانت ولادته على ما أخبرني من لفظه ليلة الأربعاء سادس عشر رمضان سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.

وتوفي يوم الإثنين مستهل ربيع الآخر سنة ست وعشرين وستمائة بالموصل –﵁.

من أبناء الخطباء، ومن بيت عريق في الخطابة أيام الجمع، بعد أبيه بالموصل، بجامعها العتيق، وسمع الحديث على والده، وحفظ/ ب/ الكتاب العزيز، وقرأ شيئًا من فقه الإمام الشافعي –﵁ وهو أحسن الناس قراءة وترنُّمًا بالقرآن، وأطيبهم صوتًا، خصوصًا في المحراب.

وكان مقبول الشهادة عند الحكام، متواضعًا ورعًا، من المتدينين، حسن الخطابة والتفوة بالكلام، شاعرًا عذب الشعر. ومن شعره يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، أبا الفضائل، نصير أمير المؤمنين –أعّز الله أنصاره-:

الملك ما عقدت لكمم تيجانهوالمدح ما نظمت لكم أوزانه
والبأس ما شهدت به لكم ظبايوم الطِّعان وسهمه وسنانه
والجود ما هطلت به أيديكم الــهطلات لا كفُّ الحيا وبنانه
أنتم بحور ندى وغيركم إذاوصفوا وبولغ فيهم غدرانه
عجبًا لكفٍّ لا يبارحه ندىبحر ولا تطفى وغى نيرانه
ولمركب غاد عليه ورائحغيث ولم تورق به عيدانه
بأبي الفضائل أسعد الله الورىوبراح راحته ارتوت غلمانه
وبأيّما بدر كبدر الدِّين أضــحى ابن الخطيب صقيلًة أذهانه
/ أ/ يا مالكًا يكفي وليًا جامعًايحوي الصِّفاط لمصطفاه عيانه
ومن الَّذي للجود أضحى بأبهبيتًا تقبل دائمًا أركانه
يهب الجرائم قدرًة فكأنَّماثمر الجرائم عنده غفرانه
ما قابلت فرسان جيش جأشهإلاَّ أتته فريسًة فرسانه
شكرًا لرأي خليفة الله الذيأبدًا يسيح تعطُّفًا سيحانه
لمَّا رأى ديوانه قرح الورىداوى بكم قرح الورى ديوانه
ولمن حباك إمارة الملك الذيلولاك ما جمع السُّعود قرانه
ولاَّك ملكًا ما سواك ظهيرهونصيره وقرابه وصوانه
لا كان ملك ما إليك مردُّهوتسلُّط ما في يديك عنانه
كم بات حين أبيت إلاَّ عزَّةعبد إلى الله التَّضرُّع شانه
وانسلَّ ذّبًا عنك صارم دعوةممَّن جفت فيك الكرى أجفانه
كذبت ظنون الحاسدين وطاب منذي الغمر ما غمر النَّدى إحسانه
وغدا المثبَّت بينكم إيمانهمن كان ثابتًة بكم أيمانه

وأنشدني لنفسه في التجنيس:

ما لاح ناظر مقلتيــه لناظر إلاَّ وشامه
/ ب/ للصُّبح يشبه والظَّلام إذا بدا خدًا وشامه
فاقت محاسنه الحسان عراقه فينا وشامه
يا ليته مثلي يقول لمن إليه بنا وشى: مه

وله ما كتبه صدر كتاب تعزية:

لو كان ينفع فيما يجزع الجزعلكنت أوَّل من بالحزن يدَّرع
لله أقضية في الخلق واقعةما في خلاص امرئ من أمرها طمع
النَّاس كلُّهم موتى وما أحديبقى ولكنَّهم ماض ومتَّبع
فانظر لنفسك واعمل ما تنال بهالزُّلفى فذاك به في الحشر ينتفع
واعلم بأنَّ ضمانات المنى خدعتلهي وأقطع ما للأخدع الخدع

وقال وقد خلع على القاضي أبي منصور المظفر بن عبد القاهر الشهرزوري خلعة بيضاء:

أيُّها المولى الذي بحر النَّدىمن يديه في جميع الأرض جاري
لم يغب عن ملك الأرض الَّذيللبرايا عدله أمنع جار
إنَّ للأهبة من هيبتكملا خلت عن دستكم أبهى شعار
/ أ/ علموا أنَّك شمس فاصطفوالك دون الخلق ثوبًا من نهار
أبدًا تجري سعاداتكممن سماء المجد في أعلى المجاري

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.