تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد الرحمن (٣)

وقال أيضًا:

ونور زهور مثل نور زواهرتبرّجن حسنًا في بروج رياض
فلم ندر ما أسنى إذا ما تقابلاًنجوم سماء أم نجوم أراضي

وقال أيضًا ما كتب به إلى بعض الشرفاء:

أيُّها المولى الَّذي يمـلأجودًا كلَّ عين
والذي أضحى على كــلِّ عناء أيَّ عون
والذي يسن أياديــه وشكري أيُّ بون
غيَّرت ألوان آلائك بالتَّحجيل لوني
يا جمال الدِّين حسبييا كريم الحسبين
أيُّ دين لك أقضيــه بمدحي أيُّ دين؟
ليس يستغرب إحسان من ابن الحسنين

عبد الرَّحمن بن عبد الله/ ب/ بن رشيد بن عليٍّ، أبو محمَّد بن أبي الغريب التَّميميُّ، المعروف بالصَّيقل، الموصليُّ مولدًا ومنشأ:

كانت ولادته فيما أخبرني ليلة الجمعة، سابع ذي الحجة سنة اثنتين وستين وخمسمائة بسكَّة أبي نجيح.

وتوفي بالموصل ظهر يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بالصحراء الكبيرة بباطن المدينة –رحمه الله تعالى-.

وكان أبوه من حلم سريا، قرية من نواحي دجيل، ورد الموصل، وسكنها، وولد أبو محمد ولده بها، وأحب الأدب والشعر من صغره، وحضر مجالس أهل العلم والفضل، وعاشر العلماء، وخالط الأدباء، وأغري بقول الشعر، وحفظ آلته، وبرز فيه على نظرائه، وسلك قديمًا في ابتدائه مسلك الشعراء المتقدمين، واستعمال اللفظ الحوشي في أشعاره، فأعرض عن ذلك، ونهج طريقة المولدين في الرقة والسهولة، وحذا حذو شعراء بلده الخالديين، والسري الرفاء. وغيرهم، وهو واسع الحفظ لأشعار/ أ/ العرب والمحدثين، ويحفظ في كل فن عجيب من فنون الشعر يهذّه هذًا، وكأنه يقرأه من وراء كفه، وهو حسن الاستخراج لمعاني الشعر، لا يصعب عليه شيء منها، من أحسن الناس، إنشادًا، وأعذبهم ألفاظًا وإيرادًا، وكثيرًا ما يذاكر بشعر

أبي تمام، وشعر البحتري، وشعر مسلم بن الوليد، وعلى خاطره جملة كثيرة من أقاويلهم، وإلى غير ذلك من الأخبار والسير وأيام الناس.

ومع ذلك لم يزل حظه ناقصًا من الزمان وأهله، كتبت عنه كثيرًا من قوله ورواياته.

ومما أنشدني يمدح مولانا السلطان المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام، غياث المسلمين، سيد أمراء المشرق والمغرب، أتابك [أبا] الفضائل، نصير أمير المؤمنين –أنفذ الله أمره-:

ته كيف شئت على العشَّاق يا قمروصل فكلُّ دم أجريته هدر
يا قامة الغصن المَّيال كم مللصلني فإنَّك أنت الرُّوح والبصر
أفديك من رشأ يلويه من ترفمرُّ النَّسيم ويدمي خدَّه النَّظر
/ ب/ مقلَّد بحسام من لواحظهيكاد منه فؤاد الصَّب ينتثر
تصمي لواحظه العشَّاق عن أممبأسهم من لحاظ ما لها وتر
مبلبل الصُّدغ قد أوهى قوى جلديكأنَّما قلبه القاسي لنا حجر
عذب المراشف مخضرُّ السَّوالف ريـيان المعاطف في أجفانه حور
نمَّ العذار بخدَّيه فأعرب عنوجدي به وبرى أجفاني السَّهر
كم ليلة بتُّ أجني ورد وجنتهوالعيش لا رنق فيه ولا كدر
وبات لا تحتمي عنِّي مراشفهأيَّام غضُّ شبابي يانع نضر
يسعى وفي كفِّه حمراء صافيةعلى النَّدامى ولي من ريقه سكر
مشمولة من بنات الكرم ما بزلتإلاَّ وفاح علينا نشرها العطر
تخالها وهي في الكاسات يحملهاأنَّ السُّقاة لما في خدِّه عصروا
يا سالبي جنَّة قد كنت مستترًابها فمن بعدها بالسُّقم أستتر
لا تحسبنَّ غرامي فيك يا أملييفنى وإن قلَّ عذَّالي وإن كثروا
لا والمشاعر والبيت الحرام ومنعليه أنزلت أنزلت الآيات والسُّور
وحقِّ ما حاز بدر الدِّين من كرمجمٍّ به تخجل الأنواء والمطر
الباذل المال والأعوام مجدبةلطالبي رفده والضَّيغم الهصر
/ أ/ إذا الوفود أناخوا حول حجرتهفي حادث الدَّهر يعطي وهو معتذر
هو المليك الذي جلَّت صنائعهبين البريَّة والإحسان والسِّير
ملك حوى قصبات السِّبق عن كرمموف ولازال مقسومًا له الظَّفر
مازال يعطي اللُّهى في كلِّ نازلًةحلَّت وكان لما يوليه يحتقر
هذي سمات المعاني فيه لائحةتثني على فعله الأملاك والبشر
إذا الحروب بدت أبطالها وغدتنيرانها بالمنايا وهي تستعر
بكلِّ سابحة تدمى شكائمهاوكلِّ سابغة كأنَّها غدر
والبيض محمرَّة الأطراف تخضب مندم الهوادي وليل الخطب معتكر
والسَّمهريَّة ما بين القتام ترىكأنَّها في الدَّياجي أنجم زهر
سقى ينابيعها ماء الكلى فترىهام العدا وهي في أغصانها عثر
لا ينثني عزم بدر الدِّين حيث سطاعلى الكتائب إلاَّ وهو منتصر

وقال أيضًا يمدحه:

يا من غدا بالملك أحرىما بالهم سمَّوك بدرا؟
وعليك من نور الإلهدلائل توليك فخرا
ولقد أبان الله ياربَّ المكارم فيك سرّا
/ ب/ وغدت مكارمك الجسام على بني الآمال تترى
سر حيث شئت فإنَّ ربَّ العالمين حباك نصرا
واجعل أعاديك الطُّغاة لديك في الأصفاد أسرى
يا كافل الأيتام عنآبائهم جوزيت أجرا
يا من غدا وكأنَّ فوق جواده ليثا وبحرا
يا من صنائعه سرتبين الورى سرًا وجهرا
كم يطمعون عداك فيأن يدركوا مسعاك قهرا
ويخيب سعيهم فمانالوا به دنيا وأخرى
راموا مساعيك التيقد هجَّنت في العدل كسرى
وتأمَّلوك فصادفول لدى الوغى ليثًا هزبرا
يا من إذا أكدى السَّحاب وكانت الأعوام غبرا
تهمي أنامله الجسام على بني الآمال نهرا
وإذا المنايا أوقدتنيرانها لهبًا وجمرا
وغدت متون البيض فيــها من دم الأبطال حسرى
تسعى بكلِّ مدجَّجبالحرب مشغوفًا ومغرى
فعزيمة الماضي لدىأعدائه أمضى وأبرا
أأبا الفضائل دم إلىكم توسع الجانين عذرا؟
وإلى متى تغني الزَّمان على المدى صلًة وبرّا؟
قم باكر اللَّذات فالـأيَّام ما تعصيك أمرا
واشرب معتَّقة كأىَّ بكأسها ذهبًا ودرّا
حمراء قد صاغ المزاج لرأسها عقدًا وشذرا
أو ما ترى وجه الرَّبيــع الطَّلق يكسو الأرض زهرا؟

وأنشدني لنفسه يمدح الوزير الصاحب شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد بن المبارك المستوفي، بإربل –رحمه الله تعالى-:

قل لمن لام في هواه وفنَّدوغرامي به غرام مجدَّد
كيف يصغي إلى الملامة صبٌّمستهام بادي الصًّبابة مكمد
/ ب/ كلَّما شام بارقًا يوم حزوىشاقة بالبراق رسم ومعهد
بات يستنجد الدُّموع على رســم محيل بالرَّقمتين تأبد
واقفًا في معالم طال ما غازل فيها لدى المعاطف أغيد
شادنًا كلَّما تيبسَّم أبدىمن ثنايا فيه جمانًا منضَّد
كقضيب الأراك قدًّا إذا ماهزَّ أعطافه الصبا وتأوَّد
بابلي اللِّحاظ سلَّ على العشَّــاق من مقلتيه سفيًا مهنَّد
تم عذري في حبِّه حين خطَّ الــمسك في خدِّه عذارًا مقيَّد
كم سقاني من ريقه وثناياهـ على الحالتين قهوة صرخد
من مدام إذا سقاها النَّدامىخلتها من خدَّيه يجنى زبرجد
في زمان صفا ورقَّ فأضحىوهو غضٌّ يحكي خلال ابن أحمد
الجواد الذي إذا جاد غيثوهو ليث إذا سطا وتهدَّد
والوزير الأريب والفاضل النَّدب المرجَّى والأريحيِّ الممجَّد
كلَّما أخلف السَّحاب وأكدىأمطرت كفُّه لجينًا وعسجد
جاد حتَّى خلنا ندى راحتيهمن مسيل الأتيّ أندى وأجود
كتبه تفتح الحصون العواليوهي للملتجين حصن مشيَّد
/ أ/ والَّذي في يراعه للمواليوالمعادي جود وعيش منكَّد
هو في كفِّه وبين يديهللبرايا من بأسه تتوقد
أيُّها السَّيِّد الذي لأياديــه على النَّاس مَّنة ليس تحجد
أنت أخجلتني بجودك حتَّىصار شكري عليك وقفًا مؤبد
وبألفاظك اهتديت فأهديـت إلى ظلِّك المديح المردَّد
من قواف كأنَّها حين تنشديتغنًّى بها الغريض ومعبد
فابق واسلم على الزَّمان وماناح على غصنه الحمام وغرَّد

وقال فيه أيضًا يمدحه:

حيِّيت من دمن ومن عرصاتبالأبرقين محيلة الآيات
وسقى معالمك الحيا وغدت بعرصتك الرِّياح عليلة النَّفحات
فلكم قضيت بك اللُّبانة لاهيًابأوانس مثل الدُّمى خفرات

ومنها يقول:

لاحظته والكأس في يده وقدلعبت بمشيته يد النَّشوات
في ليلة جمع النَّعيم بها وماأذنت كواكب أفقها بشتات
فكأنَّما الجوزاء فيها قينةباتت تساعدنا على اللَّذَّات
/ ب/ والبدر في كبد السَّماء كأنَّهفي حسن طلعته أبو البركات

وأنشدني لنفسه أيضًا:

دار السَّلام فقل هديت سلامفيها لمرتاد النَّدى إنعام
ومواقف نبويَّة قرشيَّةفي ظلِّها التَّبجيل والإعظام
ومكارم ومحامد ورزانةمنها تعلَّم يذبل وشمام
فإذا وصلت قباب خير خليفةشرفت به الأخوال والأعمام
قيل ترى عزماته وحياضًهفرعًا بها للمقتفين مرام
هو حجَّة الله التَّي نزلت علىأبياته الآيات والأحكام
وملاذ كلِّ مومِّل يثني علىإحسانه ونواله الأيتام
وهو السِّراط المستقيم فمن هوىعما يروم هوت به الأيَّام
وسماحه أحيا الأنام وجودهروَّى متون الأرض وهي حرام
اقنى الإمام مكارمًا ومحامدًاما تنقضي أو تنقضي الأيَّام
ملأ البلاد رفائدًا وكتائبًابهما العراق مزلزل والشَّام
وعليه من نور النَّبي دلائلما تنظفي أنوراها ووسام
فإذا سطا أو ثال يوم كريهةخرس القضاء ودقَّت الأقلام
/ أ/ فخرًا بني العبَّاس إنَّكم علىرغم العدا الخلفاء والحكَّام
وأبوكم أسقى الحجيج على الظَّماوبه استهلَّ على البلاد غمام
منعت حمى البيت الحرام سيوفكموحماكم في الله ليس يرام
أعززتم الدِّين الحنيف وقمتمفي نصره والعالمون نيام
يا ابن الخلائف والَّذين بهديهمعرف الهدى وتمهَّد الإسلام
هذا حسامك مثل عزمك مرهفتفرى الخطوب به وهنًّ جسام
فاستبق للمهديِّ منه مضاربًافلأنت زند للهدى وإمام
فتكًا أمير المؤمنين به علىأعدائكم ولباسك الإقدام
وإذا الحروب توقَّدت أنفاسهاوعلا بها بين الكماة ضرام
والخيل تعثر بالصَّوارم والقناولها بأعلى الخافقين قتام
يسعى بكلِّ مدجَّج يقني الوغىفحل البوارق والصُّفوف قيام
قابلتها بعزيمة قرشيَّةللنّاكثين بها ردى وحمام
إنِّي أتيتك والحوادث جمَّةعندي ومن يتيك كيف يضام؟
مستنصرًا بخليفة مستنصربالله ليس لنصره إحجام

وأنشدني أيضًا من قصيدة أوَّلها:

/ ب/ ما على الحادين لو وقفواساعًةة بالرَّكب أو عطفوا
فعسى يشفي بلابلهمستهام مغرم دنف
فله في الرَّكب معتدلقدُّه قد زانه الهيف
وقضيب فوق قامتهبدر تمٍّ ليس ينخسف
راش من ألحاظ مقلتهأٍهمًا قلبي لها هدف
وغدا يفترُّ عن بردطاب رشفًا حين يرتشف
قلت لمَّا راح ينهلنيراحه واللَّيل معتكف
أسنى برق يدير لناأم تبدَّى في الدُّجى الشَّرف

وقال فيه أيضًا يمدحه:

لك الخير يا ابن السَّابقين إلى العلاوخيير فتى سارت إليه الركائب
ومن بندى كفَّيه إن أخلف الحيامصائرنا لو أعوزتنا المطالب
تعلَّمت الأنواء منك فأسبلتعلى النَّاس حتَّى ما ترام المذاهب
فجودك يحيي العالمين وهذهتجاذبها هام الرُّبى والمذانب
لشتَّان ما بين النَّوالين فالحيايجود وأحيانًا يرى وهو ناضب
/ أ/ وأنت على برِّ الزَّمان مواصلعفاتك بالنُّعمى وجودك ساكب
أتاك بنو الآمال حسرى لواغبًافعمَّتهم من راحتيك المواهب
فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»
فلا زال مغناك الملاذ لمن أتىإلى ساحتيه وهو في الجود راغب
فزوِّده عبدًا ما يزال ثناؤهعليك مقيمًا وهو حقٌّ وواجب

وأنشدني لنفسه يعاتب النقيب جمال الدين أبا طالب المعمر بن أحمد بن زيد بن محمد بن عبيد الله الحسيني الموصلي، وهو يومئذ يتولّى نقابة العلويين بالموصل:

إذا نزلت جسيمات الخطوببنا فزوالها بيد النَّقيب
كريم ما يماثله كريمجواد ما يقاس إلى قريب
نؤمل منه بحرًا فاض حتَّىطغا بين السُّهول إلى السُّهوب
شمائله شمائل حيدريٍّنما من ذلك البطل الحَّبيب
ألا يا ابن الأكارم من قريشويا من شعبه خير الشُّعوب
أراك غفلت عن عبد مريضسلامته من العجب العجيب
/ ب/ تمتُّ إليك بالأدب المصطفَّىمدائحه وبالعهد القريب
على أنَّ الأديب إذا لحتهيد الأيَّام بالجدِّ الخشيب
وحلَّ به عظيمات الرَّزاياجفاه الأقربون بغير حوب
وكيف أخاف من غير اللَّياليوجود يديك في الدُّنيا نصيبي

وكتب إليه أ] ضًا، يمدحه ويعاتبه:

يا قامة القضيبيا نزهة القلوب
في القلب منك داءأعيا على الطَّبيب
ومن إذا تثنَّىبقدِّه الرَّطيب
أيا ابن بدر تمٍّموف على كثيب
رقَّ لمستهاممتيَّم كئيب
إليك يا مناهيشكو جوى الوجيب
ففي حشاه نارمضرمة اللَّهيب
علله بالتَّلاقيفي غفلة الرَّقيب
ألا ومن يراهيشكو إلى النَّقيب
/ أ/ الطَّاهر السَّجاياوالفاضل اللَّبيب
فطالما تردَّىبجوده الخصيب
وجرَّ ذيل لهوفي ظلِّه الرَّحيب
وسلَّ سيف عزممن بأسه الصَّليب
فهو لمرتجيهمفرِّج الكروب
آراؤه المواضيتفري شبا الخطوب
وجود راحتيهفي عامنا الجديب
طغا ففاض بين الــسُّهول والجدوب
يا ابن النبي غثنيبآية الذُّنوب
وشى إليك واشيا ابن أبي الغريب
حتَّى رفضت عمدًالصيقل أديب
ألولاه فيكميجفى بغير حوب؟
أم حالت اللَّياليبعهده القريب
علَّلته بخطٍّكبارق الجنوب
فعاد عن قريبممنَّع الشُّؤبوب
/ ب/ فاسلم مع اللَّياليفردًا بلا ضريب

وقال أيضًا يمدحه، ويصف الروض:

رقَّ نسيم السَّحروطاب نشر الزَّهر
واكتست الأرض بنور حليها المنوَّر
فانظر إلى ما صنعتبالرَّوض أيدي المطر
قد دَّبجته فغدافي حلل من عبقر
أما ترى الجوَّ غدافي مطرف معنبر؟
يبكي فتفتر الرُّبىعن أبيض وأصفر
فقم بنا نشربهاعلى حنين المزهر
وانتهز الفرصة منقبل فوات العمر
من كفِّ ساجي المقلتيــن كالغزال الأحور
يميله الدَّل إذاماس كغصن نضر
لم أنسه وراحهفي كأسه المصوَّر
في ليلة بتُّ بهاونجمها لم يغر
نهلني من ريقهبرد رضاب خصر
/ أ/ يقول إذ مال به الـدَّل وجود السَّكر
واللَّيل قد قابلهضوء الصَّباح المسفر
أما ترى الصُّبح بداكالطلعة المعمَّر؟
الهاشميِّ الأحمديِّ الفاطميِّ الحيدري
هبَّ إلى مديحهفهو جمال السِّير

وأنشدني لنفسه يمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –﵇:

نديمي هبَّ من سنة المناموباكر صبح يومك بالمدام
فقد هزمت جيوش الصُّبح لمَّاتراءى مشرقًا جيش الظَّلام
وقد رقَّ النَّسيم وقد تبدَّىعبير الزهر مفضوض الختام
وقد خلع الرَّبيع على ربوع الــحمى وعلى الرُّبى خلع الغمام
يباكرها النَّى غلسًا فتضحيعقود الدُّرِّ واهية النِّظام
ألمَّ لأبها غيث] السَّماء معنبر الأطراف هامي
إذا ابتسمت ثغور الزَّهور فيهبكت بغزير أدمعه السِّجام
وقد أضحت غصون الدَّوح فيهنشاوى من أغاريد الحمام
/ ب/ وصفَّقت في القنانيعلى صخب الأغاني والزنامي
فباكر فرصة الأيَّام إنَّ الــزَّمان هباته هبة اللِّئام
وخذها من يدي رشأ غريرعليل اللَّحظ ممشوق القوام
أقول وقد غدا يسعى علينًابها في الكأس من نسج الفدام
أنار في الكؤوس تدير أم قدتبدَّى في الدُّجى نور الإمام؟

وأنشدني أيضًا لنفسه يمدح الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب –﵀:

دع ذكر زينب والمحلِّ الصَّفصفوتولَّ عن وصف المادم القرقف
ودع النَّسيب وخلِّ أبكار الدُّمىوصفاتهنَّ لكلَّ صبٍّ مدنف
واثن العنان عن الحساب مجانبًاوصفًا لكلَّ مرنَّح ومهفهف
قوِّض ركابك طالبًا نيل العلافالذُّلُّ للمتقاعس المتخلِّف
فالعزُّ بين أسنَّة وأعنَّةلا بين لثم مقرطق ومشنَّف
واعلم بأنَّ ذرى المكارم لا ترىمبنيَّة إلاَّ بمدح الأشرف
/ أ/ ملك إذا عاينته في دستهأو سرجه لعدوِّه والمعتفي
عاينت ليث وغى وبدر دجنَّةذا لم يذلَّ سطًا وذا لم يخسف
يجفو لذيذ من عزِّ التُّقىوالمال من عزِّ القننا والمشرفي

ومنها قوله:

لكن ذئاب البرِّ واثقة بهوتخاف في إكرامها أن لا يفي
وترى طيور الجوِّ عاكفًة علىمغزاه بين محلِّق ومرفرف
ثقًة به في كلِّ يوم كريهةوالخيل تعثر بالقنا المتقصِّف
ألاَّ تعود بغير شبع من قرًىأسياف مالكها المليك المسعف
يا أيُّها الملك الرؤوف ومن بمايوليه من بعض المكارم نكتفي
يا بدر بل يا بحر بل يا ليث بليا غيث زدت على الغيوث الوكَّف
إنِّي أتيتك والحوادث جمَّةحولي وريب الدَّهر منِّي مشتفي
ويد الزَّمان تنوسني بمخالبهاضت جناح مذاهبي وتصرُّفي
فرضيت من زمني بما أوليتنيإذ كان في لقياك غير مسوِّفي
فخرًا بني أيُّوب بالملك الَّذيأحيا لكم في العدل سيرة يوسف
إن كان يا موسى سميُّك أبهرتآياته بعصاه عند تلقُّف
/ ب/ فيمينك البيضاء صيغت للنَّدىوالبأس يوم تخوُّف وتعطُّف

وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها:

باكر اللَّذات مصطبحًاواعص من في تركها نصحا
فلقد رقَّ النَّسيم علىمرِّه والدِّيك قد صدحا
والدُّجى ولًّلت عساكرههربًا من بعد ما جنحا
وتخال الصُّبح حين بداراهبًا بالمسح متَّشحا
وغصون الدَّوح مائلةفي نواحي رزضها مرحا
كلَّما طلَّت خمائلهامال سكرًا بانها وصحا
وإذا ناحت حمائمهاهاجت الأشواق والبرحا
فاسقينها يا نديم فقدقهقه الإبريق إذ رشحا
واقتبس من نروها قبسًافزناد الدَّنِّ قد قدحا
بنت كرم كلَّما سكبتخلت برقًا في الدُّجى لمحا
صوِّبت في كأسها فغدانشرها كالمسك إذ نفحا
لم يدع فيها الزَّمان علىمرِّه من روحها شبحا
وإذا طاف السُّقاة بهاخلتها في الكأس شمس ضحى

/ أ/ وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى صديق له يلقب بالجمّال يتشوقه:

سلام شج مدنف القلب بالبراه التَّفرُّق بري الخلال
يجنُّ إذا ما دجا ليلهويرقب في النَّوم طيف الخيال
فما شاقه عذبات الغوير[وما بالحمى من] ذوات المطال
ولا شااقه شادن أهيفبلين القوام وبيض الحجال
ولكن تذَّكر أيَّامهوعيشًا تقضَّى بقرب الجمال
معيني على نكبات الزَّمانوذخري على النًّائبات العضال
وكنزي وحرزيي وعزِّي إذاتوالت عليَّ صروف اللَّيالي
أيا صاحبي ددون كلِّ الصِّحابويا عدَّتي في الورى يا أمالي
سقى الله دهرًا نعمنا بهوعود الصَّبا خضل الغصن حالي
لهونا بكلِّ رشيق القواموغضِّ الصِّبا حسن الاعتدال
عليل اللِّحاظ بديع الجمالرخيم التَّثنِّي مليح الدَّلال
إذا ما انثنى فقضيت وإنأماط اللِّثام فوجه الهلال
يطوف براح حكى نشرهانسيم الخزامي وريح الشَّمال
/ ب/ كأنَّ بكاساتها جذوًةإذا صوِّبت من فدام البزال
وقد غفل الدَّهر عن شملناوما خطر البين منَّا ببال
فلمَّا رمتنا صروف الزَّمانووشك البعاد بسهم النِّضال
بكيت على ما مضى آسفًاوعصر الوصال بدمع مذال
لك الخير يا ابن الكرام الألىتساموا إلى هضبات المعالي
ويا مانحي غرر المشكلاتوحسن المعاني ودرَّ المقال
أعِّطلت الكتب بين الأنامابن لي هديت أم النِّفس غالي

وأنشدني أيضًا لنفسه ابتداء قصيدة:

فدتك النَّفس كم هذا التَّجنِّيلقد أسهرت بالهجران جفني
وكيف رأيت سفك دمي حلالاًبغير جناية بلغتك عنِّي
أيا صنم الملاحة فقت حسنًاعلى كلِّ الأنام بكلِّ فنِّ
وي غصن النَّقا الميَّال أفديبما ملكت يدي ذاك التَّثنِّي
ويا قمر السَّماء غدا لتمٍّويا شمس النَّهار ليوم دجن
شهرت من اللَّواحظ مشرفيّاومن لين القوام قوام غصن
يعنفني العذول عليك جهلاًوقد كرهت سماع العذل أذني
/ أ/ وحبُّك غايتي وسرور قلبيوأنت بموضع العينين منِّي
سقى ليلاً نعمت بجانبيهوأنت إلى فمي بالكأس تدني
وقد غفلت صروف الدَّهر عنَّالما نخشاه من فرح وحزن

وأنشدني لنفسه وقد حااجَّه شخص في الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –﵇:

يا عائبًا شيعة المختار أنت بمنتقتاد أم من به في الحشر تعتلق؟
زعمت أنَّ بني الزَّهراء طامسةأنوارهم كيف يخفى الصُّبح والفلق
هم الميامين إن عدَّ الفخار وهمأئمَّة الدِّين إن فاهوا وإن نطقوا

وأنشدني لنفسه في غلام قصد الحجّ:

يا قاصد الحجر المسودِّ يلثمهولئمه للورى يشفى به السَّقم
مقلَّدًا بحسام من لواحظهيبغي النِّضال وهذا الرّكن والحرم
إذا تقلَّدت وزرًا من دمائهموليس يسفك فيه للأنام دم
فأين أجرك والحجَّاج شاخصةأبصارهم فيك ما حجُّوا ولا استلموا
إغمد لحاظك عنهم إنَّهم حرمفقد سفكت دماء القوم يا صنم

وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض الأمراء:

/ ب/ قسمًا بربِّ اليعملات إلى منىمن متهم بمحلِّه أو منجد
إنَّ الخطوب فتكن بي فتك الظُّبابيد الأمير أخي المكارم أحمد
ملك له في كلِّ يوم كريهةرأي يفلُّ به غرار مهنَّد
وله إذا عدَّ الفخار مكارموعزائم مقرونة بالفرقد
وإذا تواترت الخطوب على الورىفيمينه منهلَّة بالعسجد
يا أيُّها الملك الَّذي في كفِّهبحر لمن وافاه عذب المورد
أمن السَّويَّة أن أكون محلاًعن مطلبي ولديك غاية مقصدي
وعليك متّكلي وأنت وسيلتيوإليك قصدي يا غياث الوفّد
فاسمح بجاهك لا برحت على المدىفي كلِّ ننائبة ملاذ المجتدي

وأنشدني لنفسه يهجو العميد أبا نصر الحنائي بالموصل، حين عمل صهريجًا ظاهر البلد بمشهد الرأس، واحتبس في تلك النة الغيث، وتأخر مجيئه:

يا صحابي إن اعوز الماء غورًاأورأيتم أيّامنا البيض سودا
أو تنشَّا غيم فلا غرو إن أصــبح عنَّا مواريًا مطرودا
/ أ/ كيف نرجو السَّحاب من بعد ما أضــحى أبو نصر في البرايا عميدا

أو نرجِّي أن يرخص الملك العلاَّم سعرًا وفضله أن يجودا

حاش لله أن نرى لك صهريــجًا تروِّي به الظَّماء الشَّديدا
لو روانا فيه من البارد السَّلــسال أضحى مهلاً وعاد صديدا
إنَّما يعمر المصانع من كان جوادًا بماله ... مقصودا
لا كمن صار عرضه هدفًا للنــناس لم يدَّخر سماحًا وجودا
يا أبا نصر كم رأينا من النَّاس مليكًا صعب المرام عنيدا
كان لا يتَّقي الحوادث إن رامت حماه ولا يهاب الجنودا
خطفته يد المنيَّة حتَّىغادرته تحت الثَّرى ملحودا

ولذا أنت صرت تنهي لك الأيام سهمًا من المنايا سديدا

وأنشدني لنفسه يهجو المجد النشابي كاتب الإنشاء بإربل في الأيام المظفرية المعظميّة:

عد إلى النُّشَّاب يا مجد فقدضجَّ ممَّا تمتطيه القلم
راحة من شأنها اليبس فلوقطعوها ما جرى فيها دم

/ ب/ وأنشدني لنفسه فيه أيضًا:

يصون أبو المجد من لؤمهخزائن أسخى الورى ككبري
ويبذل أعراضه دونهافعرض مصاب ومال بري

وأنشدني أيضًا فيه يهجوه:

أبو المجد قالوا به أبنةتدلُّ على أنه كاتب
وقالوا له منزل فارعوحاجبه دونه حاجب

عبد الرحمن بن محمَّد بن محمد بن عمر بن أبي القاسم بن بخمش، أبو المظفرَّ بن أبي سعيد الواسطي المعروف بابن سنينيرة:

شاهدته بمدينة الموصل سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وهو شيخ كبير، وسألته عن ولادته، فذكر أنه ولد بواسط سنة سبع أو تسع وأربعين وخمسمائة، وبلغني أنه توفي بواسط سنة ست وعشرين وستمائة.

وكان ينتجع الناس بأشعاره، ويطوف البلاد، وكان من عوامّ الشعراء/ أ/ قليل الآلة في صناعة القريض، ذا بضاعة في الأدب مزجاة، إلاَّ أنَّ له طبعًا يعينه في إنشاء الشعر لاغير.

وكان مع ذلك عنده دعاوى كثيرة، وافتخار بالنظم مفرط. قلت له يومًا في أثناء كلام، وقد جرى ذكر شعراء العراق ورقة طباعهم في الشعر، وسهولة ألفاظهم في المنظوم والمنثور –أتروي لأبي الغنائم بن المعلم والأبلة شيئًا من شعرهما؟ فالتفت إليّ كالمغضب الحاد المزاج وقال: من هما حتى أروي عنهما من أشعارهما، أنا أسحب ذيلي عليهما فضلاً ومزية.

وكان شيخًا شرسًا فيه حدّة مفرطة، ولم أر من الشعراء الذين ينتمون إلى هذا الشأن أعسر منه أخلاقًا، ولا أجفى في إنشاد الأشعار، له ولغيره، وربما كان يتبسط في بعض الأوقات، ويسلك سبيل المجون والمداعبة.

وكان قد أقام بمدينة إربل مدة، فقصد زيارته صدرها ووزيرها المفضال الصاحب شرف الدين أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي –كبت الله أعاديه- فلم يجده في منزله، فجاء أبو المظفر منزله، وأخبر بمجيء الصاحب/ ب/ إلى زيارته، فحينئذ عزم على المصير إلى خدمته، فجاء الغيث متواليًا، وكثرت الوحول في

الطرق، فحبته عن الذهاب إلى حضرته، فأنشأ فصلاً يشتمل على نظم ونثر، وصدَّره بهذه الأبيات، وكتبها لي بخط يده:

يا لحظًة سنحت بها طير المنىوجرت لنا بسعودها الأفلاك
عجليَّة الأٍر الوثيق فما لمنأسرت وإن بذل الفداء فكاك
سمحت بها كفُّ اللَّيالي فلتًةوطباعها التَّجعيد والإمساك
فكأنَّما وهمت بها واستدركتغلطًا فردَّ فواتها الإدراك
ولقد رجوت بأن تثنِّي فانثنتوسبيلها التَّوحيد والإشراك
فكأنَّها طيف تعرَّض معرضًانصبت له بيد الكرى أشراك
ما شئت فاصنع يا زمان فإنَّماأفتاك فينا صرفك الفتَّاك

ثمّ أورد نثرًا، وعقبه بهذه الأبيات:

وكم عزمة أمضيتها للقائكمفأًبح فيها للخطوب فلول
ومهري شوق سار بي نحو أرضكمكأنَّ أباه شدقم وجديل
إلى أن بدا للعين آرام رامةوهوَّم حاد واستراح دليل
/ أ/ دنوت فحال الوحل بيني وبينكموكيف احتيالي والوحول تحول

وقال أيضًا:

إذهب شباط فقد أتى آذاروصفا العقار وسامح الخمَّار
ودعا لشاربها وأمَّن إذ دعاغبَّ الدُّعاء العود والمزمار
وبكى السَّحاب على الرِّياض فزخرفتلبكائها وتبسَّم النُّوار
وتضرجت وجنات وررد شقيقهواصفر من حذر القطاف بهار
وتلفَّعت تلك التِّلاع ملاءًةرقشت وشائع وشيها الأمطار
من أزرق في أصفر ومعصفرفي أحم قان حكاه نضار
ومفضَّض في مذهب فكأنَّهصحف لها من عسجد أعشار
قد زمّكت باللاَّزورد ومسَّهاالإبرنج والزَّنجفر والزِّنجار
نفحاتها دارَّية فكأنَّهاسحق العبير لجوِّها عطَّار
وبنفسج بادي الحياء ونرجسوقح ونمام نمى وعرار
من دونها برك بها نيلوفركرؤوس بطٍّ ما لهنَّ مطار
حاولن فلي صدورهنَّ تحرُّشًافبكلِّ جؤجو بطَّة منقار
ما العيش إلاَّ خمسة لا سادسلهم وإن فطرت لها الأعمار
/ ب/ زمن الرَّبيع وشرخ أيّام الصِّباوالكأس والمعشوق والدِّينار
فاشرب مشعشعًة إلى لألائهايعزى الضِّياء وتنسب الأنوار
جسمًا تألَّف من نضار مائعفالماء من أجزائه والنَّار
تغشى بجوهرها البصائر مثلمًاتغشى بنور شعاعها الأبصار
مذ خلِّدت في الدَّنِّ لم يكشف لهابأنامل الخمّار قطُّ خمار
بكر بخاتمها لنا في شربهامحض السُّرور وللهموم سرار
فلها إذا رقصت لصفق مزاجهافي الكأس من درر الحباب نثار
من كفِّ ريم في مطاوي طرفهنبل يسنُّ وصارم بتَّار
ريشت بأهداب الجفون [فأعملت]رشقًا وما لقسيهِّا أوتار
ترمي فتصمي العاشقين ولا لهاأثر وللرامي عليه ثار
طلعت لنا في ذيل ليل [أليل]شمس فليل العاشقين نهار
دلَّت محاسنه الطَّريق إلى الهدىوتتبّعوا تيه الدَّليل فحاروا
كم قد أخذت يد السُّلوِّ لتوبةمن حبِّه فيقودني الإصرار
غصن على دعص يضيق بما جرىمنه الإزار وتثمر الأزرار
ويكاد يدمى بالغلائل جسمهترفًا ويجرح خصره الزنَّار
/ أ/ يا من أراق دمي لغير جريمةمن قال إنَّ دم المحبِّ جبار؟
قسمًا بحقِّك إنَّ حقَّك واجبإنِّي عليك من النَّسيم أغار
هبني أسأت فكن لذنبي غافرًاإنَّ الكريم مسامح غفَّار

وقال غزلاً من قصيدة:

لو كفكف الهجران قاتلهونفى القلى قلَّت بلابله
شهدت بصدق الحبِّ عبرتهطلاًّ وزكى الطَّلَّ وابله
والحب أطهر ما يكون إذاهجر المحبُّ ولجَّ عاذله
أخفى الغرام فلا جوارحهشعرت بذاك ولا مفاصله
كالسَّيف يصحبه الحمام ولميعلم بما حملت حمائله
صبٌّ رهين في صبابتهدنف نحيف الجسم ناحله
يهوى الصَّبا ويودُّ لو حملتفيها لذي وصب رسائله
مطل الدُّيون ولا ادَّعى عدمًايستوجب الإنظار ماطله
لو قابل البدر المنير دجىبجماله استحيا يقابله

ومنها قوله:

/ ب/ أيحلُّ قتلي كم أبحت حمىقلب قطين هواك نازله؟
حرمًا عزيز الجار يسلمهللحين تغلبه ووائله
لولا الألى هجروا وما وصلواما بات ذا سقم يواصله
صدُّوا فما أبدت شفاعتهنفعًا ولا قبلت وسائله
هل وقفة تشفي رسيس جوىيومًا على الوادي نسائله
لو بكائي على شفائي لماحمَّت لوارده مناهله
ما الجزع ما رمل العقيق ومابان اللِّوى لولا مطافله
عقلت عقول العاشقين بهيوم النَّقا أسرًا عقائله
من كلِّ ذي قدٍّ يميد كمنسرت الشَّمول به تمايله
وأغنّ ما نطقت مراسلهإلاَّ وقد خرست خلاخله
للرَّمل ما سترت مآزرهوالغصن ما ضمَّت غلائله
قمر يهيج لي البلابل إنما سـ على صدغ بلابله
أمست منازله القلوب فيالله ما تحوي منازله

وقال يمدح الملك الظاهر غياث الدين/ أ/ غازي بن يوسف بن أيوب صاحب حلب، وقد امتحنه، وسأله أن يرّكب من أعجاز أبيات البحتري الميمية، على صدور أبيات ينظمها، ويصف فيها القناة التي أخرجها بحلب:

دون الصَّراة بدت لنا صور الدُّمىلا أدم صيران الصَّريم ولا الحمى
غيد هزرن من القدور ذوابلاًلدنًا ورشن من اللَّواحظ أسهما
عنَّت وكم دون الحريم أحلَّ مندم عاشق عان وكان محرَّما؟
فنهبن أنقاء الصَّريم روادفًاووهبن إيماض البروق تبسُّما
وأعرن أنفاس الصَّريم من الصَّباأرجًا أبت أسراره أن تكتما
وعلى أواناكم ونى يوم النَّوىجلد وعهد هوى وهى وتصرَّما
أأميم لولا فرط صدِّك لم أهمظمًا ولا أظما إلى رشف اللَّمى
ولما وقفت بسفح سلمى منشدًاأمحلَّتي سلمى بكاظمة اسلما
خلَّفتني بين التَّجنِّي والقلىلا ممعنًا هربًا ولا مستسلما
وتركتني أقني الزَّمان معلِّلاًنفسي بذكر عسى وسوف وربما
/ ب/ ولكم طرقتك زائرًا فجعلت ليدون الوسادة والمها والمعصما
ومنحتني ضمًّا ولثمًا لم يكنحوض العفاف بورده متهدِّما
فاليوم طيفك لو ألمّ لبخلهبالصَّبِّ في سنة الكرى ما سلَّما
يا سعد إنَّ حلاوة العيش الَّتيقد كنت تعهدها استحالت علقما
سر بي فلي السِّرب قلب سار فيإثر الفريق مقوِّضًا ومخيِّما
قد فاز بالقدح المعلَّى من أتىنهر المعلَّى زائرًا ومسلِّما
لو لم تكن تلك القباب منازلاًما قابلت فيها البدور الأنجما
يا ساكني دار السَّلام عليكممنِّي التحيَّة معرقًا أو مشئما
وعلى حمى حلب فإن مليكهاما زال صبًا بالمكارم مغرما
قرم ترى في الدِّرع منه لدى الوغىذا لبدة قرمًا وصلاًّ أرقما
ويضم منه الدَّست في يوم النَّدىبحرًا طمى كرمًا وطودًا أيهما

ومنها في ذكر القناة:

روَّى ثرى حلب فصارت روضًةأنفًا وكانت قبله تشكو الظَّما
أحيا رفات مواتها فكأنَّهعيسى بإذن الله أحيا الأعظما
لا غرو إن أجرى القناة جداولًاولطالما بقناته أجرى الدما
وبكفِّه للآملين أناملمنها العباب أو السَّحاب إذا همى

وقال يهجو الوزير ابن أبي يعلى:

إنَّ اللئيم ابن أبي يسفلٍولا أقول ابن أبي يعلى
رأي على دين نصيرٍ يرىأن عليا ربه الأعلى
عمامة من تحتها قرعةفارغة تحسبها سطلا
شيعته ما شهدت مشهدًالم تلق فيه الكفَّ والنَّعلا
قد هجر الطاهر فعل الندىبه وعاف الجود والبذلا
وكان يهواه قديمًا فمذقدمه علمه البخلا
من جعل الخطَّاف بازيهصاد له الذُّبان والنَّملا

وقال يهجو الوزير الجلالي وزير إربل:

وثقيل على الفؤاد ولا التُّخمــمة وافى بثقلها شوَّال
قرأت عند ثقل وطأته الأرض لممشاه أوبي يا جبال

وقصيرٍ ولا المبارك في الهمَّة لكن له قرون طوال

ذي دماغ حوى من الطيش والخفــفة ما حازه الوزير الجلالي

وقال يهجو الناصح يحيى بن سعيد بن الدهان النحوي الموصلي:

يقولون للدهان يحيى حليلةتخيرها دون النسا من صحابه
حصان ولكن مثل ما هو ناصحلأصحابه والغدر تحت إهابه
إذا ما خلا الشَّيخ الجليل بأمردٍتخلَّت بأصحاب اللِّحى في جوابه

عبد الرحمن بن أبي الفضل بن عبد الله، أبو محمَّد الأوانيُّ:

من أهل أوانا، وهي أشهر قرايا مدينة السلام، وهي فوقها بعشرة فراسخ، بجانبها الغربي.

رأيته بالموصل مرارًا كثيرًا، وكان نازلًا برباط الصوفية، وذكر لي أنه ينظم الأشعار في الغزل والنسيب، ولم ينشدني شيئاً، ثم لقيته بمدينة السلام، ووعدني أن يعلق لي جزًء من قيله، فما عدت إليه لتوان لحقني، وبعد مدة طالعت مجموع أشعار كبير، فوجدت فيه أقطاعًا من من شعره، وهي مكتوبة بخط يده، فنقلت منها قوله:

أشاقك إذ عنَّ برق لموعوأغراك إذ حنَّ ورق سجوع
وما كنت أحسب أنَّ الهوىله بذوي الحلم يومًا ولوع
إلى أن رأيتك في أسرهتقاد وأنت سميع مطيع
وأنت حفيٌّ برجع خلتمرابعه وهو ناءٍ شسوع
تسائل هل مطرت أرضهوهل فيه بعد نواهم ربيع؟
وتعنو إذا الركب ألفيت فيحقائبهم منه نشر يضوع
ألم تك ذا خلَّة لا تهيلخطبٍ فكيف اعتراك الخضوع؟
وأنَّى استفزّك حتى جزعــت على الجزع يوم استقلُّوا الهلوع

هو الحبُّ أسهمه لا تني لموقعها تتشظًّى الدُّروع

فكيف إذا ساعدتها نوىتنوء بصبري وشمل صديع
وإني أرى الصبر فيما زعمتجميل العواقب لو أستطيع

ونقلت أيًا من خطه شعره:

وأبيكما إنًّ الذي تريانهمغنى الهوى فسلاه عن سكَّانه
إن تنكراه ففي ثراه لطيبهمعرف يدلّكما على عرفانه
وأسيل خد ما السلو بممكنعنه لأنَّ القلب من أعوانه
حجبوه يوم سروا بأسمر مثلهلدن وأبيض سلَّ من أجفانه

وله من قطعة أولها:

دار الهوى بين الصريم وحاجرهل فيك منتجع لصاد صادر؟
عهدي بربعك عامرًا ولطالماعقلت به لبي عقائل عامر

عبد الرحمن بن أبي القاسم بن غنائم بن يوسف بن أحمد بن عبد الله، أبو محمَّد الكنانيُّ، المعروف بابن المسجَّف:

أصله من عسقلان، ومولده بمصر، ونشأ بدمشق، شاعر محسن بذيء اللسان، هجاء متهجم على الهجاء، متسلط على أعراض الكبراء من الناس، وذوي الجاه منهم، وعرف بالهجاء حتى عزي إليه ما ليس له، اكتسب بالشعر ثروة واسعة، ورزق منه حظَّا وافرًا.

لقيته بالموصل في شهر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وستمائة، وردها من بلاد الروم، فوجدته شابًا ذا نعمة ظاهرة، وحسن حال، وغلمان ظراف.

ثم سافر إلى دمشق، فتوفي بها في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وستمائة، وخلف مالًا جزيلًا، نحو ثلثمائة ألف درهم، وغيرها من الأثاث والبضائع، ولم يكن له وارث، ولا تزوج قط، وسمعت أنه كان بخيلًا ساقطًا مقترًا على نفس. فاستنشدته من أشعاره، فأنشدني كثيرًا منها، فمن ذلك قوله في ابن كساء الشاعر

المصري، يهجوه حين قدم الموصل، وسار عنها إلى العقر:

أرى ابن كساء قد تقدَّم حالهوذلك بالحدباء من عجب الدَّهر
تردََّى رداء الجهل والنَّقص فانثنىتدرُّ له الأرزاق من حيث لا يدري
كذلك أفعال اللَّيالي قديمةوشيمتها مع كلِّ منتحل الشِّعر
ولو كان مشهورًا بأدنى فضيلةلأصبح فيها ناقص الحظ والقدر
ولو لم يكن يحكي الذباب قذارًةلخسَّة مقدارٍ لما صار بالعقر

وأنشدني أيضًا لنفسه فيه يهجوه:

أرى ابن كسا يسرِّق كلَّ شيءمجاهرةً ويكذب حيث كانا
فلو أنَّ الًّزمان قصيد شعًريصادمنا بها سرق الزَّمانا
ولولا أنَّه رجل جبانلساء الفعل وانتحل القرانا

وأنشدني لنفسه يهجو ابن عنين الشاعر:

يا علَّة القولنج لا تتركنيمن صحَّة العالم في سقمه
ولا تخلِّي درهمًا واحدًامن نجوه يخرج من سرمه
حلِّي قواه واشددي طبعهحتى تروح الروح من جسمه
لتسلم الأعراض من شتمهويستريح النَّاس من ظلمه

وأنشدني لنفسه يصف الخمر:

ومدامة رقت فعيش نديمهاممَّا يكدِّره الزَّمان مروَّق

وأنشدني لنفسه فيها أيضًا:

حمراء تعقب شاربيها راحةفلأجل ذلك سميت بالرَّاح
طاف السُّقاة بها علينا في الدُّجىفجمعن بين اللَّيل والإصباح

وأنشدني لنفسه في صديق له يلقب بالكمال، وعبد الرحمن يلقب البدر

فقال في ذلك:

يا ابن هلال الكمال أضحىقدري وضيعًا وكان عالي

صاحبته فاكتسبت ذلًّا وكنت من قبل ذا دلال

والبدر لا يعتريه نقصإلا إذا لاذ بالكمال

وقال في إنسان يعرف بكتيع، وله غلام اسمه شمعة، كتبها على طريق المداعبة إلى صديق له:

هام الكتيع بشمعة فنهارهمع ليله عن ظهره لم ينزل
فاعجب لأسفل شمعًةٍ يطفا بهطول الزَّمان لهيب ذاك المشعل

وله وقد أحالوه بحوالة على إنسان يعرف بالقمر:

قل للصَّفيِّ ومن أنامل كفِّهتغني إذا بخل الغمام عن المطر
كيف السبيل إلى الشَّعير ودونهالشَّعرى وأخذ حوالةٍ عند القمر؟

وقال يهجو:

وكيل بيت المال قد أصبح النــجم وكم من حوله حاما

فهو لبيت المال أهل إذا أسقطت من آخره لاما

واخيبة الآمال في عصرهوضيعة الأموال إن داما

وقال يهجو أهل الموصل:

تجنب مصاحبة الموصلِّيفإنَّك من تركها تربح
فلو قيل للكلب يا موصليلما عاد من بعدها ينبح

وله في ابن عنين الشاعر، حين تقلد الوزارة للملك المعظم عيسى ابن أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق، وفي وفي البهاء ابن المتنبي، لما تولى دار الزكاة:

أرى ابن عنين والبها مذتولَّياعلى النَّاي ولَّى الخير عن كلِّ مسلم
فوالله يا عيسى بمن شئت منهمابعثت ولو كنت المسيح بن مريم
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «أرى ابن عنين والبها مذ توليا»

وقال يهجو أصحاب الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن أبي بكر:

جماعة عند موسى ليس عندهمفضل ولا فيهم خير لمخلوق
ابن المحوّر والدُّخوار والفلك الــمصريُّ وابن جريرٍ وابن مرزوق

وقال يهجو مدينة إربل:

إربل دار الفسق حقًا فلايعتمد العاقل تعزيزها
لو لم تكن دار فسوق لماأصبح بيت النَّار دهليزها

وقال فيها أيضًا:

وقال فيها أيضًا:

إربل دار الظَّلم لا أخصبتولا أشاد الله بنيانها
لو لم تكن بلدة سوءٍ لماأصبح بيت النَّار عنوانها

وقال يهجو الفصيح الشاعر:

إن يشا رزقنا الذي نحن فيهعدم الظَّلُّ عنده والهواء
مثل وجه الفصيح أسود مذموم قبيح الصِّفات ما فيه ماء

وقال:

رأس الضِّيا بلسان الحال يخبرنابما جنت كفُّ محيي الدِّين في الماضي
فاعجب لرأس وزيرٍ دأبه أبدًايروي أحاديث صفعٍ عن يدي قاضي

عبد الرَّحمن بن وثَّاب بن نصر الله ين وثَّاب بن أبي المنيع زمام بن هبة الله بن أحمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد بن العبَّاس بن سعيد بن مشرف بن معاذ بن معارك بن عامر الصِّيهان بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو القاسم البزاعي:

وبزاعا قرية قريبة من حلب، وهي أشهر قراها.

وجده سعيد بن العباس بن سعيد هو أخو أبي موسى محمد بن العباس بن سعيد، كان الأمير المستولي على حلب وأعمالها في زمن أحمد بن طولون، وقد امتدحه أبو عبادة البحتري بالقصيدة السينية التي أولها:

(أقام كل ملث الودق رجاس"

وهي من فرائد قصائده وأشهرها، وأبو القاسم أخبرني بحلب المحروسة أنه ولد ببزاعا في شهور سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث الكثير بحلب، ودمشق، وبيت المقدس، والموصل، وحرّان، ومكة –حرسها الله تعالى- والمدينة، وبغداد، من أصحاب أبي الوقت، وحفظ القرآن الكريم، ودرس فقه الإمام الشافعي على الشيخ فخر الدين بن عساكر الدمشقي، حتى أتقن معرفته دراسة وفهمًا، وقرأ الخلاف والأصول، وتولى القضاء ببزاعا في سنة إحدى عشرة وستمائة، وأقام بها أيامًا قلائل، ثم عزل نفسه منها، ثم قدم حلب، وتولى الحسبة بظاهرها بالحاضر السليماني من سنة أربع وعشرين وستمائة، وكفّ بصره في سنة ثلاث وثلاثين وستمائه، ولم يعزل عنها، ثم أقام نائبًا عوضه في الحسبة، ثم رتِّب معيد درس الإمام عماد الدين أبي المجد إسماعيل بن هبة الله بن سعيد بن باطيش الفقيه المدرس الموصلي، بالمدرسة النورية المعروفة بالعِّزيَّة، ويختلف إليه جماعة من الفقهاء يشتغلون عليه، وهو رجل قصير، أشيب، ضرير، عالم فاضل، شاطر مناظر، له أشعار، أنشدني منها، وأنا سألته ذلك، وزعم أنه [قال] ذلك ارتجالًا:

ندبت إلى نظم القريض تأسِّيابأهل النُّهى والعلم والجود والفضل
فقلت ارتجالًا ليس لي رتبة النُّهىولا لي شعر يجتنيه أخو النِّقل
ولكنَّني صاحبت قوما أفاضلًابهم يقتدى في كلِّ عقد وفي حلِّ
فأجهدت نفسي في اقتباس علومهملعلي أنجي النَّفس من ورطة الجهل
فمن رام مِّني غير هذا فإنَّهكطالب خفض العيش في زمن المحل

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.