تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد العزيز

عبد العزيز بن النَّفيس بن هبة الله بن وهبان بن روميِّ بن سلمان البغداديُّ:

وقد سيق نسبه بتمامه، عند ذكر أخيه أبي نصر عبد الرحيم.

يكنّى أبا القاسم، كان يعاني نوع الأدب، ويتعاطى نظم الشعر، وكان لطيفًا مطبوعًا، ذ فضل وأدب ومروءة، وسماحة، فمن شعره قوله:

أمسيت صبًّا ذا مدمعٍ صببقد ذهبت عنك ظبية الذَّهب
[فـ] يا ربيعًا خلت مرابعهمن غصن بانٍ يهتزُّ في كثب
روميَّة من يرومها كلفٌمثلك إلَّا بكثرة الذَّهب
أعطتك لون اسمها فوجهك مصــفرٌّ بورس الغرام والشَّحب
وأوقدت في حشاك وجنتها الــحمراء نارًا شديدة اللَّهب
أصبحت بالموصل الغداة بلاوصل حبيبٍ مستعذب الغضب
كاسٍ من العلم والمناقب والمجــد وعارٍ من حلَّة النَّشب
ما ذات شعرٍ كالليل فوق سنىصبح بشعرٍ ينال أو خطب
أكلَّ يومٍ تصبيك غانيةٌرود الصِّبا ذات منظرٍ عجب
هب أنَّ بغداد كنت ماجنهامنهمكًا في السُّرور والطَّرب
فكيف ترجو وأنت مغتربٌإلفًا بلا عسجدٍ ولا ذهب؟
في كلِّ أرض تهوى الملاح وتلــقينا بشكوى هواك في العطب
كلا الهوائين عندك اجتمعاللباردين الشّتاء والنَّشب
خمسون يومًا أقمتت في بلدٍولم تنل بغيةً من الطَّلب
/ ب/وقد أتاك الشِّتاء تبعثهمقدِّمات الرِّياح والسُّحب
قل لي بماذا تلقى عساكرهإذا أغارت في جحفلٍ لجب
ماذا الخمول الذي دهاك ومازلت نبيهًا يا أفصح العرب؟
وقد تفيّأت ظلَّ ذي نسبٍمعرِّقٍ في العلاء والحسب
أخيَّ مذ صرت في جناب جمًال الدِّين عانيت حرفة الأدب
لا تيأسن إنَّما عنايتهيأتيك منها الجناح عن كثب
فارقت بغداد فهي شيِّقةٌإلى بديع المديح والنَّسب
كنت بها زهرة الرَّبيع وقدجيدت بهامي الرَّباب منسكب
فاليوم تشتاقك المواسم والــدُّولة والجالسون في الرُّتب
سقيًا لأيامنا التي سلفتبنهر عيسى ومائه السَّرب
ونحن بين الرِّياض في زهرٍنوَّاره المستنير كالشُّهب
حيث المخاليف لا تخالفنايا سعد في لذَّة ولا أدب
لهم قسيٌّ من الجفون ومنعيونهم أسهمٌ لمكتئب
من كلِّ ظبي حبوب مغرزهلآليءٌ أو تراصف الحبب
يحمي بسيف الجفاء مجلسهإذا سقانا سلافة العنب
ذاك زمانٌ مضى بلذَّتهفكيف أصبحت من جوى الكرب

أنشدني الشيخ الأجل، العالم نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العزّ بن أبي طالب الشيباني الدمشقي بها في المحرَّم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو القاسم عبد العزيز بن النفيس بن هبة الله بن وهبان البغدادي لنفسه ما قاله بدمشق من قصيدة:

هاج وجدي عند تغريد الحمامفصبا قلبي إلى دار السَّلام
بلدةٌ جانبتها إلا عن قلىًوإليها جذب الشَّوق زمامي
شاقني بالكرخ من غربيِّهارشأ من سقم جفنيه سقامي
مخطف القدِّ رشيقٌ راشقٌبسهام اللحظ أبناء الغرام
لؤلؤيُّ الثَّغر معسول اللَّمىعندميُّ الخدِّ عسَّال القوام
كيف لي بالورد من ريقتهوبوردٍ أجتنيه بالشام؟
وهو محميُّ الحمى من قدِّهومن اللحظ برمحٍ وحسام
وهب الطيف اهتدى حين سرىهل تلاقي الطيف إلَّا في المنام؟
بعده طرفي وسمعي هجرالمنامٍ ذا وهذا لملام
عقَّني إذ عاقني عن قصدهزمنٌ مغرىً بتشتيت التامي
أبدًا يرشقني من صرفهبسهامٍ وقعها فوق سهام

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه في غلام فقيه:

يا فقيهًا طرفه الفتــتان قد أفتى بقتلي
والذي تلقي دروس الــسِّحر عيناه وتملي
أيُّ شرعٍ حلَّ هجريفيه أو حرَّم وصلي؟
قد رماني لحظ عينيـك من الغنج بنبل
ولكم قد قتلت مقــلتك الكحلاء قبلي
يا بديعًا يسجد البدر له عند التَّجلِّي
ما يرى مثلك في الحســن ولا في الحزن مثلي

وأنشدني قال: أنشدني أيضًا فيه لنفسه:

يا قاتلي بصدودهلك في الوجيز أجيز قتلي
أم طرفك الفتتاك قدأفتاك في تحريم وصلي؟

وأنشدني قال: أنشدني في غلام يرمي بالنشاب:

روحي الفداء لشادنٍروحي تعذَّب في يديه
في كفِّه سهمٌ وقوسٌ غير محتاجٍ إليه
وسهامه من لحظهحظ ورده من وجنتيه
إن أخطأت يده فماتخطي رماية مقلتيه

وأنشدني له قال: أنشدني يداعب شخصًا لقبه نجم الدين:

يا أيُّها النَّجم الذي لم نزلفي ظلمة الفسق به نهتدي
النَّجم ينقضُّ على ماردٍوأنت تنقضُّ على أمرد

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه من قصيدة:

لا يطمع العذل في إذنٍ على أذنٍفلست أصغي للومٍ لا يلائمني
ولا جفوني في طيب الرُّقاد ولافؤادي الصَّبُّ أن يخلو من الشَّجن
مادام لي نظراتٌ تحتها طمعٌفإنَّ لي زفراتٍ ما تفارقني
وكيف أعدم يوماً من دمشق هوىًوقد بليت بغزلانٍ تغازلني
أين التفتُّ رأت عيناي بدر دجىًمن كلِّ ناحيةٍ فيها يطالعني
وقد تملَّك رقِّي منهم رشأأراق إعراضه دمعي وأرَّقني
إن صدَّني عن لماه العذب عذبنيوإن حمى رشف ذاك الظَّلم يظلمني
فكيف لي بوصال وهو يعجزنيأم كيف بالصَّبر عنه وهو يعوزني؟

وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:

هجر الحبيب وهجر قول معنفيقدحا بقلبي لوعةً ما تنطفي
عجبًا أذمُّ على الهوى الواشي بهوتشي دموعي فيه بالسِّرِّ الخفي
مالي أراعي عهد من لا يرعويوإلى وصالي لا يفيء ولا يفي؟
يا صاحبي أودى هواه بمهجتيوظمئت فانقع غلَّتي بالقرقف
قم فاسقنيها خمرةً ذهبيَّةًواذهب بصرف الراح همِّي واصرف
من كفِّ ذي غيدٍ يجود إذا سقىكالغصن معتدل القوام مهفهف
ظبيٌ من الأتراك لم تترك ظباأجفانه فعلًا لحدِّ المرهف
شاكي السِّلاح إذا رنا وإذا انثنىأردى الكميَّ بصارمٍ ومثقَّف
في دوحةٍ جاد السَّحاب رياضهافالنَّبت بين مدَّبحٍ ومفوَّف

عبد العزيز بن محمَّد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن علي بن زيدٍ الكرابيسيُّ النَّيسابوريّ، أبو محمَّد بن جعفر بن العجميِّ:

من أهل حلب، ومن بيت معروف بها في التقدُّم والرئاسة والثروة واليسار، كانت ولادته في شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وتوفي يوم الجمعة، ثالث عشري جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة، ودفن بالقرب من مقام إبراهيم ﵇ في مشهد أنشأه والده شرقي المقام.

كان عدلًا على الخزانة، من قبل ولاة حلب، الملك العزيز غياث الدين، وبعده لولده الملك الناصر يوسف، وكان أوَّلًا قد قرأ فقهًا ونحوًا وأدبًا، وسمع الحديث النبوي على جماعة منهم القاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الأسدي، وأبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الآدمي، وابن روزبة، وغيرهم، من الذين قدموا محروسة حلب، وفهم طرفًا جيّدًا من الفرائض، والحساب، وقال شعرًا صالحًا من المقطعات النادرة.

وكان مع ذلك فيه مروءة وسماحة، يحبّ أهل الفضل، وأرباب العلم، أنشدني من شعره ولده كمال الدين أبو يوسف أحمد قال: سمعت والدي ينشد لنفسه:

سقى الله دهرًا كان يجمع بينناإذ العيش غضٌّ والحبيب قريب
نجرِّر أذيال الصِّبا في رياضهويدعو بنا داعي الهوى فنجيب

وأنشدني أيضًا ولده قال: أنشدني والدي من شعره:

وقد كنت أرجو أنَّ عهدي دائمٌوأنَّ مكاني من ودادك لا يخلو
فأخلقت الأيّام ظنِّي بعهدكموإن كان قلبي لا يملُّ ولا يسلو

وأنشدني نجم الدين عثمان قال: أنشدني ابن عمّي أبو محمد بن أبي جعفر لنفسه:

ألا لله من عيش تقضَّىعساه يعيد لذَّهته إليّا
وذه فيروز لمّا أن تغنَّتظنّنا معبدًا قد عاد حيّا
علقت بحبِّها طفلًا صغيرًاوأسكرني الهوى سكر الحميّا
إذا قبَّلتها قالت بغنجٍلق أضجرتني فتنحَّ هيَّا

ومن شعره أيضًا ما كتبه إلى وزير الوقت، زين الدين عبد المحسن بن محمد بن عبد الواحد بن حرب، وهو يتولّى يومئذ وزارة الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب، بمحروسة حلب:

إذا ما طاولتني الشُّهب يومًارأت شرفًا ينزَّه عن عيان
بقربك لا بقرب سواك خلقًاوجدت مكانتي أعلى مكان
وكيف أخاف حربًا من فلانٍوأنت السِّلم لي أبد الزَّمان؟

عبد العزيز بن محمَّد بن أبي الفضائل بن أبي البركات، أبو محمَّد ابن أبي المعالي البغداديُّ الواعظ، المعروف بابن الدِّيناري:

كانت ولادته بمدينة السلام بباب المراتب، ليلة الجمعة العاشر من رجب سنة ستٍّ وخمسين وخمسمائة، وقرأ القرآن الكريم على أبي الحسن علي بن عساكر بن

المرحب البطائحي وغيره، وسمع الحديث على جدِّه لأمّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن هبة الله بن أبي طالب الفرغاني الديناري، وقرأ الأدب على الإمام أبي البركات عبد الرحمن بن محمَّد الأنباري، وأبي محمد إسماعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي النحوي، وأبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصار اللغوي البغدادي، وأبي العز محمد بن محمد بن مواهب الخراساني، وأبي محمد الحسن بن عبيدة المقرئ الكرخي، وتفقه على الشيخ أبي طالب البارك بن المبارك الكرخي المعروف بغلام ابن الخل الفقيه الشافعي.

ثم قدم الموصل، وتفقَّه بها على القاضي أبي الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، وأبي المظفر محمد بن علوان بن مهاجر، وقرأ الفرائض على أبي الثناء الضرير الفرضي، واشتغل بالوعظ وتميّز فيه، واشتهر به.

وكان مليح الكلام، حلو العبارة، حسن الإيراد، أقام بالموصل يعظ بالمدرسة الأتابكية العتيقة، ثم توجَّه إلى الشام، ودخل ديار مصر، وسكنها مدّة، يعظ ويفيد الناس، ثمَّ عاد إلى الموصل في سنة أربع عشرة وستمائة، ومكث بها مديدة على عزم العودة إلى الشام، ونزل دمشق، وتوفي بها يوم الجمعة، رابع ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

وكان متميزًا متقنًا، ينظم الشعر الرائق، أنشدني من شعره الإمام أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصلي الفقيه الشافعي- أيَّده الله تعالى- بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدنا أبو محمد عبد العزيز الديناري بالموصل في ثاني عشر المحرم سنة خمس عشرة وستمائة لنفسه في الغزل:

مالزال يمطلني بدينيبدرٌ له قدُّ الرُّديني
/ ب /ظبيٌ غريرٌ أحورٌيسبي بخدٍّ كاللُّجين
ترمي سهام جفونهفينا قسيُّ الحاجبين
كم يسترق متيَّمًابعذاره والسَّالفين
سفكت دمي ألحاظهعمدًا بسهم المقلتين
ما لي ألوم على الهوىقلبي وطرفي جرَّ حيني؟
أنا كلَّ يومٍ معهمافي حرب بدرٍ أو حنين
أألام في قمرٍ علىخدَّيه صورة عقربين؟
دبَّت على قلبي وماجلب البلية غير عيني

وأنشدني أيضًا قال: أنشدني عبد العزيز بن أبي المعالي يرثي شيخنا الإمام أبا المظفر محمد بن علوان بن مهاجر، [وكان قد] توفي يوم الأحد، ثالث المحرّم من سنة خمس عشرة وستمائة- رحمه الله تعالى-:

أوحشتنا لمَّا تولّى الدُّروسوالفتاوى بكته والتَّدريس
آه واحسرتاه على شرف الدِّينومن كان صمته تقديس
وإذا فاه بالفوائد تملىصحفٌ من علومه وطروس
ولكم كان ينشر الدُّرًّ إن ناظر في محفلٍ وتجلى عروس
ولكم عمَّ حزنه وتساوىفي عزاه الرئيس والمرؤوس
كلُّ عينٍ عرى وكلُّ فؤادٍفيه من حزنه الطويل رسيس
ولقد ألبس الزَّمان حدادًافهو بالحزن ظلمةٌ خندريس
عجبًا كيف حلَّ في اللَّحد طودٌوهو في ضيق تربه مرسوس
ولبحرٌ ثوى بقعر الثَّرى فيهمن المأثرات درٌّ نفيس
ولقبرٌ حوى بضيقته ليـثًا هزبرًا له ثراه حبيس
ولئن أظلمت لحودٌ ففي قبــرٍ حواه من العلوم شموس
أو شكت وحشةً فقد حلَّ في لحــدٍ به حلَّ من بقاه أنيس
وبه الدَّهر كان طلق المحيّاوهو الآن حين بان عبوس
ولو أنَّ المصاب يفدى بشيءٍلفدته من الحمام النُّفوس

وأنشدني القاضي الإمام كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي

المدرس- أدام الله تأييده- بحلب في سنة أربعين وستمائة قال: أنشدني أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن أبي الفضائل بن أبي البركات الفقيه الشافعي البغدادي الواعظ المعروف بابن الديناري لنفسه بحلب سنة اثنتين وعشرين وستمائة:

غزالٌ سباني فاتر الطَّرف أحوريقدُّ الردينيات بالقدِّ أسمر
إذا ما رنا أصمى الرَّميَّة لحظهوفي طرفه سيفٌ من اللَّحظ أبتر
وكم قتلت ألحاظه من متيَّمٍيسلُّ عليه باللواحظ خنجر
وقد أمرضت جسمي مراض جفونهومذ فترت سقمي بها ليس يفتر
بخدٍّ نقيٍّ كاللُّجين بياضهومن فوقه وردٌ من الحسن أحمر
وثغرٌ هو الإغريض لا بل لآليءٌمنضدةٌ عند التَّبسُّم تبهر
ترى الدرَّ منظومًا إذا كان باسمًاولكنَّه للدُّرِّ بالنُّطق ينثر
ونكهته المسك الذكيُّ تخالهابعيد الكرى بل مازج المسك عنبر
وريقته يشفي المتيَّم رشفهاورائقها عند الترشُّف يسكر
بأجفانه إمَّا دنا سحر بابلٍومن لفظه أو لحظه الصَّبُّ يسحر
إذا صدَّ الصَّبر عنّي بصدِّهويهجرني طيف الكرى حين يهجر

وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه:

حفظت العهود وضيَّعتمفأين الحفاظ وأين العهود؟
ففي القلب منكم جوىً نارهلها في الحشا مذ حللتم وقود
أأكتم ما بي من حبِّكموقد خدِّدت بالدُّموع الخدود
وإن أنا أنبأت سرَّ الهوىفها زفرتي ودموعي شهود
وقد كنت قبل الهوى صابرًاجليدًا وفي الحبِّ يفنى الجليد
سقى الله نجدًا وأرض الحمىملثًّا بتلك المغاني يجود
أحبُّ زرودًا وتلك الرُّبوعفكم جمعتنا قديمًا زرود
زكم قد سحبت برود الشَّباببها فازهتني تلك البرود
وكان الشَّباب شفيعي وليغدائر تسبي المحبِّين سود

فشبت وما شاب وجدي بكم .. وإن كنت شبت فحبي وليد

وأنشدني أيضًا قال: أنشدني لنفسه أبياتًا عملها في طريق مكة، وقد حجَّ من العراق في سنة ثلاث وستمائة، وحجَ في تلك السنة صدر جهان وكانت الوقفة الجمعة، وهلك من الحاج خلق كثير من العطش، ولا سيَّما في منزلة به تسمى العسيلة:

يا سائلي عمّا جرىإنِّي اختصرت لك العبارة
إنَّ العسيلة أصبحتفينا حلاوتها مرارة
وكذا النُّقيرة قبلهاعدم الفتى فيها قرارة
كم من شبابٍ شاحبٍبعد الملاحة والنّضارة
أضحى بقفرٍ عادمًافيه أقاربه وجاره
مستوطنًا بمفازةٍوفراشه فيها الحجارة
لا ليله ندري بهعند الظَّلام ولا نهاره
ولكم رأى من يستجيــر به ولكن ما اجاره
ترك النِّساء أراملًاوجفا لسفرته دياره
كم من وقورٍ عادمٍبالموت بينهم وقاره
متوسِّد يمناه فوق جبينه ألقى يساره
كم مرضعٍ ورضيعهاتومي إلينا بالإشارة
من ذا يبرِّد غلَّتيبالماء يربح بالتِّجارة؟
كم مترفٍ ومنَّعمٍوالرمل قد أضحى دثاره
كم مات منهم جالسٌبين الحجارة والمحارة
كم من وجوهٍ سوِّدتمن قبل كانت مستشارة
كم من قطارٍ مات والــجمَّال متَّبعٌ قطاره
وجميعهم صرعى كأنَّالسُّكر ألأبسهم خماره
وأتاهم البيت الحرام إلى العسيلة للزِّيارة
إنَّ الملائكة الكرام أتت إليهم بالبشارة
إنَّ الإله رضي لهمفي جنة المأوى جواره
قد كان ينتفع الفتىبالذِّكر لو أبدى ادِّكاره
أو كان يفتكر اللَّبيــب ويكثر الدَّهر افتكاره
لرأى بعين العقل أنَّمحاسن الدُّنيا معاره
فاترك تجارتها فإنَّتجارة الدُّنيا خسارة
فالملك فيها لا يدوم فكيف يفرح بالإمارة
واعدل إذا ولِّيت أمــرًا فالإمارة بالعمارة

وقوله:

وأتاهم البيت الحرام إلى العسيلة للزِّيارة

قيل: رأى بعض الحاج في منامه كأنَّ البيت الحرام مشى، فقيل: إلى أين؟ فقال: إلى زيارة الموتى بالعسيلة.

عبد العزيز بن قرّى، ينعت بالقاضي الأمجد المصري:

كان من الفضلاء في زمانه أدبًا، وفضلًا، وعلمًا، وتبريزًا، له يدٌ في كتابة الإنشاء، مع حفظ القرآن، وتدريس الفقه، وقول الشعر، والأدب الوافر.

ومن شعره:

قد كنت أحذر من وقوع فراقكموأعافه وأخافه حتَّى جرى
سبق القضاء به فقدَّر يومهحتمًا فلا ردٌّ لما قد قدِّرا
ساروا فلو ألقي يسير تشوُّقييومًا على الصَّخر الأصم تفطّرا
ولو أنَّ بحرًا صادفته قطرةٌمن دمعتي لجرى نجيعًا أحمرا
يا عاذل العشَّاق جهلًا بالهوىما كان أحسن أن ترقَّ وتعذرا
إن كنت لم تر قطُّ يومًا قيمة الــدُّنيا ففارق من تحبُّ لكي ترى

عبد العزيز بن محمَّد بن عليِّ بن حمزة بن القبَّيطيِّ، أبو البركات، الحرَّانيُّ الأصل، البغداديُّ المولد:

شيخ فاضل حافظ القرآن العظيم، متقن له، مجيد لأدائه، حسن التلفّظ به، شيخ صالح، ذو سكون ظاهر، سمع الحديث، وكان فيه فضل وأدب، سمع شهدة بنت الإبري، ومن بعدها، وحدث وسمع، وكانت وفاته في منتصف ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة بمدينة السلام.

أنشدني أبو طالب علي بن الحسن بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة [قال] أنشدني عبد العزيز بن محمد بن القبيطي لنفسه من قصيدة طويلة في المستنصر بالله- ﵁:

حمى شرعة الإسلام من كلّ باطلإمام هدى برٌّ كريم الشمائل
إمام هدىً أعطى الخلافة حقَّهاوقام بمفروضاتها والنوافل
وأعلى من الإسلام كلَّ دعامةٍوشيَّد من أركانه كلَّ مائل
يذبُّ عن الإسلام منه حميَّةًيبيد أعاديه عديد الجحافل
ويحمي ثغور الدِّين في كل وجهةٍويدفع عنها بالرِّماح الذَّوابل
يسحُّ على العافين سيب نوالهكما سحَّ هطَّال العيون الهواطل
برحمته عمَّ الخلائق كلَّهمونال المنى من برِّه كلُّ آمل
بمستنصرٍ بالله نسأل ربَّنافيكشف عنَّا كلَّ لأواء باطل
به تكشف البلوى ويستنزل الحياوتدنو الثُّريا من يد المتطاول
لقد منح الله الخلافة راحمًارؤوفًا جوادًا جامعًا للفضائل
فنسأل ربَّ العرش تطويل عمرهعلى مرِّ دهرٍ دائمٍ متطاول

عبد العزيز بن عثمان بن منصور بن أبي الفوارس، أبو أحمد الفزاريُّ الإربليُّ:

كان شابًا، لهج بقول الشعر، وأكثر النظم، وادّعى أنَّه من بني فزارة، وكثيرًا ما يذكر ذلك في شعره ويردِّده مفتخرًا به، خرج من إربل قاصدًا ملوك الشام أبناء أيوب، فامتدحهم، وأخذ صلاتهم وحسنت حاله، ثم توجه نحو إربل، فوصل نصيبين في أوائل صفر سنة ست وعشرين وستمائة، وكانت ولادته في حدود سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وكان معه غلامان له، فتحاملا على قتله، وأخذا الموجود من ماله ومتاعه، وهربا.

وذكر لي بإربل أنه كان يسرق الأشعار، ويمدح بها، وقد عثر له جماعة على السرقة. أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي قال: أنشدني أبو أحمد عبد العزيز بن عثمان لنفسه، ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي يهنيه بعيد الأضحى، وزعم أنه عمل ذلك بديهو:

أبا البركات العيد وافاك مقبلًابسعدٍ فكن يا سعد للبرِّ قابلا
أتاك أناسٌ للتَّهاني فصادفوامن اسمك فألًا فيه للخلق شاملا
فولُّوا وجاء الدَّهر في إثر سعيهميقيم لهم عذرًا ويخضع سائلًا

ونقلت من خطه قوله، وقد جاء ولد، وهو ما كتبه إلى الشرف أبي بكر محمد بن علي بن حامد، يسأله أن يضع له اسمًا:

حيِّ الفتى الشَّرف بن حامد إنَّهغيثٌ بغير عطائه لا أقنع
يحدو الركاب وفي يده ورأسهرمحٌ أشقُّ وصارمٌ لا يطبع
يسعى على شرف الطُّروس بغربهكيلا تلوح به الشُّموس الطُّلَّع
تروى أحاديث النَّدى مأثورةًعنه وأصدقها عليه تسمع
فبكفِّه شمل اللُّهى متفرِّقٌولديه شمل المكرمات مجمَّع
لله كم لفتىً شقيٍّ من يدٍيضاء تبرع في السَّماح وتبدع
ما إن قصدتك في اكتساب فضيلةٍإلَّا وبرُّك للفضائل يتبع
ألبست [فيك الشعر ما يزهو] بهيثني عليك معمَّمٌ ومقنَّع
نوَّهت بي بعد الخمول وزدتنيشرفًا به تومي إليَّ الإصبع

ولقد صحا جدِّي العثور وأقبل الإقبال نحوي في خطاه يسرع

وأتى يبشِّرني البشير بدرَّةٍفي غير تاج فزارةٍ لا ترضع
بدرٌ تكامل نوره في ليلهوتزيده عشرٌ تمرُّ وأربع
فاختر له اسمًا يبق فوق جبينهوسمًا ..... والمرصع

وقال من قصيدة:

تفرَّق شعب الحيِّ وانصدع الشَّملفلا كثبٌ تدنو إلينا ولا رمل
وشطَّت بمن نهواهم غربة النَّوىوأقصاهم عن ناظري الحزن والسَّهل
فما ساعدت سعدى محبًّا بوصلهاولا أجملت من قبل وشط النَّوى جمل

وأنشدني الحسن بن علي بن محاسن قال: أنشدني عبد العزيز لنفسه من قصيدة:

جاد العهاد ملاعبًا ومعاهدًاوسقى وهادًا باللِّوى ومعاقدا
وصبت بدمنتها الصَّبا وتنسَّمتفيها الشَّمال تجرُّ بردًا باردا
دمنٌ سحبت بها ذيول شبيبتيوهصرت غصن العيش لدنًا مائدا
أيام لا أخشى الوشاة ولم أخففي حبِّ علوة كاشحًا ومعاندا
وسعاد تسعد بالوصال وقد سهاجفن الرَّقيب وبات عنّا راقدا
ونديمنا خنث المعاطف وجههبدرٌ لديه البدر أمسى ساجدا
حيّا بكأسٍ خلتها في كفِّهبرقًا تحدَّر أو ضرامًا صاعدا
مدَّت على وجناته من نورهاشفقًا فصار بوجنتيه جامدا
رشا له دين المسيح عقيدةٌوبذاك للزُّنَّار أضحى عاقدا
كم قد نصبت له الحبائل ابتغىصيدًا له فغدا لقلبي صائدا
يا شاردًا بالأمس يلقي نظرةًإياك تتلف فيك قلبًا شاردا
لا تسفكنَّ دم المحبِّ تعمُّدًافالإثم لا يلقاك إلَّا عامدا
إن أنكرت جفناك قتلي أظهرتلي من دمي وجنات خدٍّ شاهدا
ته في الملاحة كيف شئت فلم أطعفي دين حبِّك لائمًا أو حاسدا
يا راقدًا عنِّي وحبِّك إنَّنيمذ غبت ما صاحبت حبًّا راقدا
أأنام والنِّيران حشو حشاشتييذكي الرفيق بها زنادًا زائدا
يا سعد هل لك أن تعين أخا هوىًلم يلق غيرك في الغرام مساعدا
قف دون ما حوت الخيام مناشدًاقلبًا غدوت له برغمي فاقدا
نكِّب بها طيب العذيب مجانبًاوازجر قعودك عن قعودك واخدا
وصل الوجيف إلى الذَّميل بجسرةٍتذر الرِّياح العاصفات رواكدا
خرقت بطون الخرق في إرقالهاوغدت تقدُّ أما عزًا وجلامدا
فإذا وصلت إلى الحمى من رامةٍوشممت للقيصوم عرفًا صاعدا
ورأيت ثمَّ قنابلًا وقبائلًاوذوابلًا وصواهلًا ومجالدا
فهناك حيُّ بني فزارة قف بهوأغث بنصرهم محبًّا واجدا
وقل: السَّلام عليكم من ناحلٍلم يلق بعدكم الصَّبابة عائدا
ابني فزارة كيف ذلَّ فتاكمويراكم أسدًا له وأساودا
أأخذتم بدلًا به واهًا لهمن بعد قربٍ لم غدا متباعدا

وأنشدني أبو إبراهيم فارس بن عسكر بن الحسن الإربلي قال: أنشدني عبد العزيز لنفسه من قصيدة:

نعم هذه نعمٌ وتلك المعالمفهل أنت للبرق الشاميِّ شائم؟
حمتها من السُّمر الدِّقاق ذوابلٌومن جوهر البيض الرِّقاق صوارم
ومن أسدٍ أسدٌ ضوارٍ لسمرهاثعالب تردى من سطاها الضَّراغم
تثنَّت فأثنى الغصن لمَّا تمايلتعلى قدِّها والغصن ريَّان ناعم
إذا أقبلت تختال في حلل الصِّباغدا غادرًا فيها عذولٌ، ولائم
تعذِّب قلبي والجوى يستزيدهافآثمة والمستزيد
لها حاجبٌ يسطو بعامل قدِّهاوناظرها بين الرَّعيَّة ظالم
رفعت إليها قصَّةً لي فوقَّعتعلى رأسها ما في الهوى لك راحم
أحلَّت دم العشَّاق في مذهب الهوىوفي الشَّرع حقًّا ما تحلُّ المحارم
بكيت دمًا في حبِّها فتبسَّمتوإن أعجب الأشياء باكٍ وباسم
ونهنهت دمعي إذ تولَّت بها النَّوىوللدَّمع شؤبوبٌ على الخدِّ ساجم

ولما دعا داعي الفراق وحثَّت النِّياق غدا قلبي بها وهو هائم

وحلَّت بأكناف العقيق من الحمىوحالت بها غيطانه والمحارم
تعسَّست حتى قال صحبي صريمةمن النَّار هاجتها الرِّياح النَّواسم
خليليَّ إلَّا تسعداني على الهوىفقلبي في سحر الصَّبابة عائم
نشدتكما إن جئتما بانة اللِّوىسلا هل سليم العامريَّة سالم؟
وإياكما ماء العذيب فحولهحماةٌ بأيديها رماحٌ حوائم
وإلَّا قفا لي أنَّني بعد بعدهابحتفي إن لم أدن منكم لعالم
سأركب ظهر العزم نحو خيامهاوما تحمل الأثقال إلَّا العزائم
وأسأل خفَّاق النَّسيم فإنَّهعليمٌ بما تحوي الرُّبى والمعالم
قطعت إليها كلَّ بيداء سملقبعيد المهاوى حيث تدمى المناسم
ومرَّت بمرت ضلَّ فيه دليلهوما صاحبي إلَّا جوادٌ وصارم
وخضت ظلام اللَّيل وهو أنيسهوبحر المنايا موجه متلاطم
فإنِّي قد آليت لا أطعم الكرىوللرُّمح أنبوبٌ وللسيف قائم
إلى أن بدت حزوى ولاحت خيامهاوناحت على رند العقيق الحمائم
وقد نصبت سود الأسود ببابهابروج قنىً أفلاكهنَّ اللَّهازم
تخطَّيتها والليل ملق جرانهوقد غفل الواشون والدَّهر راغم
وبتنا وقلب اللَّيل يخفق خيفةًعلينا وحول الخافقين النمائم
إلى أن سرت ريح النَّسيم عليلةًوفرَّ سهيلٌ هازئًا والنَّعائم
ومالت نجوم الشَّرق للغرب جنَّحًاورقَّت حواشي الليل والصُّبح قادم

ومنها يقول:

متى رمت عن أهلي رحيلًا تعرَّضتإليَّ خطوبٌ بالمقام لوازم
وما إربلٌ لي دار سكنى أقيمهاوإن عقدت فيها عليَّ التمائم
حللت بها في معشر هان عندهممديحي [وعزَّت دون ذاك] الدَّراهم
متى لم أزر قالوا ثقيلٌ وأحمقٌوإن زرتهم قالوا العطايا مواسم
فيا ليت شعري كيف أصنع فيهموحظَي منهم حالك اللون عاتم
سأرحل عنهم لا قلىً بل تغرُّبًاففي الهند ما للمندل الرَّطب سالم
وأقصد أبواب الملوك فإنَّنيكفيلٌ لنفسي بالَّذي أنا عازم
متى قلت إنِّي ما ترخَّصت بالذيادَّعيت وقال الخلق إنِّي ناظم

تم الجزء الثالث

والحمد لله أولًا وآخرًا

يتلوه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى

عبد العزيز بن إبراهيم بن علي

بلغ المقابلة من أصل مؤلفه بخط يده

والحمد لله على .........

﷽

/ب/

تتمة حرف العين

تتمة ذكر من اسمه عبد العزيز

عبد العزيز بن إبراهيم بن علي بن علي بن أبي حرٍب، أبو الفضل بن أبي إسحق الموصلي

يعرفون بالموصل ببيت الوالي.

كان والده يتقلد الوزارة بإربل، لسلطانها الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين ﵁، ثم قبض عليه وعلي أولاده، أواخر ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وستمائة.

وكان أبو الفضل ينوب عن والده في الوزارة، أيام ولايته، وأنفذه رسولا غير مرّة إلى الديوان العزيز ببغداد .... عظيمًا، وأنعم عليه. ولما توفي الملك المعظم مظفر الدين ﵁. أفرج عن والده وإخواته من الاعتقال، وكان في جملتهم؛ فرحل عن إربل.

وكان عبد العزيز شابًا أبيض اللون، مشربًا بحمرة، أشقر عبلًا وسيمًا ذا جمال ومنظر، مترفًا متجملًا في زيه من المتنعمين؛ يتأنق في مأكوله وملبوسه، مالا يفعله أحد من الرؤساء أ/ في زمانه، يلبس الثياب المرتفعة الثمن، طلبًا للصيت والحشمة، وكان فيه كبر عظيم وتيه؛ مغرمًا معجبًا بنفسه ونعمته، حتي تجاوز في ذلك الحدود، وذلك الَّذي كان يشينه عند الناس. اجتمعت بعبد العزيز سنة خمس وعشرين وستمائة في إربل بداره، واخبرني انه ولد ليلة الأربعاء سابع عشر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بالموصل.

وأنشدني لنفسه:

لا تولني من أياد طالما حسنتحتي أؤدِّي ما أسلفت من نعم
ذرني أقوم بحسنًاك التي سبقتفقد عجزت عن الآلاء والكرم

وأنشدني أيضًا لنفسه:

إذا أمَّت الآمال كعبة رفدكمفلا عجبٌ أن تنتحي بالرَّغائب
ومن عذبت منه الموارد أجمعتعليه رجال الوفد من كلِّ جانب

عبد العزيز بن أبي عليِّ بن أبي غالب بن أبي عبد الله بن أبي المجد، أبو الخير النحوي الإربلُّي.

شاب أحمر اللون أشقر، أخبرني انه ولد بإربل في صفر سنة/ ب/ثلاث وستمائة؛ وهو من فتيانها الأذكياء قي زمانه، برَّز بفضله على أشكاله وأقرانه، واشتغل مدَّة بفنِّ النحو والعربية، وحقق معرفته، ونظر في مسائله وأصوله، ثم حفظ شعراً كثيراً من أشعار المحدثين وغيرهم، وله شعر يسير.

أنشدني لنفسه ما كتبه متشفعاً إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي؛ في أقوام ألزموهم الولاية بإربل فامتنعوا منها، فنفاهم الملك المعظم؛ مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – فأقاموا بظاهر البلد:

هل لطعن القنا ووقع الحديدمثل فعل العيون بي والقدود
أم لشرب الطِّلا ونيل الأمانيمثل رَّشف اللَّما ولئم الخدود
وعلي رامة فتنت وقبليكم قتيل كما قتلت شهيد
نقض الغانيات عهدي ولكنعادة الغانيات نقض العهود
حَّبذا وصلنا بنجد وطوبيلي بعيش مضي بجبلي زرود
ومن العيش أن يزورك طيفٌأو يعود الوصال بعد الصُّدود
/ أ/ أو تري طلعة المبارك تبدويسرع الناس كلُّهم للسُّجود
لم أجد من رأيت إلاَّ ويختارله أن يكون بعض العبيد
جهل المجد في الوري فهو لا يوجد إلاَّ وأهله
لم يزل منصب الوزارة يدعوقبله الله ما لها من مزيد
حينما بشَّروه بالقرب منهوحَّده الله غاية التوَّحيد
شرف الديَّن يا كثير العَّطايايا ملاذ الملهوف والمجهود
خاطب الملك في مصائب قومٍأهلكتهم مقالةٌ من حسود
اخرجوهم من دارهم مثل قومٍعقروا الناقة الَّتي لثمود
فإذا كنت ذخرهم صار منهمطيِّب العيش مثل حبل الوريد

كلَّ هذا فان صفحت عن العبد فقد حلَّ في جنان الخلود

عبد العزيز بن عمر بن يحيي السراج الإربلي، أبو العزّ.

كان شاباً سرياً جميلاً، لطيف العشرة مع أصدقائه، محباً لأهل الأدب والفضل، وكان ربما كلف خاطره وصنع قطعاً من ب/ الشعر لا بأس بها، أنشدني منها جملةٌ، ولم تطل به الأيام حتى اخترمته المنون، أكمل ما كان شباباً، وذلك يوم الاثنين عاشر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بإربل. وكان مولده بها سنة خمس وستمائة-يرحمه الله تعالي-.

أنشدني لنفسه يهجو إربل:

لا بارك الرَّحمن في بلدةٍيدحض فيها الحقُّ بالباطل
ولا أقام الله راياتهاولا سقاها من حيا هاطل

وأنشدني لنفسه:

.. مذ صدَّصدَّ الكريجفوني واأحلني بعده
علي كلَّ حالٍ وان خاننيهو العبد لي وأنا عبده

عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن هبه الله بن عليِّ بن المطهر بن أبي عصرون، أبو الفضائل بن أبي البركات الموصليُّ الحمويُّ.

كانت ولادته بحماة، عاشر ذي القعدة سنة سبع وتسعين، له الحظ الموفور في إنشاء المنظوم والمنثور، والبديهة أ/ الحاضرة، والغريزة النادرة.

ومما أنشدني لنفسه، بلغه الله مناه، وأسعده في آخرته ودنياه، وضاعف في إقباله، بمحمد وآله؛ هذه القصيدة الفريدة في الباري-سبحانه وتعالي – ورسوله (صلي الله عليه وسلم) وجعلها خالصةً لوجهه الكريم، عملها حين قصد بيت الله الحرام – حرسه الله تعالي:

ملك الملوك اليك من دون الوريأرسلت في الفلوات أنضاء السُّري
.. ذا الثَّقلين منك بنظرةنعم المبيع ونعم ذاك المشتري

قدمي لأول خطوة أسعي إليك بها ...... .................

يا باعثي بعد الوفاة وصاحبيعند الهنات وواهبي طيب الكري
إني أعوذ بنور وجهك بعدمايممت بابك أن أعود القهقري
أنا جارك اللاَّجي فهل انا آمنٌأنا ضيفك الراَّجي وان
أنت الَّذي اغني واقني والَّذيأرضي المقلَّ حجيً وراض المكثرا

[فودادك الحبل المتين ............ ...... غيرك مفتري]

جلَّت صفاتك أن تحد وقدِّستتلك المكارم كثرة أن تحصرا
ظميت إليك حشاشة لا ترتويحتى أراك ولو وردت الكوثرا
وعلمت أنَّك للخطايا غافرٌفخطوت نحوك خاضعاً مستغفرا
/ ب/ أضع الجبين علي الثري متذللِّاًوأمرُّ خدِّي في التُّراب معفِّرا
وأقبِّل العتبات من شغف بهاوأقوم في أفنائها مستغفرا
فلعلَّ ليل الهجر يقضي نحبهوصباح يوم وصالنا أن ينشرا
ويعود قلبي بالمسرةَّ آهلاًفلطالما كان اليباب المقفرا
يا سادًة هزموا جموعي في الهويودعوا دموعي فاستجابت نفَّرا
بكم حلفت ليظفرنَّ مؤمِّلٌبكم عليكم قد اتي مستنصرا
يا فاطري كن حاضراً في خاطريفمتي خطرت يحقُّ لي أن أخطرا
.. القلوب علي العيون وإنَّهالجديرةٌ بمكانها ان تفخرا
هاتيك ناظرةٌ إليك وهذهمحجوبةٌ ممنوحةٌ أن تنظرا
لا يشمت الاعدا فمدحي فائزٌولسان شكري عاجزٌ أن يشكرا
بعد ازورارهم زيارة أحمدوخرجت من حلب إلى أمِّ القري
بلد أقلِّب من حصاه جواهراًواشمُّ مسكاً من ثراه اذفرا
فيه النهار بواكرٌ وأصائلٌواللَّيل لا ينفكَّ فيه مقمرا
تملي الرِّياح رسائلاً عن برهفتميل من أرج يفوق العنبرا
ومتي جريمركبٌ ... ناهيك في الدَّارين ذلك متجرا

/ أ/ ما أبرد الحرَّ الشَّديد لغلَّة الحر السَّديد اذا تحَّنف في حرا

وألذَّ خوف الخيف في قلب امرئحسر الأماني عنده أن يحسرا
يا ليت شعري هل تعود عوارفٌعرَّفتني عرفاتها والمشعرا
صفر الرِّداء من التُّقي وسلننيثوب الرَّدي كرماً وضنَّ المئزرا
ايام طيبة في خفارة طيِّبرفع المنارة ذكره والمنبرا
لما تر الابصار خلقاً مثلهمذكنَّ في مقل العيون ولا تري
فتبارك الملك الَّذي أحيا بهميت الهدي وبه امات المنكرا
كمأبغيه وعدت مفلساً ... فرجعت من شوق إليه مبكرا
من دون قربك لي بحارٌ سبعةٌأرجو الشَّفاعة منك فيها معبرا
عسرٌ لقاؤك غير إنِّي آملٌأبداً بفضل الله ان يتيَّسرا

[من كان يؤمن ............. نكبراذا أتى والمنكرا]

واخجلتا إن زاغ عندك موقفيفمددت كفَّا في ندائك ابترا
أنت الخليق من الخليقة كلِّهابحقيقة البيت الحفيف علي السُّري
من ذا ينافحني وذكرك مندلٌأوردته من نار فكري مجمرا
للشاعر ابن عمار الأندلسي، اقرأ القصيدة
ذكر يعار المسك طيِّب عرفهويغار منه النيَّرَّان إذا جري
يا سيِّد الكونين هل من نظرةفلعلَّ كسر قلوبنا أن يجبرا
/ ب/ قد كان عبدك بالعراء مضيعًاواليوم عندك لا يبالي ما عرا
أنا لائذٌ بك مستجير عائذٌأرجو الشَّفاعة يوم نأتي المحشرا
لا ينثني أملي وعيشك عن فتيألله فضَّله علي كلِّ الوري
من دون بهجته سني شمس الضُّحيوالزّبر قان إذا تبدَّي مبدرا
افني الضَّلال بصارم وبضامرٍوأعاد يضمر ما أتاه مظهراً
في جهل كسري إذ أتاه كتابهعبر [اً] وفي أدب أتى من قيصرا
وخمود نار الفرس عند سفورهوالماء من يدهً الكريمة إذ جري
وتحنّف الفاروق بعد تحيُّفلما أتاه ... لن ينكرا
يا من أعاد الدِّين أبيض ناصعاًودعا البريةً بدوها والحضَّرا
وأقام معوجَّ الأمور وقام فيذات المهيمن منذراً ومبشّرا
لو رام أهل الأرض ضبط مناقبلك والبحار تمدُّهم لتعذَّرا
لم اقتصر حتي علمت باننيأبداً وان طوالت كنت مقصِّرا
ولربَّ بيت ألف بيت دونهقد قيل كلُّ الصَّيد في جوف الفرا
تحلو القصيدة فلو تعاد تجمَّعتما كلُّ شعر يستلذ مكرَّرا
ليل المداد إذا دجت آثارهأبدي ثناؤك فيه فجراً مسفرا
/ أ/ فعليك صلَّي الله عدَّ صلاتهوعلي ضجيعيك اللذين توزَّرا
وعلي القرابة والصحابة مثلماقد كان فضلهم لديك مقدَّرا
وكسا قبوركم سحائب أعيٍنتهوي لقاءكُّم رداءً اخضرا
عدم النَّظير فلا يزال مكللاّبالقطر بالنَّهر النَّمير مجوهرا

وأنشدني لنفسه أسعده الله تعالي، في الله- ﷻ وتقدَّست أسماؤه:

جلالك اعلي أن يحدَّ له كنهوجودك ادني أن يحاد بنا عنه
وأنت الَّذي كل الأمور حقيقةًإليه انتهاها وابتداءتها منه
إذا أنت لم تغفر ذنوبي تكرُّمًافقل لي الَّذي ارجوه يغفرها من هو
كما صنت وجهي عن عبادة عاجزفقلبي الَّذي يخشاه أو يرتجي صنه
صحبت أناساً اخلفوا الظَّنَّ فيهمفما قال قلبي قطُّ عن واحد خنه
فلا تقبلن يا صاح في الحبِّ حبَّةٌجزافا@ ولكن بالوفا في الخفا زنه

وأنشدني أيضاً لما قصد الحجَّ ثم توجه إلى زيارة النبي صليٍ الله عليه وسلم وأنشدها عند قبره

الشريف:

/ ب/ عظم المقام وجلَّ عن أن يوصفافأحفظ جفونك هيبة أن تطرفا
نور النُّبوَّة ساطعٌ متلألئٌفاغضض لحاظك خشيةً أن تخطفا
قبر النّبيِّ محمَّدٍ ومكانهلله ذلك ما اجلَّ واشرفا
قف بين منبرة الشريف وقبرهواهتف بشعرك في مديح المصطفي
واذكر خلائقه الكريمة إنَّهيغنيك صدقك فيه عن أن تحلفا

سلَّ الإله علي الطُّغاة ....... صلي الإله عليه سيفاً مرهفا

وأنشدني لنفسه، في القاضي الإمام زين الدين أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن ابن علوان الأسدي الحلبي، وهو يومئذ متولي الحكم بحلب المحروسة، أنشدها بعض الوعاظ بين يديه، وهي صورة دعوي تعرض فيها بمديح السلطان الملك العزيز بن غازي بن يوسف – رحمة الله تعالي –

إدَّعي أيُّها الإمام المرجَّيحاكم المسلمين قاضي القضاة

أنَّ هذا السلطان خير ملوك الأرض [طراً] وواحد العزمات

/ أ/ مالكٌ حائزٌ قلوب رعاياه بإحسانه وبالحسنات

وله شاهدان عدلان عدلٌفي نوال كنيلها والفرات

لم يبغ منصب الشَّريعة بالمال ولا اعتاضً عنه بالتُّرَّهات

فاستخر ربك المهيمن واحكملعلاه بأشرف الدَّرجات
حكم اتقي الورى لخير بنيالدُّنيا جميعًا بأوضح البيَّنات

وأنشدني لنفسه أيضاً، في القاضي زين الدين، واتفق يوم جلس للقضاء جاء الغيث متوالياً، وكثر مجيئة: [من المسرح]

قد عجب العالمون إذ نظروايوم تولَّيت كثرة المطر
لا تعجبوا إنَّها لمنقبةخصَّ بها دون سائر البشر
تكدَّر الجوُّ من مشاركةأمَّلها الجاهلون لم تصر

فهذه نعمة الإله علي الأرض طهورٌ من ذلك الوضر

وأنشدني لنفسه:

أنا إن عجبت لمن أضاع مودتيفمن المضيع وفعله أنا عجب
ما في البرية كلهم من واحديرجي ولا في الناس شخصٌ يصحب

/ ب/ وأنشدني من شعره أيضاً:

قد كنت أعجب انَّنيفي ظلِّ شمس لا تغيب
حتىَّ بدا بقدومهللعالم العجٌب العجيب
الريح تكنس طرفهويرشها الغيث السَّكوب
ويري فيحسب وحدهوعليه تزدحم القلوب

وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى صديق له وقد اجتمع به يومًا:

يومٌ سرقت سرورهمن حزر صرف الدًّهر حرصا
ليقوم عذرك بعدهافاذا قطعت قطعت لصَّا

وأنشدني أيضاً قوله:

جاء الشِّتاء وليس عندي جبةٌتدفي ولا تصحيفها في الكيس

.. ألدُّيون علي كلِّ ........ جمل من التَّنجيش والتَّدليس

حتَّى لقد البست من نسجيهماعمداً علي شرف ثياب حسيس
ما ضرَّ فقر يد لمن كانت لهنفسٌ تجود غنيً بكلِّ نفيس
/ أ/ ضاقت عليّ يدي وصدري واسعثقةً بمن بيديهم تنفيسي
ولأركبنَّ العيس نحوهم عسييدني لقاءهم ركٌوب العيس

عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أحمد بن هبه الله بن أحمد بن عليِّ بن الحسين بن محمد بن جعفر بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق – بتقديم الراء المهملة وضمَّة علي الزاي المعجمة -، أبو بكر الحمويُّ، المعروف بابن قرناصً.

من بيت معروف بحماه شاهدته بحلب المحروسة في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وهو نازل بخانقاه القاضي بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن نافع بن تميم بن شداد الأسدي الموصلي.

وسألته عن ولادته؛ فقال: ولدت في ليلة الجمعة تاسع عشر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وخمسمائة؛ فرأيته رجلاً عاقلاً ليبياً فاضلاً متديناً ذا سمت حسن وسكون، له يد في النظم والنثر، يتفقه علي مذهب الإمام الشافعي-﵁ وله رسائل مدونة، وشعر إلاَّ انه ب/ لم يثبت من أشعاره شيئاً، ولم يعترف بها لكونها غير مرضية عنده، فاستمليت منه أن أكتب شيئاً منها، فلم يجب إلى ذلك وأبي، ثم أملي عليَّ هذه القصيدة اللامية، يمدح بها النبيّ صلي الله عليه وسلم وقال: لو لم تكن هذه الأبياتَّ مديحاً في الرسول صلي الله عليه وسلم لما أنشدتك شيئاً من شعري:

هبت عيون القوافي من كري الخطللها خشوعٌ وإغراءٌ عن الغزل
واصلت الجد عضباً منه مقتحماًحمي القريض فاضحي منه في وهل
ونافست فيه اوزان العروض فماسعي السَّريع إليه سابق الرمَّل

وأقبلت تنهادي شرعاً ذبل اليراع تهزأ بالخطيَّة الذُّبل

كلُّ يؤمّل بالسَّعي القبول لديمن لم يبؤ منه بالإخفاق ذو أمل
فذر يراعك يذري ادمعا طللاًعلي زخارف هذر لا علي طلل
واجعل توسُّله بالصَّفح مفتتحاًبحمد من حمده من أفضل الوسل
فالحمد لله ذي الطول الَّذي قصرتعنه يد الشُّكر من قول ومن عمل
رب السموات والأرض الَّذي خشعتلأمره فعنت كالخضَّع الذُّلل
/ أ/ حتى قضاهنَّ سبعًا هنَّ ممسكةٌبغير ما عمد منها ولم تزل
وزينِّت بالنُّجوم الزُّهر موضحةًفي كل برٍّ وبحًر مبهم السبل
وسخَّر الشمس تجري في مفازتهالمستقر لها جرياً إلى أجل
يزجي نهاراً فلا ينفكٌّ يولج فيليل ويولج فيه اللَّيل بالطفل
والأرض بعد دحاهأ ثمَّ فجَّر فيأنهارها في أديم السهل والجبل
وبثَّ فيها صنوفاً من بدائع ماتظل في فهمه الأّفهام كالظلل
وللرياح انبعاثٌ حين يبعثهالواقحاً منشات الذَّرِّ في الهطل
همت علي الأرض واهتزَّت له وربتوانبتت كلَّ زوج رائق الأكل
فتبدل البشر من بعد القطوب بهوتكتسي وشي روض معلم الحلل
صنع الإله الَّذي في كنه حكمتهتظل عن كنهه الأفهام في شغل
وهل تحيط به علمًا وفي يدهزمامها فهي تسري وهي في عقل
لا قطر يحويه في الأقطار أنشأهاولم تكن معه إذ كان في الأزل
وعالم السِّر والنَّجوي وغامض ماتحوي البحار ومحصي الرَّمل والسيل
وقدرةٌ أحكمت إنشاء فطرتهالتحكم العلم بالتَّفصيل والجمل
/ ب/ سبحانه سارت الأفكار جائلةفي كنهه ثمَّ عادت وهي كالذهل
فبين معترف بالعجز ذي دركومدَّعٍ دركاً بالعجز مشتمل
عنت لعزَّته الألباب خاضعةًوثقفِّت من ضلال الزِّيغ والميل
بنور معرفة أهداه فجر هدًيللناس مطلعة من خاتم الرُّسل
محمَّد المصطفي خير البريَّة منبهديه أفترَّ ثغر الدَّهر من جذل
من خصَّه الله بالزلفي فأرسلهفي آخر الرسُّل ذا فضل علي الأول

وخصَّ بالمعجزات الباهرات أضاءت في البصائر ضوء الشَّمس في المقل

عنت له أرؤسٌ للحقِّ صاغرةٌلم تعن من غيره للبيض والأسل
فجاءهم بكتاب أخرس اللُّسن الفصاحمن آخر منهم ومن أول
وعاد عنه جذاذاً حدُّ السنةغلب إذا عاًد حدُّ السَّيف ذا فلل
وحلُّ من شرف الإسراء منزلةًيفوت شأو مداها ناظر الأمل
وانشقَّ في افقه البدر المنير لهلما نأي عن ذراه نأي منتقل
فضمَّه رحمةً منه فسكَّنهوعاد يبدي أنين المدنف الوجل
واخجل الشُّهب لمَّا فجِّرت غدرٌمن بين أنمله كالواكف الهمل
وطالما كفلت بالرِّيِّ إذ بسطتللغيث تبسط منه السُّحب كالطَّلل
/ أ/ وطالما طعم الجيش اللُّهام بهاحدَّ الكفاية ما لم يكف للرَّجل
وطالما صافحت من شفهم عللللوقت منهم شفت ما كان من علل
ولو غدت السن الأقلام محصيةأياته نالها عسي ولم تنل
إلى مكارم أخلاقٍ تبَّين مننقص البليغ تعاطي وصفها الكمل
ومحتذ في العلا والنبل اثبت منطود ولكنه اسري من المثل
وما الَّذي يبلغ المثني عليه وقدأثني الإله علي اخلاقه الفضل
فلم يزل في رضا الرَّحمن يدأب فيأنضاء عزم لصون الدِّين مبتذل
مبلِّغاً كلمات الله موضحةًسبل الرشاد بقوم ضلَّلٍ غفل
والشِّرك يجمع في فضل العنان فمالذي يد ... منه من قبل

حتى تزحزح ليل لغي يدأب في السُّري يفخر هدي في إثره عجل

افديه من ناصر لله منتصرٍأباد فرداً عديد الجحفل الزَّجل
وقلَّ ذاك لمن كانت ملائكة ال ــرحمن أنصاره في الحرب كالخول
وليت شعري إلى ما ينتهي ولهاطرف اللِّسان ..... غير ذي مهل
وكلَّ نبل مقالٍ رام مدحتهيغدو ضئيلاً لدى أوصافه النُّبل
لكنَّ مدحي له جهد المقلِّ عسيجسني من القول تمحو سيِّئ العمل
/ ب/ يا خير من أعملت أيدي الركاب لهوخير هادٍ هدانا أشرف الملل
إنَّ الشَّقاوة عاقت شائقاً فلهنزوع ظمآن ممنوع من النَّهل
يودُّ لو كان في ذاك المقام لهتعفير مستغفرٍ في الذُّل منجدل
كم انتحي منك أقداماً مكرَّمةًفي ارغد الحلم بالتَّعفير والقبل
وقلَّ ذاك لمن لو كان منتعلاًوجهي لقلَّ له فعلاً لمنتعل
وقد سرت نفثات الصَّدر يحملهارجاء عفو بحبل منك متَّصل
فأنت خير شفيعٍ للأنام إلىعفو الإله وعفو النَّائل النَّفل
فسله لي أجلاً إحماد خاتمهوعاجلاً لطف صنع مصلح خللي
وسله رضوانه عن والديَّ إذادعاهما ليحلَّا أكرم النُّزل
يا من يجيب لداعية وقد بسطالرَّجاء منه إليه كفُّ مبتهل
أدعوك دعوة عبدٍ خاشعٍ فرقٍمَّما تكنَّفه من سالف الزَّلل
ألهاه عن رشده تسويف معتمدًلبطء توبته مع سرعة الأجل
وحكم أشتات أهواء مصرفةًعنان آرائه في مهمة الأمل
وليس تعنو له نفسٌ لحكم هدًيألَّا لحظٍ لها تحظي به جلل
فكيف تبصر رشداً من مذاهبهأحكامها أبداً مدخولة العلل
/ أ/ وقد أتيتك أرجو لطف صنعك فيمبرَّأ العزم من حولي ومن حيلي
مستشفعاً بشفيع لا يردَّ إذاما رجَّت الأرض والألباب من وجل
صلَّي عليه الإله زاده شرفًاوخصَّه بسلامٍ عاطر ِهمل
وخلص روح ضجيعيه بروح رضايروي ضريحيهما كالعارض الهمل
وسائر الآل والأصحاب ما هتفتورق الحمائم بالأسحار والأصل

عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف، أبو محمد بن أبي عبد الله الأنصاريُّ، المعروف بابن الرَّفاًء.

من أهل دمشق، وجدّه عبد المحسن كان رفَّاء، وكان والد عبد العزيز هذا، فقيهاّ شافعياّ، يتولي القضاء بمدينة حماة.

وأبو محمد عبد العزيز نزل حماة واستقرَّ مقامه مرتزقاَ بجراية المدرسة، يتناولها، وترقت به الحال إلى أن اتصل بصاحبها الملك المظفر آبي الفتح محمود بن محمد بن عمر بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي، واستخلصه من بين نظرائه وأشكاله وقدمه، وكان ينفذه رسولاَ إلى البلاد الرومية ب/ والديار المصرية وغيرها، وجعله شيخ الشيوخ، وحظي لديه، وقرب منه، ومشت أحواله، واكتسب بالترسل وفراً صالحاَ، وصار له نعمة واسعة.

صار إلى من شعره قصيدة، ثم بعد ذلك خبرت انه قدم حلب المحروسة في رسالة، فمضيت إليه، وهو نازل بظاهر المدينة، واستصبحت القصيدة، وكان اجتماعي به يوم الأحد سادس صفر سنة خمس وثلاثين وستمائة.

وهو رجل ربعهٌ، كهلٌ إلاَّ أن البياض غالب عليه، كثّ اللحية. رسالته عن ولادته، فذكر أنَّه ولد بكرة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من جمادي الأولي سنة ست وثمانين وخمسمائة بدمشق.

وأخذ طرفًا من فقه الإمام الشافعي عن والده، ثم علي تقي الدين عبد الله قاضي حماة، وسمع الحديث علي جماعة كثيرة من المشايخ؛ كعبد المنعم بن الحراني وغيره، وتأدّب وقرأ القرآن الكريم علي الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، وقال أشعاراً مستجادة في مدح وغزل وأوصاف، وغير ذلك، اشتهرت عنه، وتداولها أ/ الناس، ولم يكن في الوقت مجال لأعلق عنه شيئا من قيله غير أني استنشدته القصيدة التي صحبتني فأنشدنيها، وهي مديح في الملك المظفر أبي الفتح محمود بن محمد بن عمر- صاحب حماة – ثم قال لي مخاطباً: أتيتني في وقت ضيِّق، ونحن علي أهبه السفر غداة غد، فإن وفق الله تعالي بعد ذلك بالاجتماع علقت لك مقطعات مختارة حسنة ما ينبغي أن تسطر في تاريخ.

وأنشدني مقطوعة لنفسه، كتبها إلى القاضي أبي الفضائل عبد العزيز بن نباته الشاعر، والقصيدة هذه:

اهدي إلىَّ لواعج الاشواقنظر الغريق وقد أجدَّ فراقي
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
ليس الفرائض بالمقاتل إنَّمابين الجفون مقاتل العشَّاق
من لي بريان المعاطف أهيفواهي عقود الخصر والميثاق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
راعت حلاوته وراق جمالهفاخاف كل ميتَّم مشتاق
بسقيم صدِّ ماله من مبرئٍوسليم صدغٍ ماله من راقي
/ أ/ ملكته رقِّي وعفت لحبِّهذنب الاباق وقربة الاعتاق
نامت عيون وشاتنا سلماَ فكمقامت لحرب عتابنا من ساق
جاذبته أطراف كلّ طريفةفي العتب لم تنفق بسوق نفاق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
وتعارضت أقوالنا فتعارضتسعر القلوب وأبحر الآماق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
في روضةٍ للنَّار من نوَّارهالهب بفائض مائها الرَّقراق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
راحي بها عذب الرَّضاب ونزهتيورد الخدود ونرجس الأحداق
أفديه من حلو الفكاهة واللَّماأضحي يساقيني الهوي وأساقي
متلون أشفقت عند وصالهمن هجره فضنيت من إشفاقي
بدرٌ يزيد سني أزيد به ضنيحتى كأنَّ تمامه لمحاقي
قبح الصُّدود تقيه عين كمالهوالله للملك المظفَّر واقي
ملكٌ تكامل في بهاه وحدهوفخاره والخلق والأخلاق
وقَّي تحلم سخطه ورضاه فيسلب النُّفوس وقسمة الأرزاق
يردي ويحيي في وغاه وسلمهفيذيق طعم السُّمِّ والدِّرياق
لسطاه في التَّهذيب والتعذيب ماللنَّار في الإنضاج والإحراق
كالغيث في الأزمات أو كاللًّيث مثلهالإفراق أو كالشمس في الإشراق
/ أ/ عقم الحواضن عن سليلٍ مثلهفحوي عقيم الملك باستحقاق
وأمدَّ ثابت جأشه بيقينهفالنَّصر تحت لوائه الخفَّاق
شهمٌ يحمِّل في الخطوب همومهما شاء من خيل لديه عتاق
تغدو محجَّلةً به فيعيدوهاحمر القوائم بالدُّم المهراق
سدَّ الثُّغور بصدر كل مسددٍمازال مراقاً من المراق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
نفاذ كلِّ مفاضةٍ سقَّي بهاألخطيَّ مثل الخطِّ في الأوراق
وبكلِّ مطرور الغرار مهنًّدٍرقراق مَّاء الَّصفحتين رقاق
عصبٍ لأبطال الفرنج مصحطحٍولهامها في بيضهأ فلاَّق
وكتائبٍ تمحو بثابت حقِّهاما للعدا من باطلٍ زهَّاق
أهدت إلى الصيف الشِّتاء بسحبهاوالويل والإرعاد والإبراق
تركت جموع المشركين لجمعهارهني حديد قواضب ووثاق
قتلت كرامهم بلا قودٍ كمانكحت كرائمهم بغير صداق
حتَّى أعاد بها ضراغم صيدهمفي خيسها كالصَّيد في الأوهاق
أعياهم قاضي العزيمة ماجدٌزاكي الفروع مطهر الأعراق
فإذا جري وجري الملوك إلى العلالم يطمعوا لغباره بلحاق
/ ب/ وتيقَّنوا أنَّ المكارم حلبةٌما زال فيها اسبق السبَّاق
لجأوا إلى اليأس المريح ولجَّ فيحدٍّ إلى غايأتها توَّاق
حفظ البلاد بسيفه الفتَّاك إذأغني العباد بسيبه الدَّقاق
نرجوه في إعساره ويسارهونهابه في البشر والإطراق
رحب الذُّري لمَّا منيت ببعدهضاقت عليَّ مسالك الآفاق
والآن إذ سمح الزَّمان بقربهفالشَّام شامي والعراق عراقي
محمود يا ابن محمَّد فقت الوريمجداً يقصِّر عنه جهد الراقي
وعممتهم بالجود ثمَّ خصصتنيفأطاع دهري بعد طول شقاقي
لم يرم نطقي بالفهاهة عن مديشكري ولا مسعأي بالإخفاق
حبَّست من نظمي عليك قلائداًأبقي من الأطواق في الأعناق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
ولبست من جدواك أنفس حلَّةلكنَّها تفني من الأطواق في الأعناق
ماذا يصدُّ قصائدي عن قصدهاًوجداك عن برِّي وعن إرفاقي
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
بذر الندي عندي بأخصب منبتوالمدح عندك نافق الأعلاق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
شرفت بنات قرائحي فتكرَّمتًّفعرضتها في اشرف الأسواق
وزففتها زفَّ الهديِّ مهِّناًبقدوم عيد سيق خير مساق
/ أ/ قّلَّدتنا في النَّحر درَّ مواهبٍأغرقت فيهّا غاية الإغراق
قبلت ضحاياك العداة قبول ماضحَّاه إبراهيم عن إسحق

فاسعد بنحر الظلم والإظلام والأعداء والإنعام والإملاق

لازلت تطلق عانياً من حبسهبلهًي محبَّسه علي الإطلاق
وبقيت ملكاً للخلائق واحداًترعاك عين الواحد الخلاَّق
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.