من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه علي (٥)
وأنشدني أبو المعالي محمد بن الظفر الإربلي المصري؛ قال: أنشدني علي بن جبارة لنفسه:
/ أ/ من ذا يبشِّر جفناً في سرى السَّهربطيِّ ثوب الدُّجى في ساحة السحر
ومن يعين عيوناً لم يؤب غسقإلَّا وبات الكرى منها على سفر
ومن يجير جنوباً كلما اضطجعتكانت على الفرش بين الشَّوك والإبر
يا أهل حاجر ما أقسى قلوبكممن حاجر انتم حقاً أم الحجر؟ !
حجبتم عن عياني بدر أرضكمفبات يرعى أخاه في السَّما بدري
وقال أيضا:
في الغرام العذريِّ قد بان عذريلم يفدني ف الحيِّ اخذي حذري
خبَّر العاذلون عنِّي بأنِّيفي الهوى قد سكرت من غير خمر
روِّني من حديثهم حين ترويأو فدعني من قول زيد وعمرو
هات زدني يا سعد عنهم حديثاًواعده وخذ بقيَّة عمري
لم أجد في الغرام كتماً لأنِّيقد تساوى في الحبِّ سرِّي وجهري
لا وبيض على الرِّكاب وسمرقد حموها عنِّي ببيض وسمر
لم أجد هودجاً كناساً لظبيونقاباً .... وأفقاً لبدر
أسدلت شعرها فحاروا بليلوبدا وجهها فساروا بفجر
وانثنى قدُّها فقالوا كغصنورنا طرفها فهاموا بسحر
/ ب/ وقال أيضا:
لي في ذمَّة الوصال ديونإن أراد الوفاء فهي تهون
أتقاضاه والغريم مطولوأداريه والزَّمان خؤون
قيل لي: قد جفاك قلت مجيبا:أنا أهواه كيف كان يكون
كلُّ هجر من غيره فهو قبحوهو منه حاء وسين ونون
يا عذولي مات الهوى في فؤاديفهو ما بين أضلعي مدفون
في هواه أهوى أغنَّ غريراًزاحمتني على هواه العيون
علي بن بكمش بن عبد الله، أبو الحسن التركي العزي البغدادي
ينسب إلى عز الملك، ومن ولد نظام الملك الوزير أبي الحسن بن علي بن إسحق الطوسي
وكان والده جندياً، خدم بعد قتل مولاه بواسط مع ... ... وتزوج بوالدته، ثم قدم بغداد، وأقام بها، وخدم مجد الدين بن الصاحب إلى أن مات.
وأبو الحسن قرأ النحو والعربية على أبي بكر المبارك بن المبارك الواسطي، ثم علي عميد الرؤساء أبي منصور/ أ/ هبة الله بن حامد الحلي اللغوي وغيرهما؛ وحفظ القرآن العظيم في مدةّ قريبة، وفي خمسة وخمسين يوماً على عبد الوهاب الوقاباتي، ولازم أبا بكر محمد بن موسى الحازمي، وخدمه كثيراً إلى أن مات.
ثم صحب جماعة من شيوخ بغداد كأبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش، وعبد المنعم بن كليب الحراني، وابن سكينة عبد الوهاب بن علي بن علي البغدادي وغيرهم؛ ثم توجه إلى الشام فصحب أبا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، وأخذ أكثر ما عنده، ولم يكن في أصحاب أبي اليمن أعرف منه بعلم العربية.
وكان أديباً فاضلاً زاهداً ورعاً ذكياً؛ توفي بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة؛ وكانت ولادته يوم الجمعة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
أنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه خادم خصي أبيض يدعي مختاراً:
مختار مختار النُّفوس وفتنةللنَّاظرين ومحنه العشَّاق
ومنى القلوب وغاية المطلوب فيشرع الهوى ومطيَّة الفسَّاق
وقال: وأنشدني/ ب/ الشيخ نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني، بدمشق سنة أربعين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه:
وقائله بغداذ منشاك الذيونشأت به طفلاً عليك التَّمائم
فما بالها تشكو جفاءك معرضاًأما آن تثنى إليها العزائم
فقلت [أجل] إني الفريد وإنَّهاأوان مغاض الدَّمع والوقت غائم
وقد جرت العادات في الدُّر أنَّهإذا فارق الأصداف لاقاه ناظم
وله وقد أوحش بينه وبين السلطان ثم أصلح بينهما، وأنشدنيه نجيب الدين عنه:
يا ملكاً صيَّرني كسرهجبري كسيراً لازم الكسر
عبدك قد أصبح في حالةتشبه ضرب الكسر بالكسر
[وأنشدني له:
مرَّ بنا لابساً سواراًمن فوق جسم كلون عاج
تشرق أنواره عليناكأنَّه البدر في الدَّياجي]
عليُّ بن المؤمِّل بن عليِّ بن أبي الحسن الباجريُّ.
وباجرة قرية مشهورة من قرايا بغداد عند بعقوبا
وصل من العراق إلى إربل، بعد التسعين والخمسمائة للتصرف في أيام الملك أ: المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين- ﵁ فتولى بها ولاية، مدة من الزمان، ثم رحل عنها- بعد أن حبس- إلى بغداد، وهو مقيم بها؛ ويدعي قول الشعر، وشعره غث بارد اللفظ.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد بن الأنجب الإربلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه، يمدح جلال الدين علي بن شماس ...، بمدينة إربل من قصيدة:
وسانحة مذ قصد الوزيرتغرِّد في الدَّوح إذا تصدح
تحثُّ ركابي إلى بابه الَّذي .. بالمنى أبداً يفتح
وكانت تضنُّ بغير البروجمذ بنت عنه به تبرح
فإن سخت ويقيني بنيلمناي الُّذي مثله ينجح
وأوجبت الهجر للباخل الذيقط بالوصل لا يسمح
وافهم معنى تغار يدهابأنَّ مريضي قد يصلح
ولما انخت بباب الجلالرأيت من البشر ما يفرح
وباتت مخايل مثلي بهولاحت أساريره اللًّوَّح
وعذت إلى منهل سلسليمير الوفود ولا يمتح
/ ب/ وقال وقد حضر في بيت ضيق، كان لصديق له؛ فأنشد بخديها لنفسه:
لئن ضاق في ربعه مربعلتخصيصه لا لضيق المكان
ففي صدره ما يعمُّ الفضاءقدراً ويفضل عرض الجنان
علي بن الأكمل بن النجار، أبو الحسن الصوفي
من أهل بغداد، أحد الصوفية بالرباط الشريف المجاور لعون ومعين في مشرعة الكرخ؛ رجل خير حسن الطريقة، متكلم بلسان أهل الحقيقة.
ومن شعره في المستنصر بالله- ﵁
يا نعم هل لي بالأنيعم وقفة؟أحظى لدة سمراتها بالأسمر
إذ ذاك تنصفني ظلوم وتتَّقيظلمي وتلقاني بوجه مسفر
ببياض وجه واسوداد غدائروحواجب خضر وخدا أحمر
فالآن مذ لبس العذار بياضه .. ما كنت في خلع العذار بمعذر
/ أ/ ومنها:
أصبحت يا روح الزمان محكَّماًخذ ما تشاء من الأماني وأبشر
بشرى لكلِّ الخلق حتى صفحةالدِّينار مبتهج وعود المنبر
لا أتقي نوب الزمان وعدَّتيفضل الإله ونعمة المستنصر
عليُّ بن يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الملك الأفضل، أبو الحسن
أحد أولاد الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر- ﵁ ملك بعد أبيه ديار مصر والشام وغيرها من البلاد؛ فانتزع ذلك جميعه منه عمه الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن محمد بن أيوب- ﵁، ولم يبق للملك الأفضل غير سميساط، فسكنها إلى أن مات بها في يوم الجمعة بعد أن صلى صلاة الجمعة، وأدركته الوفاة فجأة، فأوصى وذلك في الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وكانت ولادته بمصر يوم عيد الفطر سنة خمس وستين وخمسمائة، وأخباره ببلاد الشام مشهورة، وجرت بينهما حروب ووقائع يطول/ ب/ ذكرها.
وكان يقرب العلماء ويكرمهم، ويقبل على أولي الفضل ويستفيد من محاسنهم كثير الاحترام لأهل العلم والدين، ويقول الأشعار الحسنة؛ وسمع الحافظ أبا طاهر السلفي بالإسكندرية وجماعة سواه.
حدثني أبو الفضل عمر بن علي بن هبيرة من لفظه؛ قال: حدثني الأمير بدر الدولة لؤلؤ بن عبد الله الملكي الأفضلي؛ قال: جلس الملك الأفضل يوماً في مجلس من مجالس أنسه، وحضر معه جماعة من ندمائه وأصحابه؛ وكان من جملتهم إنسان يلقب الهمام أمير آخر، وكان ربما استثقل ولم يطلبني الملك الأفضل لهذا المجلس؛ قال: فكتبت إليه بديهة بهذه الأبيات:
أيا مالكاً عدله قد أنافعلى عدل كسرى الَّذي يدرس
ومن جوده عمَّ كلَّ الأنامفذكراه في الدَّهر لا تدرس
أفي شرع عدلك أنَّ الهمامإلى الكأس يدعى ويستحلس
ويحظى ببهجة ذأك الرَّواءولؤلؤ يضيق به المجلس
تغيَّر رأيك ذاك الجميلوما الذَّنب إلَّا الولا الأنفس
/ أ/ وما القصد في الشرب لكنَّماتنافس في قربك الأنفس
وبعد فلا زلت في نعمةمجدَّدة أبداً تحرس
قال: فأجابني على الوزن والقافية بديهاً:
أتني أبياتك المشبهاتللدُّرَّ في النَّظم بل أنفس
تعرَّضت فيها بعتب غدتتألَّم من ذكره الأنفس
وكيف وودك أضحة لديَّأجلَّ العلوم الَّتي تدرس
وإن درست عند غيري العهودفعهدك عندي لا يدرس
ولا يحضر الأنس إلَّا إذاحضرت فأنت لنا المؤنس
وأنشدني المولى الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن الملك المفضل قطب الدين أبي محمد موسى بن الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بحلب المحروسة، بمنزله المعمور في شهر ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة/ ب/ قال أنشدنا عمي الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن علي بن يوسف- رحمه الله تعالى- لنفسه:
يظنُّ دهري أن القلَّ اقعدنيعن أن أروح بصدر الرُّمح مكتسبا
والفقر ليس بعار في الزَّمان لمنلم يبق جود أياديه له نشبا
ولَّي شبابي ولم أظفر بنيل منيولا تقضَّيت من أسبابه سببا
وهب زماني ارضاني وأعتبنيفهل يعيد لي العمر الَّذي وهبا
أبعد خمسين من عمري وأربعةيلذَُّ لي أبداً عيش وإن عذبا
وأنشدني أيضاً؛ قال: أنشدني عمي لنفسه:
وشيَّب رأسي قبل إبَّان شيبهقراع اللَّيالي لا قراع الكتائب
وليس شجاع النَّفس ذا الجأش في الوغيولكنَّه من يرع للنوائب
تظنَُ خطوب الدَّهر أنِّي جازعلما أحدقت بي من خطوب المصائب
وتتبع سهماً بعد سهم أصابنيلتنكيه جلّ الخطب إن طل غالبي
وسطَّرت الأيَّام صبري تعجُّباتسطُّر إلا أمهات العجائب
وأنشدني؛ قال: أنشدني عمّي لنفسه:
في حلبة الصَّبر جوادي كباوسيف عزمي عن سلِّوى نبا
/ أ/ وكلَّما خاطبت قلبي بأنيسعدني بالصًّبر فيكم أبى
لهيب وجدي مذ خبت ناركمعن ناظري في خاطري ما خبا
سبيته من العدوِّ عنوةًيا عجباً كيف لقلبي سبى
بدر إذا أشرق في قبائهليس له غير فؤادي مغربا
لمَّا رأى سيف علىٍّ منتضىمن جفنه صيَّر قلبي مرحبا
وكتب إلى عمِّه الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب:
أسلطاننا إن كنت لي خير صاحبوخير مليك إنَّني خير مصحوب
وها أنا قد شيَّدت مجداً ليوسفًكما أنت قد شيَّدت مجداً لأيوب
وقوله: وقد نشأت سحابة من الغرب لها برق ورعد:
وناشئة من جانب الغرب أقبلتفخلت بأن اللَّيل جاء من الغرب
إذا ضحكت بالبرق جادت بأدمعمن الودق فانهلَّت تدفَّق بالسَّكب
تباين حاليها عجيب ولن ترىبأقرب من ضحك بكاء من السحب
وقوله:
/ ب/ أقول له وهو يبكي الشَّباببدمع يواصله بالنَّحيب
أتبكي بدمع لفقد الشَّبابسيبكي دماً عند فقد المشيب
وله في الشيب:
وشعرة لمَّا بدت في عارضيشائنة للحسن منه شائبه
قلعتها وقلت لا كنت اغربيفجاوبتني وهي عنِّي ذاهبه
أمنت إذ قلعتني سوف ترىمن الَّذي يقلع منَّا صاحبه
وقال لما بلغه أنِّ غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان استشهد بطعنة أصابته في المصاف:
وشمس غياث الدِّين بعد ضيائهاوإشراقها في كلِّ شرق ومغرب
أنار لديها كوكب الرُّمح فاختفتولم تر شمساً قطُّ تخفى بكوكب
وقال يرثي:
إكتئابي قد كان منه وقد صار عليه لمَّا ثوى في التُّراب
يا أخا الوجد خذ حديثي واعجبلاكتئابي أنا له في اكتئاب
وقوله:
/ أ/ وساق سقاني قهوة فحسبتهاللذَّتها من ريقه البارد العذب
سناه اعتزى للشَّمس والطَّرف للظُّىكذا القدُّ والأغصان والرِّدف للكثب
وقال:
ما خلت أنَّ ظهور مبسمهعن لؤلؤ متنضِّد رطب
من بعد علمي أنَّ مسكنهملح بأنَّ الدُّرَّ في العذب
وقال فيمن شرب خمراً فاحمرَّ خدَاه:
ومن عجب الملاحة باتِّفاقجرى منَّا ولم يك ذاك عمداً
سقيناه شراباً خندريساًفأنبت منه في الخدَّين وردا
وله:
كلَّما رمت أن يبرِّد ناريطيفه في الكرى ويطفى لهيبي
زاد في لوعتي وفرط غراميحيث أني فارقته عن قريب
وكتب إلى الملك العزيز- رحمهما الله تعالى:
لمَّا رأوك الأعاديعلى صدودك تصبو
وأنني منك مقصىتقوَّلوا ما أحبُّوا
/ ب/ واسعروا نار إفكواضر موا واشبُّوا
إن كان للذنب ذنبفهكذا لي ذنب
وله يرثي بعض العلماء:
عجباً لمن درس الفضائل والبلاغة كيف يدرس
ضمِّنت كلَّ فصاحةيا قبره وغدوت أخرس
وقال أيضا:
أبيت بليل ليس لي فيه راحمسوى أنجم الجوِّ الَّتي ليس تغرب
وغيري يرى التعذيب مراً مذاقهوفي مذهبي التَّعذيب في الحبِّ يعذب
وله في الخضاب:
عمدت إلى الخضاب إذاً لتنسىزماناً كنت فيه بلا خضاب
وأيام الصِّبا عندي محالبأن تنسى بأيام التَّصابي
وقال يهجو بعض أصحابه، وقد تاب عن شرب الخمر ثم عاد إلى شربه:
وقالوا: تاب عن شرب الحمَّيا!فقلت لهم كذبتم ما يتوب
/ أ/ وكيف يتوب عن فعل دنيفتى قد جمِّعت فيه العيوب
وقوله في النزيه بن الضياء القزويني يداعبه:
قل للنزيه وأنت صادقهلم تخل من صدق ومن كذب
حمِّلت من عار خزيت بهما حمِّلت حمالة الحطب
أزريت بالعلماء كلِّهمفلأنت شرٌّ من أبي لهب
وقال:
أقول للائمي لما لحانيدع الهذيان قد صدَّعت رأسي
سماع اللَّوم أعجز كلَّ لاحكذاك الموت أعجز كلَّ آسي
وقال:
لئن أخطا الكرام الحظُّ يوماًوخصَّ به اللَّئام بلا احتجاج
فإنَّ الدُّر يعدل عن زلالوعن عذب ويسكن في أجاج
بنرجس مقلة وبورد خدوآس من حواجبه الزِّجاج
وخمرة ريقه وأقاح ثغروبدر لاح من تحت الدَّياجي
أدار عذاره حرساً عليهأبستان يكون بلا سياج؟ !
وقوله:
/ ب/ رب ليل قطعته بتناجيفيه ما عندنا من الإرتياح
أنا أشكو هجر الصِّباح إليهوهو يشكو إليَّ هجر الصَّباح
وله يصف فرساً:
وطرف يجاري الطَّرف في حلبة المدىفيعجز عن إدراكه إن جرى اللَّمحا
يفوت الهواء عدواً ويسبق آصفاًإذا جريا من قبل أن يحضر الصَّرحا
وقال:
قد كنت من قبل أن يبدو بعارضهشعر يسمِّجه عندي ويقبحه
إخال أنَّ نبات الشَّعر يفسدهوما علمت بأن الشعر يصلحه
وقال يمدح إخوته:
بني يوسف أنتم غيوث سماحةوأنتم لدى الحرب العوان أسود
وما أضرمت نار القرى ببيوتكمفكان لها طول الزَّمان خمود
وقال يهجو النزيه الضياء القزويني:
ويقول إبليس اللَّعين إذا رأىوجه النزيه: فديت من أنا عبده
أسعى لأفسد من نأى عن دارهولقيت إفساد الذي هو عبده
وله يرثي:
/ أ/ أو يرد رجلاً يجاريك بهافي العلا لم ير رجلاً ذاهبه
وقوله:
وقالوا أتبكي من مشيت رأيتهبفودك مثل البرق يلمع في الدَّجن
فقلت لها لا تعجبي تلك عادةمدى الدهر ضوء البرق يلمع بالمزن
وقال:
إذا المرء أكثر فيما أدَّعاهفمن واجب الأمر أن يمتحن
فيظهر بالفعل برهانهفيكرم إذا ذاك أو يمتهن
وقال:
بالغ إذا رمت بنيانا تخلِّفهفيما توطِّد من أسِّ وأركان
شيِّد مبانيك تذكر حين لات بقاتبقى المباني ولكن يهدم الباني
وقوله:
أستغفر الله رِّبيمن كلِّ ذنب وجرم
ومن قبيح فعالوقَّتل نفس وظلم
وقال في غلام اسمه إبراهيم:
عجباً لإبراهيم يسكن قاطناقلبي ولم يبرد لهيب ضرامه
/ ب/ ولخدِّه المحمرِّ كيف تورَّدتوجناته والطَّرف خلف سقامه
أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن بن أبي جرادة الحلبي الحنفي- أيده الله تعالى- قال: أنشدني الخطير أبو نصر فتوح بن نوح بن عيسى؛ قال: أنشدني الإمام عماد الدين أبو عبد الله محمد بن محمد الكاتب الأصفهاني؛ قال: أنشدني الملك الأفضل علي بن يوسف بن أيوب لنفسه، في العشرين من شوال سنة تسعين وخمسمائة؛ وكتبها إلى أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان يستعطفه بعد أن ودعه واجتمع معه ساعة واحدة:
نظرتك نظرةً من بعد تسعتقضَّت بالتَّفرُّق من سنين
وغضَّ الدَّهر عنها طرف غدرمسافة قرب طرف من جبين
وعاد إلى سجَّيته فأجرىبفرقتنا العيون من العيون
فريح الدهر لم يسمح بوصليعود به الهجوع إلى الجفون
/ أ/ فواقاً ثمَّ يعقبه ببينيعيد إلى الحشا عدم السُّكون
ولا يبدي جيوش القرب حتىيرتِّب جيش بعد في الكمين
ولا يدني محلي منك إلَّاإذا دارت رحى الحرب الزَّبون
فليت الدَّهر يسمح لي بأخرىولو أمضى بها حكم المنون
وأنشدني الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب بن شاذي؛ بحلب المحروسة؛ قال: سمعت عمي ينشد لنفسه:
أتاني كتاب منكم فلثمتهوأمطرته دمعي وأفرشته خدِّي
وقالوا: ترفَّق بالبكاء سفاهةوإنَّ البكي بعد التَّفرق لا يجدي
وسركم أخفيته في جوانحيفنمَّت به عيناي والذَّنب للمبدي
فهل منجد لي في البكاء على الذيتناءت بهم أيدي التَّنائي إلى نجد
صدرنا عن الوصل الذي كان بينناببين فهل دهر يبشِّر بالورد
إذا فاه نطقي كان مبداه ذكركمكما في كتاب الله يبدأ بالحمد
قصدتم جفوني مذ نزلتم قلبي مذ ملكتم قيادهوما هو للمولى حرام على العبد
/ ب/ وفارقت قلبي مذ ملكتم قيادهوما هو للمولى حرام على العبد
وأقسم لا التذُّ بالعيش بعدكمولو أنَّني أصبحت في جنَّة الخلد
وما كنت أدري نعمة الوصل دون أنبدا هجركم والضِّد يظهر للضِّدَّ
عقدت على قلبي الوفاء بعهدكمفمات ولم تحلل عرى ذلك العقد
علي بن المفضل بن علي، أبو الحسن المقدسي
من أهل الإسكندرية؛ الفقيه المالكي المفتي الحافظ المصنف، صاحب التصانيف في الفقه والحديث.
سمع بالحجاز وديار مصر والشام، وتغرب وكتب الكثير، وخرج الفوائد الصحاح.
وكانت من الحفاظ الأثبات الثقات، الأمناء الفضلاء المعتبرين العلماء الفهماء؛ وكان إماماً في الحديث وحفظه، ومعرفة علومه.
وكان فقيهاً فاضلاً مدرساً على مذهب الإمام مالك- ﵁ مع أدب وافر، وشعر حسن كان ينظمه.
رأيت له أبياتاً وازن بها أبيات الحافظ أبي طاهر السلفي/ أ/ وأبيات الأديب أبي المظفر الأبيوردي، وأبيات الشيخ أبي العلاء المعري، وكلهن على حرف الغين المعجمة.
قال السلفي: أنشدني الرئيس أبو المكارم الأبهري؛ قال: أنشدني أبو العلاء لنفسه بمعرة النعمان قطعة ليس لأحد مقلها وهي:
رغبت إلى الدُّنيا زماناً فلم تجدبغير عناء والحياة بلاغ
وهي أربعة أبيات.
قال السلفي: فذكرت قول الرئيس أبي المكارم للرئيس أبي المظفر الأبيوردي، فأنشدني بعد يوم لنفسه على وزنه ورويه:
ألا هل إلى أرض بها أمُّ سالموصول لطاوي شقَّة وبلاغ وهي خمسة أبيات
قال السلفي: فقلت أنا تبركاً بقولهما بعد سماعي من الرئيسين القطعتين:
ترى هل إلى وصل الذي قد أعلَّنيهواه وصول يرتجى وبلاغ
وهما بيتان؛ فقال الحافظ أبو الحسن ناسجاً على منوالهم هذه الأبيات:
[أ] يا ذا الذي اشكو اشتغالي بحبِّهولكن به عمَّا شكوت فراغ
/ ب لئن ساغ هجراني لديك فليس ليمدى الدَّهر في السُّلون عنك مساغ
ولا ذنب لي إلَّا أكاذيب تفترىأمانيها من حاسد وتصاغ
وإني لأرضى أن أفوز بنظرةتعلِّل نفسي والحياة بلاغ
وأخبرني أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري المصري، إجازة منه إلى مصر؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي لنفسه:
لكلِّ امرئ ما فيه راحة قلبهفيأنس إنسان بصحبة إنسان
وما راحتي إلِّا حديث محمَّدوأصحابه والتَّابعين بإحسان
وأنبأني أيضا؛ قال: أنشدني لنفسه:
أيا نفس بالمأثور عن خير مرسلوأصحابه والتابعين تمسَّكِّي
عساك إذا بالغت في نشر دينهبما طاب من نشر له أن يمسَّك
وخافي غداً يوم الحساب جهنَّماًإذا نفحت نيرانها أن تمسَّك
وأنبأني عنه أيضاً:
ولمياء تحيي من تحيِّي بريقهاكأن مزاج الرَّاح بالمسك في فيها
/ أ/ وما ذقت فاهاً غير أنِّي رويتهعن الثِّقة المسواك وهو موافيها
علي بن محمد بن يحيى بن طلحة بن حمزة، أبو الحسن المنحل الواسطي
أحد عدول بلده.
قدم بغداد واستوطنها، وشهد عند القاضي أبي المناقب محمود بن أحمد الزنجاني، فقبل شهادته، ورتب مشرفاً على سبيل المخزن المعمور، وحمل الكسوة والصدقات إلى الحرمين الشريفين.
ومن شعره يمده المستنصر بالله- ﵁؛ وسألته عن ولادته، فذكر أنه ولد في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بقرية عبد الله من الأعمال الواسطية، وعنده دعاوى في نفسه، ويظن أنه يأتي بأشياء لم يأت بها غيره من شعراء أهل وقته، ويتعاطى النظم والنثر، وليس عنده مما يزعم شيء.
فمن شعره يمدح المستنصر بالله، عند تحرك العساكر المنصورة لقتال التتار الملاعين- خذلهم الله تعالى:
على مجدكم ممَّا يخاف سرادقبجانبه صرف الرَّدى والبوائق
فما للفضاء الجم ِّنهج نؤمُّهإليكم ولو عم البريَّة طارق
/ ب/ حميتم ذمار الملك بأساً ورهبةفساوى القرى في أمنهنَّ البلالق
وثقَّفتم زيغ الخطوب بسالةفنكَّب عن سبل الضَّلالة مارق
صنائعكم ترضي الإله وإن غدابها وفركم من سخطه وهو تائق
يعود بهنَّ الحرُّ عمداً وكم غدارقيق به من رقه وهو عاتق
إذا ما جزى الحسنى بعشر فعشرهايوفِّي به ريب الزمان الخلائق
فكونوا على أمن من البؤس وادعولو ملئت مدن به ورسائق
أبى الله إلَّا حفظ من هو حافظله حيث لا يلميه عيش مفانق
إمام إذا ما أسكت العجز عن مدىمآثره المدَّاح فالذكر ناطق
يبيت مواليه على الأمن وادعاًإذا راعت الناس الخطوب الطَّوارق
مناقبه بين البرية نشرهايشابه مفتوق الشَّذا ويطابق
أبا جعفر كم في يمينك جعفرلصادقكم فيها لعاد صواعق
ومنها:
أحلَّكم المجد الممنَّع رتبةتواضع عنها النَّيِّران الشَّوارق
وكم قد تسامى نحوها ذو تطاولفعاقته عن نيل الأماني العوائق
فما الناس إلَّا خاضع لجلالكمعلى رغم ... أو حاسد أو منافق
/ أ/ بقيتم إلى أن يحدث الله في الورىشبيها لكم ما ذر في الأفق شارق
فأنتم طريق للمكارم مهيعوأنتم إذا عد الأنام الطَّرائق
وأنشدني أبو الحسن علي بن محمد النحلي لنفسه، ما كتبه إلى صديق له على سبيل المداعبة والانبساط، وسلك فيها مسلك الهزل والمجون ببغداد:
إذا رنَّحت ريح الصَّبابة ذا وجدلذكر زمان سالف بربي نجد
وبات كما بات السَّليم بهزَّةتراع إلى ذات الدَّمالج والعقد
يؤرقه ذكرى زمان تصرَّ متقصار لياليه على العلم الفرد
فما شأنه شأني إذا ذكر الحمىولا وجده مذ شطت الدِّار بي وجدي
وكيف ولي قلب يروح ويغتديمن الكمد المضني المذيب على مرد
إذا سمته السُّلوان أصبحت مسرعاًويسعى إلى اسم المودَّة في قدِّ
ولي مقلة لم تجفها سنة الكرىولا عرفت مذ بنتم ألم السهد
تناءت بي الأيام عنكم تطولافيا منَّة ألفت بينكم عندي
فلم يصبني شوق ولم يصبني جوىولم تنأ أفرأ حي ولم يقترب وجدي
/ ب، ولا أضحت الذكرى لأيام عالجتصاعد أنفاسي مسعَّرة الوقد
جزى الله أيام الفراق بمثلهامتى سئمت تشتيت شملي على هند
ألا لا رعى الرَّحمن مَّنا محافظاًيراعي ذماماً للخليل على البعد
ولا كان منا ذو هوى ومودَّةيقيمان إن شطَّ المزار على العهد
كذلك سلي الورد سلي التقاطهويحمي حماه النحل عن مجتني الشهد
وها أنا أقضي مدَّة العمر مذ نأتنوال بشكر الله في ذلك والحمد
علي بن منصور بن علي بن عبيد الله، أبو الحسن الخطيبي اللغوي، المعروف بابن سبلتوه البغدادي
أخبرني أن عبيد الله جده الأقصى- الذي امتدحه أبو إسحاق الغزي- وهو أبو إسماعيل عبيد الله بن علي بن عبيد الله الخشبي القاضي.
وأبو الحسن قرأ اللغة والأدب على الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم بن العصار اللغوي البغدادي؛ وأخذ علم النحو والعربية عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي وغيرهما.
وكان/ أ/ أعرف أهل زمانه باللغة، وأيام العرب واشعارها، وافر الحظ؛ كذلك سألته عن مولده؛ فقال: ولدت في سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
وكان مع سعة حفظه وفضله، ضجوراً منوعاً يأبي التصدي للأقراء، ويكره
التعليم فلم يستفد أحد منه بطائل.
ترددت إليه غير مرة، واقتضيته شيئاً من شعره، فكان يعدني ويمطلني ويتعلل بأسباب وأحوال، فحين كثر ترددي إليه، سئمت من مطله، ثم مرض في أثناء تلك الأيام؛ ومات ليلة الإثنين سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الشرقي بمقبرة الوردية- رحمه الله تعالى.
أنشدني أبو الحسن علي بن المفرج بن المبارك بن المعوج الواسطي؛ قال: أنشدني أبو الحسن اللغوي لنفسه أبياتاً كلفه عملها الوزير جلال الدين أبو المظفر عبد الله بن يونس لتكتب على أيوان في دار الخليفة الناصر لدين الله- ﵁:
دار تظلُّ لها الآمال عاكفةويستجير بها من جرمه الجاني
تشب نيران بانيها إذا خمدتنار القرى لمضيف أو لضيفان
/ ب/ فلو تراءت لخير الموقدين رأيإنسان عينيه فيها غير إنسان
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
مولاي يا من ذهاب راحتههامية للعفاة بالذَّهب
قد اعوزتنا حمراء صافيةتنمى إذا ما انتمت إلى العنب
فأبعث بها واغتنم ثنائي يكنبين عطا ياك أقرب النَّسب
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره:
يا ملكاً أصبح أعداؤهبالغيظ هلكي منه بالغيظ
بقيت ما استحسن لفظ وماخالف لفظ البيض للبيظ
قد جاءت الغلَّة في وقتهاكالماء للعطشان في القيظ
وكلما أبطأ إطلاقهاعني تميزت من الغيظ
وأنشدني؛ قال: أنشدني أيضا قوله:
لي حبيب كالظبي غر ولكنيعذابي في الحب ما أغراه
وإذا كرر الذُّنوب فيكفيهاعتذاراً عما جنى أن أراه
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في غلام اسمه القطب:
/ أ/ إن كان يوسف حسنهشغف النِّساء وما أسا
فالقطب قد شغف الرجال بحسنه وسبى النِّسا
وأنشدني؛ قال: أنشدني قوله:
يا مليح القدِّ يا منوجهه ما البدر مثله
أعطني منك وصدِّقواغتنم أجري قبله
وقال أيضا:
لو لم أخف من نفار قومينافسوني على نقير
لكان رأيي أن لا ترانيفي يومك البارد المطير
ولو تمكنت من أموريخفيت عن خاطر الخطير
ولم أوجه به فوجهيفي الأرض من بيته السَّتير
ولا تأوَّل على وابعثعلى ركنيه الأمير
فقط ما اعتاد حر وجهييعود من بابه حريري
وأنشدني أبو الحسن علي بن الحسن بن علي البخاري الفقيه الحنفي؛ قال: أنشدني علي بن منصور اللغوي/ ب/ لنفسه مبدأ قصيدة أولها:
فؤادي معنِّى بالعيون الفواتروصبوة باد مغرم بالحواضر
سميران ذادا عن جفون متيَّمكرى منذ باتا عنده شرَّ سامر
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
لمن غزال بأعلى رامة سنحافعاود القلب سكر منه كان صحا
مقسَّم بين أضداد فطرَّته .. جنح وغرَّته في الجنح ضوء ضحى
عليَّ بن الشّهاب الضرير الواسطيَّ القانونيَّ.
كان يشعر ويعاشر الأصدقاء، مطبوعاً في الجد والهزل والخلاعة
أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيد التبريزي؛ قال: أنشدني علي بن الشهاب الضرير لنفسه:
قمر تظلم خصره من ردفهوبليَّتي من ردفه أو خصره
ما البدر والشَّمسي المنيرة عندهإلَّا كمثل صبابة في بحره
وكذاك ليس الغصن يشبه قدَّهأني وما للغصن هزَّة سكره
/ أ/ أألام إن قبَّلت ورداً طالعاًفي خدِّه أو رشف بارد ثغره
ويلاه لم أدهى بلحظ فاتر هاروت يعجز عن مواقع سحره
فالصُّبح يبدو من ضياء جبينهواللَّيل يكمن تحت فاحم شعره
إن خانني فأنا الوفيٌّ بعهده .. أو كان يهجرني صبرت لهجره
من لي به راض ولم يك ساخطامن لي به أو من يقوم بعذره
علي بن عمر بن عبد العزيز بن هبة الله بن الحسن بن أحمد بن حمدون، أبو الحسن السنجاري، المعروف بابن الخطيب
وهو أخو إسماعيل بن عمر الذي تقدم شعره، وعلى الأكثر كانت الخطابة بسنجار فيهم؛ وكان فقيها حنفياً فاضلاً، ذا معرفة بالأصول والخلاف.
أنشدني الخطيب أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن الحسين الإربلي المعروف بابن الكريدي؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن عمر لنفسه؛ وأن سالته أن يصنعه وهو قول القائل:
طول العهد منسي... ... ... ...
/ ب/ تقول وقد وقفنا لا دكارلماضي عيشنا من غير لبس
اتنسانا ومثلك غير ناسومذ فارقتني فارقت أنسي
فقلت لها أطلت العهد حتَّىنسيت وإن طول العهد منسي
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
أحببت ذاتي فوق الوصف مذ نفر الدُّناة منها وعابوها بما وصفوا
ولو أحبوا صفاتي كنت أبغضهالأن خير السجايا ضد ما ألفوا
علي بن محمد بن أبي منصور بن أبي الغنائم، ويعرف بصاحب الخاتم بن أبي غالب واسمه محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن عيسى ويعرف بالرومي- بن محمد الأزرق بن عيسى بن محمد بن علي العريضي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب – ﵈
قال الدبيثي: كان شاعراً مكثراً، وله المدائح الكثيرة في أهل البيت- ﵈ وغيرهم؛ وشعره كثير مدون، قد سمع منه جماعة وكتبوا عنه وكان ينتجع بالشعر
بلغني أنه توفي/ أ، بالحلة المزيدية، في سنة ثمان وستمائة ونحوها- والله أعلم هذا آخر ما ذكره الدبيثي في تاريخه، ولم يورد له شيئاً من شعره.
قلت: كان شاعراً مبرزاً يصنع شعراً معجزاً ذا اقتدار شديد، وباع في معرفة اللغة
مديد، وفضل غزير، وشعر كثر، التزم في كلامه لزوماً غريباً، وسلك فيه أسلوباً عجيباً، أعجز به المتقدمين وبذ فيه المتأخرين؛ له القصائد المبدعات المخترعات المطبوعات المصنوعات التي لقبها بالبواهر.
صنع كل قصيدة على حرف من حروف المعجم، وذلك أنه ابتدأ فيها بحرف الألف، والتزم أن يضمن في كل لفظة منها حرف الألف ثم حرف الباء ثم التاء ... هكذا متوالياص على اتساق الحروف وانتظامها إلى حرف الياء.
ومن شعره يمدح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه وسلامه:
إذا أنت واليت الإمام المبرعاعليا أمير المؤمنين السَّميدعا
سكنت فراديس الجنان مخلَّدا .. وحزت محلاً سامياً مترفِّعا
إمام هو النَّهج القويم إلى الهدىأخو سؤدد لم يحوه سعي من سعى
/ ب/ فطوبي لمن والي وصي محمَّدإمام هدى حاز الفضائل اجمعا
إمام تقي للرشاد محالفتسربل جلبات الهدى وتلفعا
روى النَّاس أنَّ الطُّهر أحمد قال فيحديث وكم قال النَّبي وأسمعا
سيفترق الإسلام سبعين فرقةنعم وثلاثا هكذا قال مسمعا
وكل سيصلى النار بالله في غدسوى فرقة تحوي النعيم الموسَّعا
فإن شئت تدري أيُّما فرقة نجتفأنصف ولا تنكر مقال مشفعا
وقعت وسل أهل الحديث تجدهمجميعاً رووا أن النَّبي المشرِّعا
يقول مراراً: أهل بيتي شبيههمشفينة نوح من بها حلَّ موضعا
نجا وكذا من حاد عنها فقد غوىوذاق الهلاك أنظر تر القول مقنعا
وقال أيضا:
كم تسائل الدِّمناباكياً تذوب ضني
تندب الطُّلول ومنحلَّهن والسَّكنا
دع سؤالهنَّ فمافي سؤالهن غير عنا
فالبكى ليس يردُّ الحبيب إن ظعنا
ويك ذاك عصر هوىفات فاترك الحزنا
/ أ/ تلك عيشة سلفتكل لذةَّ لفنا
فاله عن تذكرهاواسألن ذلك الزَّمنا
كم بنيت مدَّرعاًبالغرام مرتهنا
ها ترى المشيب بدا .. صحبه وزاد سنى
فاتق الإله ولذبالولاء للأمنا
غتوة النبي ومنيربحهم جننا
صفوة نفوز بهمإذ هم الهداة لنا
وأنشدني له أيضا في مدح علي- ﵇ أبو الحسين يحيى بن محمود بن عيسى بن محمد بن جعفر الخلعي البغدادين بإربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني ابن صاحب الخاتم لنفسه مبدأ قصيدة أولها:
بانوا ففارق جفني لذَّة الوسنوبتُّ مدَّرعاً بالهمِّ والحزن
أخفي الغرام فتبديه الدُّموع إذاجرت على الخدِّ كالمثعنجر الهتن
/ ب/ بانوا فما خلت أن الدَّهر مذ برحواعني يفارقني ممَّن يفارقني
فليتهم إذا نأوا ردُّوا الفؤاد عسى ينبي بحالهم حقُا ويعلمني
أهم على العهد أم خانوه عن كثبوهل سلوا فنسوا شوقاً يؤرقني
أما أنا فرسيس الشُّوق يرمضنيوالوهم والوجد والبلبال يمرضني
ولي دموع يخدُّ الخدَّ ساكبهاكأنَّ واكفها مغدودق المزن
يا قب دع ذكرك الأحباب إذا بعدوابانوا وخانوا ومن للعهد لم يخن
وخلِّ ذكر الصِّبا وأسل الهوى فإلىمتى تعاني رسيس الشَّوق والحزن
ووال آل رسول الله تنج بهمفهم أولو الذكر والآيات والسُّنن
آتاهم الله علماً باهراً وتقىوإن سلكت فسائل عن أبي الحسن
وأسمع حديثا روينا من مناقبهفيه اعتبار لرب الفكرة الفطن
يروي عن أبن طحال عن مشايخهفاسأل بما قد روى إن كنت تتهمني
قالوا: أتى رجلان الباقر بن عليقالا له: أنت أهل العلم واللّسن
ألست قلت بأن الصِّنو حيدرةٌلم يرض أفعالهم سراً بلا علن
عليُّ بن يحيى الحسن/ أ/ بن الحسين بن عليِّ بن محمَّد- وهو البطريق بن نصر بن حمدون بن ثابت بن مالك بن ليث بن عامر بن غنم بن فهر بن دلجة بن بشرً بن معاوية بن بدر بن ثعلبةً بن حبال بن نصر بن سواء بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو الحسن بن أبي زكريا، الحلِّيُّ الأصل، الواسطي المنشأ.
كان والده من فقهاء الشيعة وعلمائهم، عارفاً بمذاهبهم، وسيرد ذكره في حرف الياء من هذا الكتاب؛ وابنه هذا كان يترفع بنفسه من أن يمدح أحداً مجتدياً، ويذهب مذهب الكتاب، ويترامى إلى النثر أكثر من النظم؛ ويدّعي علم الرياضي، ومعرفة النجوم، وكان من الشيعة المغالين في المذهب.
أنشدني الحسن بن علي الإربلي؛ قال: أبو الحسن لنفسه من قصيدة:
أفديه من بدر تمٍّ للورى فتناأصبحت أعبد منه في الورى وثنا
وكلَّما ازددت جهلاً في محبَّتهيزيده الله في عدوانه فطنا
وكلَّما سرَّه حزني وأعجبهسررت فأعجب لمسرور إذا حزنا
/ ب/ وإن أساء صنيعاً بتُّ مبتهجاًبمالك حسن لا يصنع الحسنا
فإن سمعتم بمقتول بكى فرحاًبحبٍّ قاتله حزناً فذاك أنا
يا صاحبيَّ وما الشَّكوى بنافعةلمن إذا قلبه في الحبِّ مرتهنا
تسمَّعا سرَّ أشجاني ولا عجبٌفي الحبِّ إن صار سرُّ المبتلى علنا
كتمت ما بي حتَّى كاد يتلفنيكتمانه ويبيد الرُّوح والبدنا
عسى يرقُّ كما راقت سوالفهحبٌّ جفا قسوة أيَّام لنت ضنى
فو الَّذي فلق الإصباح مقتدراًمن نور غرَّته حتَّى أضاء لنا
واشتقَّ للَّيل من مسكيِّ طرَّتهلونّا وصيَّره سبحانه سكنا
وصيِّر الشَّمس تمثالاً لطلعتهحتَّى يرى حسنه طرفٌ نأى ودنا
ما عشت لا أنثني عنه للائمةواللَّوم عندي لناء عن هواه ثنى
حتَّى يقولوا محبٌّ نال بغيتهأو عاشقٌ صادقٌ في لحده دفنا
وأنشدني الأمير أبو الحسن علي بن علي بن شماس؛ قال: أنشدني أبو الحسن بن البطريق لنفسه يمدح الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف/ أ/- صاحب حلب- أول قصيدة:
الشَّام داري والأشجان بغدادفي سرِّ وجدي في الأحيان إعلان
وكلُّ يوم يوافي مؤذنٌ بنوّىكأنًّما هذه الأيَّام غربان
يا صاحبيَّ قفا ثمَّ اسمعا خبراًمن مستهام له عند الحمى شان
يهزُّه الشَّوق والتذكار يطربهكأنَّه من مدام الوجد نشوان
كانت له من جلابيب الصِّبا عددٌومن قلوب الحسان البيض أعوان
إذا دعا اللَّهو نادته على عجللبَّيك لبَّيك أترابٌ وأقران!
نار القرى عنده بشرٌ ومن كرِّمحديثه وبنو الآداب ضيفان
لا يسرج الهمُّ في أرجاء منزلهكأنَّ منزله في الحسن بستان
مكمَّل الوصف كالفردوس من دهربكلِّ شيء شهيٍّ وهو رضوان
راقت خلائقه للَّائذين بهكأنَّه من سلاف وهو إنسان
لباسه ثوب زهوٍ ليس يخلعهومن لباس الخنا واللؤم عريان
يهوى الهوى والتَّصابي دينه ولهإلى الحسَّان على الحالين إحسان
كأنَّما عجنت بالمسك طينتهفما يعنُّ له ما عاش سلوان
يظنُّ من حسن ظنٍّ في تورُّدهأنَّ الضَّلال جفاً والكفر هجران
/ ب/ حتَّى رمى الدَّهر شملاً كان يألفهبالبين والبين للعشَّاق نيران
فبات يجرع من كأس النَّوى غصصاًكأنًّما لذعها في القلب خرصان
والدهر يخصمه من كلِّ ناحيةوكلُّ إخوانه جاف وخوَّان
جرح الزَّمان له في كلِّ جارحةًكأنَّه لسيوف الضَّيم أجفان
وشرُّ ما فعل الدَّهر الخؤون بهخموله وغياث الدِّين سلطان
عليُّ بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد زين الدين، أبو الحسن الكاتب الموصليُّ الشيبانيُّ.
كتب الإنشاء بالموصل لأتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي- ﵁ - وبعده لولده الملك القاهر عزّ الدين مسعود- رحمه الله تعالى-.
قرأ العربية والأدب على الشيخ أبي الحرم مكي بن ريان الماكسي، وسمع الحديث على الخطيب أبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي.
وكان حافظاً لكتاب الله تعالى، ولم يكن في وقته مثله في البلاغة والكتابة وسرعة الترسل/ أ/ وحسن الخط.
وكان عاقلاً رزيناً وجيهاً مقبولاً، وكان ينشئ الكتاب من خاطره بديهة، من غير أن يخلد فيه إلى التروّي والانفراد، غير محتفل بكلامه، ويكره أن يذاع عنه شيء من إنشائه لقلة اهتمامه به.
كانت ولادته بعيد الستين والخمسمائة، ومات يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة
بقيت من رمضان بالموصل سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
ومن شعره في أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، وكان على ناحية كفر زمار من أعمال الموصل، سنة وفاة سنجر شاه غازي بن مودود- صاحب الجزيرة- وهي سنة خمس وستمائة، وكان السفير في إيصالها الملك الرحيم بدر الدين أبو الفضائل- أنفذ الله أمره- وهو مشدود إليه في الفترة، وقد اتفق في تلك السنة برد شديد، وهي منقولة من خط يده:
أيا ملك الأرض يا ذا النَّوالومن صوب راحته صائب
ومن ظلُّه للورى شاملٌومن عزمه في الوغى ثاقب
ومن جوده أبداً سائرٌومن جدهُّ للعلا غالب
/ ب/ ومن بابه كعبةٌ للعفاةيطوف بأركانها الرَّاغب
ومن هو في كلِّ أوقاتهوهوبٌ إذا منع الواهب
ومن لا يرى في جميع الأناممن فضله أبداً خائب
ومن هو رماح للمكرماتويهتزُّ إن أمَّه طالب
ومن يكشف الضُّرَّ من مشتكيهإذا حزب المشتكي حازب
جوادٌ إذا ما الأكف انقبضواخلف نواء النَّدى السَّاكب
وبحرٌ على كرَّة الواردينلهم ليس ينقصه شارب
أمولاي أشكو أشكة إليك الزَّمانفقد مسَّني برده النَّاصب
رماني من قرِّه قارسٌومن ريح بلَّته حاصب
وجاء بثلج غدا مفرق الثَّرىوهو من لونه شائب
أظلُّ نهاري ذا رعدةكمن مسَّه نافضٌ صالب
فحسِّي بجامده جامدٌوجسمي لذائبه ذائب
ودجله يجري هواها الشَّريفإلىَّ فلوني له شاحب
وشمس النَّهار لنسج الضريبلم يبد من وجهها حاجب
ولم أك ذا سفر في الشِّتاءولكن أتى أمرك الواجب
/ أ/ ولمَّا عجزت احتمالاً لماأعانيه وانقطع الغارب
لجأت إلى من يجيب النِّداءإذا ما استغاث به الصَّاحب
فجد لي يا من عطاياه لايقوم بأيسرها حاسب
يفرُّ ويقبلالزَّمهرير ... فإنِّي إلى مثله راغب
وإلاَّ أحلني على من لهعليَّ يدٌ شكرها واجب
. فتاك ونعم الفتىالكريم لشكر الورى كاسب
به الدَّولة اكتسبت رونقاًوعاد به نورها الغائب
وعمَّ بإحسانه فالقلوبله نحو طاعته جاذب
لقد شمت منه الحسام الَّذيشباه لهام العدا ضارب
وقدَّمت منه فتّى كاملاًسجاياه ليس لها عائب
حجاه يبذُّ عقول الكهولويسبقها فمه الثَّاقب
وكنت على الرَّأي فيما دخلتفيا حبَّذا رأيك الصَّائب
حباني بدهماء تسمو الجيادإذا ما امتطى ظهرها الرَّاكب
وأخجلني فرط إحسانهفشكري له أبداً راتب
ولكنَّه في فعال الجميلعلى نهج مالكه ذاهب
/ ب/ فإن جدتما لي سريعاً بهاوإلاَّ فقد هلك الكاتب
فبينكما لا يخيب الرَّجاءولا يحرم الأمل الرَّاغب
فلازلتماه ما أهلَّ الهلالوما فاه في مجمع خاطب
وأنشدني أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد الموصلي؛ قال: أنشدني عمي لنفسه هذه الأبيات، قالها ارتجالاً في داره التي بناها متجددةً، وأمر أن تكتب فيها:
يا دار قابلك الإقبال متَّصلاًبالسَّعد واليمن والتَّأييد والظفر
وواجهتك وجوه العزِّ مسفرةًفي نعمة وسرور مونق الزَّهر
ولا عدا الخير مغناك الأنيس ولازالت ربوعك في أمن من الغير
ودام ريعك معموراً بساكنهفي ظلِّ عيش رغيد ناعم نضر
ما غرَّدت في ذرى الأغصان ساجعةٌوما استمرَّ طلوع الشِّمس والقمر
ومن كلامه المنثور، فأنني رأيت منه رسالتين، ولم يدون له شيء لقلّة اهتمامه، فالتقطت شيئاً يسيراً.
/ أ/ حدثني المولى الأمير الكبير العالم ركن الدين أبو شجاع أحمد بن قرطاباً- أدام الله علوه- قال: لمّا كنت بالموصل مقيماً؛ كتبت إلى الأجل شمس الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد عبد الكريم الموصلي الكاتب، وكان بيننا صحبة متأكدة، وهو يومئذ يتولى الكتابة الإنشائية في أيام الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه- رحمة الله تعالى- ألتمس منه ما تيسر من ترسله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع