من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه علي (٨)
عليُّ بن عبد المحسن، أبو الحسن الواعظ اليمنيُّ الزَّبيديُّ.
أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الإسكندري، قال: أنشدني
أبو الحسن لنفسه:
ليالي المنحنى عوديفإنِّي قد ذوى عودي
كما أمرضتني عوديفمن جوفي فقد عودي
سقى الله الحمى مزنًاوإن أورثتني حزنا
فكم قدمًا به فزنابعيشٍ غير منكود
/ أ/ أجيران الغضا رقُّوافإنِّي لكم رقُّ
وفي أيديكم رقُّشهودي فيه مشهودي
أردتم كنه تجريبيوسفن الحبِّ تجري بي
فحوزوا الآن أجري بيولو منكم بموعود
عليُّ بن قليج بن عبد الله، أبو الحسن الطاهريُّ الحلبيُّ.
وأبو الحسن أمير فاضل ذو نباهة وذكاء، وله شعر ومنه قوله يرثي ولده:
فقدت فتًى لو عشت ما عشت لم تزلشمائله في خاطري وعياني
أيطمح منِّي أن أعيش وأنَّنيأنام فلا أبكيه طول زماني
تجمَّل سكان القبور بطلعةٍعهدت إليها ينسب القمران
أجسُّ فؤادي للَّهيب مسكِّنًافلم استطع من شدَّة الخفقان
فلو أنَّ خصمي فيك خصمٌ مجسَّدٌلمكَّنت منه صارمي وسناني
ولكنَّه الدَّهر الَّذي رام تبَّعًاويتبعه من بعده الهرمان
فوا حسرتا مذ فارقتني شمائلٌتولى عليها طارق الحدثان
فلي حسرةٌ ما تنقضي وندامةٌعضضت عليها راحتي وبناني
وأصبحت لا تدري بمن جاء زائرًاعداك إلى كم رقدة
عليُّ بن محمود بن محمد ب/ بن أحمد، أبو الحسن بن أبي الشكر البغداديُّ، المعروف والده بالسرخسيِّ.
كان والده أحد الكتاب بالديوان العزيز -مجده الله تعالى- بمدينة السلام. وكان ولده هذا أبو الحسن فاضلًا له معرفة بالأدب.
قرأ على أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي النحوي، نزل مدينة حلب وتصدر بها في أوائل سنة ثلاثين وستمائة. وقد شرح شعر أبي الطيب المتنبي فغسله قبل موته.
أنشدني القاضي الصدر الكبير بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد ين يحيى بن محمد بن الخشاب الحلبي -أدام الله رفعته- بمنزله المعمور في سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو الحسن عليّ بن السرخسي لنفسه بحلب، يرثي شيخه أبا اليمن زيد بن الحسن لنفسه: -
لقد كان في زيدٍ أبي اليمن منحةٌمن الله زانت فضله في حياته
وكان مثال النَّحو يضرب باسمهفلا عجبًا إن مات بعد مماته
وأنشدني أحمد بن محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن خلّكان الإربلي، قال:
أنشدني ابن السرخسي لنفسه، أ/ في إنسان يعرف بابن عمرون، وقد تصدّر لاقراء العربية والنحو بحلب، وصار له حلقة بمسجدها الجامع:
قالوا: ابن عمرون قد تصدَّىللنحو والرُّتبة الثَّمينه
وصار مع أنَّه حمارٌيدرِّس النَّحو في المدينه
فقلت: هذا الزَّمان بحرٌفي مثله تغرق السَّفينه
ونقلت من خطّه قوله ما كتبه إلى كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الفقيه الحنفي المدرس -أيده الله تعالى-:
يا كمال الدِّين الَّذي جليتبه المعالي في أفخر الشِّيم
فقت الورى بعد كلِّ مفتخرٍحويته باللِّسان والقلم
أنت لعمري عندي كقول الَّذيبرِّز في قوله على الأمم
قام بأمري لمَّا قعدت بهونمت عن حاجتي ولم ينم
عليُّ بن تركانشاه ب/ بن شاه مرزوان، أبو الحسن الرازيُّ.
كان فقيهًا شافعي المذهب، نزل الموصل وسكن العزّية؛ وتولّى إعادة درس الشيخ أبي حامد محمد بن يونس بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه الشافعي المدرّس.
ومن شعر أبي الحسن، يرثي الشيخ أبا حامد المذكور، وكانت وفاته في سلخ جمادى الآخرة سنة ثماني وستمائه -رحمه الله تعالى- بالموصل:
إن رقا لي وقد فقدتك دمعأو صفا لي إلى المفنِّد سمع
أو خلا من لواعج الحزن قلبيأو حلا محفلٌ لديَّ وجمع
أو تراءى من جانب الغور غور اللَّهو برقٌ فشاقني منه لمع
فأنا الخائن الَّذي ضيَّع العهد وألوى به من الغدر طبع
يا مقيم الصَّغى إذا ذاع في القول وأزرى بسنَّة الدِّين بدع
وزعيم الجدال والأفوه المنطيق من غيِّه إلى السِّلم يدعو
وفريدًا في عصره ووحيدًاشفع الشَّافعي فالوتر شفع
وفقيدًا بكى له العالم العلويُّ شجوًا وماد دينٌ وشرع
جهلت بعدك العلوم وأضحىطالب العلم ما له منه نفع
/ أ/ واستقلَّت أقوال مذهبك الحقِّ وعادت وجوهه هي شفع
وتمادى بالدَّرس والفقه والبحث شتاتٌ ما بعده الدَّهر جمع
فإلى من يصير طالب فتياضاق منها بالعالم الحبر ذرع
وفقيهٌ طرا عليه من الإشكال ما لا في وسعه عنه دفع
ونحارير منطقٍ أرتج القول عليهم وليس للقول رجع
وبرغمي افتئات غيرك بالدَّرس وإنَّ يده لنعلك شسع
وإذا ما خلا العرين من اللَّيث فلا غرو أن يدانيه ضبع
بأبي روحكَّ الَّتي لم تزل قطُّ ولا رابها من الموت نزع
وتصانيفك الَّتي شيَّد المذهب منها أصلٌ صحيحٌ وفرع
ومقاماتك العليَّة والخطب جليل والأمر خفضٌ ورفع
فكأنَّ النَّهار ساعة واروه عليه من دامس اللَّيل قطع
عليُّ بن موسى، أبو الحسن الضرير الباجسريُّ.
كان رجلًا ضريرًا فيه فضل وأدب، وينظم الجيّد من الأشعار.
حدثني الصاحب ب/ شرف الدين أبو البركات المستوفى بإربل ﵁ قال: أخبرني أبو العباس أحمد بن محمد القريحي، قال: كان بيني وبين أبي الحسن الباجسري صداقة، فورد على بعض الجهات التي كان لي بها مغل، فقال: تساهمني فيما حصل لك، فساهمته في ذلك وبقي البصل والهرطمان، قلت: خذ
حصتك منها، فقال: أنفذهما أنت إلي، فلم أنفذهما فكتب إلي وأنشدنيه:
يا قارحيُّ وعدتناوخضاب وعدك ما نصل
بكرازكٍ مملوةٍ من هرطمانك والبصل
وقضيت أنَّ الوعد تنجزه إذا اليوم انفصل
وإلى أخيك ودارهمن ذاك شيءٌ ما وصل
وعلى نجازك والمطال ودادنا لك قد حصل
لا زلت تصدق للصديق ودام شكرك واتَّصل
وتفيَّ ما بقي الزَّمان وما شكا وبكى طلل
قال القريحي: وقال لي: إنما خرجت منها عن التزام الصاد، أ/ لأنَّه لم يبق شيء سوى ما ذكرته، هذا معنى لفظه.
قال الصاحب أبو البركات: ولو استقرأ إنسان ذلك بوجد شيئًا غير ما ذكره.
عليُّ بن يحيى بن أحمد بن يوسف بن عبد العزيز بن علّون بن بسّامٍ، أبو الحسن المعروف بابن السَّدار الكاتب.
وكانت ولادته في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب، قال: أنشدني ابو الحسن علي بن يحيى بن السَّدار لنفسه بدمشق في إنسان كان حريصًا على تحصيل الأملاك، ومعاملة الناس:
هب قد جمعت جميع أملاك الورىوأخذتها بالزُّور والبهتان
فظلمت فيها واعتديت تجبُّرًاأفما خشيت عقوبة الرَّحمان
كان كاتبًا بين يدي القاضي الفاضل وكان صاحب طبع في الإنشاء، وبلاغة في صناعتي النظم والنثر، يحوي ب/ أدبًا وفضلًا، وهو من بيت مشهور.
عليُّ بن الحسين بن كرم بن عثمان بن محمد الحسن بن عليٍّ، أبو الحسن الحلِّي المعروف بابن الطباخ.
أنشد له الصاحب أبو البركات هذه الأبيات في تاريخ إربل من تأليفه:
ألا فاسلموا راقين أسنمة العلاعلى غايةٍ من دونها المتطاول
يقرُّ بعيني أن تنالوا مراتبًالكم عندها ظلُّ الخلافة شامل
وإمَّا اطَّرحتم من يودُّ ملالةًفقد خست منكم عهودٌ أوائل
عليُّ بن عليِّ بن أمسينا الواسطيُّ، أبو الحسن بن الميامن.
من أبناء المتصرفين والرؤساء وذوي الولايات بواسط.
رأيته بإربل في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، يتولّى إشراف العرض بها في الأيام المستنصرية؛ وهو شاب جميل مليح الصورة، خفيف العارضين.
وحدثني ابن أ/ الدبندار الشاعر، قال: ضمَّني وإيّاه بعض المجالس، فأنشدت:
أقسمت يا بن الدَّبندار بأنَّ شعرك خير شعر
شعرًا لنفسي، فأنشد مخاطبًا لي، لنفسه: -
من جنب فضلك من أبوتمَّام من كان المعرِّي؟
عليُّ بن محمود بن أبي الحسين بن نبهان بن سند بن بشر، أبو الحسن بن أبي الثناء اليشكريُّ، البغداديُّ والدًا وأصلًا، المصريُّ مولدًا، الدمشقيُّ منشأ.
شاعر ابن شاعر.
أنشدني علي بن محمود لنفسه بحلب في أعرج:
يا بأبي من وجهه جنَّةٌصدرت عنها وأنا المخلص
لم يثنني العذَّال في حبِّهأغلوا عليه اللَّوم أم أرخصوا
قالوا: اعتراه عرجٌ شانهوذاك من وجدي لا ينقص
وافى إلى وصلي مستوفزًاكأنَّه من عرجٍ يرقص
/ ب/ وقال أيضًا:
ولمَّا أتاني العاذلون عدمتهمفما منهم إلَّا للحمي قارض
وقد بهتوا لمَّا رأوني شاحبًاوقالوا: به عينٌ، فقلت: وعارض
وله من جملة قصيدة:
إنِّي أغار من النَّسيم إذا سرىبأريج عرفك خيفةً من ناشق
وأودُّ لو سهِّدت لا من علَّةٍحذرًا عليك من الخيال الطَّارق
وقال في التشبيه:
وقد تبدَّى هلال الأفق مزدهيًاتحفُّه في السَّماء الأنجم الزُّهر
كزورقٍ من لجينٍ وقره سبجٌيمرُّ في لجَّةٍ حصباؤها درر
وقال من قصيدة:
رعى الله من لم يرع عهدًا رعيتهوعقد ودادٍ مبرمٍ غير منحلِّ
فنازعني الشُّوق اللَّجوج إليهمفأخدع قلبي بالمواعيد والمطل
وحمَّلني العذَّال منَّة ذكرهموحسبك أنِّي حاملٌ منَّة العذل
وأنشدني لنفسه في ضارب كرة:
يا حبَّذا وبروحي ضاربٌ كرةًكالغصن يعطفه الإدلال والمرح
/ أ/ شكرًا لها إذ أرتني من محاسنهاأجل ما كنت أرجوه وأقترح
تدنو إليه ويقصيها لعاشقةوليُّه مثلها يدنو وينتزح
وأنشد لنفسه من قصيدة في الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب:
سلي البارق العلويَّ يا أمَّ مالكٍأأمسك دمع العين بعدك أم همى
ولا تنكري فيض الدُّموع صبابةًفإن لم تجودي بالرِّضا هطلت دما
ملكت عنان القلب فانقاد طائعًاكئيب الهوى أنَّى حللت وأينما
فلا يختشي إلا ملالك والقلىوما يرتجي إلَّا المليك المعظَّما
ومنها:
فما أجدل وافى على رأس مرقبٍأغبَّ فلم يطعم من الصَّيد مطعما
رأى في فضاءٍ بالعراء طريدةًفبادرها يفري الإهاب تجشُّما
بأسرع منه للصَّريخ إجابةًإذا أصبح النُّور الشَّماليُّ مقتما
وأنشدني لنفسه في سنقر الحكيم وقد رمى بالسهام، فأصاب حلقة الغرض خمس مرَّات متوالية:
/ ب/ وعوجاء من بانٍ إذا هي أرسلتإلى الجمع فردًا من بنيها تفرُّقا
أصبت بها خمسًا تؤامًا تواليًابحلقة قدٍّ دقَّ عن أن يحقَّقا
ووصَّلتها لو شئت إعجاز صنعةٍفلم تدرك الأبصار منهنَّ أفوقا
فحسبك منها معجزًا لسعادةٍبرغم العدا دامت ودام لك البقا
وأيُّ مرامٍ لم ترح فيه أوَّلًاوتاج فخارٍ لم تكن فيه مفرقا
ولمَّا دعوت الشِّعر باسمك أقبلتقوافيه في مضمار مدحك سبَّقا
فحبَّرت منه في علاك مدائحًاتجرُّ جريرًا خلفها والفرزدقا
عليُّ بن عمر بن حسن بن رسن، أبو الحسن الشيبانيُّ العبدليُّ.
من أهل باجسري، قرية كبيرة من أشهر قرى بغداد.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي ﵁ بإربل، قال: ورد العبدلي إربل قديمًا، وكان شابًا أسمر، أقام بالشام مدةّ، وذكر أنّه قرأ على أبي اليمن الكندي شيئًا من أشعار العرب، وأنّه سمع الحديث، وأنَّ عنده نحوًا وغيره، وليس كما ذكر في إحكام شيء من النحو أ/ ولا غيره، وإن شمّ منها بعضها.
أنشدني لنفسه في شهر جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وستمائة -شعره في غاية السقوط جدًا-:
أشاقك من شاطي ديالى حدائقهفأذريت برقا الدمع وانهلَّ ناعقه
تئطُّ إلأى نصرٍ به الذَّبُّ كلَّماتغطغط جونٌ أو تداعت فوارقه
قال الصاحب شرف الدين أبو البركات ﵁ وهي تسعة عشر بيتًا على
هذا الأسلوب، لا فائدة في إيرادها جمعًا، لأنها رديئة الألفاظ، وقال أبو البركات ﵁ سألته عن موضع "برقا" فقال: النصب بحذف من!. قال: هي العين.
عليُّ بن محمود بن عيسى بن خليل بن عليٍّ، أبو الحسن التنوخيُّ الحمصيُّ، المعروف بابن الحكم.
رأيت ديوان أشعاره بحلب، وهو مجلد كبير الحجم، مرتب على حروف الهجاء، يشتمل على فنون من القريض.
/ ب/ وافتتحه بخطبة مسجعة من إنشائه، يخاطب بها بعض أصدقائه، وقد سأله أن يتحفه بشيء من نظمه، فأجابه إلى ذلك بعد أن سأله الإقالة، يقول منها: "وكنت آليت أن لا أقصد ملكًا ولا سوقةً، ولا أنشد شجاعًا ولا فروقةً، حتى سلبني الدهر ثوب الوفر، وألبسني رداء الفقر، وبدّلني اليسر بالعسر، والجبر بالكسر. فالجأتني كثرة العيال، وقلة التموال، إلى أن أريق ماء المحيا، وأنشر لبرقع صونه طيّا. فكان أوّل من تمسكت بولائه، وآخر من طوَّقت بحلي قريضي جيد عليائه؛ السلطان الملك الأمجد مجد الدنيا والدين بهرام شاه بن الملك المظفر أبي الفتح فرخشاه بن شهنشاه بن أيوب عضد أمير المؤمنين، فأنقذني من قبضة الطوى، وانتشاني من براثن أسد التوى. وأعاد عود العيش لدى ناضرًا، بعدما روى، وطرف السعد إلي ناظرًا بعدما أروى. فلأمدَّنَّه بصالح الدعاء، ولأشنِّفنَّ أذن عليائه عقود الثناء. ولأسألنَّ الله أن أ/ يوزعني شكر أياديه، وان يحرس دولته بكبت أعاديه. وما برحت إبان الشباب والعيش اللباب، مستهترًا بمعاشرة الأدباء، مغرًى بمكاثرة البعداء منهم والقرباء، فلم أسمع بأديب إلَّا قصدته، ولا أريب إلَّا استنقذت منه ما أفدته حتى استخلصت لنفسي صحبًا كالنجوم، قد أحكموا صناعتي المنثور والمنظوم، فكنّا نتبارى في البيان مباراة البنان للبنان، ونتمارى في الأوزان، مماراة ذوي الإحسان بالإحسان، فما استنَّ لنا صعب لفظ إلَّا ذللناه فركبناه، ولا اعترض بكر معنًى إلَّا ألنَّاه وركبناه، فلم نغادر جدًّا
من القول، ولا هزلًا ولا رقيقًا منه، ولا جزلًا ولا نكرًا ولا طرفًا ولا ظرفًا ولا سخفًا إلَّا وأعملنا فيه بزل الأفكار، واستخرجنا أبكار، قرائح أزرت على الأبكار.
كلّ ذلك رغبة بالمنظوم والمنثور، لا طلبة للفسوق والفجور، فليعذر من وقف على سخفه، واستجلى قمر مجونه من سجفه، موفقًا إن شاء الله".
وبلغني أنّه كان معلم الصبيان مدّة، ثم صار بعد ذلك بمعرة النعمان في ديوان الزكاة ب/ مشرفًا، وتنقل في البلاد الشامية، طلبًا للارتزاق والاسترفاد. وكان شيعيًا مائلًا إلى مذهب الإماميّة، كثير الشعر، وديوان أشعاره كبير جدًّا يشتمل على مدائح ومراثٍ وغزل ومجون وأوصاف وأغراض مختلفة النعوت.
ومن شعره في غلام اسمه عبد الكريم:
مولاي يا عبد الكريم استمعمن عبدك الأصغر شكواه
حتَّى متى تقتلني عامدًابالهجر لا وأخذك الله
كن مثل من أعتق عبدًا لهما أقبح البخل وأزراه
فقال لي وازورَّتيهًا وذو الحسن على ذي الحزن تيَّاه:
عبد الكريم اسمي ولمَّا يكنذا العبد من طينة مولاه
وشادن تسحر ألفاظهبنا كما تسحر عيناه
أضحى نعيمي وشقائي فماأبعده منِّي وأدناه
أموت إن أعرض عنِّي كماأحيا إذا لاح محيَّاه
وقال أيضًا في صباه، مجيبًا لصديق له عن أبيات أ/ جاءته في صدر كتاب:
وافى كتاب أبي عليّ يقول الأدباء عين الشعر والشعراء
ففضضته فرأيت طرسًا معربًاعن سؤددٍ وبلاغةٍ وعلاء
متضمِّنًا من نظمه دررًا حكتحسنًا عقود الغادة الحسناء
أمهذَّب الدِّين الَّذي أخلاقهكالسَّلسبيل مشوبةٌ بالماء
قسمًا لقد شرَّفتني وبنيت ليمجدًا قواعده على الجوزاء
وكسوت عرضي من ثنائي حلَّةًأزرت بما صنعت يدا صنعاء
ولأنت أحرى بالثَّناء من الورىطرًّا لأنَّك زين كلِّ ثناء
وقال في غلام يعوم في نهر، محلول الشعر، وقد سئل ذلك:
أرسب في لجَّة الغرام كمايرسب ماء الأجسام في الماء
وابأبي من به كلفت ومنأضحى دوائي من كلِّ أدوائي
حسين ذو الحسن والجمال ومنحشا بنار الغرام أحشائي
أرسل مسك الأصداغ منه على الكافور حتَّى كفرت آرائي
فخلت أنَّ الصَّباح أقبل فوق الأرض يسعى في ثوب ظلماء
/ ب/ وقال أيضًا:
أيُّ عيشٍ غضٍّ وأيُّ نعيملم أرح منه آخذًا بنصيب
قد تمتَّعت بالملاذ فما أبقيت من مأكلٍ ومن مشروب
ولبست العصب المطيَّر ما اطَّيَّرت من فاقةًٍ بيومٍ عصيب
وأراني أعفُّ خلقًا ولو ألصقت صبرًا إلى التُّراب تريبي
وقال أيضًا: واجتاز بغلام جميل الوجه، حسن الصورة، مليح الشمائل، متعلم صنعة الأساكفة عند أستاذ يعرف بابن العقاب، والغلام اسمه بلال:
ألا لله اسكافٌ مررنابه بين العقيبة والقباب
غدا مع كونه ظبيًا غريرًاغريب الشَّكل مقتبل الشَّباب
أليف أبن العقاب ومن رأى قبله أبن الظَّبي إلف أبن العقاب
وليس سوى الحشاشة من مراعٍله وسوى المدامع من شراب
فيعطو حين يعطو ريم رملٍويسطو حين يسطو ليث غاب
/ أ/ بلال من رضاب يشفى ليشفىظماي إلى ثناياه العذاب
بدا نعلًا له دكناء حتَّىحسبت البدر أشرق من سحاب
وجال بإبرةٍ فرأيت منهومنها البدر يعبث في شهاب
وصال بذابل الأشفاه حتَّىلقد أشفيت منه على العذاب
= وليس أهابظلَّ يفري ... بشفرته وينصح بل أحابي
وقال في صباه من سنة تسعين وخمسمائة:
يا عتب دع عنك عتبيحسب الصَّبابة حسبي
أنَّى وقد سار عنِّيفضلٌ بقلبي ولبِّي
نأى فتذكاره والدُّموع أكلي وشربي
فبين جفني ونوميليهنه أيُّ حرب
فليت لمَّا قضى بينه قضى الله نحبي
ريح الصَّبا بلِّغيهعنِّي سلام محبِّ
أذكى وأطيب نشرًامن روضةٍ غبَّ سحب
يا قبلتي وإليهاأدعو وفيها ألبِّي
/ ب/ يا بدر تمٍّ تبدَّىمن فرع أملد رطب
أسهرت عيني وأقلقتني وأتعبت قلبي
ترى بأيَّة جرمٍترى بأيَّة ذنب
وقال أيضًا:
رأيت في المكتب أعجوبةًمن يرها في مكتب يعجب
ظبي نقًا يرتع فيه وهلرأيت ظبيًا قطُّ في مكتب
أقبل إذ عاينني ضاحكًاأكرم به من مقبل واجب
وزر فن الصُّدغ فعوَّذتهبخالق المشرق والمغرب
وقلت: من يضمن لي أنَّنيأنجو وهذا البدر في العقرب
وقال أيضًا، وقد اجتمع عند جماعة من أهل الأدب، وعندهم مغن يسمى "البليبل"
فلما غنّى تفرقوا، فقالوا: ما هذا بلبل، هذا غراب!:
تجمَّع شملنا يومًا بقومٍلهم في كلِّ مكرمةٍ نصاب
ففرَّقنا البليبل إذ تغنَّىفقلت: أبلبل ذا أم غراب؟
/ أ/ وقال محبُّه عذبٌ تغنَّىفقلنا: دون ذا العذب العذاب
وقال أيضًا في غلام حمل شمعة:
أتانا وفي يده شمعةٌكقلبي في حبِّه تلهب
فخيِّل لي أنَّ بدر الدُّجىتألَّق في يده كوكب
وقال أيضًا في غلام اسمه عفان:
إسم الَّذي هام قلبي في محبَّتهلثالث الخلفاء الرَّاشدين أبُّ
وانَّه اسمٌ لشيخٍ في القراءة لايخلُّ حرفًا وآمن حين ينقلب
وقال في غلام يسقي جلابا:
يا ساقي الجلَّاب يا شادنًابلحظه للأسد خلَّابا
عنِّي بجلَّابك لا نشتهيمنك سوى الرِّيقة جلَّابا
وقال أيضًا في ولد إسمه حسين يرثيه، وتوفي بحلب:
إن مات في حلبٍ حسين غريباوأذا [ب] أكبادًا لنا وقلوبا
/ ب/ فلقد قضى في كربلاء سميُّهقتلًا سليبًا من ذويه غريبا
لولا التَّأسِّي عنه بالمقتول والمسموم لاستعرت حشاي لهيبا
وقال هذه الأبيات، وكتبها على ظهر كتاب نهج البلاغة، وكان قد نسخه:
كتبت هذا الكتاب لمَّاغرقت في لجَّة الذُّنوب
أرجو من الله كشف ضرِّيوستر ما بي من العيوب
فمن له في الورى نصيبٌفحبُّ أهل الورى نصيبي
وقال في غلام اسمه ياقوت:
قل لياقوت أنت قد رحت للعين جلاءً وللحشاشة قوتنا
يا معير القضيب عطفًا ولينًاومغير الرَّبيب طرفًا وليتا
قد وليت القلوب مذ صاغك الرَّحمان بدعًا فاعدل بما ولِّيتا
وقوله أيضًا:
يا لائم الصَّبِّ لا تلمه فمانفع أخي الشَّوق في ملامته
أنت به شامتٌ ولا يستميل المغرم الصَّبَّ قول شامته
وبي هلالٌ من ليل طرَّتهلاح لحيني في غصن قامته
/ أ/ نرجس ألحاظه وتفَّاح خدَّيه بلائي ومسك شامته وقال أيضًا:
رأى كلفي وقد ظعنوا بليلىخلِّيٌّ لا يبيت كما أبيت
فقال: يفوت عمرك بالتَّمنِّيفقلت له: ومن لي لو يفوت
أمن جنٍّ دهيت، فقلت: كلَّاولكن من ذوي إنسٍ دهيت
إذا أنا لم أمت أسفًا ووجدًابليلى العامريَّة من يموت!
وله أيضًا:
إن غيِّرت بعد الحيِّ حالاتفسوف تصرف عنَّا الهمَّ حانات
وشمس راح لها من راح بدر دجًىشرقٌ ومغربها منَّا الحشاشات
تبدو فواقعها في كأس قاطبهاكأنجم القطب يجلوها الزُّجاجات
أو مثل ما نثر الدُّرَّ الثَّمين علىأرضٍ من الذَّهب المسبوك قينات
لها إذا شجَّها السَّاقي وميض سنًىيعشي العيون له في الكأس لمحات
وللنَّدامى إليها إذ تشعشعها السُّقاة تحت الدَّياجي أريحيَّات
فافضض بفضِّك طين الدَّنِّ جيش أسًىله على القلب كرَّاتٌ وفرات
لا يغرق الهّمَّ إلا صرف دسكرةٍما إن لميقاتها في العدم ميقات
/ ب/ ما زال يكلأ صرف الدَّهر جوهرهاويمتري ذامها طورًا وتقتات
حتَّى غدت وهي لا الأوهام تدركهامنَّا وّلّا الخطرات الألمعيَّات
ترى بنان النَّدامى من تلألئهاكأنَّهنَّ بفرصادٍ خضيبات
وجدي بكأس طلًا وجدي بحبِّ طلًايذيب أكبادنا منه
مبلبل الصُّدغ كم قد بلبلت كمدًاألحاظه السَّاحرات البابليَّات
كم أمرضت من صحيحٍ يوم كاظمةٍتلك الجفون المريضات الصحيحات
لله عيشٌ بنعمانٍ نعمت بهدهرًا وللدَّهر عنَّا فيه غفلات
أيَّام ظلُّ الهوى دانٍ ومربعهغانٍ وروضاته صح أريضات
فمن تذكَّر بان الجزع جزع كمالديَّ لذكر
إيَّاك نجدًا وآرامًا تروم بهانيل المنى فأمانيها منيَّات
تسلُّ فينا سيوف الهند أعينهاكما تهز رماح الخطِّ قامات
سقى الحمى مرجحنَّات السَّحاب وإنأبت فسحب الدُّموع المرجحنَّات
وجيرةٍ أتمنَّاهم فما حفظتمع الأمانات هاتيك الأمانات
ما مثل ساعات أيَّام الغوير مضتولا كأوقاتها في الطِّيب أوقات
وقال أيضًا: أ/ في مغن متقن:
لله شادٍ لو بنغمته دعا الموتى أجابته من الأجداث
أو لو تسمَّعه الشُّيوخ لأصبحواوهم من السَّرَّاء كالأحداث
وكأنَّه بدرٌ تكنَّف أنجمًاإذ بان بين مخانقٍ ورعاث
غنَّى فأنسانا الغريض فكان فيعقد العقول تخال كالنَّفاث
فطربت حتَّى خلت أنِّي في الورىكسرى وأنَّ المشرقين تراثي
وقوله أيضًا:
لله ما أصبر قلبي علىنوائب الدَّهر وأحداثه
وأصعب الأشياء ما نلت منشيوخه النَّوكى وأحداثه
وقوله في غلام جاء يبتغي سراجًا:
أتانا يبتغي منَّا سراجًامراجًا أشرقت منه الدَّياجي
فقلت وقد تزايد منه عجبيوتمَّ به سروري وابتهاجي
فديتك يا غريب الحسن قل لي:أيحتاج السِّراج إلى سراج
وقال أيضًا في مثله:
قال لي من أحبُّ ليلًا: ألا قمفأتنا بالسِّراج فاللَّيل داجي
/ ب/ قلت: بيت حظي تلألأ أنوارك لا حاجة له وسراج
وقال أيضًا:
إذا مسك الذَّوائب حلَّ يومًاعلى كافور جسمٍ علَّ راحا
توهَّمناه ليل الهجر غطَّىصباح الوصل حتَّى لا صباحا
وقال أيضًا:
وكنت إذا هبَّت نسيم بلادكموغنَّى على الأيك الحمام وناحا
ركبت إليكم مركب الشَّوق إذ غدتدموعي بحارًا والزَّفير رياحا
وقوله:
مجلسنا اللَّيلة خالٍ من الأضداد حالٍ بالوجوه الصِّباح
فاطلق بميدان الهوى والصِّباعنان طرف اللَّهو حتَّى الصَّباح
لا تحفلن فيما يقول العدافما على ذي صبوةٍ من جناح
وقوله في غلام أسود راكب على فرس أشهب:
وطرفٍ أشهب يختال تيهًابريمٍ أسودٍ حلو المزاح
فقلت لصاحبيَّ: ألا أخبرانيمتى ركب الظَّلام مطا الصَّباح
/ أ/ وقوله:
هتفت بالصَّبوح قبل الصَّباح بنواحي العبّار ذات نواح
فاسقنيها حمراء بكرًا تعيد اللَّيل صبحًا من كفِّ بكرٍ رداح
وقال لأبي الحسن علي بن يوسف العطار ﵀ وكان صديقه:
أبا الحسن بن الأكرمين ومن غداهواه بأثناء الجوانح راسخا
ومن خصَّ طبعًا بالبلاغة فانبرىبجامع ديوان التِّلاوة ناسخا
كذا أبدًا لا زال جاهك شاملًاوظلُّك ممدودًا ومجدك شامخا
فإنِّي متى أنزل ببابك أعتصمواحتلَّ طودًا باسق الفرع باذخا
واقتضى عليه الملك الأمجد أن ينظم في الروض والسواقي، فقال بديها:
أنظر إلى تلك السَّواقي إذ غدتتجري خلال روض ناديها النَّدي
كأنَّها صوارمٌ من فضَّةٍقد جرِّدت من قرب الزَّبرجد
وجنَّةٌ قد فرشت أرجاؤهابسندسٍ مقضَّبٍ معمَّد
قد رقمت كفُّ النَّسيم بردهابعندمٍ وفضَّةٍ وعسجد
/ ب/ كأنَّما قد سرقت خلائقًامن بعض أخلاق المليك الأمجد
وله في مغن:
ألا بأبي شادٍ إذا جسَّ عودهوغنَّى تناسينا الغريض ومعبدا
وتحسب في فيه هزارًا مغرِّدًاإذا رجَّع التَّغريد فينا وردَّدا
وقال:
دع ذا النَّميمة لا تصاحبه وكنمن كيده متخوِّفًا متعوِّذا
فمتى تسالمه تسالم عقربًاومتى تحاربه تحارب قنفذا
وله أيضًا:
يا حمص جادك من دموعي وابلٌإن لم يجدك من السَّحاب رذاذ
فلأنت مغنًى للخلاعة والهوىرحبٌ وللصبِّ المشوق ملاذ
وقوله:
لله من ينسيك لؤلؤ لفظهوجمان مبسمه قلائد نحره
قمرٌ خشيت عليه نقصًا إن بداتمًّا فلمَّا تمَّ كان بخصره
وقال أيضًا:
يا من تذلُّ به للورى نفوسٌ عزاز
/ أ/ ومن تحرَّزت منهلو ينفع الإحتراز
أجزا القطيعة بالوصل فالحياة مجاز
مسك العذار لكافور وجنتيك طراز
وقوله:
لي حبيبٌ به غنيت عن الرَّوض نضيرًا وعن تناول كاس
لحظه نرجسي وخدَّاه ورديولماه راحي وصدغاه آسي
وله في غلامٍ إسمه حيش:
من مبلغٌ حيشًا بأنَّي امرؤٌلم يصف لي في حبِّه عيش
وما لقومي إن أمت حسرةٌفقاتلي دون الورى حيش
وقال في حجر الرجل:
لمَّا عجزت ومثلي اليوم يعجز عنتقبيل راحة مغلي الحمد مرخصه
أرسلت إذ لم تكن لي حيلةٌ حجرًاينوب عنِّي في تقبيل أخمصه
وقال:
أصار قلبي لسهمي لحظه غرضًاحتَّى كأنَّ له في قتلتي غرضا
قاسٍ إذا قعدت جنّ الغرام بهعن قتل من رام منه ليته نهضا
/ ب/ يظلُّ يسخط من قول المحبِّ لهمنك الصُّدود ومنِّي بالصُّدود رضا
وقوله في صباه:
قال الطَّبيب غداة منِّي قطِّعتللعائدين علائقٌ ونياط
كيف العليل وما عراه وما بهقالوا له: الإعلال والأخلاط
فأشار نحوي بالفصاد وقال: منشرط الجوى المبضاع والمشراط
واستأنف التَّسال عن يد الجوىفأجبته: الأصداغ والأقراط
فثنى أعنَّته وولَّى قائلًا:لا يستطيع شفاءه بقراط
وقال أيضًا:
إذا اقتسم الخلائق كلَّ حظٍّجعلت الحزن لي قسمًا وحظَّا
ولو وعظوا بمن أهواه حتَّى القيامة لست أسمع فيه وعظًا
حبيبٌ مقلتاه تنام عمَّنيبيت .... في الحبِّ يقظى
حكى بدر الدُّجى وجهًا وغصن النَّقاقدّا وريم الرَّمل لحظا
وناضر ورده بشرًا ونشرًاولؤلؤ عقده ثغرًا ولفظا
وله أيضًا، وقد سأله غلام جميل أن أ/ ينظم له بيتين يكتبهما على بيضة مصوغة حمراء:
لمَّا حكت بنقائها لك مبسمًايا ذا المراشف واللُّمى الممنوع
قبَّلتها وبكيت إذ قبَّلتهامن لوعةٍ فخضبتها بدموعي
وقال:
بأبي ثمَّ بي وبالمال من أصبح شغلي دون الورى وفراغي
من إذا رمت قطف تفَّاح خدَّيه حمته عقارب الأصداغ
وقال:
يا صاحبيَّ استعطفاه وقبِّلايده وأخمصه ..... عطافه
وتلطَّفا وسلاه علَّ من الجوى تنتاش أنفسنا يدا ألطافه
قولا: محبُّك مذ تملَّكه الهوىصافاك محفوظ الوداد فصافه
أوردته بجواك مورد حتفهفتلافه بالوصل قبل تلافه
وله في غلام إسمه مصبح:
أزرى بك اسمك يا مصبِّح مثل ماأزرى بذات الحسن ثوبًا أخلقا
لو وافق إسمك حسن وجهك لم تجدفي الخلق إلَّا مغرمًا بك مقلقا
وقال ب/ وقد رأى غلامًا جميلًا لابسًا ثوبًا أحمر، فقال بديهًا:
لبس المحبوب ثوبًا أحمرًافأرانا قمرًا في شفق
قلت: ماذا؟، قال لي وافترَّ عنمبسمٍ مثل اللآلي النَّسق:
نفضت صبغة خدِّي فوقهقلت لا بل أدمع الصَّبِّ الشَّقِّي
وقوله:
عجبت من فرط عجبكومن قساوة قلبك
ومن جميل اعتقاديبالصَّفح عن عظم ذنبك
عاقبت ظلمًا وما خفت من عقوبة دمِّك
كم قد عتبت وكم قدأعتبت خيفة عتبك
وقال في غلام جميل فوّق إليه سهمًا:
يا من بأسهمه يحاول قتلتيمهلًا فمثلك من لمثلي يمهل
اقتل بسهم اللَّحظ منَّا من تردفسهام لحظك من سهامك أقتل
وقال في غلام رمد:
/ أ/ لمَّا سللت سيوف لحظك في الورىعمدًا لقتلة كلِّ صبٍّ مغرم
وجحدت فعلتها الَّتي فعلت بناظلمًا ومن يعط اقتدارًا يظلم
ظهر احمرارًا في جفونك شاهدًامن بعد ما قتلت وأوَّلها دمي
وله في غلام جميل إعتمّ بعمامة:
أتاني بعمَّته من أحبُّفأضحى رشادي لديه ضلاله
وخيِّل لي أنَّ بدر السُّعودقد ألبسته يد الحسن هاله
وقال أيضًا في غلام جميل سلّ عليه خنجرًا بطريق المجانة:
قد قلت لمَّا سلَّ فينا خنجرًاومدامعي في وجنتي سجوم
لا تشهرنَّ على المتيَّم خنجرًافكفاه خنجر لحظك المسموم
أبني تنوخٍ إن قتلت فقاتليبصدوده دون الورى أبراهيم
وقوله أيضًا:
عاذليَّ انظرا إلى وجنتيهواعذراني في الحبِّ أو فاعذلاني
وجنّاتباللُّطف والرِّقَّة بين الأمواه والنِّيران
/ ب/ وقال:
ركن صبريواهي ... يا قليل الأنداد والأشباه
يا نفورًا قد ألَّف الحسن في خدَّيه بين النِّيران والأمواه
صل محبًّا لم يثنه لحي لاحعن هوان الهوى ولا نهي ناحي
مغرمًا ما لها بغيرك يا ذا الحسن يومًا وأنت عنه لاهي
كنت حرًّا قبل الهوى غير أنِّي اليوم عبد لعبد عبد الله
وقال أيضًا:
يا أيُّها النَّاس اتَّقوا ربَّكمواخشوا لظًى نزَّاعةً للشَّوى
واجتنبوا الفحشاء فهي الَّتيتحلُّكم في البعث دار التَّوى
لا تقربوا المردان دون النِّسافإنَّها فاحشةٌ تجتوى
واغتنموا موعظتي فيكمفهي لأدواء المعاصي دوا
وقال:
لا عيش للمرء إلَّابشرب كأس الحميَّا
فاشرب وحيي بها صاحبًا بها لك حيَّا
صفراء كالتِّبر لونًاأو كاليلنجوج ريَّا
/ أ/ تنبيك ريقة سعدىطعمًا ونكهة ريَّا
من كفِّ أغيد حلو الأعطاف حالي المحيَّا
بدرٌبالشمس ..... بالثريَّا
أقسمت لا حلت عنهاوعنه ما دمت حيَّا
واعذر أخاك فقلَّماتجدي الملامة شيَّا
فقد أرى الغيَّ رشدًابالرَّاح والرُّشد غيَّا
عليُّ بن سنان أبو الحسن الحلبيُّ، المنعوت باللطيف السَّراج.
كان رجلًا عاميًا لم يعرف الأدب، ويحبّ معاشرة أهل العلم والفضل، وربّما جاد خاطره بشيء من الشعر لا بأس به؛ وقع إليّ كتاب من تصنيفه سمّاه: "سلوة الإنسان عن محبّة الأخوان" وضمّنه قطعًا من شعره.
وتوفى في حدود ست وستمائة. سمع أستاذ حمّاد البزاعي، ومحمد بن الدرزار الحريري، وابا فراس محمد بن أبي الفرج النحوي الحلبي، وسعيد بن عبد الله الحريري وغيرهم. ومن شعره:
سفهًا لدهر ليس يصفو أمرهإلَّا وكدَّر صفو ذاك المنهل
/ ب/ ولأهله فلقد بلوت عجائبًامن غدر كلِّ مماذقٍ متمحِّل
بينا تراهم في الرَّخاء معاشرًاجليت مودَّتهم لعين المجتلي
حتَّى يعود ودادهم [ذمًّا] إذاما عاينوا بؤسًا أناخ بكلكل
وله:
بؤساك يا دهر والنَّعماء واحدةٌوالنَّفع والضُّرُّ عندي فيك سيَّان
عادت صروف اللَّيالي كلَّ ذي ثقةٍفما تخالل إلَّا كلَّ خوَّان
كم قد تأمَّلت أقوامًا فخلتهمسادات قومٍ وما هم غير سيدان
بالله أقسم لم تظفر يداي ولاإنسان عيني في الدُّنيا بإنسان
وله:
نعم لا نكر للمعروف عنديتساوى النَّاس كلُّهم لديَّا
تباغض لي حبيبهم عنادًاوساء فعال محسنهم إليَّا
إذا ما قلت هذا المرتضى ليثناه الحظُّ مسخوطًا عليَّا
وإن حاولت من ولدي انتصافًامضى [و] الجور يتبع والديَّا
فما ذنبي لديهم ليت شعريوما أحتال فيهم يا أخيَّا
إلى الله الشِّكاية من زمانٍأرى لا شيء فيه صار شيَّا
وله من أبيات:
/ أ/ أعاين ما أعاين من أناسٍبلوتهم امتحانًا واختبارا
إذا ما اخترت من أبناء دهريأخا أنسٍ لعنت الإختيارا
يلازمني ويصحبني كأنِّيأصاحبه اختيارًا لا اضطرارا
أفخر الدِّين كم تغضي حياءًعلى من ما أرى فيه وقارا
وله:
وقد رابني وجه الصَّديق وقولهفلا وجهه طلقٌ ولا قوله صدق
يئست به من كلِّ خيرٍ رجوتهلعلمي أنَّ الودَّ من مثله مذق
وله:
وزهَّدني في كلِّ خلٍّ صحبتهتجاريب تدعوني إلى الزُّهد في النَّاس
وله:
ما أكثر الأخوان للإنسان في الفوائد
نعم وما أقلَّهم للمرء في الشَّدائد
كم صاحبٍ شرقت منه بالزُّلال البارد
كان قريبًا فغدامن جملة الأباعد
وكم أخٍ لي قد رمىقلبي بسهمٍ صارد
/ ب/ أقصدني لمَّا نوىلي عن ...... قاصد
واحربا من معشرٍعليَّ بالمراصد
يبدون قولًا صالحًاوراء فعلٍ فاسد
فيالها مكيدةًمن أعظم المكائد
وكتب إلى بعض أصدقائه. وكان له سماع مطرب وغيره مفرطة:
إن شئت فاستر على سماعك أوإن شئت يومًا فعطِّل السترا
فإنَّ عندي من العفافة ماتحمده منظرًا ومختبرا
أمكِّن أذني من السَّماع ولاأمكَّن ألحاظ عيني المنظرا
عليُّ بن عبد الجبار بن محمدٍ بن عليِّ بن عبد الرحمن، أبو الحسن القيروانيُّ، الكاتب المعروف بابن الزَّيات.
ولد بسوسة -مدينة بالغرب منها يسير القاصد إلى السُّوس الأقصى- ونشأ بتونس، وتأدب بها؛ ثم خرج عنها إلى الديار المصرية وبلاد الشام، ثم ألقى ..... أ/ بالموصل، ونزل المدرسة البدرية المطلّة على دجلة، واستقرّ بها مقامه إلى أن توفي بها آخر نهار يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن يوم الأربعاء داخل المدينة بمقبرة الجامع العتيق قبليَّه -تغمده الله برحمته-.
وكان رجلًا قصيرًا أسمر اللون خالطه المشيب عفيفًا مصونًا؛ له عناية بإنشاء الرسائل، وقرض الشعر. ويحفظ من الأشعار جملة وافرة، ومن أقاويل الأندلسيين؛ وله فصول من إنشائه ومكاتبات مليحة، ونظم حسن وبلاغة. وسمع كثيرًا من الحديث
النبوي.
وكان في أخلاقه زعارة، حادّ المزاج، يتعصب لأهل الغرب تعصبًا مفرطًا، صحبته بالموصل مدّة، وكتبت عنه شيئًا من شعره وشعر غيره.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى بعض الوزراء -واسمه يوسف- ويصف قلمه ويهنئه بعيد النحر في أثناء رسالة:
أبطرفه أم ثغره أم ريقهشبَّ الهوى في القلب نار حريقه
أم ليله الغاشي صباح جبينهأم خدِّه أورى شعاع رحيقه
/ ب/ نشوان أولع ردفه بقوامهولع الفؤاد إذا بدا بخفوقه
يا ناظرًا بعقوقه هب ناظريسنة الكرى لمَّا سخا بعقيقه
إنسان عيني قد قضى من دمعهافي بحره وارحمتا لغريقه
ومنها يصف القلم:
وبمهجتي الألمى الَّذي في كفِّهلا اثم معتدل القوام رشيقه
إذ غيثنا من سحبه ومقيلنافي ظلِّه وحياتنا من ريقه
ومنها في وصفه أيضًا:
علمٌ لدى كلِّ المكارم في يدٍتعلو فيعلو القصد عند خفوقه
بل صيِّبٌ يهمي المنايا والمنىبأسًا وجودًا في خلال بروقه
يا مالكًا أولى فأظهر صنعهفرجًا على ضنك الزَّمان وضيقه
هنِّيت بالعيد المبارك بالغًاأملًا رجوت الله في تحقيقه
ما بين نحر عدًا وعرفٍ... من ترك الشكور عرف خلوقه
أبدًا لشتَّى المكرمات مجمِّعًاما تعجز الأيَّام عن تفريقه
ما زاد من صدق الثَّناء ليوسفٍفي الحمد بل أثنى على صدِّيقه
وأنشدني أيضًا لنفسه أ/ يمدح نجم الدين أبا الفتح يوسف بن الحسين بن المجاور الدمشقي بمصر -وزير الملك العزيز عماد الدين عثمان بن يوسف بن أيوب
صاحب الديار المصرية-:
منعت رقيب الحيِّ أن يترقَّباوبدت وحشو نقابها لن يحجبا
طلعت فقلنا: الشَّمس لاحت مشرقًاوثنت فقلنا: البدر أمَّ المغربا
ماست فكان الغصن طيَّ وشاحهاورنت فخلناها تحاكي الرَّبربا
سحبت على حين الوفا أذيالهاجرَّ الرِّياح ذيولهنَّ على الرُّبى
ونظرت من خلل البرود مفضضًّالبنانها قد صيَّرته مذهبا
ورأت بياض الفجر لاح فأعرضتفرقًا وطلق .... مقطِّبا
أفرقت أن نمَّ الصَّباح بمفرقيوزجرت للتفريق كافور الصِّبا
لا تعتبي شيئًا ألمَّ بلمَّتيإنَّ المشيب غبار معترك الصَّبا
أصحبت وصل الهمِّ ثمَّ صدقتنيفرددته همًّا به إذ أصحبا
عذبات فرعك يا سعاد لعاشقٍلو لحن أنوار لخال الغيهبا
/ ب/ كم قد بذلت عذابه في هجرهومنعته عذبًا برودًا أشنبا
ولَّت وقد ضحَّت فضول أزارهاتيهًا يزيد المغرمين تعجُّبا
عطفت على باب الوزير ......غادرن قلبي بالسَّقام مقلَّبا
تشكو بنو الأيَّام لابن مجاورٍكيما يؤِّنب منهم من أذنبا
أعني أبا الفتح الَّذي دانت لهرتب الوزارة ... فاغربا
العالم الفطن الجواد المرتضىأكرم به من سيِّدٍ ما أخطبا
لله يوسف في صفات سميَّةلمَّا أرانا منه خلفًا مذهبا
صدَّقت يا خدن العزيز محاسنًاتبدو مخايلها لعينك خلَّبا
ودعيت نجم الدِّين لمَّا كنتهوطلعت في أفق المعالي كوكبا
فأذعت دين الجود عند خمولهونسخت شرع البخل لمَّا أرهبا
بضئيل أقلامٍ جعلت مدادهحدًّا يقلِّم في الخطوب المقضبا
وجررته كيما يقال مثقَّفًاوهززته كيما يقال مشطَّبا
ومن نثره من كتاب كتبه جوابًا عن كتاب وصل من أخيه من المغرب. وكان بلغه
أنَّ صاحب أفريقية أحضره أ/ مجلسه فكتب إليه جواب كتابه، فكان منه:
"وكلما إطمأنت النفس بعافيته، ..... إلى الإقامة ناداها النزوع إليه: ﴿يا أيَّتها النَّفس المطمئنَّة ارجعي﴾، وكلما أفاضت الذكرى العبرة، قال كتابه الكريم لسحاب الجنوب: ﴿يا سماء أقلعي﴾، وكلّما عاودت الملاحظة بحظه السعيد ... الخاطر السمع يا أذني شوقي ..... وردت أخباره الكريمة على ألسن الواردين، ألطف من نسيم الأسحار، وأسفرت وجوه وجاهته فلا كرامة للنهار المنهار، فهيّجت ذكرى، وأوجبت حمدًا وشكرًا.
وقال بها الشوق للقلب:
﴿إنَّك لن تستطيع معي صبرًا﴾، وجددت شكر النعمة المتحدّث بها على ما وهب الله مولاي .... من العلوم التي كل وجوهها حسنة، وأهلَّه بها لحضور المجالس التي هي صدور لا حرجة ولا خشنة، وخصّه بالفوز منها بمعاني الفضل التي كلها عيون لا يأخذها نوم ولا سنة؛ لا برح مجدها دافعًا في صدور المواكب، وعرفها مخجلًا ما هتن السواكب، وتراب مواكبها طارفًا طرف النوائب، ب/ والحديث عن جودها مع كثرته معدود من العجائب".
وأنشدني أيضًا لنفسه:
شفق الحياء بوجنتيه طلوعهظبيٌ بجفني في الهجير ربيعه
قد حلَّ الحياء منه مواده ولشوقهلا تستقلُّ مع الزَّمان دموعه
فبحسنه ينهى ويأمر مهجتيفالعين تبصر والفؤاد يطيعه
يكرى معافى القلب من برحائهخلوًا وقلب جريحه ملسوعه
درس الخلاف فما يقول مسلمٌمنِّي وقولي كلُّه ممنوعه
أفساد وضعٍ في سؤال محبِّهأم أصله قد خالفته فروعه
تقرير فتوى الحبِّ منه معارضٌوبنقضه نظر الهوى مقطوعه
أرهقت بين دليله ودلالهلمَّا ترجَّح في الدَّليل شروعه
الاقصاصفي رأيه ... يا ليت شعري ما يكون صنيعه
وأنشدني أيضًا قوله:
وأغيد منالشَّام ذي دعج .... يوسف من أذى صواحبه
أذاب قلبي... ومال للتّرب جسمي من ترائبه
ما شام عن مهجتي... إلَّا رمانا بنبلٍ قوس حاجبه
/ أ/ عليُّ بن المقرب بن منصور بن المقرب بن الحسن بن عزيز بن ضبّار بن عبد الله ابن عليِّ بن محمد بن إبراهيم بن محمدٍ، أبو عبد الله الربعيُّ البحرانيُّ العيونيَّ.
هكذا أملي عليّ نسبه من حفظه -وهو من موضع بالبحرين يقال له العيون-.
أخبرني أنّه ولد به في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وتوفي به أواخر المحرم
سنة ثلاثين وستمائة.
وكان شاعرًا مجودًا منتجعًا كثير المدح، قليل الهجاء، جيد القول متينه، قوي اللفظ رصينه. وهو أحد الشعراء الموصوفين المشاهير في عصرنا، المعروفين، أقرّ له بالحذق آية العراق من ذوي الأدب والعلم، ومذهبه في الشعر مذهب الشعراء المتقدمين في جزالة الألفاظ، وإبداع المعاني.
رحل إلى الملوك وامتدحهم فأحسن، ومدح الخلفاء الراشدين -صلوات الله عليهم-؛ الناصر لدين الله، والظاهر، والمستنصر بالله ﵀.
شاهدته بمدينة السلام سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وأنشدني الكثير من قوله؛ ومعظم شعره يحفظه ويورده، ولم يتوقف في إيراده، ولا يجد ب/ بذلك سامة ولا ضجرًا.
ومن شعره يقول من قصيدة يمدح بها مولانا الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك والسلاطين ملك أمراء الشرق والغرب؛ أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين -كبت الله أعاديه وقصم ضدّه ومناويه-:
حطُّوا الرِّحال فقد أودت بها الرَّحلما كلِّفت سيرها خيلٌ ولا إبل
هذا هو الملك بدر الدِّين خير فتًىبه تعلَّق للراجي الغنى أمل
هذا الَّذي لو يباري فيض راحتهفيض البحار لما أضحى بها بلل
هذا الَّذي بالنَّدى والبأس يعرفهوبالتُّقى كلُّ من يحفى وينتعل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع