تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه علي (١٢)

المنعم الملك الَّذي معروفه المعروف منه ميسَّر للطالب

سمح نداه كلَّ وقتٍ حاضرٌبين الأنام لحاضرٍ ولغائب
يا أيَّها الملك العزيز المرتجىوالمتَّقى لمواهبٍ ونوائب
كم كربةٍ عنَّا كشفت غطاءهاوكتائبٍ صبَّحتها بكتائب
وعجاجةٍ أطلعت من بيض الظُّبافي ليلها المسود زهر كواكب
وفوارسٍ ترد الوغى فكأنَّهاأسد الشَّرى تختال فوق شوارب
من كلِّ صافيةٍ تفوت البرق إنأرخى العنان لها بنانٌ الرَّاكب
للمسلمين محمَّدٌ كسميّهأضحى يسوسهم برأيٍ صائب
فبحلمه وبعدله وببذلهردَّ النَّدى والجود ردَّ الغائب
فالله يحيه حياةً رغدةًبدوام ملكٍ في علوِّ مراتب

وقال:

/ أ/ برى الله شمس الدِّين في الخلق إنَّهفتًى جمعت فيه المحامد مذ نشا
هو الله ذو الفضل العظيم زكا بهوذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشا

وقال:

هانت عليك تنوخ يا من لم يزلذرب اللِّسان يهيضه الهذيان
هلَّا عففت وقد هجوت محمَّدًاعن غصن دوحة مجدها فينان
أو أنَّ في حلبٍ وتطرد باسمهبين الأنام قبحت من شيطان

عليُّ بن يوسف بن العباس بن أبي بكر بن إبراهيم، أبو الحسن البوهرزيُّ الإربليُّ.

كانت ولادته بمدينة إربل في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكان أحد آبائه من بوهرز -قرية من قرايا بغداد-.

وأبو الحسن شيخ قصير أسمر اللون له أشعار دالة على طبع سليم، وفكر في إنشائها صحيح.

أنشدني لنفسه ما كتبه إلى المولى الصاحب شرف الدين أبي البركات -أسعده الله تعالى-:

وحقِّ فضلك يا مولاي ما انتقضتيومًا عهودك في خفضٍ ولا عالي
/ ب/ ولا تغيَّرت عن ذاك الولاء لكمولا خلا منكم قلبي ولا بالي
وكيف أنسى أياديك الَّتي سلفتإن كان ذاك فلا أبلغت آمالي

عليّ بن يعيش بن علي بن يعيش.

/ أ/ م يلحاني عليك مفنِّديوالعاذلون على المحبَّة حسَّدي
يا بدر تمٍّ صرت في حبِّي لهمثلًا تروح به الرُّواة وتغتدي
كم بالصُّدود تريد قتل متيَّمٍما خفت فيه عقوبة المتعمَّد
فلقد سللت من اللِّحاظ صوارمًالمَّا خطرت من القوام بأملد
أتركت إلَّا عبرةً مسفوحةًوحشًا أقلقلها بأنَّة مكمد
إن كنت تقصد قتلتي فأميتنيفلقد رضيت وها يدي أن لا تدي
ولربَّ معسول المراشف قدُّه الــفتَّان يهزأ بالغصون

فالثَّغر منه كالجمان وريقه السَّلسال يغني عن سلافة صرخد

قمرٌ من الأتراك جلَّ تصبُّريعنه
قاسٍ وفي عطفيه لين موافقٍصاحٍ وفي جفنيه بطش معربد
ولقد رنا ليخيفني بلحاظهفعجبت من قطع الحسام المغمد
فكأنَّ وجنته حديقة جنَّةٍوكأنَّ عارضه اخضرار زبرجد
أسلو هواه ولا وصدق مودَّتيوولائي في الملك العزيز محمَّد
ملكٌ يلوح على البريَّة وجههبشرٌ يبشِّرني بنجح المقصد
مستعذبٌ نغم العفاة كأنَّهافي سمعه نغم الغريض ومعبد
/ ب/ يا ابن الألى سنُّوا المكارم والنَّدىوتفرَّدوا دون الورى بالسُّؤدد
لله أنت إذا الوغى فهقت دمًاوالطَّرف يعشى بالقتام الأربد
والبيض يغشى الدَّار عين ظبائهاوالخيل تعثر بالقنا المتقصد
.هناك عن الغياث فإنَّهردَّى الكماة بأسمرٍ ومهنَّد
الكاشف الكربات في يوم الوغىوالخائض الغمرات غير معرِّد
عقَّاد ألويةٍ يكون لباسهاهام العدا محلولةً لم تعقد
علم الهدى بحر النَّدى غيث الثَّرىليث الثَّرى .... الورى بدر النَّدي
فعقابه للمعتدي وضياؤهللمهتدي ونواله للمجتدي
أغياث دين الله يا من جودهأضحى يبخِّل كلَّ بحرٍ منزبد
أيجوز أن أظما ونؤك ماطرٌللمعتفين وديم جودك موردي
ومتى نظرت إليَّ أيسر نظرةٍنلت المنى وبلغت غاية مقصدي
خذها عروسًا لا ترى كفؤًا لهامن خاطبٍ أحدًا سواك و
رقَّت حواشيها وأوجز لفظهافترفَّعت عن ظلمةٍ وتعقُّد
ركبت قريب اللَّفظ حتَّى أدركتلفصاحةٍ نيل المرام الأبعد
وتنزَّهت أبياتها عن عائبٍلسماعها نيرانه لم تخمد
ووحقَّ أنعمك الجسام فإنَّهاقسمٌ لغيرك مدحتي لم تقصد
وتهنَّ شهر الصَّوم إنَّك ماجدٌقضَّيته في عفَّةٍ وتهجُّد
والعبد من شوقٍ أتاك مهنِّيًابخلودٍ ملكٍ في الزَّمان مؤَّبد
فبقيت مرفوع اللَّواء مؤيَّدًابالنَّصر في ملكٍ وعيشٍ أرغد

/ ب/ عليُّ بن محمود بن عليِّ بن علوان بن خليفة بن علوان البزاغيُّ الأنصاريُّ، أبو الحسن.

شيخ كبير السن، رأيته بمحروسة حلب بمجلس القاضي الصدر بهاء الدين أبي محمد بن الخشاب -أيده الله تعالى- في سنة ثمان وثلاثين من فلّاحي قريته؛ عامي جاهل بالعلم والأدب إذا أ/ أنشد لحن في إنشاده وتلعثم. وله طبع في صحة الأوزان، وذوق في عمل الشعر، ولم يقرأ فط شيئًا من العربية بل عنده طرف من علم

العرب ووقائعها.

وهو شاعر كثير الشعر، سهل عليه عمله، متدفق الطبع، وديوان أشعاره يدخل في عدّة مجلدات؛ غير أنَّ شعره من المرذول الساقط، ليس من المختار النادر. يظهر فيه العجرفة والركاكة واللحن الفاحش. وكان ينظمه بسبب أملاكه التي ببزاغا خوفًا من أن يغصبوه بالخراج، واشفاقًا من ذلك، وقد يمدح الملك الظاهر والملك العزيز لئلا يغلب عليه السلطنة ويصانع عنه.

أنشدني بمجلس القضاء بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم -أدام الله أيامه- يوم الخميس السادس عشر من ربيع الأول من ستة ثمان وثلاثين وستمائة، وذلك بمحروسة حلب، يمدح بها الملك العزيز:

يا حسن القدِّ والتَّثنِّيويا مليكًا بكلِّ حسن
ويا هلالًا بدا منيرًايختال في ثوبه المسني
بأيِّ ذنبٍ فدتك روحيأعرضت دون الأنام عنِّي؟
يا شادنًا قد كساه ربِّيمن حلل الحسن كلَّ فنِّ
/ ب/ ويا صغيرًا رجعت فيهمفتتنًا عند كبر سنِّي
لا تكثر الصَّدَّ والتَّجافيعليَّ والهجر والتَّجنِّي
فقل لمن لا مني عليهدونك عذري ولا تلمني
ولا تسلني عن التَّسلِّيعنه وعن غيره فسلني!

ومنها:

صوَّره الحبُّ في يقينيوخيَّب الدَّهر فيه ظنِّي
تشيَّع القلب في هواهوكان طول الزَّمان سنِّي
يا عاذلي في هواه دعهيبلغ ما عنده ودعني
فالدَّهر في دولة ابن غازيقد يسَّر الأمن والتَّمنِّي
الملك الواسع العطاياعلى البرايا بغير منِّ
بدَّل إعسارهم بيسرٍوالخوف من دهرهم بأمن
حتَّى غدوا في نعيم عيشٍمن قلق البؤس مطمئنِّ
بعارضٍ مطلق العزاليعلى مطا الأرض مرجحنِّ
محمَّدٌ حمده اعتقادٌلكلِّ حرٍّ وكلِّ قنِّ
يهدم كنز النُّضار بذلًاوللعلا والفخار يبني
/ أ/ تمتاح إنعام راحتيهبغير كيلٍ وغير وزن
في البأس والعطاياعن بأس عمرٍو وجود معن
أجرا على الرَّوع من أتيٍّفي يوم ضربٍ ويوم طعن
وفيه مع بطشه وقارٌيستعمل الحلم والتَّأني

وأنشدني لنفسه:

قالوا: وسمت امرًا بقافيةٍفيها مديحٌ له وتوبيخ
قد سبك الهجو في صياغتهاوالمدح فوق الهجاء منسوخ
قلت: عقدت الرَّجاء من سفهيفيه وعقد السَّفيه مفسوخ
والشِّعر مثل القرآن في نفسيأكثره ناسخٌ ومنسٌوخ

وله:

لقد أنكر الشَّيطان عظم تجلُّديومٌصطبري عن شتم عرض المجلد
رمى خمسة الأجزاء في جنب بيتهولم يرها إلَّا بعزم المفنِّد
وما أنا من يصغي إلى عذل مائنٍأروح إليه كلَّ يومٍ وأغتدي
تمادى لقيطٌ في التَّواني ولم يزليحضُّ أعاديه على هلك معبد
وها أنا قد أمهلته بعد رقعتيإليه بقايا فسحة اليوم والغد
/ ب/ فإن وصلته نفحةٌ من سفاهتيفما أنا فيها ظالم الرَّأي معتدي

وله:

سألت من أعشقه قبلةًفقال واستولى عليه الخجل:
والله ما قصدك في قبلةٍوإنَّما قصدك غير القبل

وقال:

كأنَّما زهر أقاح الرُّبىوقد بدا متَّسقًا كالشَّنب
حبُّ جمانٍ نظمت نثرهخودٌ على واسطةٍ من ذهب

وقال:

وزنجيَّةٍ أصبو إليها كما صباإلى حبِّ عفرا عروة بن حزام
تشير بألحاظٍ مراضٍ فواترٍوتبسم عن ثغرٍ كعقد نظام
وأعجب منها أنَّها أعجميَّةٌوتفهم ما أوحي بغير كلام
إذا ما تعانقنا جهارًا حسبتهاسلالة نورٍ فوق جنح ظلام

وله:

كان يبدو لناظري أنَّ زين الدِّين من كثرة البغاوة خنثى

وأرى شخصه يلوح لعينيذكرًا وهو في الحقيقة أنثى

/ أ/ غرس الماء في رياض بني ميمون قرعًا وفي الأسافل قثَّا

وقال:

هذا الكتاب الَّذي سطَّرته بيديعن الصَّبابة والأشواق والكمد
إلى الأمير الَّذي روحي معلَّقةٌبقربه في اقتراب الدَّار والبعد
وإن يكن شخصه المجنون في بلدٍوشخص مملوكه المشتاق في بلد
فالودُّ يجمع أهوانا كما جمعتبنو خريمة دوًدانًا إلى أسد

/ ب/ عليُّ بن مكي بن أبي المعالي بن عليٍّ، أبو الحسن الشهر كرديُّ.

وشهر كرد قريةٌ بين دقوقا وكرخين.

/ أ/ كان شاعرًا مسترفدًا، قارئًا للقرآن ضريرًا، يقصد الناس بشعره، ويرحل في البلاد، وعنده عشرة.

أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير أبا البركات المستوفي -رحمة الله-:

مولاي يا شرف الدِّين الَّذي شرفتبه الدَّواوين قاصيها ودانيها
ومن سرى في بحار العلم منتخبًامن قعرها الدُّرَّ واستنقى لآليها
يا باني المجد يا قسَّ بن ساعدةٍيا من إذا ماتت الآداب يحييها
أنت الذي بك أضحى الدَّهر مبتسمًاوسيرة الجود عن كفَّيك نرويها
وأنت أوليتني يا سيِّدي نعمًاومن أيادٍ جسامٍ لست أحصيها
إنَّ العدوَّ الَّذي اشتدَّت عزيمتهعلى عنادك قد هدَّت مبانيها
وصار في ظلمة الأرماس مطَّرحًاتدعوه من محن البلوى دواعيها
لا زلتفي ذرى العلياء في نعمٍ ... ما سار ركبٌ وحثَّ النُّوق حاديها

وأنشدني أيضًا لنفسه ما كتبه إليه:

شرف الدِّين يا أجلَّ الأناموفتى الجود والأيادي الجسام

ومن اختصَّ بالمكارم والفضل قديمًا وبالخلال الكرام

قد أتى الصَّوم قادمًا يتهادىفي جزيل الثَّواب والإكرام
/ ب/ شهر برٍّ ورحمةٍ وصلاةٍوصلاتٍ تنحى من الآثام
بجرانه سيلقاك فيهكلُّ سولٍ وبغيةٍ ومرام
فاسع في حاجتي يكن لك فيهأجر من بات مخلصًا في الصِّيام
أو كمن حجَّ طائعًا يبتغي اللــه بسعيٍ وعمرةٍ واستلام
فإلى م القعود من غير نفعٍفلقد طال في التَّقاضي مقامي
وإلى كم أغشاهم في صباحٍومساءٍ بخدمةٍ وسلام
ليس عذرٌ للقوم من بعد ما قدبلغ المكث بينهم ألف عام
وأرى جابي الجريدة رخوًافي التَّقاضي موافق الأقوام
ذاك خطٌّ عرفته من زمانٍلا برمحٍ يأتي ولا بحسام
فلئن كان قد تحصَّل شيءٌفهو عندي من جملة الإنعام
وسؤاليعن قريبٍ ... لمسيري في هذه الأيَّام
وابق للقاصدين عمرًا طويلًاما ترى البرق من خلال الغمام

وأنشدني لنفسه فيه أيضًا يمدحه:

بك أضحت أوقاتنا في أمانحيث كنت المنى وأقصى الأماني
/ أ/ وإليك المطيُّ مدَّت خطاهاسابقاتٍ فواضل الأرسان

وأضاءت بوجهك الأرض فاستغنت به عن ذكًا وعن زبرقان

وغمرت البلاد بالعدل حتَّى بلغ العدل سائر البلدان

واطمأنَّ المخوف وانهزم الجائر عنها برفع ضاد الضَّمان

وغدا النَّافر الجموح ذليلًافي قيود الرَّدى وأسر الهوان

وحططت الأوزار فاشتدَّ أزر الملك لا بالظُّبا ولا باللَّسان

بل بارائك العليَّة تنقاد صعاب الأعناق بالإذعان

رحمةٌ أنت أرسلت بعد ضرٍّللبرايا بعيدها والدَّاني
شرف الدِّين يا ابن قومٍ أقامواسدَّة المجد من قديم الزَّمان
وبنوا فوقها مراتب عزٍّوضعوا أسَّها على كيوان
فسموا صاعدين في المجد لمَّاسبقوا الجائرين في الإحسان
أنت قسٌ في الفضل والرَّأي قيسٌوالنَّدى حاتمٌ كريم البنان
أجميلٌ لمن أروح بخطِّتاجه ذكرك العظيم الشَّان

ويردّ الكتاب من غير ما خوفٍ على النُّوَّاب في حرماني

فخميس الخسيس وابن محلَّاوابن نصَّار لجَّ في حركاني

/ ب/ أنقصوني من الجراية والتَّعويض ظلمًا عن سائر الأعيان

فالقهم في الحبوس يلقوا عذابًاكيف لم يعطفوا على العميان

وتهنَّ الصِّيام شهرًا فقد حان بتوقيع خلعة الرِّضوان

وابق في الدَّهر ما أتى رمضانٌكلَّ عامٍ بالعفو والغفران

فرحًا لا تزال أنت وتاج الدِّين في غبطةٍ مع الأزمان

ما سرى البرق من خلال سحابٍوشدا طائرٌ على غصنٍ بان

وأنشدني لنفسه:

سل جفوني واللَّيل غاشٍ بهيمهل لنأي الرُّقاد عنها قدوم
أم على حالها تظلُّ تراعيكيف تنصاع للمغيب النُّجوم
وسل الجسم كيف بات وفيهبعد بعد الحبيب وجدٌ جسيم
ويح قلبٍ ترحَّل الصَّبر عنهوفؤادٍ به الغرام مقيم
فمتى هبَّ للوصال نسيمٌفشفى ذلك الغرام النَّسيم
لائمي خفِّف الملامة واقصرليس يقوى بما تقول الملوم

كيف أصغى إلى ملامك والشَّوق بقلبي له عذابٌ أليم

صادني شادنٌ أغنُّ غريرٌناعسٌ مائسٌ رشيقٌ رخيم

/ أ/ ساحر الطَّرف لو رأى غمد موسى لم يخيَّل للنَّاس سحرٌ عظيم

قد حوى وجهه حدائق زهرٍسقياها الرَّحيق والتَّسنيم

وأنشدني لنفسه يمدح الوزير أبا إسحق إبراهيم بن علي بن أبي حرب الموصلي المعروف بابن الموالي. وكان يومئذ يتقلد الوزارة بإربل للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن تكتكين ﵁ وبعرض بذكر جماعة كان له عليهم رسوم في رأس كل عام فعوقوها وأخروها عنه:

يا حاديًا نياقه سحيرايجهدها تشوُّقًا وسيرا
لايستريح أو يرى الغويرالقيت خيرًا ووقيت ضيرا
إذا أتيت إربلًا صباحاوبان بشرٌ مقبلٌ ولاحا
فاعلم بأنَّ النُّجح والصَّلاحاقد قارناك فاترك الرَّواحا
واعدل إلى الرَّبع الأنيس الآهلبالجود والمعروف بالفضائل
/ ب/ والمنهل العذب لكلِّ ناهلوملجأٍ لخائفٍ وسائل
ربعٌ به بحر النَّوال والرَّدىما يأتلي يسفح برًا أبدا
يغمر إنعامًا ويروي من صدىسجيَّةٌ ببردها قد ارتدى
الصَّاحب الحبر الوزير الرَّاسخفي العلم والطود الأشمُّ الشَّامخ
ومن له مجدٌ أثيلٌ باذخدعامه على السِّماك
ذو الطَّول والإحسان والأياديوالرَّأي والفطنة والسَّداد
ومن به أصبح هذا النَّاديأمنًا لكلِّ رائحٍ وغادي
وقد نفى عنه الأذى والبوسابعدله وصرَّف النُّحوسا
فالرَّبع قد أضحى به مأنوساوالنَّاس فيه كزمان موسى
وهو الَّذي يصدر عنه سيرتغار إذ تقرأ منها السُّور
سرى بها السَّفر مجِّدًا يخبرمنوِّها يا حبَّذاك الخبر
رقت به إلى المعالي قدمثابتةٌ تقصر عنها الهمم
ما يستوي المعوجُّ والمقوَّمكلَّا ولا الضَّوء معًا والظُّلم
من معشرٍ حازوا علًا ومجداوسؤددًا ونائلًا ورفدا
جلَّت بأن تحصر أو تعدَّاقد ورث الأبناء فيها الجدَّا
/ أ/ لا برح السَّعد مع النَّجاحعبد له في الغدوَّ والرَّواح
ما غرَّدت صاحبة الجناحفي الدَّوح بالتَّعداد والنَّواح
وإنَّ للماجد تاج الدِّينكفًّا كمثل العارض الهتون
تجود بالنَّفيس والثَّمينعلى الفقير المدقع المسكين
ربِّ العطايا والسَّجايا والمننوالمرتجى لدفع لزبات الزَّمن
ومن سما بالفضل سرًّا وعلنمتَّبعًا أوضح نهجًا وسنن
سليل قومٍ ذكرهم يضوعبين الورى ومجدهم رفيع
مؤثَّلٌ وعزُّهم منيعوربعهم مرتبعٌ مريع
تجمَّعت فيه خلال غرُّعقلٌ وفضلٌ وندًى وبرُّ
خلائقٌ أربعة تمرُّحميدةً يرغب فيها الحرُّ
لا زال يرقى رتب المعاليمحفوفةً باليمن والإقبال
في نعمةٍ ممتدَّة الظِّلالبغير تحويل ولا انتقال
والفتية الأماجد الكرامتسامقوا في المجد واستقاموا
ومن بهم أصبحت الأيَّامحاليةً واتَّسق النِّظام
فمنهم الظَّهير والكمالثمَّ المعين النَّدس المفضال
/ ب/ والمجد يتلوه فنعم الآلإليهم تقوَّض الرِّحال
أولوا النُّهى والمنن الجساموالجود والمواهب العظام
ومن لهم مجدٌ مشيدٌ ساميمقرُّه راسٍ على بهرام
طابوا أصولًا وزكوا فروعاوسلكوا سبل العلا جميعا
فأوضحوها مذهبًا مشروعاأصبح كلٌ لهم تبيعا
لا برح التَّوفيقٌ والإرشادوالعزُّ والتَّأييد والإسعاد
يغشاهم طوعًا كما أرادوادائمةً ليس لها نفاد
واشرح له قصَّة عبدٍ أصبحاعن داره وأهله منتزحا
عساه بعد خسره أن يربحاويغتدي إلى العيال فرحا
فجاء في حسابه شطوروساءت الظُّنون والتَّقدير
وهكذا ما برح الضَّريرعزيز شكرٍ حظُّه يسير
كان له رسمٌ على الجماعهأولي الولايات والاستطاعه
قدرٌ يمشِّي الحال بالقناعهوأنفس القوم له مطواعه
فحين وافى لابتغاء رسمهمبادرًا في صحَّةٍ من عزمه
مغرِّرًا بروحه وجسمهخوف الفوات حذرًا من حسمه
/ أ/ فصادف القوم وقد تغيَّرواكأنَّما تجمَّعوا واشتوروا
وأسهبوا بمطلهم وأضجرواوهو على ذلك حينًا يصبر
فأوَّل القوم الإمام القاضيومن جميع الخلق عنه راضي
لم يكثر العبد له التَّقاضيخوفًا من الإملال والإعراض
ثمَّ ابنه العماد والمدرِّسالفخر والمحتسب المحتبس
ثمَّ أخوه الخازن الملتمسمنِّي مدحًا حيث ضاق النَّفس
وكم سعى العبد إلى النَّقيببعد الزَّعيم مكثر التَّرغيب
عند الضُّحى والظُّهر والمغيبوما رأى شيئًا سوى التَّعذيب
ويونس الحمَّال ثمَّ القطبما فيهما من خصلةٍ تحبُّ
ومحرزالعجب ... ثمَّ أبو هنديِّ سلم حرب
وابن البهرزيِّ ونجل مسكيكلاهما قد سلكا في السِّلك
ونائب الإصطبل ليس يحكيلسانه غير حديث الإفك
ثمَّ الكمال وهو في بيت الزَّردوابن السُّليماني مدلٌ معتمد
على اليتامى ولقد ضاع العددولو توانوا سنةً كان نفد
ثمَّ الجمالان مع التَّتمَّهيحيى وشعبان ووالي الظُّلمه
/ ب/ والمحيي والشَّحَّام وابن نعمهوابن سليمٍ ليس فيه رحمه
وابن عبيدٍ وبنو الشَّريفقد أسرفوا في المطل والتَّسويف
وضامن القطن بلا معروفلا يستحي من كثرة
والصَّارم السَّاكن بيت النَّارذو يسرةٍ وصاحب اقتدار
على الآثارليس لهم وجهٌ إلى اعتذار
وصحبةٍ عدُّهم لا يحسنمنهم مسيءٌ وكريمٌ محسن
والوقت في التَّطويل ليس يمكنونفسه إلى الدِّيار تذعن
والقصد أن تسلَّم الجريدهإلى فتًى خصاله حميده
يبذل في خلاصها مجهودهولا تكن عاريةً مردوده
فالعبد لا يصبر عن أصحابهأكثر من هذا ولا يرضى به
فاردده جذلان إلى أحبابهتكسب عظيم الأجر من ثوابه
متَّعك الله بهذا العشروكلِّ عشر مقبل في الدَّهر
ولا برحت صاعدًا في الفخرتضحي العدا ضحاك يوم النَّحر
وكلُّ من حلَّ بذاك المنزللا برحوا في نعم الم
بالسَّادة الأطهار من آل عليوجدِّهم أحمد خير الرُّسل
/ أ/ ما لا برقٌ من خلال السِّجفكصارم يخطف ماضي الغرب
وطاف بالست وذاك الشِّعبمهلِّلٌ مكبِّر ملبِّي

عليُّ بن يحيى بن محمود بن الحسن بن عواد بن محرز بن مرحٍ، أبو الحسن الخزرجيُّ البغداديُّ

أخبرني أنّه ولد بكرخ بغداد يوم الأربعاء الخامس والعشرين من المحرم سنة ستمائة. وهو شاب سليم الفهم من الأذكياء؛ قرأ طرفًا من علم الأصول وأحكمه، واستظهر القرآن العزيز، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة –﵁ وقال شعرًا في مديح وهجو.

أنشدني لنفسه يمدح بعض الرؤساء من قصيدة:

بانت عن الاطلال أمُّ الهيثمونأت بنا فكأنَّها لم تلمم
فقطعت أجواز المغاوز قاصدًاخير الورى من منجد أو متهم
نسل النَّجائب من ذؤابة هاشمكنز العفاة وعصمة المستعصم

ومنها يقول:

/ ب/ وعليك من نسج الحديد سوابغٌلا خيفةٌ من صارمٍ أو لهذم
لكن رأيت الخزم افخر جنَّةوأخو التَّهوُّر ليس بالمتحزِّم

درعٌ لك اتُّخذت بغير مؤخَّر .. ما لاذنا سجها بغير المقدم

ومنها:

واعلم رعاك الله مولى نعمةابدًا بأنَّ أباك أفضل منعم
ما كلُّ من نظم القريض بشاعرٍما كلُّ فاقد إلفه بمتيَّم
تالله ما سلك المكارم تباعًاأحد ولا أخذ العلا بمعلِّم

وأنشدني أيضًا قوله:

لمن طللٌ بال تداعت جوانبهوقفت به أشكو النَّوى وأخاطبه
فكم حلَّ فيه صارمٌ... قضى قبل أن تقضى هناك مآربه

ومنها:

فتاةٌ ما أبرزت في دجنَّةأضاء الدُّجى حتَّى توارت كواكبه
لها ناظر يصبي الحليم بلحظهوتصمي قلوب العاشقين صوائبه
تعلقتها طفلاً ولم أدر ما الهوىوسيَّان عندي صابه وأطايبه

ومنها في المديح:

/ أ/ له كلَّ يوم في العطاء غرائبٌتصدِّق ممَّن يرتجيه رغائبه
فتشبيهه بالبحر ظلمًا رأيتهومن جود كفَّيه تقلُّ سحائبه
أجدَّ رداء الملك بعد عفائهوقامت به أعضاده ومناكبه

وأنشدني لنفسه يمدح:

ياخير من عقل الرَّجاء ببابهوبه انيخ ركائب الآمال
ماذا أقول لمن يسائل مغرقًاماذا أفدت من الفتى المفضال
أيليق عنك بأن أقول منعتنياو انَّني ألقاهم بمحال

وأنشدني لنفسه:

كلتا يديك منادى مفردٌ خلقالو كانتا نون جمع كنت مرفوعا
فليتها أصبحت نونا لتثنيةلأنَّ مازال عنها الصَّرف ممنوعا

وأنشدني قول:

أسرُّ وتبدي ما تكنُّ الجوانحدموعٌ تخذُّ الخذَّ وهي سوافح
وما قعدت بي همَّتي عن فضيلةولي ساعدٌ حتَّى النجوم تصافح
ولم أطغ إن والى الزَّمان عطاءهلديَّ وإن ولَّى فما أنا كادح
ولا واقيًا مالي بعرضي سفاهةًولؤمًا ولا طرفي إلى الرِّزق طامح

/ ب/ ومنها يقول:

قومي عصبة لا نزيلهميضام وهم يوم الفخار رواجح
إذا الخيل كرت في الوغى لا تروعهمطوال القنا أو مرهفات صفائح
يجيرون إن جا الزَّمان من الرَّدىولو أنَّ وجه العام يبالجدب كالح
إذا نزل الضِّيفان فيهم تساهمواعليهم وثابًا ... الصَّوائح

وأنشدني لنفسه:

خلعت رداء الحلم والفضل والنُّهىولا سلكت رجلي سبيل رشاد
ولا سلَّ في يوم الكريهة صارميولم يجر بي يوم الفخار جوادي
ولا حملت كفِّي يرراعا ولا جرىبنظم ولا نثر سواد مدادي
وعوَّضت ثوب الجهل عن ذاك ملبسًاوطال على فوت .... سهادي
لئن كان حقًا ترك من قد وشوا بناإليك وهم راجون منك بعادي
ولكن رأوا قربي لديك فساءهمفكلٌ عليه حاسدٌ ومعادي
رأوا منك في حقِّي جفاء فأكرمواولو شئت ما فاهوا بغير مرادي

عليُّ بن إبراهيم بن عمر بن محمد أ/ بن عليِّ بن جامعٍ، أبو الحسن الإربلي، المعروف بابن المحتسب.

كان والده يتولّى الحسبة باربل وكذلك جدّه وأخوه وجماعة من أسلافه. أخبرني أنه ولد منتصف شعبان سنة أثنتين وتسعين وخمسمائة.

أنشدني لنفسه:

لا تكلني إلى سواك فإنِّيمدنفٌ لم أجد لدائي صلاحا

ولقد غلِّقت بوجهي أبوابٌ عظامٌ فكن لها مفتاحا

واغثني أجد بذاك كما قيل قديمًا خيرًا لأمري نجاحا

إن أردتم حواجًا عند قومٍفتنقَّوا لها الوجوه الصِّباحا

وأنشدني لنفسه:

إذا كتبي أتتكم فهي تحكيضنى جسدي وما تحوي ضلوعي
فإن كان المداد به احمرارٌفلا تعجب فذلك من دموعي

وأنشدني لنفسه ما كتبه لبعض الرؤساء:

وأنشدني لنفسه ما كتبه لبعض الرؤساء:

إسعد بها ليلة جاءتك مقبلةتلقاك بالنجح ياسؤلي ويا أملي
فانعم بها واعتنم فيها الدُّعاء تجدفي عقبة فسحةً في الرزق والأجل
وكن لعبدك فيما قد أصيب بهيا مالكي فعليك اليوم متكلي

/ ب/ وأنشدني أيضًا قوله:

يقبِّل كفًا لم تزل في ضميرهيقبِّلها سرًا بغير تكلُّف
ويعدوكم جهرًا وأنتم شهودهحقيقًا فلم يحتج لقول معرِّف

وأنشدني من شعره:

لم أنسه إذ بدا والكأس في يدهيشير نحوي بكفِّ ناعم ترف
بقهوة يخجل البدر المنير إذابدا وشمس الضحى في قبَّة الشَّرف

عليُّ بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن سعد بن عبد الله، أبو الحسن النعماني الشيباني.

كانت ولادته بالنيل من البلاد العراقية في سنة إثنتين وتسعين وخمسمائة. وتولى القضاء بها مدة-والده وأعمامه كانوا قضاتها- ورب كاتبًا بديوان النقابة بمدينة السلام في أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين –خلد الله ملكه-.

شاهدته ببغداد بجانبها الغربي، في سنة تسع وثلاثين وستمائة في جمادي الأولى؛ وهو يشعر شعرًا رقيقًا، وعنده فضل ومعرفة بالفقه أ/ والحساب

والفرائض

انشدني لنفسه من قصيدة طويلة يمدح بها المستنصر بالله:

نشدتك الله حادي الأينق الرُّسممن منهم في سراه غير متَّهم
ثق منجداً في ربى نجد إذا شجنٌيوقفه في ظلال الضَّال والسَّلم
فلي بسفح الحمى نفسٌ لها نفسٌمن الجحيم وطرفٌ سافح الدِّيم
شوقًا إلى سكن من ساكنيه لهحشو الحشا نار وجد ... الضَّرم
أمسى فؤادي رهنًا في حبائلهحبًا له ففؤادي غير منصرم
كم جدت بالروح في حبِّي له ولهابه وضنَّ بروح الطَّيف في الظلم
وكم طويت ضلوعي في محبَّتهعلى الغرام ونار الشَّوق والألم
وكم لوى باللوى ديني بلا سببوعقَّني في عقيق الجزع من أضم
يا يوسف الحسن صل يعقوب حسنك قدأودى به البحر حتَّى ذاب من سقم
أما تخاف إله العرش في رجلأمسى بدمع على الخدَّين منسجم
المستعان على ضرِّي ومسكنتيبالعدل من مالك الأعناق والأمم
المالك العادل المستنصر بن أبينصر أبو جعفر المنصور ذو النِّعم
/ ب/ مولى لنا كلَّ يوم من منائحهجودٌ بجدواه أحياها يد الرِّمم
فالنَّاس صورة إنسان ممثلةٌومالك القصر روح النَّاس كلِّهم
براه من نوره الباري وكوَّنهمن طينة حرَّة ليطت على الكرم
ينمى إلى دوحة قدسيَّة بسقتفي حضرة القدس من فرعٍ إلى قدم
من معشر شرِّف البيت العتيق بهممع المشاعر والبطحاء والحرم
علو على الخلق طرأ فالأنام لهمرقٌ وجبريل والأملا [ك] والخدم
قومٌ أتت هل أتى في النَّصِّ مخبرةًعن فضل بيتهم عن نون والقلم
فهل يسربلهم مدحٌ لباس علابعد الكتاب وقد وافى بمدحهم

وأنشدني لنفسه في التاريخ المذكور ببغداد بجانبها الغربي: [من المسرح]

طاف بكأس السُّلاف في الغسقحمراء صرفا في أبيض يقق
فخلته والمدام بدر دجىَّيحمل شم النَّهار في الشَّقق
معقرب الصُّدع فوق حاجبهيرشق قلبي بأسهم الحدق
ينفث هاروت من لواحظهفي كلِّ قلب بالعشق محترق
فليس ينجو من قسيِّ مقلتهصبٌ ولو عوَّدوه
/ أ/ يميس عطفاه في غلائلهكما يميس القضيب بالورق
من فوق ردف عبل مؤزَّرهمسربل بالجمال منتطق
أصبحت فيه من سكر قامتهبالدَّل سكران .... يفق
أصبحت فيه من سكر قامتهبالدَّل سكران .... يفق
يا حبَّذا شربةٌ على ظمأمن درِّ ثغر في فيه متَّسق
أبيت فيها ما بين مصطبحلماه وبين مغتبق
في روضة حقَّها الرَّبيع لنابكلّش ورديِّ منظر أنق
والماء فيها ما بين منسرحٍبين مياديننا ومندفق
والغيم في حلَّة مفضّّضةقد شدَّ أزرارها على الأفق

تحدو النُّعامي به ويزجرها الرَّعد فتبكي بمدمع شرق

فيبسم الرَّوض من بكاه إذا البرق علاه بسيفه الذَّلق

كؤوسها كالنُّجوم يبعثهاصوت المثاني بأفصح النُّطق
. فيها لكلِّ مختطفلسمع شدو الأوتار مسترق

بين ندامى جروا إلى غاية الظرف فجاءوا معًا على نسق

غرِّ صباح الوجوه همُّهمبثُّ النَّدى والنَّدى على الطُّرق
قد أمنوا ريب دهرهم فغدوا.... على حنق

/ ب/ ببأس مولى أضحت بسطوته الآفاق محميَّة من الفرق

خليفة الله مالك الأمَّة المنصور معطي النُّضار والورق

أغنى الورى جوده ونائلهبمستهلِّ هامي النَّدى غدق
وعمَّ طوفان نوح راحتهفهم يخافون سورة الغرق

أبلج صلت الجبين ينشقُّ عن نور محيَّاه عرَّة الفلق

قد جمعت غاية الكمال لهحسن المعاني في الخلق والخلق
فهو ومن قال فيه خالقهفي ذكره: إنَّه على خلق
عصنان من دوحة مباركةتحكي بأنوارها دجى الغسق

عليُّ بن هبة الله بن محمّد بن منصور بن عبد الرحمن الخباز الموصليُّ

رجل صعلوك مملق يرتزق بشعره، كثير اللحن، يقيم أوزان الشعر من غير معرقة بالأدب، وربّما قال أبياتًا صالحة.

أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي –﵀:

/ أ/ خلِّ ملامي في الهوى يا سعدففي فؤادي زفرةٌ ووجدٌ
وفي حشاي والضُّلوع لوعةٌلها إذا جنَّ الظَّلام وقد
فلا لعلويّ النَّسيم إذ سرىاهفو ولا قلت مرادي نجد
ولا غقيق الجزع بعد عالجماربى ولا الكثيب الفرد
ولا لغزلان النَّقا وحاجرأصبو ولا قلت: صلي ياهند
ولا المطايا الشَّدنيَّات إذاأنحلها الإرقال والوخد
لكنَّما أشجان قلبي هاجهاأيَّام أنس للصِّبا وعهد
بمنزل للقاطنين لم ينزليحسب فيه للتَّصابي برد
من كلِّ غيداء كشمس أشرقتهالتها برقعها والعقد
قد يئس المشتاق من وصالهاعدما وأنَّى للغواني ردُّ

ومن مديحها قوله:

وأين في الأرض وزيرٌ عادلٌتخاف من بأس سطاه الأسد

غير فريد القصر محيي العدل كهف القاصدين ليس عنهٌ بدُّ

أعني الوزير الماجد الحبر الذيله على هام السماك مجد
بحرٌ خضمُّ ماله جزر بلىلجوده طول الزَّمان مدُّ
/ ب/ وبدر تمِّ ظهرت أنوارهعلى الورى فلاح ذاك السَّعد
حامي حمى الدَّولة قد أنشأهاحتَّى أستتب حلُّها والعقد
معيد عود الملك غصًّا يانعًامن بعدما منه ذوى الأشدُّ
تطيعه يوم الوغى خاضعةًبنو الملوك والعتاق الجرد

مقسِّم الآجال في الهيجاء بالعزم القويِّ حين ينبو الحدُّ

قد أصبح العالم في أيَّامهوضمَّهم من الهناء مهد
إلى وزير الوقت قصد شاعرلا خاب للرَّاجين منه قصد

لا زالت الأقدار طوع أمره العالي إليه حكمها يردُّ

عليُّ بن عثمان بن فروح بن فرحاد بن ينكبخت بن شيرمد، أبو الحسن الموصليُّ

من أبناء الجند.

لهج بقول الشعر فصار له فيه طبع مؤات، وخاطر حسن. وله أشياء تستجاد في المديح والهجو والغزل وغير ذلك.

أنشدني لنفسه يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الاسلام.

/ أ/ والمسلمين، محيي العدل في العالمين، كهف الضعفاء والمساكين، نصير أمين المؤمنين من قصيدة أولها:

اسرب مها ام أعين العين تلمحأم الظَّبيات المرجحنَّات سنّح
تملَّك قلبي يوم منعرج اللِّوىوبرَّح بي شوقٌ هناك مبرِّح

ومنها في المديح:

وفي جود بدر الدِّين إصلاح حال منبصرف اللَّيالي حاله ليس يصلح
أشدُّ ملوك الأرض بأسًا وسطوةوأعظمهم حلمًا وأعفى وأصفح
وأصفاهم وردًا وأحماهم حمىوأمرعهم روضًا وليس يصوِّح
وأضفاهم ظلاً وأنداهم يدًاوأعلاهم مجدًا وأوفى وأرجح
رحيب الفنا صعب السُّطا واسع العطاأريح الثَّنا من جوده يترنَّح
أغرُّ يضيئ التَّاج من نور وجههويكسوه نورًا نوره المتوضِّح
إذا شهد الهيجاء يومًا وقد خبتوصال فمن أسيافه النَّار تقدح
يسعِّرها بالمشرفيَّة والقنابكلِّ كميٍّ ثابت ليس يبرح
ترى الهام فيها طائرات كأنَّهاجنادب من وقع الهجير تطرَّح
/ ب/ ولم تر إلاَّ عائمًا في دمائهوآخر من وقع السِّهام يرنِّح
ألا أيَّها الملك الرَّحيم ومن غدتبجود يديه الألسن الخرس تفصح
ولو سئلت صمُّ الشَّواهق لانبرتتحدِّث عن جدوى يديه وتشرح
تهنّ بنيروز أتاك مبشِّرًابجد مع الأيام يمسي ويصبح
وعش ألف عام كلَّ يوم مهنَّأبسعد به فيما تحاول تنجح
وخذ بعنان الدَّهر كيف أردتهذلولاً ولكن عند غيرك يجمح

عليُّ بن محمّد بن عليِّ بن شفاعة الموصليُّ

من أبناء المواصلة.

كان أبوه عطارًا بشهر سوك.

وهو شاب قصير أسمر اللون، رديّ العينين، خفيف العارضين في رأسه حماقة يبغض نفسه إلى الناس، ويستثقلون منظره لكونه يتعاطى التِّيه والحمق.

وكنت ربّما جمعني وإياه مجلس صديق أو سوق الكتب فيورد من شعره شيئًا، ومما علق بذهني من شعره، وسمعته منه قوله في رجل وافى الموصل من مدينة إربل بشفاعة من أميرها أبي المكارم باتكلين بن عبد الله المستنصري أ/. يعرف طرفًا جيدًا من النحو، ويلعب الشطرنج حسنًا. ليعطي الجامكية الموقوفة بالمدرسة النورية على من شغل فيها النحو، وعلم الأدب، فتسلمه وأجرى عليه شهورًا، فقال:

يا منصب النَّحو قد أصبحت مضطهدًامن بعد ما كنت مثل اللَّيث في الخيس
اليوم نالك بالشِّطرنح لاعبهفما بقي غير لعَّاب الحواليس

لما انشدت الصاحب أبا البركات المستوفى هذين البيتين، استجادهما، وقال: لو قال غدا ينالك لعاب الحواليس، كان أجود في التطبيق.

عليُّ بن عبد الوهاب بن عبد الله بن العجميِّ.

كانت ولادته يوم الاثنين عاشر صفر سنة تسع وتسعين وخمسمائة. انشدني لنفسه يوم الأربعاء الثالث والعشرين من المحرّم سنة ثمان وثلاثين وستمائة بحلب المحروسة يمدح المولى ب/ الأجل السعيد قطب الدين أبا عبد الله محمد بن المولى السيد الإمام نظام الدين أبي منصور عبد الصمد بن أبي جعفر محمد بن الرحيم –أدام الله تأييده-:

ألا قل لقطب الدِّين يا أكرم الورىويا واحد الدُّنيا ويا سيِّد الخلق
أهل لك أن تبتاع بالجود والنَّدىصبيًا صغيرًا حين أفصح بالنُّطق
يكون لكم عبدًا على كلِّ حالةولكنَّ عبدًا ليس يرغب في العتق

وأنشدني لنفسه أيضًا:

رميت بنبل الجور عن ساعد الدَّهرفأضحيت ملقى ما لكسري من جبر
صريع خطوب لا أرى لي مساعدًاعلى ما أعاني من عناها سوى الصَّبر
وتعليل نفسي بالأماني وإنَّ منيعلِّل نفسًا بالأماني لفي خسر
زمانٌ يرى فيه اللَّئيم مرادهويصبح فيه الحرُّ في غاية الضُّرِّ
ولولا اصطباري للردى وتجلُّديلفاضت دموع العين منِّي على النَّحر
وهبني غيَّرت الدُّموع تجلدًاأأطفيء نارًا في الجوانح والصَّدر
وكم قائل لما رآني ناشدًانصيرًا وحظِّي قد تقاعد عن نصري
أعد بهاء الدِّين تأمل ماجدًايلاقيك بالإحسان والبِّر والبشر
/ أ/ فقلت سليمان المؤمَّل بعدهوحسبي عون الدِّين عونًا على الدهَّهر
هو السَّيِّد المفضال والنَّدس الذيتفرد بالعالياء والنَّائل الغمر
وأسبل ماء الجود حتَّى تزاورتعيون بني اللاواء عن وابل القطر
حميٌّ إذا خيف الرَّدى بات جارهعلى عظم الأعداء منتفي الذُّعر
تناح مطايا معتفه بماجدرفيع عماد البيت مرتفع الذكر
لهم منه رفدٌ وجهه ونوالهفلم ير إلا باذلا دائم البشر

وأنشدني لنفسه:

إذا لبسوا اعمائمهم وقامواعلى أبوابهم مثل الدَّراري
تقدِّر أنّضهم ناس كرامٌوهم من كلِّ مكرمة عواري

وأنشدني لنفسه في الأمير جمال الدولة إقبال؛ وهو يومئذ نائب الدولة الصلاحية الناصرية بجلب المحروسة، وأنشأ ذلك ارتجالاً:

شرفًا لدولتنا وفخرًا إذ غدتتتوسَّم الإقبال من إقبالها
تاهت بأنوار السَّنا جلالةوزهت فكان جمالها بجمالها

وأنشدني لنفسه:

/ ب/ لا تنكروا إقبال دولة يوسففبرأي إقبال بدا إقبالها
وبعزمه ذل الملوك لعزِّهاوبوصفه شرفت وزاد جمالها

وأنشدني لنفسه من أبيات:

إذا حطَّ كفُّ الحظِّ عنهم اكفَّهوكان لعادي العاديات ذياد
يميل إليه كل قلب كأنَّماله من سويداء القلوب مداد

وأنشدني قوله:

وحلفت لي أن لا تخون ودِّيوغدرت بي فغدوت بالإثم
فاسودَّ ذاك الوجه بعد بياضهوغدا البصاق مواضع اللثم

وأنشدني من شعره:

اطالبه فيكتب لي رقاعًاتدل على الحماقة والرَّقاعة
فيتعبني بها من غير نفعٍفليت أراحني وزوى رقاعه

وأنشدني أيضًا له:

ثلاثةٌ ليس لهم رابعٌسادوا ومازالوا مناخيسا
محمدَّد العصفور في... وابن القبيصي والذَِيا موسى

وأنشدني أيضًا لنفسه:

/ أ/ وقالوا: أنت شرُّ النَّاس طرًاأتهجونا وقد قدم الإخاء
فقلت لهمفأرشدوني ... إلى شيء يكون له الثَّناء
.وكلُّكم غثاءٌوكلُّ فعالكم عندي هجاء

وأنشدني لنفسه:

رشيق القدِّ أهيفهدقيق الخصر مخطفه
كغصن البان مرُّالرِّيح يثنيه ويعطفه
له في خدِّه وردٌبلحظ العين أقطفه

ونرجس مقلة مازال يضعفني مضعَّفه

بديع الحسن يخجل عندهفي الحسن يوسفه
أشبِّهه على علمٍبأنِّي لست أنصفه
يزوِّني تجافيهويطمعني تألفه
فما أدري تجافيهبلائي أم تالفه

وأنشدني لنفسه:

عاتبوه لصدِّهومطالي بوعده
فاستحى من عتابهمودنا بعد بعده
/ ب/ ليتهم لم يظفروابالحيا ورد خدِّه
أنا في الحبِّ عبدهوهو أولى بعبده

وأنشدني لنفسه:

قديم الهوى عندي لكم وحديثهولو أطنب اللاَّحي وزاد حديثه
وجلباب صدري رثَّ فيكم جديدهوثوب غرامي في جدَّ فيكم رثيثه
ومالي معينٌ في هواكم عن الأسىومن ذا يعين الصَّبَّ أم من يغيثه
فلا تعذلاني في المحبَّة واعذرافسيب جفوني لا تجف غيوثه
فلو تريان الصَّبّّ في عرصة الحمىوقد زاد في إثر الحمول لهيثه
يناشد حادي العيث لبثًا بعيسهموقد أعور الحادي عليه لبوثه
عهود الهوى أضحت عليه أكيدةوذلك عهدٌ لا يحلُّ نكوثه

/ أ/ ...

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.