تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عمر (٢)

ولما مسّني الآن الكبرة والشاخة، وأناخ الزمان عليَّ أيَّ إناخة، خاطبت قدمي لو سبقت قلمي، واشتدادي يتمنى لو يعدم ملاذي، ونفسي تحرص على أن تعاجل طرسي، لكن الكبرة أبت فكان أ/ قصاراي عين دمعت، وكفٌ كنفت.

وقد ألفت هذا الكتاب محتسبًا للأجر، ومستبقيًا به للسلطان الملك الكامل أجمل الذكر، فأودعته من العلوم ما ينتفع به صاحب كل شان من حديث، وفقه، ولغة، ونحو، وأصول، وتاريخ، وشعر، وحساب، وبيان. وقصدنا تأليف كتاب في معنى .... بمعان حتى ينشط قارؤه بخروجه من لون إلى ألوان، وينوب له عن كلِّ حديثة وبستان، ففيه تذكرةً لأهل الإيمان، وفقه لأهل اللب والرجحان، مما يعز وجود نظمه في تأليف واحد، وتوجد فنونه مجموعة في تصنيف واحد؛ وإنما ذلك بعون الله الكريم وطوله وسعادة من ألف من أجله. وأمعنت في الشرح والتفسير، ولم أرض باللمح اليسير.

ثم انشد بعد خبر أسنده إلى الإمام الشافعي –﵁ هذه الأبيات يمدح بها الملك الكامل الَّذي صنَّف الكتاب لأجله:

هذا كتاب ليس تبصر مثلهبمثقَّف من أجله ومقيَّد
الفَّته لك من فؤاد أنت في فؤاد أنت فيأثناء أضلعه تروح وتغتدي
تختال بين مفصَّل وموصَّلومطرَّز منظَّم ومنضَّد
/ ب/ ولكلِّ جزء حكمةٌ أو منجدٌاو بدعةٌ لمرمِّل ومقصِّد
قتريك كلَّ بديعة في نوعهالم تخترع وغريبة لم تعهد
ما شئت من شعر أرقَّ من الصَّباوخطابه أزهى من الزَّهر النّدي
عزّش الملوك أبي المظفَّر ذس النَّدىوسميِّ خير العالمين محمَّد
أوليس من قومٍ غدوا بفخارهمبيض المغاني في الزَّمان الأسود
يروي سواه فخاره عن مرسلأبدًا ويروي عن صحيح مسند
ويكاد يعلم فطنةً وتيقظًافي نومه من حادثٍ ما في غد
يحيى علومًا إذا يميت جهالةًويعيد برًا في الأنام ويبتدي
ملكٌ لعافيه يملّكه النَّدىوله ملوك الأرض دون الأعبد
سحَّاح منهل كلِّ منهلِّ الحياضافي رداء الأمن صافي المورد
بحرٌ إذا اشتدَّ الاوام لآيبٍبدرٌ إذا امتدَّ الظَّلام لمهتدي
تجلى دياجير الخطوب بعرًّةمن وجهه كالكوكب المتوقِّد
ذو أخمص عقدت مواقع عزِّهبمعاقد القمرين هام الفرقد
ياخير من عزَّت به فئة الهدىعدلاً وذل له الزَّمان المعتدي
/ أ/ قدَّست ذاتك بالكمال وصنتهاعن قدح معترض وذمِّ مفنِّد
وسمت إلى أفق العلا بك همَّةٌأزرت بكلِّ معظَّم وممجَّد
ورعيت أحوال الرَّعية موحدًابصلاحهم إعدام روح المفسد
ورفعت منك منار كل فضيلةبرداء نورك في الممادج ترتدي
وغدا بك الإشراك بعد غياثهفي قبضة الإسلام معلول اليد
وسعيد للعلياء في تخليدهالمَّا رأيت الشَّخص غير مخلَّد
أنا طوع كفِّكَّ نيَّتي لك نيَّتيفيما تحبُّ ومقصدي لك مقصدي

ولما فرغ من كتاب "النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس" إنتهى به إلى ذكر الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء لأمر الله، أنشد لنفسه:

[من الكاملي]

ترتاح أنديَّة النَّدى والباسمن ذكر مولانا أبي العبَّاس
نجل الخلائف وابن عمَّ محمدَّدٍخير البريَّة من جميع النَّاس

وأنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي، قال: قرأت على أبي الخطاب

/ ب/ من شعره يمدح الملك المعظم مظفر الدين – قدّس الله روخه-:

[من مجزء الرجز]

لولا الوشاة وهمأعداؤنا ما وهموا
وفاض دمعي وهميبالدَّمع لمَّا فهموا
فخاطري مضطربٌوناظري مضطرم
يكتب دمعي كلَّماله الفؤاد يكتم

هل يتساوى السَّاهرون في الهوى والنُّوم

ومنها:

يا معرضًا عن مقبلفي الحبِّ لا يتهم
سلوُّه منفصلٌوصبره منفصم
إن كنت لا تنصف فيحكم الهوى من تظلم
فالله يقضي بينناوالملك المعظَّم
مظفَّر الِّدين الَّذييمناه بحرٌ مفعم
ملكٌ عميمٌ طولهوفيه طول عمم

يشقى المواري بسطاه والموالي ينعم

/ أ/ وجوده وجودهما منهما لي عدم

ترى قوفي الشِّعر في المدح له تختصم

لو لم يصفه واصفٌدلَّت عليه الشِّيم
وقال عنه السيف مايعجز عنه القلم

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

ألا ترى كلَّ من عادات في قلتعليه من سيمياء الذُّل ألان
قد ضمَّه الجذع ضمَّ المستهام بهفمنه قبره والجوُّ اكفان

وأنشدني، قال: أنشدني قوله:

بفتحك جاء السَّعد من كلِّ جانبوأقبل إقبال الذَّلول براكب
عليمٌ بتدبير الامور موفَّقٌيرى بـ .... الفكر ما في العواقب

ومنها يقول:

ويلبس للهيجا ثياب أساودمن الرُّقش حاطتها عيون الجنادب

وأنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الغرباي، قال: أنشدني الإمام أبو الخطاب لنفسه.

/ ب/ وكتبها إلى الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب:

فديتك هل علمت بمن رجاكاوأمَّك في ذراك وفي ذراكا
وأنشد بعد بين واشتياقأتأذن لأبن دحي أن يراكا

وكتب إلى الملك في صدر كتاب صنعه له:

قوالله ما أدري وإنِّي لشاعرٌإلى أيِّ معنى في مديحك أقصد
وجدت النُّهى والبأس والقضل والنًّدىإذا ذكر الأملاك نحوك تسجد
وإن قيل: من للعلم والحلم والعلاومن لقراع الخيل، قيل: محمَّد
وعدلك في الدُّنيا يبسط لأهلهاعلى أهلها منه رواقٌ ممدَّد

وأنشد أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب، قال: أنشدني الإمام أبو الخطاب بن دحية لنفسه:

إيُّها السُّلطان فاسمع قول منقوله في كلِّ خطو يتبع
أمة الزَّهراء بنت المصطفىوالَّذي في النَّاس حقّاً يشفع
/ أ/ وأبوه مشبهٌ جبريل فيصورة منه عليه يخلع
مازجت جسم المعالي روحهاحبَّذا الجسم وروحٌ تجمع
حسبه مدحك فخرًا دائمًاأذن الخلق له تستمع
أنت سلطان الورى قاطبةبك يسمو النَّاهض المضطلع
كلُّهم من شكر كفَّيك غدوافي رياض من صفات ترتع
فإذاالنَّاس حلا عن ملوك صنعوا ما صنعوا
فليزخرف كلُّ شيء حدَّثواأنت أنت الدَّهر لا ما أسمعوا
فابق واسم في سعود مالهامن أفول في نجوم تطلع
دائمًا ما تعالت قينةفرع أيك وسط روض تشجع

فقال هذه الكلمة:

/ ب/ "من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، سلالة أهل البيت الطاهرين، أهل مهبط الوحي، ومصعد الأمر والنهي، ومدار أفلاك العلا، ومزار أملاك السما، وموطن التنزيل، وموطيء الروح الأمين جبريل، ومقرّ الخلافة والإمامة، وموضع الكرامة، ولنا تحج ملوك الأرض، وذلك أوجب عليهم وجوب الفرض. فأن شرفنا بالسبق وفات، وهيهات دانٍ يدرك شأونا هيهات.

كلّ ذلك ببركة ابن عمنا، الذَّي يالبركة عمنا، الإسماعيلي النسب، الإبراهيمي المنتسب، المنيف الطرفين، الشريف السلفين، الملتقي بالرسالة، للأداء والدلالة، المبعوث إلى الأحمر والأسود، سيد ولد آدم وما ولد، الَّذي أيد بكتاب أنزل من الملكوت الأعلى عليه، وأوصل يدي الروح الأمين إليه. أعجز الأنس والجن حين تحداهم برهانه، وأعجب الجن لما سمعوا بيانه، فيه تبيان كل شيء وتفصيله، وبرهان كل شيء ودليله، قد فصلته آياته بتقديس وتوحيد، ووعيد، وحكم وأحكام، ونقض وإبرام، وقصص وأخبار، أ/ وسير وأسرار، والحض على العمل الَّذي هو سبب دخول الجنّة، والتحذير من العمل الَّذي هو سبب دخول النار؛ فهو بحر لا تفنى

عجائبه، ولا تنفد غرائبه.

والذي بشرت به الأنبياء، وهتفت بمبعثه الكهّان، وقام على صدقة البرهان، وردً الله ببركته عن مكة الفيل، وأرسل على الملك الَّذي جاء وعلى أصحابه طيرًا أبابيل، والذي خمدت ليلة مولده نار فارس ولم تخمد قبل ذاك بألف عام، وكانت تعبدها المجوس كعبادة الكفار الأوثان والأصنام.

ورأت أمًه حين ولدته نورًا أضاء قصور بصرى من أرض الشام، وانسق أيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرافة، وهو القصر الأبيض الباهر بحسنه أبصار المبصرين، ونزلت الملائكة من الأفق المبين، ورجمت بالشهب جميع الشياطين، وغاضت بحيرة ساوة، وذهب ماؤها المعين، وفاض وادي السماوة، آية حصل بها لمن حام الشك اليقين، والذي يظلله ظلّ الغمام، ويخاطب البهم بفصيح الكلام. وسلّم عليه بالنلوة الأحجار، وتسجد له الأشجار، ويدعو الشجر فيأتي إليه ثم يأمره بالرجوع ب/ فيرجع سامعًا مطيعًا بقدرة من أعانه عليه، ويسبِّح الطعام عند أكله له، وذلك أنه خصّه الله بها وفضله.

والذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليلاً، وجرر على المجرّة في درج المعراج ذيلاً، على دابة يقال لها "البراق"، لا يستطاع ركوبها ولا يطاق؛ إلاَّ لمن سخرها له الإله الخلاق، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة، حيث تعنو وجوه الملائكة الطائعة، ويغشاهم سنى الأنوار الساطعة. فسار –ﷺ مسيرة سبعة آلاف سنة، صاعدًا ونازلاً في بعض ليلة بجسده وروحه من غير نوم ولا سنة، واستوى بمستوى تسمع فيه صرير الأقلام على الألواح، وعاد إلى مضجعة عندما كاد جبين الشرق يوشح بنور الصباح.

وأصبح يحدّث أخبار الملوك في أم القرى، سنده عن حفظ ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى. والذي انشق له القمر المنير، ونبع من بين يديه مراراً عدّة الماء النمير، وزكابيمن يمينه الطعام اليسير، فأكل منه الجم الغفير. وقد جعل الله في أ/ كل عضو منه آية، وذلك دليل على مكانه عند ربه وأنَّ له به عناية، والذي حذره الذراع المسموم عن أكله، ثم لم يعد عليه بعدما أكل منه لقمة لعصمة الله في ذلك كلّه. والذي حنَّ الجذع اليابس إليه وسمع له صوت كأصوات العشار، وهذه آية نظرت بعين الصحة وطارت بجناح الانتشار، ورجف به وبخلفائه الجبل فراضه برجله، وقال: أسكن فسكن وامتثل، وبث له شكوى الجمل.

والذي قرن الله –تعالى- اسمه باسمه. وأعلن به الدنيا في كل مكان، وأجرى ذكره بأنواع المحامد على كل لسان؛ والذي كان ينصر ويؤيد في الحروب، بريح الصَّبا وهي ذات الهبوب، فهزمت ليلة الأحزاب جميع أعدائه. وكانوا قد حاصروه في عدّة ألوف، فاقتلعت الخيام، وأكفات القدور وزحزحت جميع الصفوف. ز ونصر بالرعب مسيرة شهرين بين يديه، ونزلت السكينة من الله عليه؛ وانكسر سيف عكاشة بن محصن يوم بدر فاعطاه عرجونًا أو عودًا فصار بيده سيفًا يومئذ يفري الجماجم، ويبري ب/ الأعضاء والبراجم. وكذلك انقطع سيف عبد الله بن جحش يوم أحد فأعطاه رسول الله –ﷺ عرجون نخلة، فصار في يده سيفًا، يقال إنّ قائمة منه، ولم يزل يتناول حتى بيع من بغًا التركي بمائتي دينار. وهذه معجزة قد بقيت بعد رسول الله –ﷺ وهي واضحة المنار.

والذي خصّه الله بالحوض والشفاعة، وأخبر بما كان وما يكون إلى قيام الساعة. وهذا الحوض هو نهر الكوثر المفعم الملآن، الَّّذي ساحته من بصرى إلى عمان أو من صنعاء إلى عمَّان، وماءه أشدّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل في المذاق، وأباريقه على عدد نجوم السماء ذوات الإشراق.

والذي زوى الله له الأرض فأراه مشارقها ومغاربها، وأعطاه كنوزها ومطالبها وأخبر –جلّ وعلا- أنَّ ملك أمته سيبلغ ما زوى لهم منا، ولقي ربه جلّت قدرته وهو معرض إعراض الزاهدين عنها، وقبص –ﷺ بعد أن خيّره الله في الدنيا؛ فاختار لقاء ربه، لرغبته فيما بين يديه وحبِّه. فجمع الله له بين ملك الدارين الدنيا والآخرة، واسبغ عليه جزيل النعمتين الباطنة والظاهرة. وكسر بدعوته أ/ شوكة الأكاسرة، وجبر الدين وقصم ظهور الجبارة، فغشت دعوته في المشارق والمغارب كما وعد وشاعت، وأخبر عن الله –﷿ أنَّه يستخلف في أرضه من يؤمن به. فكان ذلك كذلك.

وهذه معجزة راعت، فاستخلف الله أصحابه وأهل بيته من بعده، فسمعت الأمة لهم وأطاعت. فكانوا خلفاء الخلق، وفتحت الغرب والشرق؛ يقاتلون عبدة الأوثان والنيران عزلاً. وطارت قلوب الملوك رعبًا منهم، وطاشت وخفقت أفئدتهم خوفًا من ذكر محمد –ﷺ وجاشت وتمنّت أنّها إلى زمنه ما عاشت. فبهذا النبي أفاخر من يفخر، وأكابر من تقدّم وتأخر؛ صلى الله عليه عدد الرمل ومدد النمل، وعلى أهل بيته الكريم، الجدراء بالتقديم والتعظيم:

إلى دهمى عظيم الهند، وركن .... السند، شرح الله صدره للإسلام، وجعله ممن دعى إلى دار السلام، واتبع سبيل المؤمنين، وقال: ﴿وجهت وجهي للّذي فطر السموات والأرض

حنيفًا وما أنا من المشركين﴾.

/ ب/ أما بعد: فأنّه وصل كتابك حاكيًا عرائس خصائصك علينا، وجالبًا نفائس خصائلك إلينا، ففضضنا عن الجواهر منه ختامًا، وأمطنا عن الأزاهر منه كمامًا، واستجلينا من معاينه ما لو كانت خدودًا لكانت مضرَّجة، أو ثغورًا لكانت مفلَّجة، واستدللنا بفحوى خطابه على ما تضمره لنا من مودَّة لا كذب فيها، ومحبَّة نيطت بعرى الصدق أواخيها؛ فأمَّا ما صدرته في كتابك من تعظيم ملكك، ونفيس ذخائرك، وطيب رائحة قصرك وفخرك وفخر آبائك. فإنَّك فخرت بأعراض الجواهر الفانية القليلة البقاء، وزخارف الدنيا التي لا يحصل الواثق منها على غير النصب والشقاء. ومالكها وإن عظم دوامه سحابة صيف، ومالكها وان طال مقامه فعجالة ضيف؛ فإنَّا لا نفاخرك بأمثاله مما ملكناه من سهل الأرض وجبالها، واحتوت عليه خزائننا مما أخذناه بسيوفنا من ذخائر الملوك وأموالها. وإنَّما الفخر بتقوى الله وطاعته، والإيمان بهذا النبي الأمي، خاتم الأنبياء، وأفضل من مشى تحت أ/ السماء، والتزم شريعته والعدل في الرعية، والحكم بالسوية؛ بين القوي والضعيف، والشريف والمشروف. وذلك التزام شيعة رسول الله –ﷺ والعمل بمقتضاها، وأن يتقي كتابًا عند الله ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾، فكيف كفيت عن البصيرة إذ سطع نور البرهان، جنحت على ما أوتيت من فطنة ذكية، وفطرة زكية إلى عبادة الأوثان، واتخذت الندّ المصنوع لصانع الموضوعات ندّاً، ولم تر لك منه تقليدّا لمن سلف من الآباء بدّا، وأنا أدعوك دعاء المشفق الناصح، إلى سلوك السنن الواضح، وخلع الأنداد، ومفارقة ديانة الأنداد،

والتوجه لمن وجه وجهه إليه إبراهيم الخليل، وقام على وجوده ووجوب وجدانيته الدليل، فزين الدنيا بزينة الكواكب، وأظهر في الأرض أنواع العجائب.

والإقرار بنبوة من ظهرت على .... ذكرنا آنفًا من الآيات الخارقة للعاداتت؛ فإنّه لا يسمع به أحد ولا يؤمن به إلاَّ كان من أصحاب النار، وحقَّت عليه كلمة العذاب في دار البوار.

/ ب/ فأسلم تسلم أيها الملك، ويكون لك مالنا وعليك ما علينا. فإنَّ إسلامك إن منَّ الله عليك به من أسنى التحف الواصلة إلينا.

وأما ما أتحفتنا من هدية، واطرفتنا به من طرفة سنية؛ فما آتانا الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون، إلاَّ أنا اتبعنا لنبينا –ﷺ في قبوله للهدية، لما جبله الله عليه من الخلق الكريم، وطمعًا في أن يهديك الله بلطفه الصراط المستقيم. قابلناها بالقبول، وثنينا عنان النظر إليها، واقتدينا بان عمّنا –ﷺ في الإنابة عليها.

وبعثنا إليك كتابًا .... يسمى: "بستان الألباب" يفتر عن جواهر الحكم وزواهر الآداب، ومطالعتك له تطلعك على أنَّ اسمه لمسماه موافق، ونعته لمعناه مطابق، .... بما تيسر تناوله علينا، من الخزائن الحاضرة لدينا؛ معتذرين لديك من النقص، ومقابلة مجلسك بالنزر اليسير، لكن الملوك لو تهادت على قدر أقدارها، وعظم أخطارها لضاقت من ذلك أحوالها، .... وفنيت أموالها.

وإنّما الهدية وإن أ/ قلت دليل الاحتفال بالمهدي إليه والإقبال. والسلما على من اتبع الهدى، وقال: ﴿إنَّي من

المسلمين﴾، و ﴿لحمد لله ربّ! ِ العالمين﴾، والعاقب للمتقين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، والسلام عليه وعليهم إلى يوم الدين".

عمر بن أحمد بن أبي بكر بن مهران، الإمام أبو حفص الضرير النحويُّ العيسفنيُّ.

شيخنا.

كان مولده بقرية من سواد العراق تسمى موهرر، وقدم صغيرًا إلى عين سفنة قرية من نواحي الموصل، فسكنها مدَّة فنسب إليها.

ثم ورد مدينة الموصل، وحفظ كتاب الله –تعالى- وطلب العلم، وجدّ في الاشتغال، ولازم الشيخ أبا الحرم مكي بن ريان بن شبة الماكسيني النحوي. وبرغ فيما قرأ عليه حتى صار أنحى أهل زمانه، وأعلمهم بالنحو والعروض والقوافي والتصريف واللغة ومعاني الشعر وسائر فنون الأدب؛ فلمّا توفي شيخه أبو الحرم قام مقامه، وجلس مكانه وأقرأ الناس النّحو والآداب.

/ ب/ وتصدّر وأفاد خلقًا كثيرًا، وانثال عليه جماعة كثيرة ممن هو في طبقته من أصحاب الشيخ أبي الحرم، وأخذوا عنه حتى أقرَّ له كلَّ عالم، واعترف بفضله كل أديب.

وكان مفرط الذكاء، وسريع الحفظ، قوي النفس وقت القراءة عليه، لم يقبل من أحد جزاءً وولا ثوابًا. وكان له يد في علوم أخر؛ كعلم الحساب، والفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁. ومع ذلك لم يكن في عمل الشعر كبير يد. وكان يرفع نفسه عن نظمه؛ وربّما وقع له معنى فيقول فيه أبياتًا يسيرة لم يظهر عليها طلاوة.

وكانت وفاته يوم عيد الفطر بالموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن ظاهر

البلد غربيَّة بمقبرة المعافى بن عمران –﵄.

أنشدني أبو يعقوب إسحق بن مروان بن سمكان الموصلي النحوي العروضي، قال: أنشدني شيخي الإمام أبو حفص الضرير لنفسه، وقد سأله بعض الرؤساء، أن يصنع أبياتًا يضمنها هذا البيت:

تشاغلتم عنَّا بصحبة غيرناواظهرتم الهجران ما خكذا كنَّا
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

فأنشأ أبو حفص هذه الأبيات، أولها:

/ أ/ إلى م أقاسي لاعج الشَّوق والحزناويضني هواكم والجفا جسدي المضنى
أأحبابنا إن حلتم عن عهودناقلإنَّا على تلك المواثيق ما حلنا
رعى الله أيَّامًا تقضَّت بقربكمفما كان أحلاها لديَّ وما أهنا
أحنُّ إليها بالأصائل والضُّحىوما ينفع الصَّبَّ الكئيب إذا حنَّا
يككاد لما يلقى من الوجد والأسىيحنُّ اشتياقًا في الظًّلام إذا جنَّا
إذا لم يكن لي عندكم مثل مالكمبقلبي فلا أجدى الحنين ولا أغنى
فقد كان يغشى النوم عيني بقربكمفمذ غبتم ما صافح الغمض لي جفنا
وأحسنت ظنِّي فيكم لاعدمتكمفما بالكم اخلفتم ذلك الظَّنَّا

فإن كان أغناكم سوانا فإنَّنا .. على كلِّ ال لم نجد عنكم مغنى

عمر بن عبد الله بن المفرّج بن درع بن الحسن بن الخضر بن حامٍد، أبو عبد الله بن أبي القاسم التكريتيُّ.

الفقيه المدرس الشافعيُّ الأديب الشاعر.

/ ب/ حفظ الختمة الشريفة وأتقنها، واشتغل على أخيه بفنون من العلم الأدبيّة، وبضروب من علوم الفقه والقرآن والشعر. وسافر إلى الموصل في سنة ستِّ وستين وخمسمائة فلقي بها جماعة من المشايخ والعلماء؛ كالشيخ أبي الفصل يونس بن محمد بن منعة المدرس الإربلي، والشيخ أبي المظفر منصور بن يحيى البشكري، ووالده يحيى والشيخ عمر النساج، والشيخ عمر بن محمد بن الخضر

الملاّ، وأبي بكر القرطبي وغيرهم من المشايخ.

ثم عاد إلى تكريت، وأقام بها واشتغل وسمع بها ما على جماعة من المشايخ من أهلها، وممن قدمها. ولما توفي ابن عمّه أبو النجيب عبد الرحمن [بن] أحمد بن المفرّج ببلدة ماردين أنفذ إلى تكريت وطلبه، فتوجه إليه في سنة سبع وستين. وأقام عنده بالمدرسة وفوّض إليه أمرها، والنظر في أحوالها، ورتبة إمامًا يصلي بها وقرّر في كل شهر دينارين.

واشتغل هناك بما كان يذكره أبو النجيب من الدروس في الأصول والخلاف والمذهب، وتكلّم مع الفقهاء وباحث ولقي بها جماعة من الفضلاء، وأنفذه صاحب ماردين أ/ في رسالة إلى بلد خلاط ... في سنة سبعين وخمسمائة؛ فرأى بها جماعة من أهل الفضل.

ثم عاد في هذه السنة إلى ماردين، ولم يزل مقيمًا مع أبي النجيب، إلى أن كثر شوق الشيخ أحمد والد أبي النجيب هذا، فترك أبو النجيب ما كان إليه، وتوجَّه هو وأبو عبد الله في جمادى الآخر في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ووصلا إليها في يوم الجمعة من شهر رجب من السنة المذكورة.

ثم تولى أبو النجيب القضاء بمحروسة تكريت، فاستناب أبا عبد الله في الفصل بين المترافعين إليه في التاريخ، ولم يزل معه مساعدًا له ونائبًا؛ إلى أن توفي أبو النجيب يوم الإثنين رابع المحرم من سنة ست وسبعين وخمسمائة، فعتولّى القضاء بعده ابن عمّه القاضي تاج الدين أبو زكريا، فاستناب أخاه أبا عبد الله في فصل الحكومات، وفوّض إليه بعد ذلك أمر الخطابة بجامع تكريت فخطب بها يوم الجمعة الخامس والعشرين من شوال من سنة ست وسبعين وخمسمائة، بعد عجز الخطيب أبي القاسم علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الحارث بن أبي تمام التكريتي، وفرض له على ذلك الإيجاب والإطلاق. وله تواقيع من جماعة من الأمراء بتكريت ب/ بذلك.

وسافر إلى بيت الله الحرام حاجًا يوم العشرين من شوال سنة إدى وثمانين وخمسمائة، وصحبة جماعة من أهل تكريت، وعاد هو الجماعة معه في صفر سنة اثنتين وثمانين إلى تكريت، وأقام بها.

ثم تزوج المباركة خديجة ابنة الشيخ نعمان بن أبي منصور بن عثمان، شيخ تكريت، وأولد منها خمسة اولاد؛ فمات له ولد اسمه عبد الله في دمشق. كان سافر إليها في تجارة، ودفن بها فجزع عليه أبو عبد الله.

وكان في كل وقت يذكر لأخيه تاج الدين عزمه على ترك القضاء والتلبس به، ويطلب منه أن يعفيه عن ذلك، وكان يذكر له ما في الصبر على ذلك من ثواب الإنصاف والعدل، عن ذلك، وانقطع إلى المسجد الطلحي مشتغلاً بنفسه، منقطعًا عن مخالطة الناس؛ يصرف زمانه في طاعة الله –تعالى- وتصنيف العلوم، وغير ذلك.

وانحدر إلى مدينة السلام في أوقات إقامة أخيه تاج الدين بها مرارًا، ولقي بها جماعة من المشايخ والعلماء، وحج .... وولديه في شوال من سنة اثنتي عشرة وستمائة، أ/ وعاد إلى تكريت وأقام بمسجد من مساجدها يعرف بالطلحي، ولازم الإمامة به، واشتغل عليه جماعة من أهل تكريت، وعملوا بفتواه وأخذوا بقوله. وأقرأ القرىن وختم جماعة. وحدّث وسمع عليه من أهل تكريت ومن المجتازين بها.

وله مصنفات ومنظومات في أنواع من العلوم، وأجوبة عن مسائل وردت عليه. وعمّر في المسجد الطلحي عمارات كثيرة، وبنى في باطنه في الصحن الأول منه رواقات محيطة به، وأظهر الخير في المسجد المذكور، ورتَّب أحواله ترتيبًا جميلاً.

وانعكف جماعة من أهل الرأس الأسفل على الصلوات الخمس، وفي ليالي المواسم وإذا قدم متميّز أو واعظ حضر عنده، وجلس بالمسجد .... معه وأحسن إليه بما يقدر عليه؛ ومازال يقيم شعار الدين في هذا المسجد.

وهذا ذكر مصنفاته، منها: كتاب "ديوان الخطب" وهو مشتمل على خطب الجمع والأعياد والاستقاء والكسوف، وعلى فصول وأدعية وغير ذلك. وكتاب "نظم لباب الفقه" تأليف الإمام أبي القاسم أحمد بن محمد المحاملي –رحمة الله تعالى- سأله الشيخ أبو الحسن علي بن الدروي المقريء نظمخ فنظمه في سنة ثمانين وخمسمائة في نحو من اثني عشر ألف [بيت].

ب/ ونظم أيضًا كتاب "الناسخ والمنسوخ" تأليف هبة الله بن سلامة المفسّر، ونظم أيضًا العقيدة المعروفة بالقدسية.

كان مولده بتكريت ليلة الخميس نصف الليل سابع عشر شوال سنة أربعين وخمسمائة. وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وكان من الفقهاء الشافعية؛ فاضلاً شاعرًا مقتدرًا على النظم يدرس الفقه وبفتي. وكان إمام زمانه، حسن النظر في العلم؛ ذا بديهة حاضرة في الشعر.

نظم عدد أي القرآن، وذكر اختلاف القارئين فيها، ونظم أيضًا كتاب "اختلاف القراء في إذبات إلا .... وحذفها"، ونظم أيضًا معجزات النبي –صلى الله عليه [وسلم]- ونظم أيضًا "لمحة النحاة ومنحة الرواة" في العوامل، وذكر أيضًا كتاب "مخارج الحروف" على ترتيب الخليل بن أحمد، ونظم أيضًا كتاب "ذكر منازل القمر وغيره"، ونظم أيضًا كتاب "معرفة الضرب في الصحاح والكسور"، ونظم أيضًا كتاب "ذكر صفات السادة الفتيان ومدح الناصر لدين الله".

/ أ/ وصنَّف كتاب "مناسك الحج" ونظم أيضًا كتاب "طبقات الفقهاء" للشيخ أبي اسحاق الشيرازي، وصنَّف كتاب تاريخ مولده ومتجددات أحواله، وجمع أيضًا كتابًا فيه فنون من منظوماته ورسائله ومكاتباته، ويشتمل على عشرة أبواب.

وقد ذكرت في هذا الكتاب بعض منظوماته وإن كانت مدوّنة في كتب مفردة لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكر شيء منها، وليعلم بذلك ما عنده من وفور الفضل والعلم وقوة التمكن في النظم والنثر واقتداره في صناعته.

ومن شعره ما كتبه إلى اخيه تاج الدين في جواب مكتوبه إليه:

يا حبَّذا نفحات الطِّيب من قلمأسدت يدًا قلَّ عنها ما يجازيها
قد كان بشَّرني طيف الخيال بهافظلت من فرح في النوم أبكيها
حتى بدت في سطور زلزلت جسديبالشوق لمَّا تراءت في معانيها
فقلت والعين من شوق ومن ترحتسحُّ بالدَّمع سحّا من مآقيها
ترى يعود لنا شملٌ نسرُّبهفتأخذ العين حظًا من أمانيها

وكتب إلى أخيه أيضًا:

/ ب/ كلُّ يوم يمرُّ يدني سروريلدونوِّ اللِّقاء بالأحباب
وإذا ما تزايد الشوق أرسلتزفير الُّلوع طيَّ الكتاب
يا رسولي إلى المؤمَّل تاجالدِّين ذي الفضل والأيادي العذاب
قل له معلنًا ثنائي وشكريواذكاري لفضله السَّكَّاب
طال يوم الغراق واشتدَّ شوقيفمتى ينقضي بيوم الإياب

وله في مكاتبة إلى بعض أصحابه بالنظامية:

ألا أبلغ مجير الدِّين عنِّيبأنِّي لا أحول عن الوداد
وكيف أحول أم هل كيف أسلووقد سلبت محبته فؤادي
أتذكر ليلة قصرت علينابفكر موضح سبل الرَّشاد
تواصل بالمسائل تبتلينيوأعطيك الجواب على السَّداد
وبعد فلو ذهبت لشرح شوقيلآفني كاغدي وفنى مدادي
فدم واسلم وقم واغنم ولا تسأمففي العقبى تنل كلَّ المراد

وله في معنى الحديث المروي عن النبي –صلى الله عليه- في صنعة أخلاق اهل الجنة، وأخلاق أهل النار:

/ أ/ أهل الجنان لهم حالٌ تخصُّهمفي القول والفعل والأخلاق والأدب
وجهٌ جميلٌ وخلقٌ واسعٌ حسنٌولطف نطق يسرُّ النَّاس محتلب
ورحمة القلب لافظ ولا مقتٌولا عبوسٌ وهذا غاية الحسب
وللشَّقيِّ خلال مثل عدًّتهافي ضدِّها فاستمع قولاً بلا كذب
ففي القساوة والعصيان يتبعهاسوء ظن وبخل النَّفس بالنَّشب
وعابس الوجه لا ينفكُّ ذو صخبخاب الشَّقي وباع الجدِّ باللَّعب
كذا روينا عن المختار سيِّدناأعني النَّبيَّ نبيَّ العجم والعرب

وقال في المواعظ:

وإذا اللَّبيب غدا يفتِّش نفسهنطقت شواهدها بصدق الحال
إنَّ النفوس ودائعٌ ورهائنٌفي مدَّة الدُّنيا لوشك زوال
فالعاقل النِّحرير من وافى بهامقرونة بصوالح الأعمال
والعافل المغرور من يلقي بهافي قعر مظلمة الدُّجى مضلال
تعس أمرٌ يسعى ويجمع جاهدًامالا سيتركه لدى التِّرحال
وإذا الفتى لم يدَّخر لمعادهزادًا فسوف يؤول شرَّ مال
فاعمل لنفسك أيُّها المعنى بهاعملاً تفوز به من الأهوال
ب/ ودع التَّعلل بالمنى فلقلَّماتجدي عليك عواقب الآمال

وقال أيضًا:

يا من خلا بالمعاصيخف يوم شيب النَّواصي
خف يوم تأتي البرايابذلَّة وانقماص
خف يوم تبدو الخطاياويوم أخذ القصاص
غدًا عليك ينادىهذا جزا كلَّ عاصي
هذا جزا عبد سوءمجاهر بالمعاصي
اما تخاف أذى منيراك بين الخصاص
فتب إليه وبادرتفز بعزِّ الخاص
ولا تبهرج عليهما التِّبر مثل الخلاص

وأنشدني أبو محمد عبد السلام بن الحسن، قال: أنشدني عمر لنفسه:

كلُّ حي عن قليلفإلى الموت يصير
ليس يبقى ذو افتخاريسار وفقير
سوف يسقون كؤوساًشربها شربٌ عسير
/ أ/ وسيلقاهم غداً يومٌعبوسٌ قمطرير

وقال أيضًا:

لعمرك ما الدُّنيا لخابر حالهابصافية فاسأل بذاك خبيرا
تريك سرور ثمَّ تعقب ترحةكأنَّك فيها ما عهدت سرورا

وقال: وأنشدني أبو محمد عبد السلام بن يحيى، قال: أنشدني عمي لنفسه أبو عبد الله عمر:

كن ميِّتا بين الورىوانظر لعينك واعتبر
كم من مؤمِّل عيشةبينا يؤمِّلها قبر
يرجو البقاء وكيفيطمح فيه مخلوقٌ قدر
ماذي بدار إقامةفأبغ التزوُّد وابتدر
إنَّ البطالة راحةٌلكنَّ عقباها صبر

وقال أيضًا وأنشد فيه أبو محمد:

أكتب بكفِّك ما يسرُّكأن تراه في القيامه
/ ب/ واحذر مقارفة القبيخفذاك يورثك الملامه
واخش البيات فإنَّماهلك امرؤٌ ظنَّ السَّلامه
واذكر مقامك حيث لايغني التَّأسف والنَّدامه

وقوله أيضًا:

علم م تحزن في الدُّنيا وتحترقٌونحن فيها إلى الآجال نستبق
يا غافلاً وسهام الموت ترمقهلا تأمنن ختلها ما سرَّك الرَّمق

وقال أيضًا:

يا أيُّها النَّاس هل أدلكمعلى فعال يفوز من فعله
دعو فضول الكلام كم بطللسانه بالفضول قد قتله
واقتعوا باليسير واعتبرواكم جمامع للكثير ما أكله
وزيِّنوا بالتُّقى نفوسكمفذو النُّهى زان بالتُّقى عمله

وأنشد أيضًا القاضي أبو محمد عبد السلام التكريتي ببغداد في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني عمي أبو عبد الله عمر لنفسه:

/ أ/ أيا أبن الأربعين تروم لهواوأنَّى اللَّهو بعد الأربعينا
أيا إبن الميِّتين أبًا وجدًاستلحق في غد بالمِّيتينا
تؤمِّل أن تعيش قرير عينوكم قد أبكت الدُّنيا عيونا
تظنُّ العيش فيها أن سيصفووك قد اخلفت فيها الظنونا
تزوّد من سنيك بخير زادولا تغترَّ .... السِّنينا

ومن شعره يرثي ولده عبد الله، ومات بفلسطين وأنفذه ليكتب على قبره، انشدنيه عنه أبو القاسم ابن أخته بتكريت في شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة:

ألا إنَّ عبد الله ثاويًابأرض فلسطين إلى موقف الحشر
سيأتي إلى تكريت نعي مصابهويأتي أيضًا سابق الدِّين من مصر
فتى كان مثل البدر حشو ثيابهإذا ما انثنى أو كان أزهى من البدر
وقد كانت الآساد تخشى لقاءهفقد طمعت في خدِّه دودة القبر
سلامي عليكما ذرَّ شارقٌ ... وما ثوَّب الدَّاعي إلى نسك الفجر

وقال أيضًا:

/ ب/ أرى الطَّير يحنو على فرخهإذا كان في عشِّه لم يطر
فإن طار ينقره حبَّةليلقط إذ كان لا يدَّخر
تنبَّه لذا السرِّرِّ يا صاحبيوكن فطنًا يقظًا واعتبر
بنيَّ فدونك كسب العلومصغيرًا فما الشَّيخ بالمدَّكر

إذا لم يكن حصل الذكر في زمان الصِّبا وهو لم يعتبر

فما شرف المرء في نفسهبابائه حينما يفتخر
ولكن بما فاض من فضلهعلى من إلى فضله يفتقر

ومن ذلك ما رأى في منامه، كأنَّ رقعة ألقيت إليه، وفيها خط ولده المتوفى، وفيها أبيات لم يحفظ منها سوى بيتين:

فما لي من أشكو إليه صبابتيولي عند موتي أنَّةٌ وحنين
وما كنت أدري أين تقضى منيَّتيولا أنَّ هذا الامر كيف يكون

فأجاب عنها بهذه الأبيات:

/ أ/ أيا مهجتي يا قرَّة العين إنَّنيعليك على طول الزَّمان حزين

يعزُّ على عينيَّ أن غبت عنهما .. وكلُّ عزيز يابني يهون

وما في نعيم العيش بعدك لذَّةٌوأيُّ التذاذ لي وأنت دفين
سلامٌ على صفو الحياة وطيبهاوا دمع عيني بالبكاء رهين

وقال أيضًا يرثيه:

أقول وليلتي تزداد طولاًكأنَّ الصُّبح لجَّ به اللَّجاج
إلى الرَّحمن أشكو ما بقلبيعسى همِّي يبدِّله انفراج
نديمي زفرتي ودموع عينيشرابي والنَّجيع لها سراج
وبي سقمٌ وأفكارٌ وحزنٌأمورٌ ليس يبرئها علاج
ألفت الحزن بعدك في المغانيفلا فرحٌ يزور ولا ابتهاج
وكنت لنا سراجًا في اللَّياليفمذ أوديت أظلمت الفجاج
تبدَّل كلُّ حسن لديناوحتَّى الربع بدله العجاج
تكدَّر صفو عيش كان عذبًاوحل محلَّه مقرٌّ أجاج
أمرُّ وقد سفا الافي عليهفيغلبني بكاءٌ وانزعاج
وكان به سراج الوصل يكفيفقد أمسى وقد طفئ السِّراج
/ ب/ فلا وثراك لا ينفك دمعييجود وليس يمنعه رتاج

عمر بن عبد النور بن ماخوخ بن يوسف بن ليان بن باديس بن صولي بن بلول الهواري، أبو حفصٍ اللَّزنيُّ البجائي الصَّنهاجي.

كان فقيهًا شافعيًا، مناظرًا أصوليًا، كاتبًا شاعرًا؛ له يد باسطة في علم الأدب

والعربية

انشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيد التبريزي، قال: أنشدني عمر بن عبد النور لنفسه:

ومعقرب الُّدغين خلت عذارهنؤيًا أثافي رسمه الخيلان
فوقفت أبكيه بعيني عروةحزنًا عليه كأنَّني غيلان

وأنشدني، قال: أنشدني من شعره في غلام اسمه إبراهيم:

كستني ولم أشعر جفونك سقمهاومن قبل لم أعرف وصالاً ولا صدَّا
وأبقيتني في نار شوقٍ كأنَّنيسميُّك لكن لا سلامًا ولا بدرًا

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

/ أ/ عصَّ المصلَّى لا لزهد إنَّماصنم الصَّبابة عظمت أبناؤها
أين استقلَّ استقبلته أوجهفالظذَبي شمسٌ والورى حرباؤها
عبتم على التَّتر السُّجود إذا بدتشمس الضُّحى وسبتكم نظراؤها

وقال أيضًا:

هبني صبوت كما ترون بزعمكموظفرت فيه بلثم خدٍّ أزهر
إني اعتزلت فلا تلوموا غنَّهأضحى يقَّابلني بخدٍّ أشعر

وقال في غلامين تحاّبا أحدهما يعرف بابن صقر، والآخر بابن فهد:

أليس عجيبًا جارحان تصايداوذلك شيءٌ لا يكاد يرام
يقال ابن صقر بأبن فهد متيمٌفكيف على أنَّ الفهود تنام

وقال في الشيخ العلامة كمال الدين أبي المعالي موسى بن يونس الفقيه المدرس، وهو يلقى الدرس بحضرة المتطيلسين ارتجالاً

بالموصل:

/ ب/ كمال كمال الدِّين للعلم والعلافهيهات ساعٍ في مساعيك يطمع
إذا اجتمع النُّظار في كلِّ موطنفغاية كلِّ أن تقول ويسمع
فلا تحسبوهم عن عناد تطيلسواولكن حياءً واحترافًا تقنَّعوا

وقال فيه أيضًا:

تجرُّ الموصل الأذيال فخرًاعلى كلِّ المنازل والرُّسوم
فجلة والكمال هما شفاءٌلهيم أو لذي نهمٍ سقيم
فذا بحرٌ تدفَّق وهو عذبٌوذا بحرٌ ولكن من علوم

وقال:

أأإغراك زورٌ من مجدٍّ ومازحفتقبل قول الكاذب المتواقح

هواك حشا الأحشا وأظهر غيرةً .. فقل في إناء لا بما فيه راشح

وعيشك ما أبديت حبًا وإنَّماتجيش ببحر الشّوق فيك قرائحي
فيلحظني الحسَّاد فيك كأنَّهابغاثٌ أتت تخشى انقضاض الجوارح
ويفحص عن ودِّي وإنِّي لكاتمٌولكنَّ طرفي في الصَّبابة فاضحى
فقلبي خفَّاقٌ وجسمي ناحلٌوغيني تمري بالدمُّوع السَّوافح
ولولاك لاستعصيت كبرًا وإنَّمايذل الفتى إضمار شوق الجوانح
/ أ/ وكنت أبَّي النَّفس صعبًا مقادتيفراض جماح القلب صيد الجوارح
وقد صان إحساني شعار قناعةوقد ضنت إلا عنك وجه مدائحي
وكنت لعمري أملأ القلب رعبةًوأسحب ذيلي فوق قمَّة رامح
فما زال بي حبَّيك يوقد جمرةٌعلى الوجد من نيران وجد لواقح
فأغرق طورًا في بحور مدامعيفها انا أطفوا بين أنفاس كاسح
فإن كنت تهوى ان أموت فحبَّذاوإن كنت تهوى أن أيش فصالح

عمر بن الخضر بن اللّمش بن الدرزمش، أبو حفص الدُّنيسريُّ التركيُّ.

كان يعتني بالطبّ وسماع الحديث، ويتفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وله شعر حسن في الغزل.

أنشدني أبو القاسم التبريزي، قال: أنشدني عمربن الخضر لنفسه:

بلغ الغرام به إلى غاياته وتحكَّمت أحكامه في ذاته

صبُّ أصابته الصّبابة في الصَّباقهر أفلم يعطف على صبواته
كلفًا بمن هو في الملاحة واحدٌمتفرِّدٌ والحسن بعض صفاته
/ ب/ فالبدر مفتقرٌ إلى أنوارهوالغصن مضطرٌ إلى حركاته
والسِّحر من ألحاظه والدُّرُّ منألفاظه والورد من وجناته
يهوى المحبُّ العذل فيه لاسمهويرى اسمه في العذل من لذَّاته
من رام يعرفه فأوَّل لفظهمعكوسة التَّصحيف من أبياته

وأنشدني أبو الحسين احمد بن الحسن المارديني. قال: أنشدني عمر بن الحضر بن اللمش لنفسه:

أفدي الَّذين لهم في مهجتي دارفهم بها الدَّهر سكَّانٌ وحضَّار
مذ فارقوا لم أزل مضنى الفؤاد بهمومنطقي بهم نثرٌ وأشعار
بي منهم قلقٌ والقلب محترقٌوالدمع مستبقٌ في الخدذِ مدرار
والجسم في سقم يحكي شبا قلمٍوالرُّوح في نقم من حيث ما ساروا
فالعين تطلبهم والقلب يرقبهموالبين يحجبهم والدَّهر غدَّار
ساروا على عجل والقلب في وجلوفي سويدائهم من مائه نار
لم أنس أنسي بهم أيَّام وصلهموهم على الهجر أعوانٌ وأنصار
ونحن في صفو عبش لا يكدِّرهمن الرَّقيب مقالاتٌ وأكدار
حتى رماني النَّوى منهم بما عجزتعنه القوى ورثى لي الأهل الجار

/ أ/ وأنشدني، قال أنشدني لنفسه:

تولَّت بهجة الدُّنيا بقوملسوء الحظِّ جاء بهم قران
إذا مارمت علمًا نلت جهدًالديهم حيث يعتبر العيان
وإن حاولت منهم صدق قومٍفكلُّهم إذا حاولت خانوا
كلامهم كلامُ في فؤاديفليتهم من الاقطار بانوا

ولد هذا عمر سنة سبعين وخمسمائة، وتوفي سنة عشرين وستمائة بماردين. وكان إليه عمالة وقف الجامع بماردين. وكان طبيبًا فيلسوفا منجمًا، وروى الحديث ورحل في طلب الحديث، وسمع شيئًا كثيرًا. وصنف لدنيسر كتابًا سمّاه: "حلية السريين في خواص الدنيسريين". وصنف كتابًا آخر سماه: "رموز الكنوز في علم النشأة" وسماه علم الحق. وصنّف كتابًا في الحديث سمّاه: "الثمانيات" روى كثيرًا من كتب القراءات. وكان شافعي المذهب.

/ ب/ عمر بن محمَّد بن عمر بن محمد بن أبي نصرٍ، أبو حفصٍ الفرغانيُّ.

هو من مدينة يقال لها "أندكان" من بلاد فرغانة.

كان شيخًا فقيهًا حنفيًا صوفيًا، يعرف الأصول والخلاف، ويفهم النّحو والعربية.

رحل إلى مدينة السلام فولاه أمير المؤمنين المستنصر بالله تدريس المدرسة الجديدة التي أنشأها على دجلة، وجعلها على الأربعة المذاهب. يدرّس فيها فقه الإمام أبي حنيفة –﵁ وذلك في رجب سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ولم يزل يدرّس بها إلى أن مات يوم السبت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بجانب الشرقي في مقابر أبي حنيفة؛ وهو أول من درس فيها الفقه على المذهب الحنفي.

وروى شيئًا من الحديث على الحافظ أبي بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الحافظ، وغيره. وكان يقول شعرًا متوسطًا ينظمه في أغراض يتفق وقعها، أو أسباب مختلفة، وأحوبة كتب أ/ كانت ترد عليه من أصدقائه وأخوانه الذي يكاتبونه؛ ولم يكن من المسترفدين بالشعر، ولا صنعه لأجل جائزة أبدًا. وكان يتجول في الأقطار، ويخترق البلدان ويكثر الإقامة في المدن. أذهب جدَّة عمره في السفر. وكان كل مدينة ينزل بها يقبل عليه أماثلها وصدورها وأعيانها ويقربونه ويستفيدون منه ويكرمونه؛ فلذلك لا نجد في شعره إلاَّ مكاتبة كتاب ورد عليه من صديق أو .... به في سماع كان يحضر مع هؤلاء، فيقول على ذلك ... ز أما ما يقارن تلك الأجناس ويناسبها.

وله ديوان يدخل في جلد استفرغه في المعاني التي سبق ذكرها آنفًا. وكان متفننًا في كل فضل، فقيهًا حنفيّا نحويًا فاصلاً أصوليًا.

أنشدني أبو الثناء محمود بن فضل الله بن أحمد بن أسعد الهمذاني الصوفي، قال: أنشدوني أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني لنفسه:

يا صاحبي إلى م أتت صاحيمن سكر هوى وسكر راح
لا تحل من الصَّبوح يومًامن خمر مراشف الصِّباح
/ ب/ العشق طريقه التَّرقيوالسُّكر حقيقة الفلاح
لا تعتقدنَّ فسادًاهذا هو غاية الصَّلاح

وأنشدني جعفر بن محمد الخسرسابوري، قال: أنشدني عمر بن محمد الفرغاني لنفسه:

أترى يقنيه عن قسوتهخذُّه الذَّائب من رقَّته
ويروِّى غلَّة من عاشقبالزُّلال العذب من ريقته
ويداوي علَّة من وامقمن أساراه وفي ربقَّته
قمرٌ لا فخر للبدر سوىأنَّه صيغ على صورته
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
يا لطيفًا حيَّرت ألطافهقلبي المجبور في غربته
أعط من أهواه ما أهوى لهمن دوام العمر في دولته
وأنل من أشتكى قسوتهرق تثنيه عن قسوته

وأنشدني القاضي الإمام ابو القاسم عمر بن أبي الحسن الحلبي –أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو حفص الفرغاني لنفسه يتشوق بعض الأخوان:

الله يعلم أنَّني مشتاقشوقًا تضيق له بي الآفاق
/ أ/ لو رمت أشرح بعضه بصحائفيلاستنفد الأقلام والأوراق
أرجو وأحيا بالرَّجاء تلافيًاما تنطفي إلا به الأشواق
لازلتم للمكرمات شموسهاحتَّى يدوم بكم لها الإشراق
وعليكم مني تحايا عاشقما يقتدي إلاَّ به العشَّاق

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.