تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه محمد (٢)

محمد بن عمر العماري الميورقي.

هل للقا من موعديا غيد المقلد
أما تراني من هواك في المقيم المقعد
وأنت عيني ..........في حسنك المجدد
تلعب بي لعب الصبابقدك المأود
مهما .................... فقل إلى غد
فلا أنا بمقصروأنت لست مسعدي
لحظك لي مثاقفٌعن خدك المزرد
وقد جمعت نفرة الــظبي وبطش الأسد
وليس منك [من] حمىإلا حمى المؤيد
فقال لي كن آمنًاوأبشر بنيل المقصد
إن المؤيد الذي اســتنجدت خير منجد
أشهر أهل الأرض فيمكارم وسؤدد
أقدمهم في شرف الــأصل وطيب المحتد
أطولهم يدا ندىأولهم في مشهد
أعزهم جارًا واوفاهم بحسن موعد
أما سمعت فضلهيروى بكل بلد
وأنه ينطق عنبحر علومٍ مزبد
أما سمعت مدحهفي فم كل منشد
هو الكبير قدرهفي صورة المقتصد
كم من يدله علىهذا الورى كم من يد
دامت له النعمة والــسعد دوام الأبد

محمد بن جعفر بن الحسن، أبو الخطاب الربعي المنقوشي.

نسب نفسه إلى ربيعة الفرس؛ وكان من قريةٍ تسمى المنقوشية من قرى النيل.

كان شابًا خفيفي العارضين، له طبع مؤات في الشعر، وفيه لطافة، صالح الأدب والنظم؛ خرج عن وطنه، وألحق بأمراء الشام، وأقام هناك معدودًا من شعرائهم؛ ومات بالرقة سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

أنشدني الوزير الصاحب أبو البركات المتسوفي؛ قال: أنشدني أبو الخطاب الربعي لنفسه حين قدم إربل سنة أربع وستمائة:

مالي على الهجر والنوى جلدإن قرب الظاعنون أو بعدوا
وفندتني العذال من سفهوذو الهوى لا يفيده الفند
لا أفقر الجزع من أميمة والــسفح ولا ضارجٌ ولا السند
يا صاحبي انظرا بمنعرج الــوادي إذا ما تألق الجرد
هل تونسان الظباء سانحقد شابهتها الكواعب الخرد
تهيج أطلاؤها الغرام إلىأجياد بيضٍ يزينها الجيد
تذكرني كل شادن خرقوردية الخد ثغرها البرد
بانت مع الجيرة الذين سرواوبي لبين الأحبة الكمد
كيف اصطباري والغور منزلهالا كثبٌ دارها ولا صدد

وأنشدني عبد الرحمن الصيقل الشاعر، قال: أنشدني أبو الخطاب لنفسه من قصيدة:

متى لاح الورد آس عذارهفجنته حفت بأهوال ناره
غربرٌ جرى ماء النعيم بخدهفزاد اتقاد النار في جلناره
عجبت له بدرًا كواكب راحهجلتها على الجلاس شمس عقاره
دراري تبدي الدر وسط نظيمهبجيد عروس نقطت بنثاره
إذا طلعت غابت فكم حبب لهاصغارٌ لآلي عقدها من كباره
متوجة تاجًا ترصع حبهبياقوتها القاني وذوب احمراره
تناولها من أكلف اللون فاحمصباحًا إلى أن تستقن نفاره
فجاءت كرقراق السراب رقيقهسلاف شراب دار قبل اعتصاره
وطاف بها تحكيه خدًا ورقةفعربد لحظٌ ما صحا من خماره
لها شف في وجنتيه مخلقيديم صبوح شربها غير كاره
يغني لنا صوتنا يلذ استماعهعلى دجلةٍ فالجابري فكاره

وقال يمدح الأمير الحاجب أمين الدين أبا الدر ياقوت بن عبد الله النوري الموصلي الكاتب- ﵁:

يا ربع علوة بالجرعاء حييناومن خطوب البلى والدرس وقيتا
ولا عدتك عوادي المزن صيبةبل صوب منهمر الأرجاء سقيتا
أين استقلت حمول الظاعنين بهملما تقلبت البدن السباريتا
سروا عجالًا يؤمون الكثيب ضحىوخلفوني يوم البين مبهوتًأ
أسح في دمن الأطلال منسربًاكالدر وشحة الكتان ياقوتا
تبًا لأحداث أيامٍ مفرقةٍظلمًا أرتني جمع الشمل تشتيتًا
تلتفت مقلتي والعيس دالجةإلى العراق وقد جاوزت تكريتا
وكيف صبر بعيد الداري مغتربعن أهله فارق الشم المصاليتا
سرى فسري عنه الهم أجمعهأيان أم أمين الدين ياقوتا
العالم العلم السامي الذي سمعتله البرية صوت الفضل والصيتا
قال اليقين وقد ثورت راحلتيمهلًا ستبلغ منه كل ما شيتا
يا من تعصب للآداب كن سنديفالجاه في الموصل الفيحاء أعطيتا
أيقظت للعلم طرفًا لم يزل أبدًامزملًا في ظلام الليل مسبوتا
حتى غدوت بأفواه القبائل موصوفًا وبالمجد والعلياء منعوتا
بقيت ملجأ ذي حاجٍ ودمت على الآعداء رمحًا ردينيًا وإصليتا

وأنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الأزدي؛ قال: أنشدني الربعي لنفسه، يرثي أبا الحسن علي بن نبيه الشاعر:

شعراء الزمان إن المعانيوالمعاني تبكي على ابن نبيه
مات حسن القريض والحزم والفــضل وحسن البديع والتشبيه
كان عند الإنشاد آية موسىفالقوافي من بعده في التيه

وأنشدني لنفسه وهو مقيم بآمد:

يقولون ها قطرٌبلٌ جنب دجلةعدمتك ألفاظًا بغير معاني
أكرر طرفي ما أرى القفص دونهاولا النحل بادٍ من قرى البردان

وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الحكيم سعيد، وكان قد اتصل بابن الملك العزيز، وتوفي بالقرية بالخبور، وكان المغسل له سعيد أيضًا:

يا ابن العزيز عزيزٌعلي أن تتوفى
سقتك كف سعيدكأس المنية صرفا
لو ذاقها منه عيسىلذاق في الحال حتفًا
مغسلٌ وطبيبٌهذا حكيمٌ مكفي

وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في رجلٍ من أهل دنيسر، يهجوه واسمه مقبل:

عجبت لمن سمى اللئيم ابن مقبلوما هو إلا مدبرٌ وابن مدبر
ولو لم يكن من عترة اللؤم والخناكفته المخازي أنه من دنيسر

وقال يهجو: صاحب سنجار، ويمدح الملك الأشرف مظفر الدين:

قالوا: ابن زنكي سنجار له كرمقلت السدى والندى في آل أيوب
هو الطفيلي لا ترجى مواهبهوأكله دائمًا من بيت يعقوب

محمد بن حيدرة بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب- صلوات الله عليهم وسلامه- أبو علي بن أبي المناقب الكوفي العلوي الحسيني الواعظ.

وجده أبو البركات، عمر بن إبراهيم النحوي الكوفي، مشهور بعلم الأدب

والنحو.

أبو علي كان واعظًا مليحًا معاشرًا، يتكلم على الناس، ويطوف البلاد على سبيل النجعة، ويرتفق بالوعظ، وعلى خاطره من التفسير والأشعار والنوادر والحكايات أشياء حسنة.

أنشدني محمد بن سعيد الواسطي؛ قال: أنشدني أبو علي لنفسه:

أمرٌ سؤال الركب عندك أم عذبأمامك فاسأله: متى ترك الركب
على أن وجدي والأسى غير نازحقصرن الليالي أو تطاولت الحقب
نشدت الحيا لا يحدث الدمع إنهيغادر قلبي مثلما تفعل السحب
ففي الدمع إطفاءٌ لنار صبابتيوزفرة شوق في الضلوع لها لهب
فدع ذا ولكن رب ركب تحملواوسيرهم ما إن يفارقه الخب

محمد بن حيدرة بن محمد بن نصر بن جامع بن المظفر بن الأمير ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن الحارث بن غطيف بن مجرية بن جارية بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك بن

بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الحمداني البغدادي، أبو فراسٍ.

من أهل الكرخ.

هكذا وجدت نسبه، مقيدًا بخط بعض الفضلاء، وإن لم يكن محققًا، وفيه خلل؛ وكان يذكر أنه من ولد أبي فراس الحارث بن سعيد الشاعر المشهور ابن عم سيف الدولة.

انتقل إلى نصيبين وأكثر المقام بها، فلذلك ينسب إليها، وتوفي سنة اثنتين وستمائة. وكان شاعرًا مبسوط اللسان هجاءً له في الهجاء أشياء يجيد في معانيها

أنشدني أبو عبد الله محمد بن سليمان الموصلي المجلد؛ قال: أنشدني أبو فراس لنفسه، يهجو أهل سنجار:

متى أرى سنجار قد زلزلتومال أعلاها على الأسفل
وتصبح النسوان من أهلهاحواسر في سكك الموصل
قد ملت الأنوفس من دولةٍتساس بالأرذل فالأرذل

وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه من أبيات يخاطب بها الأمير مجد الدين إسماعيل بن يرنقش السنجاري:

إيها معين الدين أوضحتمبالحق منكم منهج العدل
أقمتم الحد بحد المدىفما لكم في الخلق من مئل
وطبتم يا شيعة المصطفىوغيركم يعزى إلى الجهل
روعتم الجبار لما غدامن فوقكم في ربقة الذل
بحق إسماعيل كفوا عن الــأمة إسماعيل بالقتل
فهو يرى رأي أبيه لكميضمر حذو النعل بالنعل
قطعتم الأصل فما بالكملا تلحقون الفرع بالأصل
والحية الرقطاء من حيةٍوالصل أيضًا ولد الصل

فقال أيضًا:

من مبلغ نجل الأعز رسالةعذراء لي في طيها أشواق
مزحت ركائبه فدمعي بعدهدمعٌ بقلبي مغرمٌ خفاق
يا قاتل الله الليالي كما لهافي كل يومٍ رحلةٌ وفراق
ضنت بفرقتك القرون على النوىوسخت بحمة مائها الآماق
لا يبعدنك الله كم لك من يدبيضاء تروي فضلها الآفاق
وخلائقٌ غررٌ يضوع نسيمهامسكًا إذا تزهى بها الأحداق
يابن الوصي المرتضى يا خير منأصفى ودادك فالهوى أرزاق
أرسل إذا هب النسيم تحيةفله ........ في الصباح رقاق
كسدت لبعدك سوق فضل ما لهالولاك في هذا الزمان نفاق
وتطأطأ العلم المنيف وبعدهغطى عليه من الخسوف محاق
وتفسح الأعداء في أقوالهمفلهم مراءٌ ظاهر وشقاق
فعلام تأخير الكتاب وبيننايومٌ وأنت إلى العلا سباق

وهذا محمد، ولد بالكرخ ونشأ بها، وقرأ بالأدب، وخالط العلماء، ثم سافر عن بغداد، وأقام مدة بلاد الجزيرة والشام، وعاد إلى بغداد بعد التسعين والخمسمائة، ونزل بمحلة الطغرية من الجانب الشرقي؛ ورتب مشرفًا على مناشر الديوان الشريف؛ فارتفع قدره، وعلت منزلته، وكان من أكرم الناس خلقًا ونفسًا وعطاءً، يستوي الذهب والتراب عنده.

وكان له غرام بالأدب والتواريخ، وكتب منها كثيرًا، وكان يديم الإطلاع في

تاريخ الصابي، وينقل منه فوائد.

ثم ارتحل عن بغداد في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة إلي نصيبين، وكان له بها إمرأة وولد، فقام هناك إلي أن توفي سنة اثنين وستمائة.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن المحلَّي بن محمد النصيبي، والشريف أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسيني العلوي، قالا: أنشدنا أبو فراس لنفسه غير مرَّة بنصيبين:] من الخفيف [

لو بقدر الأشواق يهدى السلامنفذ العمر والغرام
فاقتنعوا باليسير مني فحسبيزفرات حري ودمع سجام
لا تظنوا أنَّي وإن بعد العهــد وطالت ما بيننا الأيام
أتنساكم وكيف وقد شاب اصطباري في الوجد فيكم غلام
خبرتني الأحلام عنكم بصدقآه لو كان تصدق الأحلام
كلما عز ذكركم في سواد القــلب جاشت في جسمي الأسقام
أتمنَّاكم وأين من الموصل دار السلام عز المرام
آه يا نفحة الصبا للتَّصابيوغرام يا حبذاك الغرام
وليال بدار لهوي سقاهافيض دمعي إن حار عنها الغمام
علِّلوني بذكرها وابعثوا ليطيف سعدي إن أمكن الإلمام
ما الحمام الهتوف في البان يوم الـبين للواجدين إلاَّ حمام
ما الدَّيار الدَّيار واصلة المســعي ولا هذه الخيام الخيام

وكتب إلي الشريف تاج العلا الأشرف بن الأغر الرملي، القصيدة القافية المذكورة، أنشدني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن محمد بن علي الحسيني الموصلي – أدام سعادته – قال: أنشدني أبو فراس محمد حيدرة الحمداني لنفسه:

] من الطويل [

إذا شجر الهرماس أضحي منوَّرًافدع دلجان العيس والوخد والسرى
فإنَّ بعمر الزَّعفران مدامهإذا سكبت أنست أوانًا وعكبرا
وحث الندامى للصَّبوح وشربهافقد نَّبه الناقوس من سنة الكرى
وطاف بكاسات الحميَّا مقرطقيميل بعطفيه النسيم إذا سرى
فيا صاحبي والكأس في كف ِّ أغيدرخيم الدَّلال فاتر الطَّرف أحورا
دع المنحنى والخال والرَّند والحمىوشيخ نقا نجد ومن قد تغوَّرا
وغن حديث المازنيِّ وضارحوخلِّ عتاق العيس تنفح بالبرى
وقل لبني سعد علي صيف راحةردوا الجفر مكدود المعين مكدَّرا
فلي بقلال العمر صبوة مغرميحنُّ إذا ناح الحمام فأسحرا
ورهبان دير فيهم أريحيَّةإذا الضيف حيَّاهم تنادوا إلي القرى
أقمنا ثلاثًا نشرب الراح عندهموقد حظروا أن ينكروا البيع والشَّرا
فما عبسوا وجهًا طليقًا تضجرًاولا اعتذروا أنَّ المدام تعذَّرا

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه، يهجو شخصًا إسمه غازي بن علي النصيبي، وقد صار كاتبًا، ويلقب الجبل، وكان قد أظهر تكبرًا علي أبي فراس، وكان له أستاذ اسمه حمرين:] من الكامل [

ومن العجائب صار غازي كاتبًايلقاك وهو مقلَّص العرنين
تيهًا ولا عبد الحميد ودهرهما زال يكتب صالحًا بالسَّين
سلَّم على الجبل الأشمَّ وقل لهكم بات حمرين على حمرين

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: في الحسين بن قيداس، حين كسرت يده:] من المنسرح [

حاز ابن قيدس مع تهوُّرهشحًا ولو ما يبقى وكسر يد
وصار بين الكتَّاب مسخرةيعدُّ فيهم زيادة الكبد
فلا تلمه علي تهوُّرهشيخ رفيع الأصل من بلد

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:] من الوافر [

أقول وقد بدا شخص الربيبيستِّر بين شبَّان وشيب
علي عينيه ترجمة المخازيوفي عطفيه مجتمع العيوب
دعوك أبا المعالي ليت شعريومالك في المعالي من نصيب
متى تخني عليك يد اللياليويأتي الله بالفرج القريب

وأنشدني، قال: أيضًا لنفسه:] من الرجز [

قل للريب غلط المقدارألا فمن أنت ومن عمَّار
لمَّا تقدَّمت بغير آلهتأخرت عن سمتها الأخيار
في آستك داء عزَّه دواؤهشاهده في وجهك الصُّفار
أنت علي هذا الزمان وصمةما ينقضي حديثها وعار
تعافك الأنفس من مهانةفيك فما ترمقك الأبصار
قد سيَّرت فيك فيك الرواة سيرًاوحدثت بلؤمك السُّمار
وقمَّصتك المخزيات لبسًةوأثقلت كاهلك الأوزار
جمعت أموالًا ونمت وادعًاوالخمر في عقبها الخمَّار
ينتبه الرَّاقد من رقدتهوينتحيك الأسد الزَّئّار
وتقتضي أمُّ الرَّقيم دينهامنك ولا ينجو بك الحذَّار
لا فارق الشُّؤم حذاك وجرببضدِّ ما تختاره الأقدار

ومن شعره ما كتبه إلي صديق في صدر كتاب:] من الطويل [

آحبابنا إن كنتم قد سمحتمببعدي فإنِّي بالبعاد شحيح
تغيرتم عما عهدت من الوفاوودِّي علي مر الزِّمان صحيح
آحبابنا إن كنتم قد سمحتمببعدي فإنِّي بالبعاد شحيح
تغيرتم عما عهدت من الوفاوودِّي علي مر الزِّمان صحيح

[ [

محمد بن سليمان بن قتلمش بن تركانشاه البغداديّ, أبو منصور.

أصله من سمرقند، من اولاد الأمراء بمدينة السلام.

كان تام المعرفة بالأدب واللغة، وعلم العربية، وأخذ طرفًا من العلوم الرياضية، كان يفهم الحساب والهندسة والطب، وكان مفتونًا بالشراب، مصرًَّا عليه، خليعًا شاعرًا حسن الشعر.

وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر سنة عشرين وستمائة، ودفن من الغد بمقبرة الشونيزي.

أنشد أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي الواسطي، قال: أنشدني أبو منصور محمد بن سليمان لنفسه:] من البسيط [

لي في هواك وإن عذبتني آربيبقى السُّلوُّ ولو قطِّعت آرابا
ولست أبغي ثواب الصبر عنك ولوألبستني من سقام الجسم أثوابا
وشقوتي بك لا أرضى النعيم بهاوساعة فيك تسوي النار أحقابا

وقال عند موته:] من الوافر [

إلهي يا كريم العفو غفرًالما أسلفته زمن الشباب
فقد سودت الآثام وجهيذليلًا خاضعًا لك في التراب
فبيضه بحسن العفو عنيوسامحني وخف في حسابي
فقد أمسيت مسكينًا فقيرًاإلي ملكٍ غني عن عذابي

وقال أيضًا:] من السريع [

يا قوم ما بي مرض واحدلكنَّ بي عدة أمراض
ولست أدري بعد ذا كلّهأساخط مولاي أم راضي

وقوله أيضًا:] من السريع [

لا والذي سخر قلبي لها عبدًا كما سخَّن لي قلبها

ما فرجي في حبِّها غير أنتبيح لي عن هجرها قلبها

وقال أيضًا:] من الخفيف [

وهلال أسَّه البين دهرًازارني بعد أن تكامل بدرا
وحباني من وجنتيه بوردوسقاني من ريقه العذب خمرا
واعتنقنا شفعًا فلو عاينتنًامقلتا احولٍ رأي الشَّفع وترا

وله أيضًا:] من الكامل [

ومهفهف غض الشباب أنيقهكالبدر غصني القوام وريقه

نازعته مشمولة فأرادها .. من مقلتيه ووجتيه وريقه

وله من قصيدة عمرية:] من الهزج [

وقم نفترص اللذَّة فالوقت بنا يسري

وبادر رقدة الدَّهرفإن الدَّهر ذو كرِّ
ببكر عصرت عذراء في باكورة العص
عقار صانها العصَّار والنَّسران في الوكر
فشابت وهي لا تعرف غير الدَّنِّ من خدر
فلما حطبت لم ترض غير العقل من مهر
إذا ما حنيت ليلًاأرتك الليل كالفجر
فلا تسع بها سرًَّافسرُّ القصف كالجهر
فما الغبن سوي الصَّحوولا الغنم سوي السُّكر
وعين الحسر ان يحســب يوم الصَّحو من عمري

] [

محمد بن سعيد بن علي بن جعفر، أبو الفرج الآموصي

هو من آموصية، قرية تحت واسط بأربعة فراسخ من أعمالها.

كان رجلًا صالحًا من العدول، من أهل بيت علم وخطابة وقضاء بتلك البلاد، وكان حافظًا لكتاب الله تعالي، تاليًا له من المتدينين، وتوفي في صفر بآموصية سنة ثلاث عشرة وستمائة.

أنشدني جعفر بن محمد الخسرسابوري، بمدينة إربل في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستمائة، قال: أنشدني أبو الفرج محمد بن سعيد لنفسه:

] من الطويل [

نعم هيَّجت وجدي القديم على الرَّملديار خلت بالأثل عن ساكني الأثل
وقفت بها أبكي وقد بان أهلهاودمعي على خدِّيَّ ينهل كالوبل
فلو حمل الصَّخر الأصم عشَّية الــوداع وقد زمَّت مطاياها حملي
لذاب كما ذابت من النار شمعةوبدل من عزِّ الصلابة بالذل
خليلي عوجا نسأل الدار عنهملعل رسوم الدار تنبي عن الأهل
هل ارتبعوا من بعد رامة مربعًاوهل بعد ظلِّ الأثل مالوا إلي الظّلِّ
لقد كان قلبي قبل طارقة النوىوخليًا من البلوى سليمًا من الخبل
فعاوده الوجد القديم ونبهتدواثر أشجان به من هوى جمل
مطوَّقة بالبان ناحت ولم تذقبعادًا ولا باتت مروَّعة مثلي
إذا ما بكت ورقاء والإلف عندهامقيم فما حال المروَّع بالثكل
ألا فامنحوني سلوة أو فقصِّروا الــملام فما جدُّ المحبَّة كالهزل
علقت الهوى طفلًا وشبت ولم أشبوكم قد أشاب الحبُّ من عاشق مثلي

] [

محمد بن سليمان بن صدقة، أبو عبد الله الغنويُّ الدمشقيُّ.

سمع الحديث كثيرًا، وتأدَّب، وقرأ شيئًا من الفقه، وترامى إلي طريق الإرادة والمعرفة بالتصوّف.

أنشدني أبو الفضل العباس بن رزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن سليمان لنفسه:] من الخفيف [

منعوه عن الزيارة لمَّاعلموا أنَّني به مستهام
فسرى طيفه وقد رقد السَّامر وهنا تزفه الأحلام
فنعمنا بوصله لا عدمناهـ وكان السَّفير فيه المنام

] [

محمد بن صدقة بن سبتي بن هارون بن سليط بن رافع، أبو عبد الله الخفاجي البغدادي.

كان في دولة أمير المؤمنين الناصر الدين الله أبي العباس أحمد، وأحد شعراء حضرته، وله فيه قصائد كثيرة، وأدرك أوائل أيام الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد – رضوان الله عليهما -.

ومات يوم الاثنين منتصف شوال سنة اثنين وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن غربها بمقبرة الشونيزي.

وكان يحفظ حماسة أبي تمام، وكتاب أدب الكاتب لابن قتيبة، وله اعتناء بمطالعة كتاب الأغاني، وعلي ذهنه منه جملة، وكان جيد الشعر، كثير القول، صاحب بديهة.

أنشدني من شعره ولده أبو الحسن علي بن محمد، قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة:] من الطويل [

دوى غصن أيَّام الشباب وعودهاوما أنجزت ممَّن ألفت وعودها
وقد أوحشت بعد الأنيس ديارهاورثَّ علي مرِّ الليالي جديدها
وعهدي بها قبل الفراق أنيقةيطل الحيا أظلالها ونجودها
بروحي التي تجفو ويألف طيفهاوينأي ويدنو وعدها ووعيدها
تصدت لهجري بالصُّدود وهوَّنتوما الموت إلاَّ هجرها وصدودها
وقد أضرمت نار الأسى بين أضلعيفيا ليت من يلحي عليها وقودها
معرضة للحبِّ بعض جهاتهافما تنتهي عند الصِّفات حدودها
فللورد خداها وللغصن قدُّهاوللسحر عيناها وللظَّبي جيدها
وإن أصبحت في الحسن وهي وحيدةفها أنا في وصف الحسان وحيدها
وإن عصت الأغزال غيري فلم يزليطاوع فكري تومها وفريدها
أعلق بالمعني زمام بديهتيومدح أمير المؤمنين يقودها
إمام إذا لم تعرف النفس حقَّهفكفرانها عند الإله جحودها
حكي حيدرًا في جهده وجهادهفدانت شوس الملوك وصيدها
وعزمته يجري القضاء بحكمهافمن ذي الفقار حدها وحديدها
وإن حاربته عصبة في مدينةففي خيبر قد حاربته يهودها
ولو راض أرض الطّفِّ بالسيف عدلهلما زاد في ظلم الحسين يزيدها
ولو أدركت ذا الهدي ناقة صالحلما عقرتها بالضلال ثمودها
أطلَّت علي الأعداء منه سحابةيصعد أتراس المتون صعيدها
بوارقها لمع الظُّبي ودم العداحياها وخفَّاق النسيم رعودها
يشيِّعها من ولد يافث غلمةيشيب أذقان الكماة وليدها
فقد سجدت أسيافها ولحاظهاوقد ثقفت أرماحها وقدودها
أقم وأنتقم قسرًا قيامة عصبةتطاول عن حفظ الذِّمام قعودها
فإن حاربت قيدت إليك أذلَّةّتجاذبها أغلالها وقيودها
وإلا أذقها الموت صرفًا ففي الوغىبطون النُّسور والأسود لحودها
فذلك خزي في الحياة وقد غدستنضج في نار الجحيم جلودها

وأنشدني، قال: أنشدني أبي لنفسه، يرثي الملك المعظم أبا الحسن علي بن الناصر لدين الله – رضوان الله عليهما-:] من البسيط [

مضى كيوسف والدنيا زليختهكم راودته ولم يعطف على زلل
فمضىبقميص قدَّ من دبر ... عليه كلُّ قميص قدَّ من قبل

وأنشدني، قال: أنشدني والدي قولة في الناصر لدين الله:] من الطويل [

حكيت عليًَّا فطنة وشجاعًةوما منكما إلا إمام مكرَّم
فإن كنت قد أشبهته في فعالهفشنشنة أحيا بها المجد أخزم
وإن كنت قد نلت الخلافة مثلهأخيرًا ففي التفضيل أنت المقدَّم

وأنشدني، قال: أنشدني والدي لنفسه، فيه أيضًا:] من الطويل [

وأصبحت موسى فيهم إذ تفرعنواوصدقنا مال العفاة وكذبوا
فألق العصا حتي تلقَّف من عصىفكلهم بالطَّبع أفعى وعقرب

وأنشدني، قال: أنشدني والدي من شعره:] من الطويل [

خليلي هذي دار علوة أقفرتوقد غالها بعد الأنيس دثور
تعفت على مر الليالي رسومهاكما يتعفى في الكتاب سطور
إذا نسجت كفُّ الصبا في عراصهامن الرَّمل ثوبًا مزّقته دبور

وقال من قصيدة أخري، يمدح بها الناصر لدين الله – ﵁

] من الطويل [

جذذت أصول الملحدين فأصبحواكأنهم زرع وسيفك حاصد
فما خسروا إلا وجأشك رابحولا نقصوا إلا وجيشك زائد

] [

محمد بن عبد الله بن علي بن أبي غالب بن القاسم بن حرب بن أبي الفخار بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الحسن بن محمد بن جعفر بن الحسن بن علي بن أبي علي عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن ألي طالب، أبو عبد الله الموصلي الحسيني المعروف بابن الشجري.

هكذا نقلت هذا النسب مضبوطّا من خط محمد بن علي بن محمد العباسي.

وأبو عبد الله كان يحفظ القرآن العزيز، وشيئًا من شعر أبي الطيب المتنبي، وكتاب الحماسة

وكان شاعرًا ذكيًا، أخبرني والده أنّ ابنه توفي شابًا في العشر الآخرة من ذي الحجة سنة خمس عشرة وستمائة بالموصل، ودفن بمقبرة الجامع العتيق قبلية.

أنشدني والده أيضًا، قال: أنشدني ابني محمد لنفسه، يمدح المولي المالك الملك الرحيم بدر الدين والدنيا عضد الإسلام والمسلمين، ملك الأمراء شرقًا وغربًا أبا الفضائل، نصير أمير امؤمنين– خلد الله دولته_:] من المجتث [

جفت عقيب الوفاءوآذنت بتناء
خريدة طال ليليبها وعز دوائي
سمراء تحكي أعتدالًاللصّعدة السّمراء
وريقها العذب يحكيسلافة الصّبهاء
صدّت عشية صدّتعنء مقتلي إغفاء
وبات جفني قريحًامغرورقًا بالبكاء
وأيّ صب كئيبيبقي مع البرحاء
لله ساعة زارتفي ليلة ليلاء
وقد تغشّت عن القرب أعين الرّقباء
قصيرة بسروريطويلة بعنائي
قد كان يعثر منهاظلامها بالضياء
كأنّما عرفها عرف سيد الأمراء
أبي الفضائل رب الــأفضال الآلاء
جم المكارم بدر الدّيــن الجزيل العطاء
سما به الدّست حتىسامى نجوم السماء
فقد تطاول قدرًاعلى علا الجوزاء
فاق الملوم بعلموحكمة وذكاء
يهوى ارتجاع المثانيمثاني القرّاء
ما أمّ يم عطاهمن عاد خاوي السقاء
ولا أحتمى لحماهمن خاف للأواء
مولاي يا خير ذخرلشدّة ورخاء
ومن يأدنى نداهبلغت أقصى منائي
قوّمت بالأمن والعدل حدبة الحدباء
حتى تألّف ما بيــن ذئبها والشّاه

] [

محمد بن عبيد الله بن علّان بن زاهر بن عمر بن أحمد بن علّان بن زين الخزاعي، أبو جعفر بن أبي الفضل الواسطيّ، المعروف والده بالرواية.

وجدت نسيه بخط أبيه هكذا، ولقب بالرواية لأنه ذا حفظ تام لأشار العرب والمحدثين

سافر إلي بلاد الشام، وأقام بها مدّة طويلة، وامتدح سلاطينها وملوكها، وغيرهم

من الأمراء والرؤساء.

ثمّ قدم الموصل مريضًا، فمكث بها أيامًا يسيرة، ومات في الليلة التي صبيحتها يوم الأحد، سلخ ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة.

أنشدني إسماعيل بن الموفق بن نصر الحديثي الموصلي، قال: أنشدني محمد بن عبيد الله الراوية لنفسه، يمدح الملك الأشرف موسى، والملك المعظم عيسى ابني الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب بن شاذي:] من الكامل [

ضحك الزمان لنا وكان عبوسًالما ألتقي موسى الكليم بعيسى
بحران بينهما المعالي برزخمرج أجتماعهما فعاد أنيسا
فلكان في الدنيا يديران النّدىويصرّفان نعيمها والبوسا
أحييت يا عيسى المعظّم انفسًالو لم تزر زارت ثرى وشموسا
سبقت عصى موسى إليك فجبتهاطوعًا ولم تلك جامحًا وشموسا
فإلي جدا موسى تحب جيادناوإلى ندى عيسى نزمّ العيسا

وله وقد اقترح عليه أن ينظم قصيدة يلتزم في كل كلمة منها السين المهملة:

كان يومئذٍ بمدينة نابلس، ويمدح فيها الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب:

ساروا سحيرًا فسهادي خلسفسلهم سرًّا عسى يعرّسوا
وأستوطنوا بالسمرات مسكنًافالمستهام بالأسى موسوس
تسنموا الوعساء عسفًا وسروراوابلسوني فسروري مبلس
فسايرتني سورة مسقمةواختلستني والآسى مختلس
سمر بسمر وسيوف حرستوالسّمر بالسّمر السراع تحرس
أوانس لباسهنّ سندسوأستبرق ليس اللباس سندس
بسمن فاستضاء سدف سحرةومسن فالسرور سباه الميس

ومنها:

فاسد الآساد سمح ندسسموه عيسى خيسه نابلس
سميدع سن بحسن سيرةسيرة إحسان سناها قبس
عيسى كعيسى قدست أسماؤهفباسمه سما وسامى القدس
تقتبس الشمس سنى سموهوسيفه لباسه يقتبس
فالساحل الدّارس درس سيفهمنحسم ورسمه مندرس
أسود بسيبه وسليهوسيفه نفوسها تفترس

] [

محمد بن محمد بن الحسن، أبو الفضل المدعو بالأمين الأصفهاني.

كان أديبًا فاضلًا كاملًا في صناعة النحو والعربية، إمامًا في الآداب والفضائل.

أنشدني الشيخ أبو الرضا عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن صديق التبريزي الفقيه الشافعي، قال: أنشدني الأمير الفضل محمد بن محمد الأديب النحوي الأصفهاني لنفسه:] من الطويل [

جرحت شفاهي بالثنايا وكلهاأقاح وجرح الأقحوان سليم
ووجهك في عينيّ قد ذرّ ملحهفطاب ذرور الملح وهو أليم

] [

محمد بن علي بن نصر بن عبد الله بن البل، أبو المظفر الدوري الواعظ

منسوب إلي الدور بناحية دجيل من عمل بغداد، بها ولد ونشأ.

ودخل بغداد في صباه، وأقام بها، إلي أن توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان سنة إحدى عشر وستمائة، وكان مولده سنة ست أو سبع عشرة وخمسمائة.

وسمع الحديث على أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، وأبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ البغدادي وغيرهما، وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل – ﵁.

وكان حسن الكلام في الوعظ والتفسير، مليح الإنشاء للشعر، يعمل شعرًا مطبوعًا في المحاسن على طريقة أبي الفتح البستي، وكان صالحًا متعبدًا، ثقة سليم الصدر.

أنشدني أحمد بن جعفر بن الحسن الكتبي البغدادي، قال: أنشدني أبو المظفر الدوري لنفسه، يمدح الإمام الناصر لدين الله أبا العباس أحمد – ﵁.:

] من البسيط [

سرداق العزّ منصوب علي الفلكلأحمد الناصر المولى الفتى الملك
ذي العفو عن قدرة والحلم عن سفهلله من ملك في صورة الملك

وأنشدني، قال: أنشدني الدوري الواعظ لنفسه، فيه أيضًا:

] من الطويل [

لناصر دين الله نور نبوةهدى الناس من لألائه وأقتباسه
حوى فعل ميكائيل في وقت جودهوصولة عزرائيل في وقت باسه

وقال فيه أيضًا:] من مجزوء الكامل [

إنّ البرايا يا إمام العصر أمست من سوامك

والدهر رطب من نداك ومستهل من غمامك
ما إن يذمّ زمانهمن بات منه في ذمامك
إن المنايا والمنىما بين عفوك وانتقامك
والفقر يحدث من عبوسك والغني عند ابتسامك

وقال أيضًا:] من الخفيف [

علم في دجى الرّجا وشهابكلّنا في ضيائه واقتباسه
متلف للأموال في وقت جودوجواد للعفو في وقت باسه

وأنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي، قال: أنشدني محمد بن علي بن نصر الدوري من شعره:] من الوافر [

يتوب علي يدي قوم عصاهوأخافتهم من الباري ذنوب
وقلبي مظلم من طول ما قدجنى فأنا علي يد من أتوب؟
كأنّي شمعة ما بين قومٍتضئ لهم ويحرقها اللهيب
كأنّي مخيط يكسو أناسًاوجسمي من ملابسه سليب

وقال يعقوب بن علي بن يوسف الحكاك الموصلي، سمعت الشيخ أبا عبد الله محمد بن علي الدوري البغدادي، بها يقول من:

] من الخفيف [

ذهب العمر بالمنى فاستعدّوافالسعيد الذي هو المستعدّ
وانهبوا فرصة الحياة اختلاسًافممر الأنفاس فيكم يعدّ
والحياة الدنيا حليلة غدرما لها قط عند بعل عهد
وحياة المرء المفرط ضيفزائر مثل ما يزورك الورد
يا معاري الأعمار أنتم نياموالعواري عما قليل تردّ
لا تبيعوا ما ليس منكم له بــد بشئ فإن لكم منه بدّ
يا رفيع البنيان ما لك بيتيستحق العمران إلا اللحد
يا تجار الآجال لا ترخصوهاإن أثمانها هنالك خلد
إنما هذه الحياة قطاففاغتنمها فإن عمرك ورد
لو رأيت الودود والدود لا تسوحشت من نتنه وولى الودّ
أو رآه الأهلون وهو صريعقد علاه سيل الصديد لصدوا
أو لو أن الكلام أمكنة قال: أيا أحباباه أين العهد
أين ذاك الزمان والعيش صافولأيامنا علي القلب برد
أين تلك الأيام إذ نحن جمعًافي برود المنى نروح ونغدو

وهذا آخرها، وتسمي الصهيبية، لأن بعض أصحابي وهو ثقة اللسان، رأى في

منامه صهيبًا– ﵀– فاستنشده بيتًا لبعضهم، فقال: ما أريد من شعر الدوري، فقال: أنا أحفظ فأنشده:

يا معاري الأعمار

إلي قوله:

ياتجار الآجال .....

فسميتها الصهيبية، نفع الله بها قائلها والمسلمين أجمعين.

] [

محمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن يوسف بن حرب، أبو عبد الله الحلبي الخطيب البغدادي.

كان يتولى الخطابة بقلعة حلب المحروسة، بعد وفاة والده.

وكان رجلًا خيرًا فاضلًا، عارفًا بعلم العربية، حسن الشعر، حدث بحلب عن أبي الفرج الثقفي وغيره، وسمع أبا الرجاء بن حرب، وابن أبي الحواري.

وكان يقرأ علم العربية بحلب، ذكر ذلك كلّه لي القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن الحنفي- أدام الله سعادته – وقال: وكتب لي من شعره جزءًا بخطه وقرأته عليه.

وكانت ولادته ست وستين وخمسمائة، وتوفي ليلة الاثنين التاسع من صفر سنة ثلاث وعشرين وستمائة بقلعة حلب، ودفن يوم الاثنين، وصلّي عليه بمقابر مقام الخليل- ﵇ خارج باب العراق- رحمه الله تعالى-.

أنشدني الشريف أبو نصر بن أبي طاهر البغدادي الهاشمي، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد الخطيب لنفسه حين مات افتخار الدين عبد المطلب بن الفصل الهاشمي، وجلس مكانه أبو المعالي الفضل ولده، وأنفذها إليه:] من الطويل [

تولّى افتخار الدين عنّا فغمّنافلمّا تولى تاجه أقلع الغمّ
لئن كلم الدهر القلوب بفقدهفبالتاج زال البؤس واندمل الكلم
نجوم المعالي آل هاشم كلّماتصوب نجم للأفول بدا نجم
توخّاهم قاضي القضاة بهّمةبها أبدًا ماوال ينكشف الهمّ

وقال في غرض له:] من البسيط [

ليس الهجاء- أبين اللعن- من شيميولا السفاهة من قولي ولا القذع
لأنني إن هجوت النذل أرفعهوإن هجوت كريم الناس أتّضع

وقال يمدح الكمال بن أبي جرادة الكاتب الحلبي:] من الطويل [

إذا جال فكري في الكمال وجدتهسماء معال والمناقب زهره
وإن نظرت عيناي منسوب خطهتوهمته روضا تدبج زهره

وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن بحلب- أسعده الله تعالي- بمنزلة المعمور في شهر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: كنت يومًا عند شيخنا أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي- ﵀ لسماع الحديث، وقد جاءه الشريف أبو هاشم أحمد بن محمد الصالحي الحلبي ومعه رقعة فيها بيتان من شعره، وأنشدهما شيخنا أبا هاشم المذكور، وأنا اسمع والبيتان:] من الكامل [

من ود أن عدوه أعمي فليود بأن له عيونًا أربعا
ليرى كما لي باثنتين ونقصهبالأخريين فلا يزال مروّعا

فسألت شيخنا أبا هاشم عنهما، فقال: هما للشريف أبي هاشم، وأنا اقترحت عليه هذا المعني، فإنه معنى أحفظة في شعر الفارسية.

ثم اجتمعت بعد ذلك بالخطيب أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الحلبي، فأخبرني أن شيخنا أبا هاشم عبد المطلب بن الفضل اقترح عليه هذا المعني، فنظمه وأنشدنيه لنفسه:] من المسرح [

يا من تمنى العمى لحاسدهليت حسودى بأعين أربع
تنتظر ثنتاهما إلي نعم الــرحمن عندي ومجدي الأرفع
وتنظر الأخريان خستهوالنوك منه وحاله الأشنع
فما أرى لذة الحياة سوىكبت عدو وحاسد يقمع

وقال أيضًا:

عنّفي في حبه معشريولا مني فيه أودائي
وكيف أسلوه وهل غيرهيذهب بالهمّ وبالدّاء

وأنشدني أبو القاسم عمر أحمد أبي جرادة الحنفي, أنشدني الخطيب لنفسه أبياتًا كتبها, وهو بالبيرة يتشوق حلب وأهله:

يقر لعيني أن أروح بجوشنوماء قويق تحته متسرّبا
لقد طفت في الآفاق شرقًا ومغربًاوقلبت طرفًي بيتها متقّلبا
فلم أر كالشهباء فى الأرض منزلًاولا كقويق في المشارب مشربا
جعلت شعار الوجدبي بعد بعدكّمشعارًا ومجرّى مذهب الدمع مذهبا
لعلّ زمانًا قد قضى بفراقنايريني قريبًا شملنا متقّرربا

وقال أيضًا:

متى يظفر المشتاق منكم بنظرةتقرّ بها عين ويحيا بها قلب؟
أطلتم عذابي بالقطيعة والقلىوإن عذابي في محّبتكم عذاب
إذا كان حظّي هجركّم في بعادكموفي قربكم فالبعد سيّان والقرب

وقال أيضًا:

أذكرتني عهدك بعد النوىوالبين قد أرخى عنان الهوى
يا حاجرًا على حاجرولاويًا يندب سقّط اللّوى
لو كنت في دعوى الهوى صادقّاّقطعت بالسير وريد النّوى
وكنت كالشااهين في جوهإذا رأى ربّ هواه هوى
الحب ما قنّت صم الحشاكلّ طبيب جائد بالدّوا

وقال أيضًا:

ما رمت أمرآ ولا حاولت مطّلبًاإلا جعلتك فيه الأصل والسببا
أنت الي كلّ يوم ذر شارقهأبني به المجد أو أرقى به الرّتبا
ولا تزال مساعيك الطّوائل بيمعنّية أو أجوز السّبعةّ الشهبا

وقال أيضًا:

إغتنمو فرصة الزمان إذاجاءت بخير باق على الأبد
وبادر وافعلها ليومكمولا تروموا تّأخيرها لغد
فليس تدرون ما يكون غدًاوليس تبقى الدنيا على أحد

وقالأيضًا:

أخذ الوجد ما أشتهى من فؤاديمذ غدا القلب في يديك أخيذا
وسألت الهلالّ لم لحت للناس فأوما إليك: إ أخي ذا

وقال أيضًا:

كتبت درّآ وسفرت بدرًاوطبت فرعًا وكرمت نجرا
فعلاك حلب قد فضلتبغداد في علائها ومصرا
أنت العديم النّظر أو أبنهوأبن أبنه جلاله وقدرا

وأنشدني في القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة- أسعده الله تعالى-قال: أنشدني الخطيب أبو عبد لله لنفسه:

يا نسيم الريح هل أنت مطيقحمل ما أرسله القلب المشوق
كلّ يوم أنا في آثارهمماء دمعي ودم الصبر مريق
آه كم أحمل في حبهممن خطوب الوجد ما ليس أطيق
كلّ يوم لسنان الوجد فيلبتّي لمع وفي قلبي بريق

فالطفوا عدلآ وفضلاّ أنا مثلكم بالعدّل والفضل خليق

وأرفقوا رفق كريم راحمفالتعدّي بكم ليس يليق
بي سكرّ من غرام وهوىفمتى من ذا ومن هذا أفيق
قسمًا ما راق شيء بعدكملي وظني أنّه ليس يروق
فسلًام أنفاس الصّبايتمراّها غروب وشروق

محمد بن عثمان بن إسماعيل بن خليل, أبو بكر, السلماسيّ الأصل, المصري المولد.

شاعر متأدّب, صاحب شعر حسن, ونثر رائق.

أنشدني الأمير عمر بن أبي المعالي الموصلي, قال: أنشدني أبو بكر محمد بن عثمان لنفسه, ما كتبه إلى بعض أصدقائه, جوابًا عن رقعة تتضمن عتبًا على الآنقطاع:

وحقّ ما في قدود السمر من هيفيصبي وما في خدود الغيد من آس
وبدر تمّ سعى بالشمس في يدهعلى كواكب وسط الرّوض خلاّس
لدن المقلّد قد لانت معاطفهمن الدّلال ولكن قلبه قاسي
يقول يا برد ما تملي على كبديأن بت أشكو إليه حرّ أنفاسي
إني إليك لمشتاقّ ويعجبنيسعّي إليك على العينين والرأس
فلا تظنّ أنقطاعي عنك من مللفلست يوماّ لحقّ الناس بالناسي

وأنشدني أيضا, قال: أنشدني محمد بن عثمان من قصيدة أولها: [من الكمالي

ما حدّثتك نسمة بالأجرعهمّا لقيت من البدور الطّلّع
هب أنها ما حدثتك لريبةأفما سقّامي شاهد وتوجعي
فكذا بنا نحو الأثيل لعلّهيشفي الجوى شكوى الذي صنعوا معي
أنزلتهم بين الضّلوع بمنزللا يهتدي السلوان منه لموضع
قأضاع ودّي خائن عهد الهوىودّي الفداء لخائن ومضّيع
يا باخلًا غالطت فيه وسمتهردّ السلام ولو بطرف الإصبع
وسألته عطّفا على فلم أجدقلبًا يروق لذلتي وتخضعي
صلّ عاشقيك ولا تخف من بينهأولا فصن هذا الجمال ببرقع
وأبيك ما رضّعت در تغزّليإلاّ لدرّ في الثغور مرصّع
طمعت به عيني فبدّد جفنهاياقوت دمعي في الرسوم الأربع
فلأبكينّ ويا جفون تقرّحيولأندبنّ ويا حشاي تقطّعي

وأنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب التبريزي, قال: أنشدني أبو بكر لنفسه:

وما يطرفك من سحر ومن دعجما في السلو لمن يهواك من فرج
فما لوصلك لا تبدو بشائرهوقد بذلنا له الغالي من المهج
وما لقلبك لم يعطف على دنفصبا إليك فلم تعطف ولم تعج
يا هذه ما الهوى إلاّ الذي فعلتفينا لواحظ ذاك الأعيد الغنج
قد كنت في سعة من قبل بينكموها أنا اليوم في ضيق وفي حرج

ما تنطفي غلّتي يا من كلف به إلاّ برشف حميّا ذلك الفلح

ونقلب من خطّه, قوله من قصيدة أولها: [من الكمال]

أخذّت عليك يد الصبآبة موثقًاأنّ لا تهيم بغير ساكنة النّقا
فلذاك لا يصبوإلى وطن نأىعنه ولا يبكي الحمى والأبرقا

زمنها في الميح:

تبدي أنامله على أوراقهخطًّا يشاهد من سناه رونقا
كالدّرّ أو كالزّهر أوكالزهر أو كالعبقري منمّقا
وحديث ما يمليه من ألفاظهكالسّحر أو كالبابلي معتّقّا

وقال أيضًا:

يا ليلة قد تقضيت في هوى رشاأشهى إلى العين من نوم بها السهر
من قّبلها ما رأيت البدر معتقيولا سمعت بليل كلّه سحر

وله في معاتبة:

مكّاتبة لولا عذوبة لفظهاوحسن معانيها التي ملأت صدري
توهمتها البحر الأجاج لعظم مارأيت بها من نظّم در إلى در

وقال أيضًا:

ولست بمعطي الودّ من لا يودّنيولا صارف يومًا إليه عناني
ولو ذهبت نفسي عليه صبابةوجنّ منّ الأشواق فيه جناني

وله:

دعائي من ذكر العذيب وبارقفقد شاب من ذكر العذيب مفارقي
أروح بقلب للهموم مواصلوأغدو بجفن للفراق مفارق
أحن إلى برق من الطّور لامعوأصبو إلى طيف من الشام طارق
وكم قلت لمّا همّ قلبي بسلوةأتعثر يا قلبي بصبر منافق
وتطمّع أن تبقى على البعد عنهموذلك في شرع الهوى غير لائق
ومستعذب الألفاظ قاس فؤادهحماه التّجنّي أن يلين لعاشق
حوى وجهه روضًا فأصبحت في الهوىأهيم بأحداق له وحدائق
سقى الله ساعات أخذنا اجتماعنابها من يد الأيام أخذة سارق
وحيّا ديارًا إن نزرها نجد بهاطبيبًا لأسقام وطيبًا لناشق

وقال أيضًا:

خذوا بزمامي نحو أيام رامةوقولا لعيش بالشام يعود
فما العين من بعد الفراق قريرةولا العيش من بعد الفريق حميد
لحا الله هذا الدّهر يدني الذين لاأريد وينأى بالذين أريد
لئن قدمت يا عز أيام هجركمفإن وداداّ تعلمين جديد

وقال أيضًا:

قالّ لي صاحبي غداة رآنيولعت بي من الزكان خطوب
وسقتني صروفه الهمّ صرفًابمزاج تذوب منه القلوب
فالأسى حاضرّ وأهلي بعيدومحلى قفر وربعي جديب
راحتي راحتي تقصر عنهافمذاق الحياة ليس يطيب
كيف نشكو من الزمان أهتضامًاوالجواد منك قريب

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.