من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (٥)
وقال فيهم أيضًا:
يا سادة أرهف الزمان علىرتبتهم سيفه وقد ندما
لا تيأسوا في الضيق من فرجلا تشتكوا من زمانكم ألمًا
فليس بين المكروب والفرج الــعاجل إلا كبارق بسما
صبرًا على حكم حادث حكمتأسبابه في ديار من حكما
فأل طه لم يعد قسمهمعنهم ولم يبرحوا لنا قسما
لكم به أسوة وقدركمعال وإن كان دهركم دهما
سيرجع الدهر مبرمًا سببًاويضرب النصر ضاربًا خيما
ويكتب الله من سلامتكمحظًا ويجري بذلك القلما
وقال أيضًا:
هب النسيم فأجري نشر أهلهفعاود القلب من رياه بلبال
سقيًا لأيامنا بالدار حين خلتمن السواري رحيب الجيب هطال
ما كان أسبغ ما كنا على ثقةمن الزمان وغض الوصل ميال
ما أم سقب أظلته بمقفرةزيزاء يرقص في معزائها الآل
لها حنين إذا ما بالعراء أدركتسقبها ثم إدبار وإقبال
يومًا بأوجع من قلبي إذا خطرتخواطر الذكر فيه والأطيفال
وقال أيضا:
لأهملنك عن نفسي وإن تلفتشوقًا إليك وعن قلبي لو تلفا
حتى تعود من الهجران معتذرًاأو تنثني بالذي أنكرت معترفًا
وقوله أيضًا:
إذا تغير من ترجى إقامتهعن الجميل فكيف الظّن باللحّز
إذا الرياض تحامتها السوام فهليرجى لها الخصب من ديمومة جرز
إن دام هذا أين الفراق يوجد بيــن والتبن والتبر ثم الدّر والحرز
وقال أيضًا:
إذا كان المرء في ذات نفسهفليس له في العالمّين قبول
ومن كان لؤم الطّبع في ذات أصلهوبالفسق يسمو دهره ويطول
فلا تعذلوني في ولعي يعرضهفما ذاك من يحنو عليه عذول
ولي خاطر بالمدح والذم نافذبأفكاره في الخافقين يجول
محمّد بن نصر بن عقيل, أبو عبد الله بن أبي المظفر القرظي الإربلي.
من بيت مشهور بفقه وعلم.
كان فقيهً شافعي المذهب, قرأ الأصولين والخلاف, وتميز في ذلك, وهو بيت عريق في العلم والدين, ودرّس الفقه بإربل في المدرسة العقلية نيابه عن والده.
ثم خرج عن إربل ونزل آمد, ودرس بها الفقه مشتملًا, وكان يحضر درسه جماعة من الفقهاء المعتبرين, برهة من الزمان, ثم سافر عنها إلى عّدة بلاد, وشخص إلى مصر ممتدحًا بجائزة.
ثم عاد وهو على حاله يقصد الملوك بالشعر, وتردد إلى الموصل, وشغل نفسه بقول الشعر من صباه, واستقرّ قراره بدمشق, فجذبه الملك الأشر ف إلى منادمته, فترك ماكن عليه من الاشغال بالفقه والتدريس, وملابس الفتيا, وبزيّ الجند, ولميمكنه الخروج عن ذلك الزيّ لتعليقه بخدمة السلطان, وصار من جملة
ندمائه وجلساته.
وكان ظريفًا معاشرًا متأدبًا, له اعتناء بصنعة الدّوبيب, فاق بها كثيرا من الناس, وأشتهر عنه الكثير, وغنّى به القالون, وتوفي على تلك الحال- سامحه الله تعالى- بعد مرض سنتين.
وسمعت أنّهلما طعن في السّن, رجع الله تعالى, وقضى صلاته أربع عشرة سنة, وكانت وفاته يوم الثلاثاء أو الأربعاء الثامن من محرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق, ودفن بمقابر الصوفيه غربي المدينة- رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد بن الأنجب الإربلي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه, وكتبها إلى من بغداد سنة تسع وتسعين وخمسماة, وأنشدها لأبس الدر الرومي فاستحسنها, وكان بجامع القصر, وقال: لولا أنّني بالجامع لرقصت منها عجبًا:
وقّاتله رأت كلفي ووجديبإربل قد يرى جسديّ وأبلى
فريعي عند من أهوىّ هواهأحب إلى من نهر المعلّى
وأطيب لي من الدّنيا جميعًاوأعذب من نهر المعلّلى
وأنزه رقعة من نهر عيسىوأشرف بقعةّ عندي وأغلى
بها رشا عليه الحسن وقفيفوق النّيرين إذا تجلّى
بجفنيه جفون ماضياتبها يسطو إذا ما رام قتلا
غريب الحسن لو فكرت فيهلما نظرت له عيناك مثلا
كساني سقم ناظره وولىقّريرآ لا يراقب فيه إلاّ
وشرّدنى فها أنا ذا غريبوألبسني بعهد العز ذلاّ
أردد ناظري في كلّ وقتفلا خدناّ أراه لي وخلاّ
فقل يا خير من ناداه صبقتيلك كم بنار الشّوق يصلى
وكم قلب وكم فؤادسلبت تجنيًا وعقلت عقلا
أقول للاّئمين فيه تأيدوحسبك كف قد أكثرت عدلا
سقاني حبه فثملت منهفلا أصحو إذن حاشا وكلًا
أرى العبء العظيم أخف من أنيقولوا عن هواه قد تسلّى
فإن اك لا يفارقني هواهفشيء قد ربيت عليه طفلا
وقال أيضًا, الأمير العالم العادل ركن الدين أبو شجاع أحمد بن قرطايا- أدام الله أيامه-, قال: أنشدني محمد بن نصر بن عقيل لنفسه:
لا سقي من بعدك الطّللولام المنزل الهبل
بنت عن عين فلا أكتحلتبكرى أو ينجح الأمل
كلّ ربع لا تحل بهلا سقاه الصّيب الهطل
ومغان لا أراك بهاإقطعوا حبلى ولا تصلوا
كلّ شئ منكم حسنسائغ عندي ومحتمل
لا تقيسونى أخا كلففبوجدي يضرب المثل
رق لي يا من أؤملهوعليه الدّهر أتكل
كف ساطي اللّحظ عن دنفآفتاه الغنج والكحل
لا أبالي بالمنون إذاسالمتني تلكم المقل
وقال أيضًا:
شوقي إليك يجل عنإدراكه كلّ الأنام
فلفكرتي ولحيرتيفيه أقتصرت على الّلام
وله في اجتماع الملك الأشرف موسى, والملك الحافظ أرسلان شاه أبناء الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب, وأنشدنيها الأمير العادل ركن الدين- ثبت الله دولته- عن قائلها:
وكم قائل لي هل رأيت عجيبةّتعظيمها في حالة القرب والبعد
فقلت نعم ها قد حللت بمرشديريك سبيل الحّق والسّبب المهدي
أصخ تستبن عيسى وموسى وصنوهأرسلان أباب العلا وأولي المجد
فلا زالت الدّنيا إلى الحشر ملكهموأمرهم بالحل فيها وبالعقد
بمطلع سعد قد جمعن ومارؤيثلاثة أقمار ببرج من السّعد
كان أبو عبد الله محمد بن عقل, له على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل رسم, وكان يركب في المواكب معه, ويذكره برسمه, فطال عليه تردده, فقال في ذلك:
تسائلني عن شرح حالي وقصّتيوما قد ألاقي من نوى ونوائب
خذي شرح حالى بيّنا وأكتفي بهففي شرح حالي عبرة للنوادب
لكلّ من القصّاد ررفد موفّروما حظّنا إلاّ غبار المواكب
فوصلت الأبيات إلى الأمير بدر الدين, فوصله بما كان يصله به.
محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد بن أبي الفتح, أبو عبد الله المرزباتيّ.
ينسب جده إلى المرزبانية, التي من العلث, وهي غير المرزبانية التي ينهر عيسى, كذلك ذكر لي ولده عبد الحميد, وزعم أنّهم من أولاد عمرو بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي, قال: كان مولده في شعبان سنة خمس وثلاثين وخمسمائة, فاستوفى ثمانين سنة وشهرًا واحدًا وخمسة عشر يومًا.
وهو المعروف بسبط هداب, كان من أهل التصرف والحساب والكتابة, عارفًا بالحبر والمقابلة والمساحات, وتولى في عهد الناصر لدين الله- ﵁ أعملًا.
وينتمي إلى مذهب الإمامية, وله أشعار معظمها في التجنيس, ومات سلخ شهر رمضان سنة ستّ وعشرين وستمائة, وقيل يوم عيد الفطر.
أنشدني الياس بن توما بن عيسى البوزايجي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه, ما كتب إلى بعض الشرفاء العلويين:
إن رمت إبقًا وإنكارًا لحقكمفليس لي والدّ حرّ ولا خال
وكيف أنكر إنعامًا تملكنيوميسم البّر في وجهي له خال
ما قال هذا بنو هدّاب قاطبةّقلبي ولا حسبوا هذا ولا خالوا
وأنشدني, قال: أنشدني أيضًا لنفسه:
ماذا يريد الهوى مني وقد ذهبتشيبتي ومشيت الرّأس قد وخطا
فليمض عنّي فإني إن ولعت بهلقيت ربي بوزر موبق وخطا
عصيته والصّبا غض الأديم فتىأطيعه وزماني قّد عدّا وسطا
لا أقبل النصح منه حين ينصحنيولو توعّدني مستقمًا وسطا
وأنشدني, قال: أنشدني لنفسه, وهي مسألة في الجبر والمقابلة:
مدينة حاضرها معسكروسورها مدرهم مدنّر
وبين كلّ فارسين منهمقدر ذراعين كما قد ذكروا
فافتتحوها عنوة واقتسمواأرضًاحواها سورها المدّبر
فكان سهم فارس مخاصمًاسبعا وسبعين ذراعا مكسر
فكم يكون سورها وقطرها وكم يكون يا حبيبي العسكر
فإن أتيت بالجواب شافياأصبحت في الحساب ممّن يشكر
وأنسدني, قال: أنشدني أيضًا لنفسه من أبيات قالها في الظاهر بأمر الله- ﵁:
بكرت تؤنبني وتشده خاطريوتلومني لتعسفي ومفاقري
وتقول كم هذا التغرب والنوّىمااآن أن تلقى عصاّ لمسافر
فأجبتها لا تجزعني وتوكّليفالرّزق يأتي من مليك قادر
قد عنّ لي أحوز به الغنىبتمسكي بأوّاصر أبن النّاصر
وأنشدني, قال: أنشدني أيضصا لنفسه:
وأقسم بالأبرار من آل أحمدآلّيه حر طيب الأصل واللّبن
لأني إلى رؤياك في كلّ لحظهأحسن حنين الغئبين إلى الوطن
أنشدني, قال: أنشدني أيضًا قوله:
وأقسم بلأبرار من آل أحمدآلّيه حر طيب الفرع والأصل
لأني إلى رؤياك في كلّ لحظةأحن حنين النّازحين إلى الأهل
محمد بن حياة بن يحيى بن صدقة, أبو عبد الله الخابوري الشيباني المجدلي.
المعروف بالحيص بيص, لقب نفسه بذلك, لسلوكه طريقة الحيص بيص الشاعر أبي الفوارس.
صحب أبا الحرم مكي بن ريان الماكسي, وقرأ عليه النحو والأشعار, وفن الأدب, وكان شاعرًا يتعاطى الصناعة في نظمه, ويمتّ بعلم العروض والقوافي, ومات بنصيبين في العشر الوسطى من شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر بن الدبندار الوسطي الشاعر قال: أنشدني ابو عبد الله محمد بن حياة لنفسه, يمدح فلك الدين بن الميري:
هبني كتمت صبابتي وهيامياني ودمعي فوق خدي هامي
حلّت عقود الدّمع لوعة مغرمواشبّها في الخد وقد ضرام
كم عبرة مشفوعه أرسلتهامشفوعة أفرادها بتؤام
لا تسألو صّواب السّحاب فأدمعيكلفت لكم منها بفيض غمام
إيه عن الاطان ما شعفي بهاإلا لعظم تحر في وهامي
يا نازحين لعبرتيوالنازلين منازلي وخيامي
إني أبثكم جوى حملتهاوهى أقوى جلدي وفتّ عظامي
وملاعب قضيت أيام الصًبافيها وروض اللهو غض نامي
فعلى مرابع دجلة الحدباء فالــجسرين فضل تحيتي وسلامي
أيام أسحب في الغوية في طرفيطربًا وألبس مطرف الاثام
أختال في برد الشباب وأجتلىثغر الحباب من أنتهاب مدام
حمراء كالقبس المنير بها أهتدىمن ظلّ في كفر عن الإسلام
وأغن منها في يديه أساورولجيده بالدرّ عقد نظام
إني سأدّرع الدّياجي والفلاوأخوض كلّ مهامه ومواميّ
وأصدّ عن ورد يشأب بذلّةوأعود عنه بغير نقع أوام
والود بالفلك الوزير ومن لهيومان: يوم ندّى ويوم حمّام
الوهب البدر النّضار وعاقرالكوم العشار بذابل وحسام
معطي الجزيل مغرسين سوالهكرما ولا يصغي للآم ملام
حاط المملك عزمه فأحلّلهاما بين كيوان إلى بهرام
ما إن يهاب الخطب عند حلولهرأس يناط بيذبل وشمام
ذو مفخر لو لبست شمس الضّحىمنه السّنى لم تشمل بظلام
حلّ الحضيرا فهي كعبة حجّناوبها طواف السّعي والإحرام
وكمكّمة أضحيت ولولا وردهاعذاب لقلنا زمزم بمقام
يا أيها المجرجو من دهر غداونوازل توهي الجليد جسام
ما ديمة وطفاء يحدوها الصّبامشفوعة بالهطل والإرزام
فوراء سارية همت بمرابعفيح محلّ الغيد والآرام
جادت بنوء المرزمين فغادرتغدر الحمائل بالنصاف طوامي
سحبت عليها السحب أذيال الحيافقتحن بالآكام كلّ كمام
/ ب/ضاعت بمسكي النسيم معطرًاوتأرجت بشذا ونشر خزام
سقيًا لدّهر جادلي بلقائهحتى شرقت وقادني بزمامي
أنى يحلّ فكلّ ربع مخباومتى يصول فكلّ قرن دامي
لا زالت الأيام تجري بالذيتختاره في سائر الأيام
وأنشدني عبد الرحمن بن عبد الله الصقيل الشاعر الموصلي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه في غلام نحوي:
ومهفهف خفضت عوامل حسنهحظي ورحمته جفاه وصده
يا حضرة المعتل بل يا حظّي الــمنقوص أنى جاز عندك مده
محمّد بن عبد العزيز بن القاسم محمد بن عمر بن سليمان بن الحسن بن إدريس بن يحيى العلي بن عليّ العالي بن حمّود بن ميمون بن أحمد بن عمر بن عبيد الله بن عمر بن أدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبي طالب, أبو جعفر الأدريس الحسني المصري.
وجده المعتلي, هو الخارج بالغرب, والمستولي على بلاد الأندلس.
وأبو جعفر: نسابة الأشراف بالديار المصرية, وصنف في علوم القرآ ن والأحاديث النوبة, واللغه العربية والتوريخ, وفنون الآدب والعلوم, مصنفات
جليلة. وله منثور ومنظوم, ومزدوج وجز ومخمس, وخطب ورسائل وشعر كثير.
وهو منآية العلماء في عصره, كبير الشأن, عالم أظفر بشئ من شعره إلى ما اذكره.
انشدني أبو حامد بشر بن حامد التبريزي الفقيه الشافعي, قال: أنشدني الشريف أبو جعفر الحسني لنفسه:
كلّ العلوم سوى علم الكتاب ومايروى عن المصطفى وسواس إبليس
وللنصوص سيوف قط ما ضربتإلاّ وطارت بها روس المقاييس
ومالكفيما ذكرت ما ... أدري لهذا خلافا لأبن إدريس
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلت, قال: أنشدني الشرف أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الأدريسي يصف كتاب [دلايل]
الأحكام الذي صنعه القاضى بهاء الدين بن شداد:
بدلائل الأحكام ذي الإحكامعلمت معالم شرعة الإسلام
وتبين السنن الذي وضحت بهسنن الهدى منشورة الأعلام
وتألقيت أنواره للمهتديوتدفقت أنواؤه للظامي
تصنيف من بهر الأئمّة علمهوأختص بالإجلال والاكرام
قاضي القضاة أبي المحاسن يوسففخر العراق جميعه والشام
محمّد بن مسلم, أبو عبد الله الأسدي المعروف بالفارقي.
الفقيه الأديب المقرئ.
أخبرني أنه ولد بماردين, ونشأ بمياّفارقين برهية من الزمان, وذلك عرف بها.
قال أبو المجد ابن باطيش في كتاب طبقات الفقهاء الشافعية: انحدر إلى العراق, وقرأ القرآن العزيز بواسط, وتفقه ببغداد بمدرسة الخلفة الناصر لله, بالجانب الغربي على الفخر النوجاني. وقرا ايضًا بها الأدب, وصعد إلى الموصل, وصحب بها الشيخ أبا حامد محمد بن يونس بن منعة بن مالك الموصلي الفقيه المدرس الشافعي, والشييخ أبا الحرم مكّي بن ريان بن شبة الماكسي النحوي, وتميز في الفقه والأدب, وانتهت إليه المعرفة بالقرآن العزيز, وحسن آدابه, وتفرد بجودة التلاوة, وحسن الأداء.
وأشتهر بالموصل, وتصدر للإقراء وانتشر صيته, وكان يقرئ القرآن والأدب وغيرهما من علوم الشريعة.
وكان حسن السيرة, ظاهر النسك, لم يزل على ذلك إلى سنة سبع وعشرين فحجّ إلى بيت الله تعالى, وقضى الحج ورضي من مدينة النبي ﷺ في عوده, ولم يزل مريضًا إلى أن توفي بالنجف ليلة الإثنين ثاني عشر المحرم سنة ثماني وعشرين وستمائة, ودفن بمشهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه-ز
وعمل أبياتًا ضمنّها كتابًا كتبه إلى الأمير أبي الفضل شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله- نائب الأتابك شهاب الدين أبي سعيد طغريل بن عبد الله بن الطاهري- بحلب في مدح الاتابك- وكان محساناً إليه, يبره ويتفقده مع بعد الدار, ويعتدّ ببركته, ويرغب في دعائه وهي:
يا طالبا بحرآ يجود على الورىعذبًا فراتًا نيله مبذول
عرج على حلب ويّمم منزلافيه شهاب الدين ذاك السول
ما زال مذ عقدت يداه إزارهيسمو إلى دوح العلا ويطول
حتى تنزّ منزلًا لورامهفلك الزّمان لفاته المأمول
لله در يديه ما أنداهماسيف الأله على العدا مسلول
الله أسأل أن يديم بقاءهمترقّيًا وحسوده المقتول
قال أبو أحمد المجد: نقلت هذه الأبيات من خطه, وهي كما ترى.
وأنشدني أبو عبد الله بن الخضر الموصلي المقرئ, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
قل لسكّان الحمى أين مضوافعليهم من محبيهم سلام
فارقوا فاتّقدت بين الحشانار وجد تتلظى وغرام
آه من صرف زمان غادرجار في الحكم رزاياه تؤم
محمّد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب, الملك المنصور ابو المعالي بن الملك المظفر أبي المناقب- صاحب حماة-.
ولي حماة في سنة سبع وثمانين, وتسلّم وما كان لأبيه بالشام, وهو شيخ المعرّة وحماة وسلمية, له تصانيف, منها تاريخه الكبير الموسوم "بمضمار الحقائق في علوم الخلائق", واختصر كتاب"الشامل" لابن الصباغ في الفقه, وله كتاب في أسماء شعراء عصره.
وكان أوفى الملوك في وقته, سياسة, وذكاء, وفضلًا قد قرأ الأداب, وتميز فيها, ودرس المنطق, ومن مصنفاته كتاب " در الآداب في التأريح" أيضًا, وكتاب"شغف وطرب" في حق العاشق والمعشوق, وكتاب"طبقات الشعراء", وأشعار كثيرة مدونة.
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة, قال: أخبرني من رآه أنه كان قليل العلم, وأنّ التصنيف بعيد منه, وكذلك قول الشعر, وكان يدعيه.
وقيل إنه استخدم جماعة يصنفون له التصانيف, وكان يأخذ نفسه بعلوم الأوئل والحكمة, وكان كردبازوه مولى أبيه قد استولى على منبهج, وحجر على ذرية والده الصغار, فافتتحها الملك المنصور في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وخمسمائة, واستنقذها منه وأخرجه عنها.
أنشدني أبو بكر محمد بن نصر الله الدمشقي الشاعر, قال: أنشدني الملك المنصور لنفسه:
قسما بمجدك إنه لعظيمما العيش إلا القرقف المختوم
وسماع مطربة بلحن مطربيصيبو إليه البابلي الريم
وأنشدني أيضًا بمحروسة حلب يوم الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة خميس وثلاثين وستمائة, قال انشدني الملك المنصور أبو المعالي لنفسه:
حيّا المنازل من قلبي صوراناحيًا بنا كرّرها سحًا وتهتانا
فهي الدّيار التى تحوى مرابعهامن الكواعب أقمارًا أغصانا
كواعب بفنون من محاسينهاتهز أعطافها بالدّل افنانا
فهل قدود دماها أم مثقفةتضحى لأسيافها الأجفان أجفانا
وما تريك بنودآ من ذوائبهاحتى تربيك من الآلحاظ خرصانا
من كلّ سمراء في سمراء قامتهالدى تعطفها ما بخجل البانا
وللشباب جنى ورد بوجنتهاماء الحياء به كم شب نيرانا
وفوق غصن الّنقا من دعص قامتهاإذ قام تحسب بدر التم هيفانا
تهز رمحا له من طرفها طرف فلا عدمناه فتاكًا وفتانا
خود غدا ردفها الريان ذا شبعلمّا غدا خصرها الظّان غرثانا
تسقيك من فمها راحًا معتّقَةومن سوالفها تجنيك ريحانا
ويوم أضحكها من لؤلؤ نسقبكيّ طرف بدمع فاض مرجانا
فارقتها ومناي لو يلائمنيبعد السّهاد رقاد فيه ملقانا
فطيفها لو إلينا نائيةأهدى تحيّتها وهنا لأحيانا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني الملك المنصور لنفسه في النسيب والغزل من قصيدة أولها:] من البسيط [
سح الدّموع فإنّ الحيّ قد بانواوأقفر الصّبر لمّا أقفر البان
وأسعدني بوجد بعد بينهمفالشّأن لما نأوا عنّي له شأن
وخبّرا أهل ذاك الحيّ من إضمبأنني ساهر العينين حيران
وأنّني من غرامي واله ذنَفوفي فؤادي على الأحباب أشجان
لا درّ درّ اللّيالي بعد فرقتهمولا سقى الغيث ربعًا عنه قد بانوا
إن كان خان حبيب كنت آلفهفما أنا في الهوى للعهد خوّان
سأذكر العهد من نجران بعدهموأين ممّن ثوى بالشّام نجران
إقر السّلام علي من كان لي سكنًاأيام كنا وهم بالغور جيران
ففرقت بيننا الأيّام عن كثِبوحال من دوننا قفر وكثبان
وأذكر العهد من سلمى بذى سلموالعيش صاف ودار القوم نعمان
فإن نأوا عن سواد العين مذ طعنوَافإنهم في سويدا القلب سكّان
أحبابنا إنّني ولهان بعدكموحامل الحب طول الدّهر ولهان
وإنّني منذ غبتم ليس لي جلديا ناز حين على الأيّام عتبان
إن كان قد نسيوا وصلي ببعدهمفما أنا للذيذ الوصل نسيان
يا ظبية البان هل وصل نسر بهلتنجلي بلذيذ الوصل أحزان
تعطفوا وارحموا صبًا بكم كلفًافدمعة إذ حرى بالشوق غدران
لا تبعثوا في نسيم الريح نشركمفإنّني من نسيم الريح غيران
عودوا بعود زمان كان منشرحًافها أنا بكؤوس الهمّ نشوان
لا تشمتوا حاسدًا يختار فرقتنافإن إحسانكم للصبّ إحسان
طعنتم ففؤادي في طعائنكممعذّب مذ سرت في البيد أظعان
كيف السلوّ ولي صبر يغالبنيوفي الهوادج أقمار وأغصان
سقاكم الغيث من قبليّ كاظمةسحّا وروّى ثراهم أينما كانوا
وأنشدني أيضًا، قال: أنشد الملك المنصور لنفسه في المعنى المذكور:
] من البسيط [
سار الحبيب فدمع العين مدرارلا استقلّت بهم للبين أكوار
وخلفوني على الأحزان منهمكاعندي من الوجد آيات وأخبار
وفي الظّعائن من قحطان لي قمركأنّما لحظة للفتك بتار
يا ظبية البان مالي عنك مصطبروفي حشاي وجفني الماء والنار
كيف السّلوّ عن الأحباب مذ ظعنواوفي فؤادي صبابات وتذكار
يا راحلين وفي الأحشاء قد نزلواوغائبين وهم في القلب حضّار
وأفدي غزال نقًا تصمي لواحظةوفي وجهه لي جنات وأنهار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه الغزل:] من الطويل [
عليك لقلبي لوعة وغليلوأحوال وجدي فيك ليس تحول
وبين ضلوعي منك داء كآبةأقام بأحشائي فليس يزول
وما نال تبريحي كثّير عزّةولا ذاق وجدي عروة وجميل
وطلت على مجنون ليلى صبابَةبها تقصر الأيّام وهي تطول
ويا حبّذا قرب الديار الّتي بهاظلال وصال الغانيات ظليل
ديّار تصح الرّوح في عرصاتهاإذا هبّ فيها الرّوح وهو عليل
وتمنحنا فيها الغرام عقائلفتسلب منّا بالغرام عقول
وبيض الظبا تستلّها من جفونهاظباء على أسد العرين تصول
فأعطافها إما تهزّ ذوابلوالحاظها أنّى تسلّ نصول
وفيها مهاة صاغها الله من مهًابأعطافها ماء النّعيم يجول
لها كفل سال وخصر متيّمفذا منعم راب وذاك نحيل
ترنح منها بالدلال شمائللألبابنا منها تدار شمول
ومن ظلمها المعسول وهو ممنّعبماض من الألحاظ وهو كليل
تحوم القلوب الصاديات من الأسىعلى سلسبيِل ما إليه سبيل
وفوق محيّاها ترفّ خميلةبنور جمال ما لديه جميل
وهيفاء أمّا خدها فمورّدأسيل وأما طرفها فكحيل
أجود لها بالنّفس وهي بخيلةعلي بوصل ما إليه وصول
فتاة لديها من سني الشّعر بارقله وابل من مقتليّ هطول
يحبّ فؤادي طرفها وهو قاتل.... بحب السّيف وهو صقيل
فلا زال معناها بطيب تحيّتيتمرّ عليه شمال وقبول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل:] من الخفيف [
أيّ دمع يوم الفراق أجاباأيّ قلب يوم التفرّق ذابا
أيّ حزِن أصابنا يوم بانواأي صبر يوم التباعد غابا
شاب قلب المحبّ في الحب لماأن رأي مفرقي من الحب شابا
هل إلي الوصل من سليمي سبيلوسليمى بوصلها تتغابى
صاب قلبي من الحبيب سهامتركت عيشتي من الهجر صابا
كلّ وصل سوى وصال محلكوأرى لذة الوصال عذابا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل أيضًا:] من الطويل [
لعينيك في قلبي الكئيب ندوبوما لسقامي في هواك طبيب
وحيّا الحيا هيفاء أما قوامهافغصن وأمّا ردفها فكثيب
أحن إليها كلما هبت الصّباوما آن من شمس النهار غروب
وحيا محلًا أنت فيه مقيمةسحائب أجفان عليه تصوب
وأنت الّتي لولاك ما جئت زائرًاولا خلبتني زينب وخلوب
وعندي من الأشواق ما لو شرحتهالقصر عنها مالك وحبيب
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل من كلمة أولها:] من الطويل [
خليليّ عوجا نحو سلمى فسلّمافقد تركتني في هواها متيّما
قفا علّماها ساعة كي ترق ليفما علّم الإنسان إلاّ ليعلما
وقولا لها إرثي لصب فإنهغدا بكم دون البرية مغرما
وحنّي عليه وارحميه فإنهحقيق بأن يحنى عليه ويرحما
ولا تقتليه بالقطيعة والجفافإن دم الإنسان أضحى محرّما
وها هي قد أضحت تصيب مقاتليوقد فوقت نحوي من اللحظ أسهما
إذا حدثت فالدر تبديه ناثرًاوإن بسمت فالدر تبدي منظّما
وقائلة هذا الجنون إلى متىفقلت إلى إن يرجع الضوء مظلما
وقلت لها لا تكثري اللّوم للفتىفمن لام صلًا في الهوى كان ألاما
فقالت/ دع الأهواء إن كنت عاقلًاوشمر إلى العلياء كفًا ومعصما
فقلت لها: أنّي إلى المجد سابقوأعجز في العلياء قيسًا وجرهما
ولا بدّ ما أسلوا عن البيض والدّمىوأكلف بالبيضات والبيض الدّما
فأنفق في العلياء مالي وإنّماتعيمي أن أغدوا على النّاس منعما
فما أنا ممّن يجعل الجود مغرمًاولا أنا ممّن يجعل البخل مغنما
سأشغل نفسي بالمكارم والعلاواجعل لهوي مشرفيًا ولهذما
ولا بدّ أسطو بجيش عرمرمأفل به في الكفر جيشًا عرمرما
فأعمل رمحي أو أرأه مقصدًاوأعمل سيفي أو أراه مثلّما
لأظهر حقًّا أو لأخفي باطلًاوأنصر دينًا قد أتانا من السّما
وأنصر دين الهاشمي محمّدعلي كل دين في الورى متحكّما
وأنشر ما أضحى من النصر طاويًاوافتح ما أمسى من الأرض مبهما
وأبني للإسلام بيتًا مشيّدًاكما شاده الكفار أضحي مهدّما
وأسهر أجفانًا من الشرك دائمًابضرب غدا للمؤمنين مسوًاما
لئن كان عصري في العصور مؤخّرًافإني أغدوا في المعالي مقدّما
أنا الفارس المعروف أعزى وأتنميإلى آل أيّوب وهم خير منتمى
هم القوم ما من مالك أو معظّمعلى الناس إلّا قد غدوا منه أعظما
مظفّرهم في الجود والبأس والنّدىوأقدمهم يوم الوغى متقدّما
وما زال في يوم الجلاد مجالدًابسيف غدا للمشركين مكلّما
فمهلًا بني الإفرنج إنّي معيدهاعليكم كحطّين الأولى وكأنّما
فمن كان بالبيض القواضب ضاربًافلابدّ أن يرقى من العزّ سلّما
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الغزل من قصيدة أوّلها:] من الطويل [
سقى الله أيام الصّبا ما يسرّهاوشرخ شبابي عند غيرك شافع
وحيّا ليال قد تقضّت بقربكموروّى ثري تلك الربوع المدامع
وإني لمشتاق إلي حسن وجههاويمنعني عنها أسود موانع
عسى الدهر أن يقضي بطيف خيالهاومن لي بأيّام مضين رواجع
وعمري بها حتّي الممات مذلّةقياليت شعري ما الّذي أنا صانع
وهاتفة بالبان وتشجي بنوحهافما هجعت شوقًا ولا أنا هاجع
فلله ما هاج الهوى من هديلهاولله ما تحنو عليه الأضالع
فسرّي بمن أحببته لا أذيعهفلا يطمعن في ذاك ما عشت طامع
وقلت وقد أبديت وجدًا وحسرًةوقد غيّبت عني بدور طوالع:
سلوا مضجعي عنّي وعنها فإننا .. رضينا بما تخبرن عنّا المضاجع
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في الرجز:] من الرجز [
يا من يساميني ويذكر أسميفإنّي من قوم كراِم شمّ
بحار علم وجبال حلمفمن كلّ ذي بأس شجاع شهم
يذب عن هام العلا ويحميفيسعى إلى الغنم بها بالغرم
في رتبة فوق السّها والنجمفبلغتها قبل بلوغ حلمي
أنبيك عن معرفتي وفهميفإنّ علوم ذا الورى من علمي
وحزمهم قلامة من حزميقولي لسان قوله كالسّهم
ينفذ بالصخر الصّلاب بالصّمّفولي يد مثل السّحاب تهمي
على العفاة بالنوال تهميفينتعش العافي بها وينمي
يسبح من عظائها في يمّفولي حسان مشرع في الجسم
يكلم قبل ضربه ويدميفطوبى لمن حاول يومًا سلمي
رب حسود لي ولا أسمّيفيهرب من سهمي حين أرمي
أغفل عنه عفلة الأصمّولا يمر قلبه بوهمي
لو حلّ من خوفي محل العصمفإذا سمت في شاهق أشمّ
أدركه بهمّتي وعزميفأظلمه ولا يطيق ظلمي
ومن محلّي في العلا وعظميإنّي من نسل ملوك شمّ
أيوب جدّي يا سديد الفهمفويوسف خير الرايا عمّي
من مثلنا في عربها والعجمفبجدّنا نعلو فويق النّجم
] [
محمّد بن أبي بكر بن عليّ بن شابي، أبو عبد الله الموصليّ
الفقية الشافعيّ المدرس المفتي في العلوم الشرعية المعروف بابن الخباز.
كان والده خبازًا من العامّة، واصله من بلاد العجم.
ونشأ أبو عبد الله محبًا للعلم، راغبًا في تحصيله، ودروس الفقه على الشيخ المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلى، وعلق عن المسائل الخلافية، وبرع في ذلك وتمهّر، وتولّي إعادة درسه، وجدّ واشتغل حتي فاق أبناء عصره، مذهبًا وخلافًا، وأصولًا، ونظرًا.
وهاجر إلي مدينة حلب واستوطنها، إلي أن مات بها، واتصل بقاضي قضاتها أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن شداد الموصلي الأسدي، فأكرم مورده، وأقبل عليه إقبالًا لم يقبله على أحد من أبناء زمانه.
وكان يحضر درسه، ويناظر في مجلسه، فيحسن ويجيد، حتي يعجب الحاضرون من حسن عبارته، وجودة بيانه، ورحل صحبته إلي الديار المصرية حين سار إليها رسولًا، وفوض إليه تدريس المدرية التي أنشأها الأمير أبو الحسن علي بن سليمان بن جندر، تحت القلعة المحروسة، وكان يلقي بها علي فقهائها في كل يوم
ثماني دروس من علوم متعددة، ما لم يذكره أحد الفقهاء المجودين، مع كمال فصاحته.
وكان من وجوه الفقهاء الشافعية في وقته، ورؤوسهم في أيامه، وإليه انتهت جلالة الفقه الشافعي في معرفة أصولة وفروعه وأحكامه، وأقرّ بفضله والموافق والمخالف، وكانت فتاويه تنبئ عن غزارة علمه، وفرط ذكائه.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن بمقبرة الجبيل، شمالي القلعة- ﵀ وكانت ولادته بالموصل في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
وكتب إليه الضياء بن المغربي، وكان مريضًا يعاتبه:] من السريع [
لو غاب من أصحابنا واحدمن ملّة العلم افتقدناه
كذا عهدنا النّاس من قبلناوالناس أمثال وأشباه
فقد تألّمنا ولم تسألواعن حالنا حسبكم الله
فأجاب أبو عبد الله بن الخباز:] من السريع [
يا من إذا غاب محياهغاب سروري يشهد الله
خادمك الدّاعي لم ينقطععنك لإهمال وحاشاه
وقاك ربّي ووقانا الّذينحذره فيك ونخشاه
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي بحلب، أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي بن شابي الموصلي لنفسه، بطرق مصر، في منزلة يقال لها الجديدة، في صحبة بهاء الدين أبي المحاسن بن شداد، فاختار بهاء الدين علي الجماعة أن يعمل كل منهم في مرج المنزلة شيئًا، وقد نزلوها ضحى، فقال أبو عبد الله بن الخباز:] من الكامل [
لله حسن مقيلنا في روضةتحكي خلائق يوسف بن تميم
بسطت بساط زمرّد وطرازهنهر من الكافور والتّسنيم
فكأنّنا في جنّة قد عجّلتمن فضله في نعمة ونعيم
محمَّد بن إبراهيم بن أبي عبد الله بن هنديٍّ، أبو عبد الله المازنيُّ البكريُّ.
كان جدُّه قاضيًا بحمص، وأصله من طرابلس، فلما تملّكها الفرنج- خذلهم الله تعالى- انتقلوا إلى حمص، فسكنوها وتولوا بها القضاء إلى الآن.
وأبو عبد الله/ ب/ هو في خدمة الملك الناصر، ناصر الدين بن جنديّ، وهو من أهل الفضل والشعر.
أنشدني الأمير أبو حفص عمر بن أسعد الموصلي؛ قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه سنة تسع وعشرين وستمائة بالديار المصرية؛ قال: قلت في الملك الأشرف لما أبلَّ من مرضه، وكان بالرّقة:
سألت الفرات وقد أظهرتبشاشة وجه وكان عبوسا
ابيني بقدرة مجريك ليفقالت: تعافى أبو الفتح موسى
وحدثني الأمير أبو جعفر؛ قال: حدثني أبو عبد الله؛ قال: كنت قاعدًا في مجلس الأمير زين الدين يعقوب بن الحمصي بالقاهرة في دار مظفر، وقد قدمها رسولًا من الملك المجاهد أسد الدين شركوه بن محمد بن شركوه بن شاذي- صاحب حمص- إلى خدمة الملك محمد، فناولني قدحًا، فقبلت يده؛ وقلت:
/ أ/ وكم من يد قبلتها... ... ....
ثم فطنت إلى ما قلت؛ فسكتُّ ولم أتمّ البيت، فسألني أن أتمّه لأنه كان يحفظه، وألح عليّ إلحاحًا شديدًا، فلم أجد بدًا أن قلت بديهًا:
وكم من يد قبَّلتها دام بطشهابأعدائها والدَّهر يسعدها معا
سعى قاصدًا يبغي نداها إجابةًفنادى الندى يهنيك يا ساعيًا سعى
قال: فأعجب زين الدين يعقوب ارتجالي، وأعطاني خلعة نفسية، ودراهم ناصرية.
وأمّا البيت المشهور الذي همَّ بإنشاده، ثم سكت عنه، فقول الشاعر:
وكم من يد قبَّلتها عن ضرورةوكان بودي قطعها لو أمكَّن
ولكن صروف الدَّهر تأتي سريعةًأداري أموري بالَّتي هي أحسن
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في الملك الأشرف موسى:
نعمت صباحًا بالصبوح وبالسعدهنيئًا مريئًا عشت في عيشةٍ رغد
ولا تتوانى في انتهازك فرصةًفجارك في أمن ومجدك في جدِّ
/ ب/ أعيذك من عين الكمال بهل أتىوبالنحل والأعراف والنَّمل والرَّعد
ركبت على متن الفرات سفينةًتسير ببحر الجود في طالع السَّعد
محمَّد بن الحسين، أبو عبد الله السلمانيُّ.
كان فاضلًا في علم الحساب والفرائض والجبر والمقابلة، وقرأ شيئًا من علم العربية، وله أشعار ركيكة الألفاظ جدًا.
أنشدني منها أبو الجود محمود بن مسعود بن إسماعيل السلماني؛ قال: انشدني محمد بن الحسين السلماسي لنفسه، ما كتبه إلى القاضي تاج الدين محمد السامانيّ:
لسوق العشق راج لها رواجتوالى في فؤادي واختلاج
طلبت لنيلها فيها فجاجًاحرمت منالها التبس الفجاج
طراوتها كتل الماء لطفًاولكن قبلها حجرٌ وساج
طمرة حسنها الميدان أغدتنصيبي منه قد كان العجاج
ومنها:
أتاج الدِّين حصِّل منه تاجًاوإلَّا فات لو لم تغن تاج
/ أ/ لنا بك في الشَّريعة ابتهاجوعن سنن الأباطيل انزعاج
متى ما قدّمانا إعتمامٌعرانا من روائك ابتهاج
عدمنا التَّاج لكن قد وجدناكأنَّ الدَّهر تختٌ أنت تاج
كأنَّ النَّاس لعلٌ في زجاجفأنت اللَّعل والنَّاس الزُّجاج
ومرضى درهنا إحتاجوا علاجًابهمَّتك انتشى لهم العلاج
رعاك الله شمعًا لا سراجًافعند الشَّمع ينطمس السِّراج
محمَّد بن سعد بن عبد الله بن سعدٍ [بن أحمد] السعديُّ الأنصاريُّ، أبو عبد الله.
من أهل دمشق؛ شاهدته بها في شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسألته عن ولادته؛ فقال: يكون تقريبًا في سنة سبع وسبعين وخمسمائة بدمشق.
وهو رجل يخضب بالسواد، يخدم كاتب إنشاء في ديوان الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن أبي بكر- صاحب دمشق-.
وأنشدني قطعة من أشعاره، وهو من الفضلاء الأخيار في عصرنا، ولم يزل من صغره، مقبلًا على الاشتغال بالعلم والأدب؛ تفقه على مذهب/ ب/ الإمام
أحمد بن حنبل- ﵁ على الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي؛ واتصل بالملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، وكتب له الإنشاء.
وهو كاتب حسن، شاعر جيد المنظوم، طاهر اللسان، نظم شعرًا كثيرًا، وكان في بدو أمره معلم صبيان، ومدح النبي ﷺ بقصيدة طويلة.
أنشدني محمد بن سعد لنفسه من قصيدة:
أجارتنا إنِّي عليك غيوروإنِّي على نيل الوصال قدير
ولكنَّني أرعى ذمامًا وحرمةًواصبر كرهًا والمحبُّ صبور
وأنشدني أيضًا بظاهر مدينة دمشق، بالسهم الأعلى على شاطئ نهر في يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة لنفسه يمدح النبي ﷺ ويذكر مناقبه ومعجزاته ﵊:
تذكَّر مشتاقٌ وأنَّى له الذِّكرىولم يستطع للجد صرفًا ولا أمرا
/ أ/ أخو لوعةٍ ما فارق الشَّوق قلبهولا واصل السُّلوان يومًا ولا الصَّبرا
كبيت غدا للهمِّ والحزن آلفًاوما أنكر الأحزان من عرف الدَّهرا
إذا نهنه الطَّرف القريح عن البكاجرى مستهلًا لا بكيًا ولا نزرا
وإن رام كتمان الصَّبابة عبَّرتعن الوجد والأشواق أجفانه العبرى
كأنَّ عليه الدَّمع ضربة لازبإذا شام برقًا أو رأى منزلًا قفرا
تخال به ممَّا جنى الوجد جنَّةًوتحسب من مبدا الغرام به سكرا
يروم بلوغ الوصل من أهل رامةولم ينو أهل النيربين له هجرا
ويهوى مقرًا بالعقيق ودارهعلى طيِّها بالسَّهم بالقرب من مقرا
محلٌّ إذا أقسمت أن ليس مثلهعلى الأرض حسنًا كنت في القسم البرَّا
إذا ذكرت جنات عدن وطيبهاوكن به حلًا حسبت له الذِّكرى
تنافس فيه الحسن مرأى ومنظرًاولم تبلغ الأخبار عن طيبه الخبرا
لسكَّانه ما في الجنان سوى البقافطوبى لمن أفنى مطيعًا به العمرا
منى الدِّين والدُّنيأ ميسَّرةٌ بهفباليسر يحظى معتفيهم وباليسرى
تعجَّلُّ في الدُّنيا بسكناه جنَّةًوينقل في الأخرى إلى الجنَّة الأخرى
تتمنَّى النَّوى عن ذاك لا عن ملالةٍولكن نوى ما يوجب الأجر والفخرا
/ ب/ زيارة قبرٍ كلُّ قلب وناظرٍيودُّ اشتياقًا أن يكون له قبرا
به عصمةٌ للعالمين ورحمةٌتعمُّهم من ساء منهم ومن سرَّا
به المصطفى خير الأنام محمَّدٌوأكبرهم فخرًا وأشرفهم قدرا
أسيِّد أهل الأرض طرّاً وصادقًاأقول وخير الخلق كلِّهم طرّا
هدانا بك الرَّحمن بعد ضلالةٍوكفرٍ على الدِّين القويم أبى كفرا
وقد طبَّق الأرض الضَّلال فلم يدعمن الجهل من أقطارها خاليًا قطرا
وقد هجر التَّوحيد واغتيل أهلهوأصبح قول الحقِّ عند الورى هجرا
ومال عمود الدِّين إذ ثلَّ عرشهوصال عدوُّ الله في الأرض واستضرى
وبثَّ بها أشراك شرك وباطلٍوجبت وطاغوت تصيد النُّهى قهرا
وذلَّل للغرِّ الأغر سفاهةًوما هجر الأدنى يعوق ولا نسرا
فقمت بأمر الله بالحق صادعًاولمَّا تهب فيه الوعيد ولا الزَّجرا
وعاديت أهل الأرض طوعًا لأمرهوأنت الوحيد الفرد مستبطنًا فقرًا
ولمَّا طما بحرٌ من الغيِّ زاخرٌومدَّ له مدًا أتيت له جزرا
وحين جا ليل الضَّلالة حالكًاطلعت به بدرًا وكنت له الفجرا
وجاهدت في الرَّحمن حقَّ جهادهإلى أن أتاك الفتح يتَّبع النَّصرا
لك المعجزات البينات التي غدتمحققةً كالشَّمس طالعةً ظهرا
/ أ/ فمنها كلام الله جاءك منزلًابه جبرئيلٌ ضلَّ من ظنَّه سحرا
ومن قال مخلوقٌ ومن قال مفترىًومن قال لم يكتب برقٍّ ولم يقرا
ولو كان ما قالوه ما كان منزلًاولا جاء عنه النهي أن يصحب السَّفرا
ولمَّا يقَّل هذا إليه إشارةًولا منعوا من مسه عادمًا طهرا
ولمَّا تحدَّاهم بإتيان مثلهواسمع من في أذنه جعل الوقرا
﴿إذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾غدت من أمانيهم الفهم صفرا
لك المرتقى الأعلى الذي عنه هيبةًتأخر جبريلٌ وحسبك ذا فخرا
دليلًا من البيت الحرام بمكَّةإلى المسجد الأقصى بك الله قد أسرى
ركبت على ظهر البراق محلِّقًاإلى سدرة للمنتهى فاقت السِّدرا
رأيت كما أخبرت رَّبك ما لهشبيهٌ ومن آياته الآية الكبرى
وحيَّاك منه بالسَّلام ولم ينلسواك نبيٌّ هذه اللَّيلة الغرَّا
ومن ثمَّ تخفيف الصَّلاة على الورىوخمسين كانت تلزم العبد والحرَّا
فمازلت في تخفيفها متردِّدًاإليه فأبقى الفرض من ذلك العشرا
وذلك عن رأي الكليم وإنَّهالساقطةٌ فعلًا ومحسوبةٌ أجرا
وأنت شفيع الخلق في يوم عرضهموقد ألبسوا رعبًا وقد أبلسوا ذعرا
/ ب/ أنلتهم أمنًا وقلت: أنا لهاوكل فتىً منهم طلبت [له] العذرا
فتعطى لواء الحمد آدم تحتهومن دونه يرجون من فضلك البرَّا
وتدنو أمام العرش لله ساجدًالتشرح للراجي شفاعتك الصَّدرا
فيوليك فخرًا يجمع السُّؤل والرِّضاويؤتيك حمدًا يجمع الحمد والشُّكرا
يقول لك ارفع رأسك اليوم راضيًافأنت لها أهلٌ وأنت بها أحرى
لك الكوثر المورود والحوض من يردزلالهما لم يعرف الخمس والعشرا
وقل يستمع واشفع تشفَّع وسل تنلفيومك هذا مشبه ليلة الإسرا
وشقَّ لك البدر المنير كرامةًوقد قال قوم لن يشقَّ لك البدرا
وأيوان كسرى انشق ليلة بشَّرتبك الأرض مولودًا فأعظم به بشرى
وفيها خبت نار المجوس ولم تكنخبت ألف عام قبل سرّا ولا جهرا
وأيضًا بها غارت بحيرة ساوةوقد كان رائيها يساوي بها البحرا
وفي ملك رؤيا المؤبذان وقد غداسطيحٌ بتعبير لها عالمًا حبرا
ولمَّا لمست الأرض ألقيت ساجدًاوبانت قصورٌ عمَّها النٌّور من بصرى
ويوم بحيرا إذ أتاك مسلِّمًاومستخبرًا عمَّا أحاط به خبرا
رأى منك آيات النُّبوة قد أتتبها رسل الآفاق يتلونها تترى
/ أ/ فأثبتها في الحال مرأى ومسمعًاوطاب بها نفسًا وعينًا بها قرَّا
فأشرب إيمانًا وما زاغ قلبهوآمن إيقانًا ولم يسترد فكرا
رآك وظلٌّ للغمامة سابغٌعليك وباقي الركب عن ظلِّها حسرى
وقد خرَّت الأشجار في البرِّ سجَّدًالرؤياك لمَّا شرَّفت ذلك البرَّا
وعاين أيضًا للنبوَّة خاتمًابه ختمت فازداد في أمره إمرا
وردَّ أناسًا قد أتوك لغيلةوأوسعهم نصحًا وحذَّرهم غدرا
وتوبة نسطور ببصرى وقد اتىيؤمَّهم فيما يباع وما يشرى
رأى منك ما قد سطروه بكتبهممن الحق والآيات ما أعوزت سطرا
فأقسم بالله العظيم تيقَّنًالأنت الَّذي جاءت بمبعثه البشرى
وأنت رسول الله تبعث رحمةًإلى أمَّه تدعى محجَّلة غرَّا
ونعتك بالأمِّي في الكتب عندناوأنَّك عنَّا بالهدى تضع الإصرا
وتأمرنا بالعرف والعدل والتُّقىوتأبى لنا الفحشاء والبغي والنُّكرا
لنا طيِّبات الأكل شرعًا تحلُّهاكما هو في التَّوراة من قلبه يقرا
كذلك في الإنجيل يتلوه دائبًاكما هو في التَّوراة من قبله يقرا
وصحبك لمَّا أعوز الماء واختشوابأنَّهم لم يدركوا الوقت والعصرا
/ ب/ جعلت لهم من كفِّك البحر منهلًافصلَّوا وكلُّ القوم قد أسغ الطهرا
وألفًا وبضع الألف ريًا سقتهمبنانك من نور جعلن به غمرا
وكم ماء عين قد مزجت محبَّةًوكانت بكيئًا ثمَّ عادت بها نهرا
ولمَّا استقلَّ الحارث الماء حقَّقتله يدك البيضا بها آيه الكثرا
وروَّيت من ماء المزادة أنفسًاعطاشًا وأكبادًا نقعت به حرَّى
ولم ينفذوا من مائها ورد قطرةوقد أوسقوا منه الكواهل والظهرا
ومن تمرات كلت للجيش زادهوأبدلته من بعد إعساره اليسرا
وأشبعت من أقراص خبز لحائرٍومن سخلة ألفًا وما نقصوا القدرا
وأوفيت عنه ثقل دين بصبرةٍمن التَّمر فازدادت بتنقيصها وفرا
وسبعين من أقراص خبزٍ أتى بهاأبو طلحة أشبعتهم مرَّةً أخرى
منحت أباهر من التمر مزودًافما زال ممتارًا مميرًا به دهرا
وجهَّزت جيش الشَّام منه فقد غدواوما منهم إلَّا ومنه احتوى وفرا
وخمسين وسقًا منه قد جاد منعمًابها في سبيل الله نغتنم الأجرا
ثلاثة أعواد منحت ثلاثةًفعادت سيوفًا في أكفِّهم تترى
فمنهنَّ في بدر قضيب ابن أسلموعودٌ به أيضًا عكاشة منه قد سرَّا
/ أ/ وفي أحد أيضًا ابن جحش عبيسةًغدا مرهفًا من حدِّة يحلق الشَّعرا
وعين ابن نعمان وعين رفاعةرددتهما من بعد أن بانتا ندرا
وكم هاتف أضحى بفضلك صادحًاتؤلِّفه نثرًا وتنظمه شعرا
وأقبلت الأشجار لمَّا دعوتهايشقُّ لها السُّوق السُّهولة والوعرا
ولمَّا دعوت العذق من رأس نخلةأتاك فقلت ارجع فما خالف الأمرا
وحنَّ إليك الجذع شوقًا وسلَّمتًعليك جهازًا ظبيةٌ لم ترم نفرا
كما الحجر القاسي ابتداك مسلِّمًاعليك ومشتاقًا كأنَّ به حجر
بكفِّك بحر الجود قد سبَّح الحصاوقبَّل رجليك البعير لها شكرا
وخلَّصت يوم الغار طرف ابن مالكفغرَّ لذاك المشركين وما أغرى
وخافت عليك العنكبوت من العدًافأرخت بباب الغار مكرًا بهم سترا
ووافقها في الذَّب عنك حمائمٌأتين سريعًا فابتنين به وكرا
فما أتى الكفَّار طور خديعةفحيَّا الحيا تلك الخديعة والمكرا
ويوم حنين إذ أتوك بجمعهميجرُّون من أبطالهم عسكرًا مجرا
وراموا بلوغ الثأر منك رميتهمبكفِّ تراب فانثنى جرهم كرَّا
وعجفاء لا نقيٌ بها قد مسحتهافدرَّت ولم يعرف لها ربُّها درَّا
/ ب/ لك الضَّبُّ أمسى بالرِّسالة شاهدًاكما الذِّئب أضحى باليمين به برَّا
كما شهد الكفَّار حقًا وشاهدواملائكةً للنصر إذ حضروا بدرا
ولمَّا أتى للبرد والحرِّ شاكيًاإليك عليٌّ وقِّي البرد والحرَّا
وما كتمت عنك الذِّراع الَّذي بهامن السُّم إذ خافت عليك له الضُّرَّا
وبالرُّعب أيضًا قد نصرت على العدامسيرة أيَّامٍ يعدُّونها شهرا
وأعطيت أصحابًا كرامًا أعزاةًوالاتخال النُّطق في ذكرهم عطرا
فمنهم رفيق الغار والصِّدق والوفاأبو بكر الثَّاني أشدُّهم أزرا
وصاحبك الفاروق ذو العدل والتُّقىوعثمان ذو النُّورين أكرم به صهرا
وقاتل أبطال الوغى عالم الورىأخوك عليٌّ زوج بضعتك الزَّهرا
وريحانتاك أبناه سبطاك سيِّداشباب جنان الخلد أهواهما ذخرا
وحمزة والعبَّاس جدُّ إمامناأبي جعفر المنصور لا عدم النَّصرا
أولئك خير الصَّحب حقًا وكلَّهمأولو الخير والمعروف لم يعرفوا نكرا
هم الصَّادقون القانتون أولو النُّهىأولوا الصَّبر في البأساء والبأس والضَّرَّا
هم الصَّائمون الحافظون فروجهمهم الذَّاكرون الله لم يفتروا ذكرا
هم الأنجم الزُّهر الَّتي يهتدى بهاإلى أيُّهم يمَّمت أرشدك المسرى
/ أ/ غدا قولهم حقًا وفعلهم هدىًوحبُّهم قربى وبغضهم كفرا
فضائل لو أنَّ الورى كلِّفوا لهابيانًا وحصرًا ما أطاقوا لها حصرا
إذا نثرت خلت الَّلآلي وإن غدتمنظَّمةً يومًا تحقَّقتها درَّا
فما قدر قدري أن أرى ناظمًا لهاوقد جاءت الآيات في وصفها نثرا
ولا قدر شعري أن يكون سحابهاولو كان من ألفاظه الشَّمس والشِّعرى
ولكنَّني شرَّفته بمديحهموأبقيت لي في الصَّالحات به الذِّكرا
عليك صلاة الله ثمَّ عليهمسلامٌ يعير المسك من طيبه النَّشرا
سلامٌ كنشر الرَّوض حمَّله الصَّبالتبلغ عنه شكره السحب والقطرا
سلامٌ كلطف الله جاء لخائففقير بأمر يعدم الخوف والفقرا
فيا خير مأمولٍ ويا خير شافعٍويا ملجأ العاصي المقرِّ الَّذي غرَّا
سل الله يعطيني إليك زيارةًأشدُّ بها أزرًا وأرمي بها وزرا
وكن شافعي فيها قريبًا فإنَّنيبحبِّك أرجو أن أفوز بها حشرا
لأنَّك قلت المرء مع من أحبَّهوإنِّي امرؤٌ صبٌّ بحبِّكم مغرى
إلهي أحاطت بي الذُّنوب وليس ليمن البِّرِّ مأ أرجو به العفو والغفرا
سوى حسن ظنِّي فيك ثمَّ شهادتيبأنَّك وترٌ فاز من عبد الوترا
/ ب/ وأنِّي محبٌّ للنبيِّ وآلهوأصحابه فاجعله يا ربِّ لي ذخرا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع