تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه محمد (٦)

وقال أيضًا، يتشوق وطنه وإخوانه بجبل قاسيون:

إذا ما بدت من قاسيون قبابهوبانت لعينيك الغداة لصابه
ولاحت قصور السهم بيضًا كأنَّهاقلوعٌ ببحر قد تعبَّى عبابه
رأيت جنان الخلد لولا نفادهاونلت لذيذ العيش لولا ذهابه
وأيقنت أنَّ الدَّهر همَّ بغيرهاوفيها على ما كان منه شبابه
خليليَّ ما في العين فضلٌ لمنظرٍإذا لاح سرب السهم لي أو سرا به
ولا في قوى سمعي استماع ملامهإذا ناح لي قمريٌّه أو غرابه
فواعجبًا حتَّى م يعتب عاذلٌوما شبَّ نار الوجد إلاَّ عتابه
يكلِّفني ما لا أطيق استماعهويطلب منِّي ما يعزُّ طلابه
ولا نار إلَّا ما ضلوا علي زنادهاولا ماء إلاَّ ماء جفني سحابه
يصبِّرني عن قاسيون وأهلهلقد جلَّ عندي لو فعلت مصابه
وبالسَّفح منه منزلٌ لو يحلُّهتحقَّق أن المسك طيبًا ترابه
وإخوان صدق لو يحاور بعضهملما شكَّ أنَّ السِّحر حلَّى خطابه
/ أ/ سقى الله أيامًا ما تقضَّت لنا بههي العيش لا بل صفوه ولبابه
ليالي لا أخشى الوشاة ولا أرىمن الناس إلا من يسر اقترابه
وبرد الصِّبا ضاف عليَّ لباسهوورد الهوى صاف لديَّ شرابه
وشيطان حبِّي ماردٌ في مرادهنصيب عذولي نصبه وعذابه
وإذا أنا معط للعفاف نصيبهكمالًا ولم يكمل لعمري نصابه
فللَّه ما أبقى النَّوى من متيَّمتنافس فيه وجده واغترابه
يكاد جوى يقضي من العذل نحبهويخفى عن العدَّال لولا انتخابه
يفيض اشتياقًا نحو ثورا اصطبارهويزداد من ذكرى يزيد اكتئابه
إذا شام برق الشَّام أسبل جفنهبدمعٍ كفيلٍ بالسُّيول انسكابه
ويذكره بالنيربين منازلًاإليها إضافات الهوى وانتسابه
منازل سعد من رآها وعندهمن الخلد شكٌ زال عنه ارتيابه
وأيقن أن القرب منها تقربٌإلى ربِّه والبعد عنها عقابه
وأقسمت لو أعطيت من دهري المنىووافق رأي رشده وصوابه
تمنَّيت أنَّ السَّهم سهمي من الرُّبىوأنَّ ثوائي فيه عمري ثوابه

وقال أيضًا:

/ ب/ وحرمه ما بيني وبينك في الهوىأليَّة صبٍّ في المحبَّة صادق
لقد بلغت مِّني المحبَّة غايةًتخلَّف عنِّي دونها كلُّ سابق
فلو أنَّ أهل الأرض طرًا عواذليوما تحتوي الدَّانيات علائقي
لقطَّعتها طوع الهوى وعصيتهمولم أتعلَّل فعل كلِّ مماذق
فمن يتهمني بالسُّلو فإنَّمايجيل محالًا في صدور الحقائق
هل الوجد إلاَّ ن يهيج صبابتيتذَّكر طيف من جنابك طارق
وإن أراد الماء الزُّلال مهيَّمًافيمنعني من شربه لمع بارق
وإنَّ محبًا صدَّت النَّار وجههأو البحر عن أحبابه غير عاشق

محمَّد بن إبراهيم بن الخضر، أبو النصر بن البرهان المنجم

أصله من طبريَّة؛ وولد بحلب وله شعر حسن.

حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحنفي- أيده الله تعالى- قال: اجتمعت بأبي نصر الحلبي بحرّان، فأنشدني لنفسه:

من لي بأهيف قال حين عتبتهفي قطع كلِّ قضيب بان رائقٍ
للشاعر الملك الأمجد، من قصيدة «من لي بأهيف قال حين عتبته»
/ أ/ يحكي معاطفه الرِّشاق إذا انثنىريَّان بين جداولٍ وحدائق
سرقت غصون البان لين معاطفيفقطعتها والقطع حدُّ السَّارق

وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو نصر لنفسه:

ومهفهفٍ ريحان نبت عذارهفي ورد خدَّيه الجنيِّ الأحمر
أصلى بنار الخدِّ عنبر خالهفبدا العذار دخان ذاك العنبر

وأنشدني؛ قال: أنشدني محمد بن إبراهيم قوله:

يا حلبًا حيِّت من مصروجاد مغناك حيا القطر
أصبحت في جلِّق حيران منوجدي إلى مربعك النَّضر
والعين من شوقٍ إلى العين والــفيض غدت نابعةً تجري
ما بردى عندي ولا دجلةٌولا مجاري النِّيل في مصر
أحسن مرأى من قويق إذاأقبل في المدِّ وفي الجزر
يا لهفتا منه على جرحهتبلُّ منِّي غلَّة الصَّدر
كم قبل من يومٍ ومن ليلةٍمرَّ لنا من غرر الدَّهر
ما بين رطياس وحيلان والــميدان والجوسق والجسر
وروض ذاك الجوهريِّ الَّذيأرواحه أذكى من العطر
/ ب/ وزهره الأحمر [في الحسن]كالياقوت والأصفر كالتبر
والنَّور في أجياد أغصانهمنتظمٌ أبهى من الدُّرِّ
منأزل الآراك خلف الحياعلى رباها دائم الدَّرِّ
تالله لازلت لها ذاكرًاما عشت في سرِّي وفي جهري
وكيف ينساها فتىً صيغ منطينتها الطَّيِّبة النَّشر
فكلُّ يومٍ مرَّ في غيرهافغير محسوب من العمر
إن حن لي قلبٌ إليها فلاغرو حنين الطَّير للوكر
يا ليت شعري هل أراها وهليسمح بالقرب لها دهري

وقال في غلامه اسمه هلال:

هذا هلالٌ كهلال الدُّجىمن شعره قد لاح في غيهب
إنعطف الصدغ على خدِّهفانظر إلى المرِّيخ في العقرب

وقوله:

ومهفهفٍ خيلانهكفتيت ندٍّ في لهيب
وكأنَّ نمل عذارهيسعى بحبَّات القلوب

وقوله:

/ أ/ ومهفهفٍ هزَّ الصِّبا أعطافههزَّ الصَّبا الغصن الرَّطيب بزهره
ساق [أدارت] جلنار كأسهفي سوسنٍ غضٍ أقاحة ثغره

وقوله:

أفدي كحيل النَّاظرمثل القضيب النَّاضر
مرسل صدغٍ جاء فيفترة طرف ساحر
إذا سرى يتبعهإنسان كلٍّ ناظر

وقوله في صبيّ نحوي:

يا حسن نحويِّ بداواللَّيل مرخي السِّتر
فلاح من غرَّتهلألاء نور البدر
قد زارني لم يخش منزيد ولا من عمرو
فبات تحت الهمزمفعولًا به في صدري
ولم يزل يرفعنيبالفعل فوق الظهر
آخر يفتح مندخول حرف الجرِّ
لأنَّه لم ينصرفحتى طلوع الفجر

وقوله:

/ ب/ لا تلمني على هوى العذريفعذار الحبيب قام بعذري

نمل مسك العذار دبَّ على الوردات تنهد أقحوان الثَّغر

وقال أيضًا:

أفدي الَّذي يفعل بي في الهوىوهو حبيبي فعل أعدائي
قد جمع الأضداد في طلعةتزهى بإشراقٍ ولألاء
من وجهه والشَّعر [والعين] والخدِّأرانا فتنة الرَّائي

شمس الضحى واللَّيل والبراء والسُّقم ونار الحسن في الماء

وقال أيضًا:

بمهجتي فارسٌ في لامه ألفٌفي عينه يقتل الرَّائي بإيماء
إنَّ هزَّ قامته واستلَّ مقلتهفالموت ما بين هيفاءٍ ونجلاء
كأنَّه قمرٌ من حسن صورتهيعشي العيون بإشراقٍ ولألاء
أما ترى صدغه قافًا ومبسمهميمًا وشاربه تعريقة الرَّاء
في التُّراب خدِّي وفي قلبي الهوى وعلىخدَّيه تضرم نار الحسن في الماء

وقوله:

أدار بهار الرَّاح في السَّوسن الرَّطبوحيَّا فأحيا الرُّوح ريحانه الشَّرب
/ أ/ بنرجس عينيه واس عذارهوصدغيه كم يصبي القلوب وكم يصبى
يطوف بكأسٍ لونها لو خدِّهوأفعالها أفعال عينيه في اللُّبِّ
ألم يكفه سلب العقول بلحظهإلى أن أعانت لحظه الكأس في السَّلب
من التُّرك سهل الخدِّ صعبٌ مرامهوهل آفتي إلَّا من السَّهل والصَّحب
بدا مرسل الأصداغ للناس فتنةًبفترة طرف عن نبوَّته تنبي
ظلت به في الحبِّ بعد هدايةٍولا غروكم قد ظلَّ قلبي في الحبِّ
طلى منبت الياقوت صفحة خدِّهومورد فيه معدن اللُّؤلؤ الرِّطب
غنِّي جمال لا يواسي بوصلهفقيرٌ إلى تقبيل مبسمه العذب
لئن كان أفنى كنز صبري بصدِّهفيا ليت أبقى لي ولو حبَّة القلب
تقلِّبه أيدي الصَّبابة والأسىإذا صدَّ من يهواه جنبًا إلى جنب
هوىً أضرب النِّيران بين ضلوعهوعاود فيض الدَّمع سلبًا على سلب

وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي بحلب؛ قال: أنشدني أبو نصر محمد بن إبراهيم/ ب/ بن الخضر الحلبي لنفسه من أبيان:

سيقًا لوادي النِّيربين بجلِّقٍلله ما أبهى رباه وأحسنا!
فاضت مياه عيونه وتسللتفي ظلِّ بانات تروق الأعينا
وكأنَّما نزلت ثراه كتيبةٌألقت سوابغها وركَّزت القنا

وأنشدني أيضًا؛ قال: أنشدني لنفسه:

ومهفهفٍ ماء الحياة رضابه العذب الخصر
أو ما ترى ظلمات صدغيه وشاربه الخضر

وقال أيضًا يتغزل:

وأهيف مثل غصن البان قدًايجول على معاطفه الوشاح
على خدَّيه فوق الورد آسٌوحول الورد في فيه الأقاح
حبيبٌ راح يبسم عن حبابله من ريقه المعسول راح
أتاني زائرًا والليل داجٍفأشرق من محيَّاه الصَّباح
فرضت جماحه بكميت راحٍإلى أن فارق المهر الجماح
فبتُّ ولي بلثمي عارضيهورشفي راح ريقته ارتياح
ولي من ليل طرَّته اغتباقٌولي من صبح طرَّته اصطباح

/ أ/ وقال:

فيا شادنًا قد أنبت الورد خدُّهومن حبب الصَّهباء يدعى الأقاحيا
إذا غربت شمس المدام بثغرهترى شفقًا منها بخدَّيه باديا
فكم ليلة من كأسه ورضابهمزجت سلاف الرَّاح بالرَّاح صافيا
وانفذ حكمي في مراشف ثغرهكأنِّي لذاك الثَّغر أمسيت واليا
إذا ما جلت يمناي كأس مدامةٍعليه تلوَّى صدغه في شمالينا
تجاسرت لمَّا ذقت درياق ريقهعلى خشن الشَّعر المبلل حاويا

وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب؛ أنشدني أبو نصر محمد بن إبراهيم لنفسه:

بشرى لجلِّق بل بشرى لأهليهاففي نعيمٍ مقيمٍ من ثوى فيها
جنَّات عدن بها قد أزلفت ودنتقطوفها من مجانيها تجانيها
ترى بها السَّبعة الأنهار جاريةًجرى الشَّعانين في بطحاء واديها
فللخدود حياءٌ من شقائقهاوللثغور ابتسامٌ عن أقاحيها
إذا تثنَّت بها البانات مائسةًحكت قدود الغواني في تثنِّيها
/ ب/ يصفِّق الماء والأغصان راقصةٌعلى غناء القماري في أعاليها
حيث التفتَّ فأنهار مسلسلةٌتنساب في ظلِّ أشجار تواريها
وكم بدور على الأغصان طالعةهزَّ الصِّبا لا الصَّبا أعطافها تيها
أرضٌ بها الحور والولدان حائرةٌفيهنَّ أفكارنا وصفًا وتشبيها
من كلِّ أحور كاد البدر يشبههوكلِّ حوراء كاد الظَّبي يحكيها
تبدي ثعابين أصداغٍ مبلبلةٍعلى سوالفها طوبى لحاويها
فما ترى غير ملدوغ الحشا دنفشفاؤه رشفه الدِّرياق من فيها
واحسرتاه على ما فات من عمريإذ لم أقضِّ زماني كلَّه فيها

وقال أيضًا:

امزج كؤوسك بالسَّلسال من فيكاوعاطني الرَّاح تسقيني وأسقيكا
قم فاجل يا قمري شمس المدام فياطوبى لمن بات يجلوها ويجلوكا
يا شادنًا صار ستري في محبَّتهبين البريَّة بعد الصَّون مهتوكا
ما قلت: إنَّك تحكي الظَّبي ملتفتًابالجيد واللَّحظ لكن قلت: يحكيكا
أغار بدر الدُّجى حسنًا سناك كماأغار غصن النَّقا لينًا تثنيَّكا
قد فاز من بات يا ريحان عارضهباللَّثم بين كؤوس الرَّاح يجنيكا
/ أ/ لم أخش من حنش الشَّعر المبلبل لمَّابتُّ حاويه في صدري وحاويكا
وكيف يخشى من الثُّعبان يلدغهمن بات يرتشف الدِّرياق من فيكا
كن كيف شئت فإنِّي لا أحبُّ ولاأهوى سواك وعمري لست أسلوكا

وقال في الأوّل من الطويل، والقافية من المواتر:

وأحور أحوى فاتن الطَّرف والطِّرفحييِّ المحيَّا ليِّن العطف والعطف
تجلَّى فخلت البدر أشرق في الدُّجىوماس فقلت الغصن مال على الحقف
هو البدر لولا قربه من محبِّههو الغصن لولا نفره الشَّادن الخشف
يحلُّ إذا ما حلَّ عقرب صدغهمنازله في القلب منِّي وفي الطَّرف
ترى أبدا الأبصار في صبح وجههتسر وتسري في دجى شعره الوحف
أتى زائرًا فينصف شعبان خفيةًوهيهات يخفى البدر في ليلة النِّصف
فقابلت منه الخدًّ والقدَّ واللُّماإلى الفجر بالتَّقبيل والضَّمِّ والرَّشف
لئن كان ولاَّني الدُّجى رشف ثغرهفقد قدم الإصباح لا كان بالصَّرف

وقال في الثاني من الطويل، والقافية من المتدارك:

/ ب/ وريم أعار الغصن لين قوامهكما قد أعار الظَّبي حسن أحوراره
سقاني طلًا فيه على ورد خدِّهونرجس عينيه وآس عذاره

وقال في الثالث من الطويل أيضًا، والقافية من المتدارك:

أرقت بعضب اللَّحظ من طرفك الدِّماورقت بعذب اللَّحظ من طرفك الدُّمى
أيا قمر الأرض الَّذي نور وجههعلى القمر التَّمِّ السَّماويِّ قد سما
ويا حادي الحسن الَّذي من عذارهوخدَّيه أبدى جنَّةً وجهنَّما
لويت لنا تيهًا من الصُّدغ عقربًاوأرسلت من شعر الذُّؤابة أرقما
سلمت أما ترقى السليم ليسلمافبي ألم يشفى إذا وجدت باللُّما
وبي مرضٌ أعيا فليس طبيبهسواك ولو كان

وقال في الثاني من الطويل، والقافية من المواتر:

أنا المرء لا يخفى عليَّ صوابولا خانني عند السُّؤال جواب
ولا زانني في محفل غير مقوليإذا زان غيري ثروةٌ وثياب
/ أ/ فما أنا إلَّا السَّيف راق فرندهوراغ غيري حليةٌ وقراب
وإنِّي كماء المزن غير مكنَّدوما في للثَّاني الحسود معاب
ولي بيت مجد بالصوارم عامرٌولي بيت مال بالنَّوال خراب
وكم خضت بحرًا من دجى اللَّيل طافيًاعليه من الزُّهر النُّجوم حباب
ومالي إلَّا السَّيف والرُّمح صاحبٌإذا خانني عند الخطوب صحاب
وكم من عظيم قد وقفت ببابهومن دونه للُّؤم منه حجاب
فما جادني من راحتيه سحابةٌولا أخضر لي في ساحتيه جناب
فللدهر عندي لو أفاق شكايةٌوللحظ عندي لو أصاخ عتاب

وقال في الثاني من السريع، والقافية من المتدارك:

يا معشر العشَّاق ما فيكممن نال ما قد نلت من دهره
عانقت من أهوى وقبلتهفي خدِّه ألفًا وفي ثغره
قد فاز بالدُّنيا ولذَّاتهامن بات من يهواه في صدره

وقال في المجتث، والقافية من المتواتر:

/ ب/ مولاي رفقًا بصبٍّفي الحبِّ لاقى صغارا
قد كان يهوى العذارىفصار يهوى العذارا

وقال أيضًا في الأول من الهزج من الكامل، والقافية من المتدارك من المتواتر:

أما والمبسم العذبكعقد اللُّؤلؤ الرَّطب
ولحظ فاترٍ يسبيولفظ فاتنٍ يصبي
أميرًا مطلق الدَّمعكبيرًا طائر القلب

وقال في الثاني من الرجز، والقافية من المتواتر في مغنٍّ حسن الصورة:

يا شاديًا بلفظه غنَّانيوشادنًا بلحظه عنَّاني
هل أنت قمريٌ شدا أم قمرٌبدا على قضيب [غصن] البان

وقال في الخامس من الرمل، والقافية من المتواتر:

يا نديميَّ اسقيانيمن لما ساقي الشَّراب
فاتكٌ وهو ظبيّفتك آساد الشَّرى بي
/ أ/ إنَّ قلبي في العذابمن ثناياه العذاب
كم غدا يمزج كاسيفي الرِّضا بي بالرُّضاب

وقال في الأول من البسيط، والقافية من المتراكب:

وأمردٍ كان لي في وصله أربٌفصار لمَّا التحى في هجره أربى
بالأمس وجنته كانت أبا لهبٍوالآن قد أصبحت حمَّالة الحطب

وقال أيضًا:

وشادن ذي عذارٍ كنت أعشقهفصار يحلق لمَّا أن طغى الشَّعر
فاليوم قد زاد موسى طور عارضهوكان بالأمس في أرجائه الخضر

وقال أيضًا:

لي في عذار الَّذي أهواه أعذاروفي هواه أحاديثٌ وأسمار
أمير حسنٍ على العشَّاق حاجبهبالوصل والصَّدِّ نهَّاءٌ وأمَّار
كأنَّ صدغيه لمَّا أن حنا علمٌولحظه لهذمٌ والقدُّ خطَّار
ممنَّع ثغره ثغر وعارضهسور حماه من الألحاظ أسوار
في خدِّه وثناياه كمنتزهيورد وورد وأنوارٌ وأنوار
/ ب/ جذلان يسخر بي لفظًا ويسحرنيلحظًا وبي منه سخَّار وسحَّار
لئن تهتَّك ستري في محبَّتهفكم تهتَّك للعشَّاق أستار
في التُّرب خدِّي وفي قلبي وفي بصريوفي حشاي الهوا والماء والنَّار
لا عار لا عار في حبِّ الملاح فمافي حبِّهم عند أرباب النُّهى عار

وقال:

ويلاه من فاتر الألحاظ فتَّانوسنانه وسنان الرُّمح سيَّان
ظبيٌ من التُّرك في شربوشه قمرٌوفي غلالته غصنٌ من البان
يجني ثمار الرِّضا من جاء معتذرًاعن الإساءة من جان ومن جان
ديباج ورد الحيا في وجنتيه بدامطرَّزًا من عذاريه بريحان
فالقلب من صدغه مسلوب وعقربهومن ذؤابته ملدوغ ثعبان
يا مخجل الرَّشأ الوسنان ملتفتًاجيدًا بجيدٍ وأجفانًا بأجفان
أنى إلى ريقك العذب البرود لذّةقلبٌ به ظمأٌ حرَّان حيران
مولاي ما حلَّ في قلبي سواك ولاأحاله عنك لا ثان ولا ثاني
أبيت منك بأحشاء مولَّهةٍظمأى وطرفٍ بفيض الدَّمع ريَّان
حاشاك تسمع من قول الوشاة وماقد زخرفوا فيَّ من زور وبهتان
/ أ/ إنِّي لما كان مِّني سالفًا سفهًالقارعٌ طول دهري سنَّ ندمان
ما أقبح الهجر من بعد الوصال وماأحلى وأحسن وصلًا بعد هجران

وقال أيضًا

هذا النَّقا والزِّند والبانيا هاتف الأيك متى بانوا
دعني أفيض الدَّمع من شانهلي في البكاء مثله شان
يا منزل اللَّهو ومغنى الهوىسقاك هامي المزن هتَّان
أين شبابٌ فيك قضَّيتهوأين عيشٌ مرَّ فينان؟
أصبحت يا دار كأن لم يكنلي فيك أوطارٌ وأوطان
إذا أنت للغيد الظِّبا وجرةٌوللأسود الغلب خفَّان
يا وحشة الدَّار بعيني إذافارقها أهلٌ وسكَّان
يا دهرنا الماضي هل عودةٌترجع أحبابي كما كانوا
وفاتر الألحاظ قلبي إلىرضابه البارد ظمآن
في فيه لي وردٌ وراحٌ وفيخدَّيه لي وردٌ وريحان
الأقحوان الغضُّ ثغرٌ لهوالنَّرجس الذَّابل أجفان
أغيد قاس ساخطٌ لا ترىلي رحمة منه ورضوان
/ ب/ أحور أحوى ساحرٌ ساخرٌهجيره هجرٌ وهجران
يجني وأغضي خوف إعراضهعنِّي وأرضى وهو غضبان
بيض الظُّبى من سود أجفانهتشهر والأجفان أجفان
كم قلت لمَّا مرَّ يختال بيتيهًا كما يختال نشوان
يا غصن حسنٍ مونقًا مورقًاكلُّ زمان منك نيسان

من ثغرك النَّور ومن صدغك الآس ومن أعطافك البان

في خدِّك التُّفَّاح عضّا لمنيجني وفي صدرك رمَّان
الغصن في البستان عهدي بهوأنت غصنٌ فيه بستان
مولاي كم هذا الجفا والقلىأما لذنبي منك غفران
لا تستمع قول وشاةٍ سعوافقولهم زورٌ وبهتان
هب أنَّني كنت مسيئًا أماعندك يا ذا الحسن إحسان

وقال أيضًا

وريميِّ اللِّحاظ رأى غرابًافأوتر قوسه ورمى بسهم
فخلت البدر أرسل عن هلالٍإلى اللَّيل البهيم شهاب رجم

وقال أيضًا:

/ أ/ حظُّ طرفي الدَّمع والسَّهروفؤادي الهمُّ والفكر
[في هوى] ريمٍ رميت بهما لقلبي عنه مصطبر
من بني الأتراك حاجبهقوسه والأسهم الحور
قمرٌ في الأرض تحسدهفي السَّماء الشمس والقمر
كعبةٌ للحسن وجنتهوبها من خالها الحجر
إن سخا دهري بقبلتهكلُّ ذنبٍ منه مغتفر

وقال أيضًا:

يا ملبس جسمي السَّقامايا سالب مقلتي المناما
ما أسعد في هواك صبّامن ريقك ينقع الأواما
في الصُّبح يقبِّل الثَّنايافي اللَّيل يعانق القواما
ما أعشق في الملاح إلَّامن أسهر مقلتي ناما
ما حسن وجنتيه وردًاما أطيب ريقه مداما
ما أرشق قدَّه قناةًما أفتك لحظه حساما
لا يرحم عاشقًا كئيبًالا يحفظ في الهوى ذماما
إن سرَّاك بالوصال يومًاقد ساءك بالصدود عاما
/ ب/ من لامك في هواه جهلًابالحبِّ فقل له سلاما

وقال أيضًا:

سقيًا لوادي النَّيربين بجلِّقٍلله ما أبهى رباه وأحسنا
فاضت مياه عيونه وتسلسلتفي ظلِّ بانات تروق الإعينا
فكأنَّما نزلت ثراه كتيبةٌألقت سوابغها وركَّزت القنا

وقال أيضًا:

عجبًا لمن يخشى العقاب ولا يكفُّ عن المعاصي
ولمن غدا يرجو الثَّواب وليس يعجل للخلاص
فاحتل لنفسك في نجاتكيوم يؤخذ بالنَّواصي

محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الملك بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن العباس بن محاسن بن عليٍّ، أبو حامد بن أبي جعفرٍ الهاشميُّ الحلبيُّ.

سمع بحلب الخطيب أبا طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد الأسدي، وابن المهنا؛ ومات بحلب في إحدى الجماديين من سنة ثماني عشرة وستمائة.

/ أ/ أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن العقيلي- أسبغ الله ظلاله- قال: أنشدني الشريف أبو حامد لنفسه؛ وكتبها إلى الوزير بن أبي يعلى:

حال دون اللِّقاء وحلٌ وبردوسحابٌ يروح طورًا ويغدو

وظلامٌ كأنَّه وجه نصرٍ وسجاياه حين يطلب رفد

فاعذر العبد إن تأخَّر أوقصَّر يا من إحسانه لا يحد
وابق في نعمةٍ تدوم على الدَّهــر إلى أن يرى لمجدك ندُّ

فكتب إليه ابن أبي يعلى:

أيُّها السَّيِّد الشَّريف الفردقد تغشَّى القلوب بعدك وجد
إن يكن حاجز اللِّقاء البردفوصال الأرواح ما لا يصدُّ
غير أنَّ الحواس تطلب حظّاًمن سجايا خلالها لا تحدُّ
فابق للفضل قدوةً وإمامًاما تعالى لأهل بيتك مجد

وأنشدني القاضي الإمام السعيد الأجل بهاء الدين أبو محمد الحسن- أدام الله ظلاله- قال: أنشدني الشريف أبو حامد محمد بن عبد الله/ ب/ بن محمد الهاشمي الحلبي لنفسه؛ يتشوق ريحا وجبل بني عليم، وكان كثير الاهتمام بها، والتردد عليه، وهو موضع بغربي محروسة حلب سنة ثلاث عشرة وستمائة في جمادى الأولى:

قد زدت شوقًا وزدت تبريحاإلى ظلال الكروم من ريحا
فهل ترى يسمح الزَّمان بأنأزور تلك الأماكن الفيحا
وهل تراني يومًا بأرض.... بين الأشجار مطروحا
قد أصبح القلب من تذكُّرهامكتئبًا والفؤاد مجروحا
واهًا لدهرٍ عاشرت فيه بهاعصابةً سادةً مساميحا
أيَّام كان الزَّمان يترك ليبابًا إلى ما أريد مفتوحا
دهرٌ قضيناه بالسُّرور فقدمرَّ وأبقى لنا تباريحا
يكاد طيب النَّسيم فيها إذاما هبَّ يهدي للميِّت الرُّوحا
يا راكبًا يقطع الفلاة علىحروفٍ أمونٍ تسابق الرِّيحا
بلِّغ سلامي إلى معرَّة مارين سقاها الغمام مسفوحا
واطلب إذا جئت منطقًا و... زان فؤادًا هناك مجروحا

/ أ/ محمَّد بن القاسم بن هبة الله بن القاسم بن عليِّ بن محمَّد بن الحريريِّ، أبو عبد الله بن أبي محمدٍ الطبيب الحكيم.

من أهل دنيسر، كان والده ممن يشار إليه في زمانه في علم الطب والمداواة، وله الإصابة في الإنذار في غالب أوقاته.

وابنه هذا قرأ على المهذب أبي الحسن علي بن أحمد بن هبل البغدادي الخلاطيِّ بالموصل، شيئًا من كتابه ((المختار))؛ ورحل إلى بغداد، فظهر له بها القبول عند الناس وعالج بها خلقًا كثيرًا بالأدوية، وبعمل اليد؛ ثم رحل منها إلى بلاد العجم.

قال صاحب كتاب ((حيلة السريين من خوّاص الدنيسريين)): أنفذ كتابه إلينا من نيسابور، بأنه يقرأ على الإمام فخر الدين أبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرَّازي المعروف بابن الخطيب. وله خطّ مليح، كتب على الأمير أمين الدين أبي الدُّرِّ ياقوت الموصلي زمن اشتغاله بالطب على ابن هبل، وتقدّم بعلمه عند الملوك والسلاطين، ورغبوا في استخدامه لاسيما في دولة الملك الأشرف؛ فإنه حظي لديه، وصنّف له كتابًا/ ب/ سمّاه ((الروضة)) على وضع ((كليلة ودمنة))، وكتاب ((البلغة)).

ومع ذلك له مشاركة قويّة في الفنون الأدبية، وقرض الشعر، وله خاطر سريع في

ارتجاله، ويد طولى في صناعته.

أنشدني الشيخ الحافظ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد البكري بدمشق، بمنزله المحروس في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني أبو عبد الله محمد ابن السيزري لنفسه بسنجار في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة؛ وأنشدها السلطان الملك الأشرف شاه أرمن- رحمه الله تعالى- ونظم ذلك بديهة:

يا أيُّهأ الملك الَّذي بعلومهأصبحت بين يديه كالمتعلِّم
أبدعت فيما قلت حتَّى لم يقلأحدٌ بأنَّ الفضل للمتقدِّم

وقال أيضًا:

أهدي لمولانا دعاءً صالحًايدعو به في الصُّبح بعد صلاته
وسوى الدُّعاء فلست أملك غير ماأحويه من صدقاته وصلاته

محمَّد بن عليِّ بن زيد بن محمَّد/ أ/ بن محمَّد بن زيد بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن عبيد الله، أبو البركات بن أبي الحسن العلويُّ الحسينيُّ الموصليُّ.

من أبناء النقباء الأشراف بالموصل.

وكانت ولادته في شهر رمضان سنة ستين وخمسمائة؛ وتوفي في إحدى الجماديين سنة إحدى عشرة وستمائة بالموصل، ودفن قبليها في تربة لهم بمشهد الرأس.

أنشدني أبو الحسين القاسم بن أحمد بن زيد العلوي الحسيني؛ قال: أنشدني ابن عمِّي أبو البركات لنفسه؛ وكان أبو البركات يسمِّيه أتابك نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر- صاحب الموصل- المنائري. وذلك أنه كان يسأله عمّا يحصل في يده من ذهب، فيقول أبو البركات: صارت منارة، ثم يسأله مرّة أخرى، فيقول: صارت منارتان، صارت ثلاث منائر، يكنّى بذلك عن

المائة الدينار، وكان يداعبه بهذا القول، وينبسط معه، وكان نديمه وجليسه:

مولاي لم يخطر فديتكغير ذكرك لي بخاطر
إن كنت يا خير الأنام نسيتني فالعبد ذاكر
أوليتني منك النَّدىوالحرُّ للإحسان شاكر
/ ب/ لا تستمع قول الأحينففهو معتل معتلُّ الضَّمائر
الصِّدق شيءٌ عندهفي الدَّهر من طرف النَّوادر
يقفو بذاك خلال والده أبي الفتح المخامر
إن كنت تسمع قولهفاقر السَّلام على المنائر

محمَّد بن إسماعيل بن محمود، أبو عبد الله الدمشقيُّ الأصل، المصريُّ المنشأ، المعروف بالصفيِّ الأسود الكاتب.

حدَّثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي- أيده الله تعالى- من لطفه، قال: كان أبو عبد الله الأسود كاتبًا مجيدًا، حسن الإنشاء، مليح الخط، جيد النظم، كثير التواضع، طيب المفاكهة، خيرًا فاضلًا.

اشتغل في صدر عمر بالفقه، وحصل منه طرفًا صالحًا، وكذلك علم العربية؛ ثم برع في الإنشاء، وكتب للملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب- رحمه الله تعالى- ثم اتصل بخدمة ولده الملك الأشرف موسى، وصار كاتب أسراره، ورأس كتّاب الإنشاء، وحظي عنده/ أ/ وتقوَّى عليه.

قدم حلب في صدر عمره، وأقام بها مدّة، وكتب بها لسلطانها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب- رحمه الله تعالى- ثم انفصل عنها وخدم للملك العادل سيف الدين أبي بكر، وعاد إليها مع الملك الأشرف.

واجتمعت به بها، ثم اجتمعت به برأس عين الخابور، وكتب منها بها شيئًا من نظمه، وقرأت عليه بحرَّان جزءاً يرويه عن والده، من جمع الأقليشي رواية والده عنه.

وسألته عن مولده، فقال: ولدت في ذي القعدة سنة ستين وخمسمائة، وتوفي بالرّقة في تاسع عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن بها بباب مشهد أمير المؤمنين علي- ﵇ وبني له تربة على قبره.

ثم قال: ومما أنشدني لنفسه في الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل عند مقدمه من الحج، ويذكر فيها توديعه عند سفره إليه:

ما بال قلبك للنوى لا يخفقأتراك كنت بحبِّهم تتلمَّق
إن أتهم الأحباب لست بمتهمٍمعهم ولست بمعرقٍ إن أعرقوا
ما أقطعوك سوى القطيعة عندماجمعوا همومك في الحشا وتفرَّقوا
/ ب/ ولئن كتمت هواهم وسترتهفبكلِّ جارحة لسانٌ ينطق
ولقد جننت بهم فقيَّدك الهوىوعن السُّلوِّ عليك بابٌ مغلق
فلذاك دمعك في الخدود مسلسلٌوأسير قلبك بالصَّبابة موثق
جدَّ الحداة بهم ولو علموا بمالاقيته لتعطَّفوا وترفَّقوا
حطموا بقصدهم الحطيم مخلَّفًاوبدمعةٍ تلك المشاهد خلَّقوا
وأظنُّ قلبك من جمارهم الَّتيكانوا بها عند المحصَّب حلقوا
لو كنت شاهدنا عشيَّة ودَّعواوقلوبنا بيد المطيِّ تشقَّق
وعيوننا عين تجود بعبرةٍممزوجةٍ بدمٍ وأخرى تخفق
لحسدت من أنف التَّعبُّد للهوىوعلمت أنَّ الحر من لا يعشق
خلق اللَّيالي ما علمت فإن أتتبخلافه فتطبُّعٌ وتخلُّق
ولأشكرنَّ صروفها إن أنعمتوتضمَّنتنا بعد بين جلِّق
هي جنَّة الدنُّنيا فماءٌ سلسلٌونسيم أسحارٍ وغصنٌ مورق
وشباب حسنٍ لا يشيب ومنظرٌبهجٌ عليه من النضارة رونق
ولكفِّ أنواء الرَّبيع تمهُّرٌفي نسج حلَّة حسنها وتأنُّق
ولرُّبما من معجزات سميِّهإحياء ميت أو نوالٍ يخلق
/ أ/ ملكٌ رقى في المجد أرفع ذروةٍمن تحتها الشَّمس المنيرة تشرق
وتجاوز الأفلاك يطلب غايةًما فوقها المؤمِّل متسلَّق
الفاعل الفعلات عن أمثالهاعمر الزَّمان ومن حواه ضيِّق
لم ترض همَّته تجوُّز واصفٍفسمت إلى ما لم ينله الأسبق
ورمى العلوم بفيصلٍ من فهمهيعنو لفتكته السِّنان الأزرق
فأحاط منها بالدَّقيق عن النُّهىفهمًا وبالمعنى لمن يتحذَّق
سبَّاق غايات لكلِّ فضليةٍعنق الزَّمان بحليها متطوِّق
أسدٌ يهاب الأسد شدَّة بأسهأبدًا وتحذر من سطاه وتفرق
كم للملوك ببابه من سجدةٍشكرًا لأنعمه الَّتي لا تخلق
تلقاه خاشعة العيون تكاد منعظم المهابة والجلالة تصعق
لذخائر الآمال فيه تجمُّعٌوذخائر الأموال منه تفرَّق
في حربه صار القنا متدقِّقٌفي سلمه صوب الحيا متدفِّق
لله منه مجاهدٌ متهجِّدٌمتوزِّع متواضعٌ متصدِّق
ساع إلى البلد الحرام مؤدِّيًافرضًا تخبُّ به إليه الأنيق
يجرين في بحر السَّراب سفائنًاطورًا تطوف به وطورًا تغرق
/ ب/ خطَّت على وجه التُّراب نسوعهامدحًا له وبكلِّ أرض مخرق
متجرِّدٌ في حلَّيتي إحرامهكالبدر لاحقه سحابٌ مغدق
إنِّي لأعجب كيف حرَّم طيبهإحرامه وثناه مسك يعبق
ولكنه محجوجة من كعبهرمز العفاة بها تطوف وتحدق
ما زارها إلَّا وعند حطيمهاومقامها شوقٌ إليه تعلُّق
ولو استطاعت أو درت لمسيرهكانت زيارتها إلهي تسبق
مولاء خذها حرَّةً عربيَّةًيعشي النَّواظر نورها المتألِّق
جرَّت جريرًا والفرزدق خلفهاوعلت على أرق ومثلي يأرق
ما سقتها إلَّا لسوق فضائلفي مثلها درر المعاني تنفق
فاخلد وسيفك فالقٌ هام العداأبدًا وصيتك في المسامع فيلق
لا الدَّهر يقعد عن مرادك في الورىيومًا ولا لأسير حبِّك مطلق

وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في السلطان الملك الأشرف- أعّز الله نصره- يعارض بها قصيدة ابن النبيه التي أوَّلها:

(يا طيف يا أكرم ضيف قد طرق) ... .........................

/ أ/ ما طبعوا سيوفهم من الحدقإلَّا لأنَّها أحدُّ وأدق
فواتر بواترٌ ما رمقتقطُّ فأبقت للمحبِّين رمق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «مَا طبعوا سيوفهم من الحدق»
كم أودعت يوم الغرام لوعةًلهيبها لو لمس الماء احترق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «مَا طبعوا سيوفهم من الحدق»
ترى هم رقُّوا لما لقيتهبعدهم من الفراق والفرق
يكذِّبون ما ادَّعيت من هوىًوشاهد الحال لدعواي صدق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «مَا طبعوا سيوفهم من الحدق»
أنفقت عمري في انتظار وصلهمفضاع ما أنفقته ما اتَّفق
وابأبي من جمعت وجنتهماءً ونارًا وصباحًا وغسق
كأنَّما في قسمات وجههبين مسائين ابتسامات فلق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «مَا طبعوا سيوفهم من الحدق»
ريمٌ له قلوبنا مراتعٌغصنٌ له ملابس الحسن ورق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
ذو هيف كيف أطاق خصرهحمل الَّذي رصِّع فيه من حدق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
أسهرني ونام ملء جفنهموسَّدًا من الفؤاد ما خفق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
قد فتحت لي فيه أبواب عنًالأيِّها شاء الغرام بي طرق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «مَا طبعوا سيوفهم من الحدق»
ألَّف ما بين اللَّهيب والحشافليته بين الجفون ما فرق
صاحب ديوان الغرام خالهله على النَّاس بقايا وعلق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
مذ سلِّمت خزائن الحسن لهفكَّ جميع ما عليها من غلق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
/ ب/ وحازها فلم يجد أحسن منصفات مولانا فخان وسرق

مظفَّر الدِّين المليك الأشرف الكريم حقًا وسواه مختلق

اللاَّبس المجد جديدًا والورىعليهم منه الفتيق والخلق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
مسني العطايا والزَّمان باخلٌمردي الأعا والمنيَّات حزق
حمَّ السَّحاب خجلًا من جودهفرعده الرِّعدة والغيث العرق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «مَا طبعوا سيوفهم من الحدق»
جرى به الفضل إلى نهايةسابق فيها العالمين فسبق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
كالغيث في أيِّ مكان حلَّهيرجى ويخشى منه ريٌّ وغرق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
ساحرةٌ ألفاظه وإنَّمامعجزه إبطال سحرٍ غير حق
لو صافح الصَّخر الأصمَّ كفُّهلانبجس الصَّخر بماءٍ ودفق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
يكاد أن يدرك من ذكائهما في الضَّمير واللِّسان ما نطق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
لو أنَّ أملاك السَّماء كلِّفواإحصاء ما تبذل كفَّاه لشق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
أيَّ أسير لم يفكَّ جودهمن أسره وأيَّ حرٍّ ما رزق
من درَّةٍ مكنونةٍ صوَّرهخالقه والنَّاس بعد من علق
للشاعر ابن دنينير، من قصيدة «صب براه بعدهم طول الأرق»
فليهنه العيد وألفٌ مثلهفي نعمٍ واردةٍ على نسق
يا مدحتي خذي أمانًا كل منيا لطيف يا أكرم ضيف قد طرق
/ أ/ واعتذري إلى مجيدٍ شاعرٍرهن القوافي في يديه قد غلق

وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:

أقداحٌ في جفونٍ أم قدحأسكر السَّاقي بها لمَّا جرح
بأبي من وجه لي روضةٌأنبت الحسن بها كلَّ الملح
نصبت عيناه قلبي شركًاصادتا طرفي به لمَّا لمح
سلَّم الحسن إليه فانتقىمنه ما اختار فؤادي واقترح
زارني واللَّيلفلو ... لم يلح برق الثَّنايا ما افتضح
أيُّ بدرٍ لاح من أفق قبًاوغزالٍ غير وحشينٍّ سنح
سمت منه قلبةً في فمهكان في النَّوم بها الطَّيف سمح
وتعمَّدت يمينًا برَّةًأنَّ أسرار هواه لم تبح
فأدار اللَّحظ عنِّي معرضًاقاتل الله فؤادي ما ألح!
كلَّما استعطفته أنشدني:صلح النَّاس وهذا ما صلح

قال: وأنشدني لنفسه صدر كتاب:

وأحسن ما في جود كفِّك أنَّهأتاني ولم أشعر بأنَّك فاعله
/ ب/ فقلت له من أين جئت؟ فقال لي:أتيتك ممن يخجل السُّحب نائله
من المبتدي بالمكرمات عبيدهولم يسع عافيه ولم يشق سائله

وقال؛ وكتب إليه تاج الدين بن الكعكي صاحب ديوان الجيش يطلب منه ورقًا:

يا من نداه قد فهقفوجوده مثل الوهق
أمنن عليَّ بالورقفكما مننت بالورق

أفنت بالفضل أحق

فأجابه مرتجلًا:

يا من إلى الفضل سبقبشكرك الدَّهر نطق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «يَا من إِلَى الْفضل سبق»

من درًّة خلقت والنَّاس جميعًا من علق

أنت بما وصفتهمن سائر النَّاس أحق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «يَا من إِلَى الْفضل سبق»
قد سيَّر الخادم ماأمكنه من الورق
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «يَا من إِلَى الْفضل سبق»
ولو أطاق كسر [هـ] الــرَّاء ولكن ما اتفق

وقال: وكتب إليه النجيب التاجي:

/ أ/ أيا مولى يشرِّف كلَّ وقتبإنعامٍ يقرُّ له الكرام
أتتني منك ألفاظٌ فصاحٌيتابعهنَّ أشعارٌ جسام
تجرُّ جرير ما يحويه فضلًاومثل بديع فضلك لا يرام

فأجابه:

فديتك لا عدمتك من خليلتباكرني أياديه الجسام
يوافيني قريضك كلَّ يومٍوما ألفاته إلاَّ السِّهام
قريضٌ ملء أبحره لهيبٌقوافيه الصَّواعق والسَّلام

وأنشدني القاضي أبو القاسم، قال: أنشدني أبو عبد الله الأسود لنفسه:

فديته ليس عليه جناحوإن تعدَّى طور كلِّ الملاح
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «فديته لَيْسَ عَلَيْهِ جنَاح»
دمي له حلٌّ وعرضي لمنيلوم أو يعذل فيه مباح
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «فديته لَيْسَ عَلَيْهِ جنَاح»
أطلعت في شرع الهوى حكمهكطاعة السُّحب لأمر الرِّياح
مفقَّه الألحاظ لكنَّهالم تقر إلاَّ في كتاب الصِّحاح
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «فديته لَيْسَ عَلَيْهِ جنَاح»
سكران من خمر الصِّبا لم يفقوكيف يصحو وجنى فيه راح
أودعت أسرار هواه الصَّبافاهتزَّ منها الرُّوض طيبًا وفاح
/ ب/ هل طال ليلي فيه أم تاه فيضلال صدغيه ضياء الصَّباح
يا روضةً أجفانها نرجسٌوخدُّها وردٌ وفوها أقاح
أوصلت الحسن إلى غايةٍزادت على التَّأميل والاقتراح

وقال: وأنشدني لنفسه هذه الأبيات، كتبها إلى ابن عنين الشاعر جوابا عن أبيات سيّرها إليه مع هديّة:

أبيات مولاي عنديبديعةٌ لا تحدُّ
وكلُّ شعرٍ سواهافساقطٌ لا يعدُّ
وقد صوت إليهافبي غرامٌ ووجد
ورحت أنظم منهاعقدًا لآليه حمد
لمن له حرُّ مدحنيعلى الحقيقة عبد
أهدى إليَّ وخيرٌمن الهديَّة ودُّ
مؤكَّدٌ كلَّ يمٍمنه إلى الحشر عقد

قال: وأنشدني/ أ/ له في كتاب تعزية:

ولو كان البكاء يردُّ ميتًاإلى دار الحية من القبور
لأجرينا ليرجع من فقدنادموعًا كالبحور على النُّحور

قال: وأنشدني لنفسه:

ولو ردَّت إلى ميتٍ حياةًدموعٌ تستهلُّ من الجفون
صددنا الموت عن من يشتهيهبإجراء العيون من العيون

وقال: وأنشدني أيضًا قوله:

عنّا بعذلك والزَّمان مواتيوالخدُّ نقلى والعيون سقاتي
والرَّوض قد حمل النَّسيم تحيَّةًعن زهرةٍ مسكيَّة النَّفحات
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «عَنَّا بعد لَك فالزمان مواتي»

ركعت أباريق المدام وصاح حيَّ على الصَّبوح مؤذَّن الصَّلوات

وتجاوبت أوتارنا بلغاتهافالتفَّت النَّغمات بالنَّغمات
للشاعر الصفى الْأسود، من قصيدة «عَنَّا بعد لَك فالزمان مواتي»
فاستجل بكرًا توجِّت بحبابهالمَّا عقدت لها على ابن فرات
كالشَّمس إلّا أنَّ مشرقها يدي...... ومغربها فمي ولهاتي
من نور عيسى حلَّ في ناسوتهاأو نار موسى صاحب التَّوراة
/ ب/ شرع السُّجود لها اتِّحاد ثلاثةمنها ومن ماء ومن كاسات
وتجاوزت لطف الهواء فلم تزدفي الكأس عمَّا لاح في المرآة
موجودةٌ معدومةٌ فكأنَّهاجرى على أدوارها
من كف معتدلٍ القوام مهفهفٍخنث الشّمائل شاطر الحركات
فطنٍ يكاد من الذَّكاء يرى الَّذيفي أنفس النُّدماء من حاجات
يهوى فتكتب في الثَّرى أصداغهلك نسخةً من جامع اللَّذات
في خدِّه وعذاره ورضابهكم للهوى واللَّهو من آيات
كالماء إلَّا أنَّه متماسكوطيء المحبّ به على الجمرات
يسقيك من فيه ومن ألحاظهسكرين ممزوجين في الوجنات

هذي تميت وهذه تحيي فيا لله من موتي به وحياتي

محمَّد بن المظفر بن محمَّد بن الحسين بن إسماعيل بن المبارك، أبو عبد الله الموصليُّ المعروف بابن جعرة؛ من أولاد قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريِّ

كان والده عدلًا بالخزانة لبني أتابك

رأيت أبا عبد الله شابًا طويلًا/ أ/ أشقر مقرون الحاجبين، صوفيًا، وكان ذا تديُّن وصلاح، خيِّرًا تقيًا، وكان مواظبًا على الصلوات الخمس، مداوم الصوم، طلق النفس، لم يقبل من أحدٍ شيئًا، يورّق ويقتات من كسب يده، لم يدخر شيئًا من عرض الدنيا.

صار إلى بغداد، وأقام بها مدّة، وتوفي بها بالجانب الغربي، بمارستانها العضدي في ليلة الجمعة الخامسة عشر من شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. وكان يسمّى نفسه عبد الله تواضعًا، وتارة يكتب اسمه المبارك، والاسم الذي سمّاه به والده فهو محمد.

أنشدني أبو الحسن علي بن المظفر بن محمد الموصلي، قال: أنشدني أخي أبو عبد الله محمد لنفسه، يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي بإربل:

قيل سلا المكلَّفوأنكر المعترف
وعاد عن لجاجهالقلب الحزون المدنف
وما دروا أنَّ الهوىتعظم فيه الكلف
وأنَّ أستار الغرام بالدُّموع تكشف
جهَّالة لاموا علىشمس ضحى لا تكسف
/ ب/ لمَّا خلت قلوبهممن الغرام عنَّفوا
وقلَّ ما يوجد فيشرع الهوى من ينصف
يا قمر أوصافهكاملةٌ لا توصف
في الخدِّ منك وردٌباللَّحظات تقطف

ومن سناك طرف من يدنو إليك يطرف

أرطب من غصن الأراكك قدُّك المهفهف
والرِّيق في فيك ترىأم السُّلاف القرقف
وثغرك الدُّرُّ علىصافي العقيق يرصف
فحبَّذا كأسٌ بهمن الرَّحيق ترشف
يتعب فيك الكاشح الــمرتاب والمعنِّف
وقائل لي والركاب في الفلاة تعسف

أين تريد بالمطيِّ في السُّهوب تجف

فقلت حيث يعتليالفخر ويسمو الشَّرف
ربع المبارك الَّذيعلى النُّجوم يشرف
طود حمى رأسٍ إذاخفَّ لخطب أحيف
/ أ/ لولا التُّقى لقلت فيعلاه جاء المصحف
يجود بالطَّبع إذاما فضح التَّكلُّف
فكم لنا من جودهروضة جودٍ أنف
يكره أن تبدو لهعارفةٌ ويأنف
ثبتٌ وقورٌ والجبالل الشَّامخات ترجف

لا يخلف الوعد وأنـ ـواء السَّحاب تخلف

يأتي بنصِّ الشَّرع والأحكام فيها جنف

مقتبل السَّعد علىرغم العدا ما تنف
فهو وبيت الله منروح الوصال ألطف
يا أوحد العصر الَّذيأوصافه تختلف
لين النسيم غبَّهنزوة نار تخلف
حجَّك مفروضٌ وبالــبيت الحرام أحلف
خذها إليك حرَّةًلباسها مفوَّف
تلطف من ألطافكمطباعها وتطرف
تظلُّ عن غيركممن الأنام تعزف
/ ب/ كأنَّها أخلاقك الــحسنى بها تشرِّف

محمَّد بن محمود بن محمَّد بن مقدار بن فارسٍ الحرَّانُّي، أبو عبد الله بن أبي الثناء.

كان والده وزير الملك المعظم المظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين بإربل، واستصحبه من حرّان.

وأبو عبد الله قدم إربل في خدمة مظفر الدين، ولي المظالم مدَّة طويلة بإربل.

حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي بإربل-[رحمه] الله- قال: كان أبو عبد الله عنده قحة، وله هيبة يخافه الناس لهما، وصحبته مدّة، وأخذ عني جملة من النحو، إلّا أنه لم يكن له في ذلك طبع، فلم يحصل منه على شيء ولم أعلم زمن ولايته مع ترددي إليه، أنه يحسن عمل شيء من الشعر؛ فلما عزل وقبض هو ووالده وأقاربه وحاشيته وإخوته كان يكتب في رقاعه أشعارًا غريبة من مثله.

وتوفي بإربل ليلة الجمعة ثالث وعشرين شهر ربيع الآخر من سنة اثنتي عشرة وستمائة، ودفن في يومها ظاهر البلد، بالقرب من باب المدينة/ أ/ المعروف بباب عشائر.

وكان لما خرج من الحبس فقيرًا على أشدّ ما يكون من الفقر، واتسعت الحال؛ فكان يجتدي بشعره الأمراء، وأصحاب الولايات والمناصب.

وكتب إليّ لنفسه هذه الأبيات:

بأيمن طالع وأجلِّ سعدقدمت فحلَّت الأفراح عندي
أجرني من لظى سجنٍ وضرٍّيقطِّع بعضه أعلاق كبدي
فقد أصبحت حلف ضنًى وسقمٍأكابد لوعتي في اللَّيل وحدي
أديم الأرض من تحتي فراشيوساعدي الوسادة تحت خدِّي
وأنت ذخيرتي يا خير مولًىعليه معوَّلي وإليه قصدي
فعاملني بعفوك لا بفعليوهب لي زلَّتي بقديم ودِّي
وأنقذني بحقِّ إمام صدقأباد الكفر في بدر وأحد
شرابكم الرحَّيق وسلسبيلٌوشربي الدَّمع ممزوجًا بدردي
وقد وافى الشِّتاء وليس عنديلردِّ البرد شيءٌ غير جلدي
فلا تعدل إلى مطلٍ ووعدٍفأعذب ما يكون البرُّ نقدي

وأنشدني الصاحب أبو البركات/ ب/ المبارك بن أحمد المستوفي الإربلي، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحراني هذه الأبيات، وكتبها لي بخطه، وطلب مني أن أصلح منها ما فيها من خلل فأصلحته، وعملها في الأمير الكبير شهاب الدين أبي الوفاء قرطايا بن عبد الله المعظمي المظفري، يستعطفه لوالده- رحمهما الله تعالى-:

يا صاح قد صاح الهزار وغرَّداوشدا بألحان فأخرس معبدا
والزَّهر مبتسم الثُّغور فأبيضٌيققٌ وأصفر ظلَّ يحكي العسجدا
مع أخضر يحكي الزَّبرجد ناصعٍفي جنب أحمر قد زها وتورَّدا
قد زانه بسواد آخر حالكٍيحكي عذار مقرطقٍ لمَّا بدا
هذا وقد وشي الجميع بأزرقٍشبه الأسنَّة لا ترى فيها صدا
في روضة فيحاء باكرها الحياطورًا شاميًا وطورًا منجدا
ومدامة صفراءٍ تحسب كأسهاذهبًا وسمط الدُّر فيه منضَّدا
حضرت مناجاة الكليم وشاهدتزمن المسيح وعتِّقت في صرخدا
ورأت بني مروان في سلطانهموروت بما فعلوا حديثًا مسندا
وهي الَّتي كان الوليد يصونهافإذا بدت خرُّوا لديها سجَّدا
/ أ/ وبمدحها نال ابن هاني رتبةًعلياء نازعها الأمين محمدا
فهناك تستلب العقول جاذرٌمرضى العيون بكلِّ أجيد أغيدا
يصر على آساد الرِّجال بأعينٍكظبى شهاب الدِّين في هام العدا
القائد الجرد العتاق ومن لهشهد الأكارم بالسَّماحة والندى
ما نازل القرن المناجز في الوغىإلَّا وأضحى في يديه مصفَّدا
يلقاك مبتسمًا متى وافيتهبتواضع بعلا [هـ] يعلو الفرقدا
أيحلُّ يا مولاي قتلي عامدًابمقال واشٍ قد تجنَّى واعتدى
حاشا طباعك أن يشوب صفاءهاكدرٌ أرى عيشي له متنكِّدا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.