من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (٧)
وقال لي: أريد أن تتم عليها شيئًا آخر؛ فعملت وذلك في سنة إحدى وستمائة:
وأجلُّ مثلك وهو يعلم حالتيأن لا يمدَّ إلى مراعاتي يدا
ما لي رأيتك ملت عنِّي جانبًاأغفلتني معه إلى هذا المدى
ولقد عهدتك لا تزال تبرُّنيبندى يديك فما عدا ممَّا بدا
عد لي إلى الحسنى الَّتي عوَّدتنيإنَّ الكريم يهمُّه ما عوَّدا
ودع الوضاة وما أتوه فإنَّهإفكٌ وخلِّ لحاسدٍ أن يحسدا
/ ب/ أنا ذلك العبد الَّذي أنقذتهممَّا يخاف وقد أطلَّ على الرَّدى
كم منَّة لك عنده مشكورةٍأمسى بزاكي طولها متقلِّدا
لو همَّ لا عمدًا ليجحد فضلهالأبى عليه مكانها أن يجحدا
محمَّد بن عيسى بن عليِّ بن مطر بن محمَّد بن هياجٍ، أبو عبد الله الموصليُّ.
حدثني الصاحب أبو البركات المبارك بن أحمد الإربلي؛ قال: ورد أبو عبد الله الموصلي إربل تاجرًا، في سنة إحدى عشرة وستمائة، وذكر إنَّ هياجًا جدّه الأعلى كان من جملة نواب شرف الدولة قرواش وزيرًا.
عنده معرفة بشيء من النحو واللغة، وذكر أنَّه قرأ شيئًا من الطبّ على أبي الحسن علي بن أحمد بن هبل الحكيم.
وأنشدني لنفسه:
إذا قيل هل في ثغر دمياط من يؤمل أو جار الرئاسة والكرم
أجابك جواب البلاد بأنَّ منفواضله عمَّت على العرب والعجم
محمَّد بن أبي الحسن بن مازل/ أ/ بن حمادٍ، أبو عبد الله، الإربليُّ المولد والمنشأ.
جدُّه منازل أصله من أسعرد.
قرأ شيئًا من علم العربية على أبي عبد الله محمد بن أبي الوفاء النحوي المعروف بابن القبيصي، واشتغل بالفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة- ﵁.
من بيت العدالة والتجارة بإربل إلاَّ أنه قد قلّ ما بأيديهم فتضعضوا.
خرج أبو عبد الله من إربل ممتدحًا مكتسّبًا؛ وتوفي بالموصل في سادس عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة وستمائة.
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
ظبيٌ من الحسن في شعارقد عزَّ في حبِّه اصطباري
قد زانه الله بالعذارخلعت في حبِّه عذاري
قد جمع الحسن بين ماء فيوجنتيه وبين نار
والخال في خدِّه يناديحذار من ناره حذار
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
يا ليلةً قضَّيتها مع شادنكالغصن عند تمايلٍ وتلفُّت
/ ب/ ما زلت أسقيه وأشرب كأسهمملوءةً برضابه قد شجَّت
لمَّا انثنى سكران يخفض صوتهويداي منه تحلُّ عقد التِّكة
نبَّهته سحرًا وقلت له اصطبحفلقد ظفرت بمنيتي يا منيتي
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره:
وأهيف في رداء الحسن والخفريزري على النَّيَّربين الشَّمس والقمر
بدا فأبدى لنا من نور غرَّتهبدرًا أحاط به ليلٌ من الشَّعر
له من الصَّخر قلبٌ حلَّ في جسدتكاد تشربه عيناي بالنَّظر
لم أنسه زارني عمدًا بلا عدةًوعمر ليلتنا في غاية القصر
تجري علينا كؤوسًا خلتها شهبًاتردي فوارس خيل الهَّمِّ والفكر
محمَّد بن المفضل بن الحسن بن مرهوبٍ، أبو عبد الله الحمويُّ، المعروف بابن الإمام.
من أهل حماة.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي العقيلي- أيده الله تعالى- قال: محمد بن الـ[ـم]ـفضل الحموي رجل فاضل فقيه/ أ/ بارع، حسن النظم والنثر، قادر على ذلك.
أقام عندنا بحلب سنين، ثم خرج إلى بلده حماة، وانتقل إلى حمص، فأقام بها، في خدمة الملك المجاهد زعيمها، يسيَّره رسولًا عنه إلى جهات مثل حلب ودمشق
وغيرها؛ وكان حسن الأخلاق، ظريفًا، طيب المفاكهة.
أنشدني لنفسه:
يا أيُّها المتنائي عن أحبَّتهبعد اقتراب متى يدون بك الوطن
أهل تعشَّقت دارًا غير دارهموجيزةً وهم دون الورى السَّكن
بمن تعوَّضت عنهم حين لا بدلٌوهم على الحالتين الرُّوح والبدن
خف وقفة العتب منهم حيث يخرس عنردِّ الجواب الفصيح المدره اللَّسن
يا جيرةً كان في الأحشاء منزلهموالقلب مسكنهم والعين والأذن
يا راحة القلب أنتم منتهى أمليفإن عطفتم فلا حزنٌ ولا حزن
أنتم مرادي من الدُّنيا ولذَّتهاوأنتم لجفوني في الكرى الوسن
لا أوحش الله منكم حيثما اتَّجهتركابكم إن أقام الركب أو ظعنوا
وأنشدني أيضًا؛ قال أنشدني أبو عبد الله محمد بن المفضل الحموي لنفسه:
/ ب/ ولي إليك اشتياقٌ زاد لاعجهوجدًا ونارًا على الأحشاء يضطرم
وأرتجي القرب من رؤياك يا أمليعسى يعود زمانٌ كلُّه نعم
وكلَّما مرَّ وقت قلت مجتهدًالا أوحش الله منكم من يحبُّكم
محمَّد بن يوسف بن عليِّ بن عبيد الله الشَّيبانيُّ.
من أهل البوازيج.
كان أبوه رجلًا قصابًا.
وكان أبو عبد الله؛ من صغره يميل إلى الأدب ويعاني الكتابة، ويتولّع بذينك الفنّين.
ثم هاجر من وطنه، ودخل ديار بكر، واستقرّ مقامه بآمد، واتصل بخدمة الوزير ضياء الدين أبي القاسم أحمد بن شيخ السلاميّة، وصار يكتب بين يديه؛ فلمّا هاجر الوزير إلى الموصل، استكتبه الملك الصالح أبو الفتح محمود بن محمد بن داود بن
سلمان- صاحبها- في ديوان الإنشاء؛ ثم كتب بعده لولده الملك المسعود أبي المظفر مودود.
وكانت ولادته في حدود سنة سبعين وخسمائة، وعلقت من شعره بخط يده؛ قوله:
/ أ/ كم يريني اعتدالك الإعداءاوانثناء القوام منك انثناءا
يا أخا السَّمهريَّ لونًا ولينًاوسنًى عند هزِّه وسناءا
أيَّ سحرٍ موَّهت في المقلة الخوصاء حتَّى أرسلتها نجلاءا
ما غزت في كتيبة الحسن حتَّىعقدت من ذؤابتيك لواءا
أنزلت وحيها على مرسلي صدغيك في كلِّ فترة أجزاءا
وأتت حجَّة التَّأوُّل فيهبدليلٍ فأصبحت أهواءا
بأبي نضرة النَّعيم بخدَّيــك الَّتي لا تبيح إلَّا الشَّقاءا
يا لها جمرةً طغت فوق ماأمنت في التجرح الإنطفاءا
إنَّ عينًا جادت عليَّ وكانتفي ليالي الصُّدود تبكي دماءا
لا تلمها إن أهدت الدُّر البيــضا وكانت ياقوتةً حمراءا
صعَّدتها نار الصَّبابة لمَّاطلبت من وصالك الكيمياءا
يا غزال الأتراك راحوا أسودًافي سروجٍ وفي مروجٍ ظباءا
كيف أرسلت فوق كافورة الصُّبــح من المسك ليلةً ليلاءا
وأمرتالسُّود أن تطـ ... ـبع بيضًا سقَّيتهن الضِّياءا
ما اعتقدت الحلول يا بدر في مثــلك حقّا حتَّى حللت القباءا
/ ب/ لا تعدليفي الخضـ ... ـراء إذ كنت بانةً غنَّاءا
واختصر لي منك السِّناد إلىالهجر فقد أصبح الهوى إيطاءا
حبَّذا الدَّوح في رياضك أعوادًا وقينات ورقه خطباءا
والرُّبى لا تريك في حلل السُّنــدس إلاَّ ديباجةً رقشاءا
يوم تثني لحاظك الخمر سكرىفترينا المدامتين سواءا
وجلا شمسها الهلال فقلنافي الثُّريَّا حلَّ الصَّباح مساءا
ومنها في المدح:
الحليم الأوَّاه والقانت الأوَّاب يهمي حيًا ويغضي حياءا
نبوي تنجاب عن نوره الحجــب فتخفي شمس الضُّحى الآلاءا
أمناء الوحي الهداة المياميــن الشُّخوص الَّتي خلقن ضياءا
هاشميُّ الأعطاَّف إن صال أوصاب أراك الأنوار والأنواءا
طود حلم رسا فألقى عليهالله من جدِّه النَّبيِّ رداءا
فانتهز فرصة السُّكوت فقد أنــطق ياسين فيه والشُّعراءا
واحترز أن يضوع فكرك في معنــى المثاني تملي عليك الثَّناءا
يمتطي كاهل التأني فإنسدَّد سهمًا للنصر سدَّ الفضاءا
/ أ/ أرسلت فكرتي إليه المعانيكلَّ معنى يجاوز الجوزاءا
كلَّما استرفعت حجابًا من القدرة نادى بها الجلال وراءا
حلَّ فيه السِّرُّ الإلهيُّ فانظرتره في جبينه سيمياءا
من يكن علمه مثل علميلا يرى أن يقلِّد العلماءا
وله:
حبَّذا الطَّيف الَّذي سنحافرآني مثله شبحا
رام أن يخفى فنمَّ بهرائد الطِّيب الَّذي نفحا
زورةٌ كانت لمرسلهمرهم القلب الَّذي جرحا
يا أصيحابي مغالطةًنزح الدَّمع الَّذي نزحا
إعذروني إن بكيت دمًاالكرى في ناظري ذبحا
واقفًا بالربع أندبهما على العذَّال صدحا
آه واشوقا إلى ملحٍمنه أمست في الهوى لمحا
وبنان البدر حاملهفي ثريَّا الكأس شمس ضحى
وليال بات من كرمٍسيِّدي في الخصر متشَّحا
كلَّما عنَّت مناطقهزادني في كفِّه قدحا
/ ب/ شمت برقًا من مقبَّلهفأراني خدُّه قزحا
أسكرتني بابليَّتهيوم حيَّاني بها وصحا
سلَّمت راحي لريقتهحجَّة التفضيل واصطلحا
وثنايا الليل ما ابتسمتوخليج الطَّبع ما طفحا
حار فيه النَّجم حين رأىأدهم الظَّلماء قد جمحا
وله في صفة نهر:
ومبر ينحو الصَّدى باكرتهوالجوُّ روضٌ والهلال نديم
سلساله متدفِّقٌ من كوثرفي جنَّةٍ ورحيقه مختوم
صقلته وانية النَّسيم فماؤهالفضيُّ في ذهب العقار نسيم
ينساب أرقمه فتحسب متنهنصلًا يريك البرق وهو هزم
نازعت قمريَّ التَّرنُّم كأسهاوكأنَّه بخلوقها ملطوم
وجدي به حيٌّ وسلواني بهميتٌ ولكن ناظري قيُّوم
حيَّته راقصةً فقبَّل ثغرهأفكأنَّما لثم الغزالة ريم
وكأنَّ دهم اللَّيل أول سابقمنها على حوض الصَّباح يحوم
صرفًا كما حكم المزاج فإن يكننارًا تشُّبُّ فإنَّها تنسيم
/ أ/ ومنها في صفة الراووق:
ومهينم ألفاظه لغزيَّةٌيشدو فلا رملٌ ولا مزموم
من قاسم بالمعدن التِّبريِّ تظـ ....ـهره الزُّجاجة إنَّه لحكيم
يبكي وما هو باليتيم فلا ترىإلَّا ابتسام الدُّرِّ وهو يتيم
وله من أبيات:
يوم الفريق سقيت كأس فراقفاسق الطُّول سحائب الآماق
أنفقت بعدهم التَّجلُّد فأبكهمبمدامع تزكو على الإنفاق
وأغنَّ وكل بي سقام جفونهفضنيت وهو مطالبي بالباقي
لمَّا سرقت بناظري من خدِّهوردًا حمته صوارم الأحداق
قطع الكرى عن ناظريَّ تعمَّدًاوالقطع حدُّ جناية السُّرَّاق
ناديته وهو النَّديم ومطربيومنازعي الصَّهباء وهو السَّارقي
يا بدر لولا أنَّ صدغك مرسلٌما آمنت بك أمَّة العشَّاق
لك آيةٌ من ليلةٍ تدعو إلىتوحيد وجهك ساعة الإشراق
أو ماوهي كأنَّها ... دمع الأسى وحشاشة المشتاق
ولها من الدُّرِّ الثَّمين قلادةٌصانته بين ترائب وتراقي
/ ب/ إنِّي إذا ساقي الحميَّا شاقنيشمَّرت في شربي [الطِّلا] عن ساق
سيما إذا اعتلَّ النَّسيم وغنَّت الــورقاء خلف ستائر الأوراق
لحنًا ترى الإعراب فيه ظاهرًاترويه نصّا عن أبي إسحاق
وله:
ألا عاطنيها فثوب الأصيلرقَّ فضمِّح بالزَّعفران
إلى أن تجرِّد كفُّ الصَّباحعلى حبشيٍّ الدُّجى هندواني
وحتَّى تراه قتيلًا بهومن دمه ضرِّج الخافقان
وله:
ناظر الظَّماء ادعجوجبين الصُّبح أبلج
أترى صدغك يا تركيُّ بالسَّالف عرَّج
كيف أبقى ظلَّه المســكيَّ في الورد البنفسج
ورد خدٍّ كلَّما شوفه بالعين تضرَّج
يا له روضًا متى ماصوَّح الرَّوض تارَّج
فيه من فيه غديرٌللحميَّا يتموجَّ
هكذا من طلب الدُّر من المعدن لجَّج
/ أ/ ربَّ ليلٍ طرفه الأدهم بالظَّلماء مسرج
رعته بالكأس... ..... حتَّى تتبلَّج
يا نديمي فاختيِّ الــجوّ والرَّوض المدَّبج
فاسقنيها جذوةًأبهى من الشَّمس وأبهج
وله:
إنِّي إذا قعد الملوك عن العلاوطلابها ألفيت مجدي قائما
وأبيت يقظان العزائم ساهرًاأسعى لها إن بات غيري نائما
وأعدُّ بذلي للألوف مغانمًاإن عدَّها يومًا سواي مغارما
أهب المضمَّرة العتاق صوافنًاوأبثُّها يوم الطِّراد صلادما
في أيِّ يوم لم أجرِّد صارمًامنِّي وأغمد في المفارق صارما
كالنار والماء اجتماعًا عالم أزلفي الحالتين محاربًا ومسالما
أتشام غير بروق جودي لا ومنأنشا أنامل راحتيَّ غمائما
ويلوذ ملهوفٌ بغير صنائعيلا والَّذي أنسى بذكري حاتما
وله في الملك الأشرف موسى بن الملك العادل:
/ ب/ علمت أن الجيرة المتهمينأمسوا لجفني بالكرى متهمين
لا والهوى إنَّ يميني بهراية صدق رفعتها اليمين
ما زال إنساني من دمعهيعوم في بحر ويطفو سفين
ولؤلؤيُّ الثَّغر صهباؤهنشوتها تعزى إلى أندرين
وما انتسب اللَّيل إلى رفعهحتَّى أعار الصُّبح صبح اليقين
وأظهرت آية برهانهفي سبّه المسك طريق اليقين
لولا هدىً آمنني نورهلحقت تيهًا في الضَّلال المبين
نبيُّ حسنٍ آمنت بالَّذييوحى إليه أمم العاشقين
تقول أسباب غرامي بهكفى بنا يا مدَّعي حاسبين
سامرته أسمر لو لم أكنبأزرق الكحلاء منه طعين
يدير منها جلَّناريَّةًيطفو عليها حبب الياسمين
ما انتشرت لليل راياتهواتَّقدت في الكأس إلَّا طوين
ولا غزاني الهمُّ إلاَّ وليمن نصرها يوم فراري كمين
عجوز خدرٍ ما اجتلاها فتىإلَّا فتاةً وهي في الغابرين
إن أظهر البدر لها كوكبًاكانت له الشَّمس من السَّاجدين
/ أ/ كيف التسلِّي إن نهاني النُّهىعنها وقد أمست من الآمرين
في طاعة العشق لها لم يزلقلبي عليها مثل ثوبي رهين
لا والَّذي رايات إحسانهمستورة العدل على العالمين
ملكٌ له آية ملك أتتبحجَّة الرَّدِّ على المبطلين
برهانها من غير سوء يدٌيخرجها بيضاء للناظرين
تقتبس الأعين من نورهاهدىً لمن جاء من المطلين
آيته الكبرى إذا ما طغىفرعون دهر يوسفيُّ السِّنين
تنبجس الأنواء في كفِّهتبرًا على أسباطه المجتدين
إن شاقه الهنديُّ يوم الوغىكان إلى الرّوح من المسلمين
فمن تلا من وحيه آيةًرأى المنايا فيه حقَّ اليقين
معجزةٌ لو بلغتها العصاما كان موساها من الآمنين
من شكَّ في السَّاعة واختار أنيظهرها وهو من الموقنين
فلينتظر رحمته وليخفعقابه فهو القويُّ الأمين
شدَّة بأسٍ رحمةٌ بينهمامع لذَّة العفو لين
يا واهب الدُّنيا على ظنَّةبأنَّه فيها الجواد الضَّنين
/ ب/ لو أنَّ أهل العجل أصحبتهمسناك ما زالوا من المهتدين
ولو رأى سحرك ملقي العصاما كان للبحر من الضَّاربين
نوديت من جانب طور العلاإنَّك يا موسى من الظَّاهرين
وله:
إن رمت أن تسلو فسل موسى إذاوهب الجزيل سجيَّة الإقلال
أو كنت تطمع في الخيال فقل لهيخلي ذراه من بني الآمال
أو شئت أن أحنو فقل ليمينهتحنو مواهبها على الأموال
ملكٌ إذا حاولت قبله كفِّهقابلت منها قبلة الإقبال
فحديثها في الجود يروى مسندًاعن كوثريِّ بنانه السًّلسال
فلسيبه ولسيفه ما ينثنيأو يقتني من أنعمٍ ومعالي
وله في الصفي بن شكر، وزير الملك العادل:
لو هبَّ مسكيُّ النَّسيم عليلالشفى على بعد المزار عليلا
فاستنش من نفحاته خبر الحمىإن كان يلقى السَّائل المسؤلا
علَّ الكحيل الطَّرف يرسل هجعةًفيروز طرفًا بالسُّهاد كحيلا
/ أ/ الملبسي من خصره ونحولهثوبي نحول لم يكن منحولا
قمرٌ أرتِّل ذكره فيزيدنيشعفًا بتذكاري له ترتيلا
ألقى عليه الكاشحون برودهمقولًا عليَّ من السُّلوِّ ثقيلا
أفتيك مقلته متى يجد الشِّفامن كان يومًا بالعيون قتيلا
وسليم صدغيه سبيلك لا ترىيومًا إلى برء الغلام سبيلا
يا سمهريَّ القدِّهل من نهلةمن فيك تأبى أن تبلَّ غليلا
هجر الرُّقاد عداة هجرك مقلتيهجرًا على مرِّ الزَّمان طويلا
إرقد فإنَّ لناظري في دمعهسحّا إذا جنَّ الظَّلام طويلا
ويلاه من عضبٍ بجفنك جفنهأبدًا تراه مغمدًا مسلولا
فكأنَّه عزم الوزير استلَّهفرآه مشحوذ الغرار صقيلا
الصَّاحب الصَّدر الَّذي أضحت لهفي المجد تيجان الملوك ذويلا
ملكٌ إذا ماهزَّ عطفًا للندىفكأنَّه اغتبق العداة شمولا
ألقى عليه الله سمت نبيِّهوتعبّد ما لم يكن معقولا
فالوحي منه يحوك وشك ثنائهلولا القريض لجاءه تنزيلا
والدِّين لولا أن صاد صفيِّهشرعًا وبدَّل وصفه تبديلا
/ ب/ وعلاه لمَّا أحكمت آياتهابالنَّصِّ حقًا فصِّلت تفصيلا
يا سيِّد الوزراء دعوة مخلصٍيتلو ثناءك بكرةً وأصيلا
يا من تكفَّل خاطري بمديحهحتَّى يكون بما أتاه كفيلا
إن كان عن فحوى صفاتك قاصرًافالطّول منك يزيده تطويلا
يا كاشف الغمَّاء إن هي أظلمتواستبهمت طرقاتها تأويلا
إنَّ الحبى لا تستتبُّ لعاقدما دام يومًا بالحباء نحيلا
فاقدح زناد العزم فيَّ بهمَّةًتذر القضاء بحدِّها مغلولا
فأثيل مجدك لم يزل يبني لمنوالاك مجدًا لا يزال أثيلا
وقفت صفاتك في طريق مدائحيفبهتُّ لا وصفًا ولا تمثيلا
وعجزت عن إدراكها فانظر أخافضل أقام على القصور دليلا
وله من أبيات:
ما دمت أوضح إعجامي بإفصاحيطورًا وأشرح إشكالي بإيضاحي
لا أشرقت في يد السَّاقي المدير لهافي حندس اللَّيل إلَّا شهب أقداحي
نيران أرواحها بالماء مظلمةٌمن الزُّجاجات في أشباه أشباح
درُّ الفواقع مسباحي وغرَّتهاإن أسبلت طرَّة الظَّلماء مصباحي
/ أ/ فداو دائي بها فهي الدَّواء لهوأقبل بها توبتي إن رمت إصلاحي
واطرد شياطين أحزاني إذا تليتبشربها في الدُّجى آيات أفراحي
وقل لمن لام فيها لست تاركهاوكيف أدفع فضل الرَّاح بالرَّاح
وما وجدت لحظِّ الهمِّ إن سطرتحروفه مثلها في القلب من ماحي
يا صاح إن صاح داعيها فلبِّ وقلقد ضلَّ من ظلَّ من كاساتها صاحي
أطع هواها ودع عصيان ما أمرتلعاذل في هوى الصَّهباء ملحاح
واقدح زناد مسرَّات القلوب بهافي نور أقداحها أو نور قدَّاح
وله من أبيات، طلبها منه الملك الصالح محمود بن محمد بن أرتق، لمعنى ذلك في نفسه، سقطت من الأصل:
. الجود له إذ رأيتثمَّ نعيمًا وملكًا كبيرا
سقاني من كفِّه الكوثريِّلا لغو فيه شرابًا طهورا
فآمنني أن أرى في الزَّمانيومًا عبوسًا ولا قمطريرا
فرد ظلَّه مستجيرًا تجدهلا شمس فيه ولا زمهريرا
نظرت إليه فأهدى إليَّمن بشره نضرةً بل سرورا
وزيرٌ معاليه منصوصةٌعليه ولكن أياديه شورى
/ ب/ متى جزم الشَّرط من أمرهأصاب الصَّواب فأمضى الأمورا
يمين الخلافة طلت النُّجومعلى شأوها فادَّعين القصورا
نبوَّة فكرك آياتهاسطورٌ من الغيث تشفي صدورا
بعثت بها فمنحت الشَّكورعلى شكره ومنعت الكفورا
فأخبار مبتدات الوغىبنصرة رأيك تأتي أخيرا
تبارك منزل تأييدهعليك في الدَّست أرسى ثبيرا
ومن سدادك سدُّ الثُّغورفأمسى سوارًا عليها وسورا
إلى ابن عليّ المهيب الوقورفليت الفلاة وهادًا وقورا
فلا وخدت بي إليك الرِّكابإذا لم أكن لك عبدًا شكورا
ومن منثوره في دعاء الشاعر:
((لا زال وجه البيان منقولًا من تسويده، إلى تبييضه، وخاطره يذبّ عن الممالك بأسياف قريضه، ويخلع على الحمائم أطواقًا من أعاريضه)).
وله:
((لا زالت بوارق بشره تبسط الآمال، وفي مرآة خلائقه/ أ/ تتراءى وجوه الإقبال)).
ومن كتاب كتبه:
((أعزّ الله سلطان المقام العالي، ولا زالت درج المعالي، مواطئ صعوده، ومواطن سعوده، وجعل خوفه بأسه، ومن عفوه هذا مصدّقًا لوعيده، وهذا محققًا لوعوده، وأمدّ جند كتائبه بكتائب جنوده، ولا برحت حباة الأيام متحدة، محال سجودها مجالس سجوده.
هذا البشرى تنقل أحاديث النصر مسلسلة، وتشافه بحملها مفصّلة، مسندة عن صفائح القضب، لا صحائف الكتب؛ فإنَّ السيوف أصدق منها
إنباءً، والرياح أقصد منها إيحاءً، مسفرة عن صباح بالنصر كفيل، ويوم عرض في الفخار طويل)).
ومنها:
((إنَّ العدو ينهض من مجثمه في يوم كذا في جيش غصّت به لهوات الأرض، كأنَّ عرضه يوم العرض، تتموج غمرات أهواله، وتتأجّج جمرات أبطاله، قد امتطت عقبان الخيول منهم أجادل، وسلّت على غدران الدروع من السيوف جداول)).
/ ب/ وله:
((ولا زالت مبارّه تفوت الميادين، وداره بعبق الشَّذا دارين، وعلى ناره هدًى للسارين)).
وله:
((صرت لكلّ غربة خدنًا، ولكلّ تربة ابنًا، حتى إذا عانيت عيناي جبال رملها، رميتها من همومي بمثلها، تارة أقذف في لهواتها، وافتلي نواصي فلواتها، إن أظلم ليل كنت له زميلًا، أو ضلَّ نجم كنت له دليلًا، فلا مجلس إلِّا سرج تطرب نغمات صهيله، ولا منادم إلَّا من يعرب عن .....)).
محمَّد بن عبد الملك بن عبد الله، أبو عبد الله الوظائفيُّ الحاجب.
كان أحد حجاب الديوان العزيز- مجّده الله تعالى- ويتولى حمل ما ينعم به على الرسل الواردين إلى أبواب الديوان العزيز، من ملوك الأطراف.
وكان عنده أدب، ويقول الشعر جيدًا، وتوفي في شهر ذي الحجّة/ أ/ سنة تسع وعشرين وستمائة، في إحدى القرايا المقاربة لبغداد، وكان قافلًا من سفر.
أنشدني الأجل العالم تاج الدين أبو الحسن علي بن أنجب بن عثمان بن عبيد الله
البغدادي، بمدينة السلام- أدام الله سعادته- في أوائل جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني محمد بن عبد الملك الوظائفي لنفسه هذه الأبيات، يعرض فيها بذكر الوزير أبي الحسن محمد بن محمد بن عبد الكريم القمي، وولده حين قبض عليهما الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، ويذكر سوء صنيعهما، ويحرض فيها على قتلهما بألفاظ رماة البندق، المصطلح عليها، وتوصل في عرضها، لكونه كان موتورًا منه، وحكى أنه عرضها وهي:
لقد انتحى المستنصر المنصوريوم المكين كما انتحى المنصور
ملك الخراسانيُّ ذاك بعينهوكذا خراسانينا المأسور
يشير إلى أبي مسلم الخراساني- صاحب الدولة- وقد جعل قم من خراسان.
لا تبقه يا خير من وطئ الثَّرىفالرَّأيُّ أن لا يهمل الموتور
/ ب/ وأقصم عرى عنق القصير فدونهفي المكر والكيد الوكيد قصير
القصير الأول القميّ؛ لأنه كان قصيرًا؛ والثاني قصير الذي احتال في أخذ ملك الزَّباء.
مولاي في وجه الغداة صرعت مصــطبحًا وطير المخِّ فيه وكور
أخليت منه الجوَّ في ندب وكمحاملت عليه ولم تنله نسور
خيَّشته لكن مفيقًا فاتَّبعما سنَّه في البندق الجمهور
والرأي تذكية المفيق فإنِّهما زال يسكن روعه فيطير
فالكيُّ مخلفه لديه واضعٌفي خدِّه عضدٌ له وظهير
لا تأمنن عليهما في مجلسٍضنكٍ فعندهما له تدبير
كم هارب من قلَّة في قلعةٍولكم نجا بقيوده مطمور
فاقتلهما بالسَّيف أحوط فارسٍلهما وهذا أول وأخير
ضلَّ المكين بكلِّ ما صنعت بهآراؤه في دسته المغرور
وتر الخلائف بالخلاف ولم يكنقد ردَّ مرسوم الملوك وزير
فعزمت فيه عزمةً نبويَّةًكادت لسطوتها السَّماء تمور
حرست ثغور المسلمين بعزلهوتبسَّمت للعالمين ثغور
/ أ/ بأسٍا شديدًا لو يمرُّ بيذبلوثبير زلزل يذبل وثبير
وسحاب أنعمك الجسام إذا همىلم يبق في الأرض الوقور فقير
فاسلم أمير المؤمنين تكفُّ عنَّا الجور من أربابه وتجير
محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن الحسين بن عليِّ بن محمَّد بن عبد الصمد، أبو المؤيد بن أبي إسماعيل الطغرائيُّ، الأصبهانيُّ الأصل، الموصليُّ المولد، الدؤليُّ.
هو من أولاد أبي الأسود الدؤلي، في رواية أبي حامد محمد بن محمّد الكاتب الأصبهاني.
كانت ولادته في سنة تسع وأربعين وخمسمائة؛ روى عن الأمير أبي المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ الكناني، وأبي عبد الله محمد بن يوسف البحراني شيئًا من أشعارهما.
وهو الكاتب الوزير العالم النحرير، حكيم عصره، وفيلسوف دهره، من بيت وزارة وجلالة، [لم] يرثهما عن كلالة، درس العلوم الحكمية، واسترقّ رقابها، وتبحر في ضروب الفضائل وكشف نقابها، فذلّل له حرونها، وتسهَّلت/ ب/ لديه حزونها، فأضحت منشورة أعلامها، مطرزة أكمامها، ولم يذر منهجًا من البلاغة إلّا سلكه، ولا حرّاً من بديع الكلام إلّا ملكه، حتى صار الإمام الكامل، يشار إليه في وقته بالأنامل.
حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي- ﵀ من لفظه بإربل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، في تاريخ إربل من تأليفه، وساق ذكر أبي المؤيد، فقال: ((الوزير الإمام سيد الأفاضل، وصدر الأماثل، وواحد الأكابر، ومن يضرب بفضله المثل السائر، ذو الفكرة المتوقد شعاعها، والبديهة المرضية رويتها وسماعها، المفتن في علوم الأوائل والأواخر، الضارب في فنون الفضائل بالسهم القامر.
ولي والده أبو إسماعيل الوزارة بإربل مدّة، ثم عزل عنها، وكان أبو المؤيد هذا في رفاهية من النعمة ناعمة، وبلهنيةٍ من العيش دائمة، لا تنزل الأحزان ساحته، ولا يعقب التعب راحته، حتى عزل والده، فسلبه الدهر دعته، وارتجع منه العيش الهنيّ وديعته، فتنكرت منه ومن والده معالمها، واستوى في الرقة/ أ/ لهما شامتهما وراحمهما، ورحلا إلى الموصل، فأقاما بها على أنكد عيش وأمِّره، وأكره منقلب وأضرِّه.
وكان مجاهد الدين أبو منصور قايماز بن عبد الله الزيني- رحمه الله تعالى- يصل والده في كل شهر، بما يقوته، ولا يفضل منه ما يصل أبا المؤيد، فرثَّت بّزته، وساءت حالته؛ فرأيته في الموصل يرد إلى شيخنا أبي الحرم مكي بن ريان المكي النحوي- ﵀ يأخذ عنه شيئاً من النحو، وهو خامل الذكر، مقسم الفكر، مخالطًا أكثر أمانيه؛ بقوله:
((ألا موتٌ يباع فأشتريه))
وكان بينه وبني أبي عبد الله محمد بن يوسف البحراني الإربلي صداقة وكيدة، مملوءة من المودة عبابها، فسألته أن يكتب له، إلى خاله أبي غالب عبد الواحد بن مسعود ابن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحسين وكان بواسط يتصرف في الأعمال الإمامية أبياتًا يشكو فيها والده، ويذم زمانه، فقال على لسانه:
أشكُّ بأنَّ الحال رقَّت وليس ليإليك سوى المعروف من يتوسَّل!
/ ب/ وأنَّ أبي والحادثات تعاوناعليَّ ولا يصفو مع الضَّيم منهل
وما نزغ الشَّيطان بيني وبينهبشيءٍ سوى أنِّي إمرؤٌ ليس يجهل
إذا ما رأيت المرء ليس بنافعٍلديه جميلٌ فالقطيعة أجمل
ولمَّا دعاني البين وانشقَّت العصاأتيتك لمَّا لم يكن [عنك] معدل
ثم أنفذها في كتاب إلى خاله، فأظنّه- إن شاء الله- أمره أن يصل إليه، فمضى وأقام عنده مدَّة، فنكب خاله؛ ورحلا إلى السلطان الملك الناصر يوسف بن أيوب ابن شاذي- رحمها لله- فأنزل خاله أحسن منزل، وولاه النظر في أموال خزانته، وأقاما إلى أن توفي السلطان- ﵀ واتصلا بولده الملك الظاهر غياث الدين غازي- ﵀ فخدمه خاله مدّة.
ثمّ عرض له مرض منعه عن الخدمة، فتوصل أبو المؤيد إلى خدمته فخدمه، فما زال يهمي عليه سحائب نواله، وتسري إليه سرى الخيال طوارق أفضاله، حتى صار ذا جدةٍ وافرة، وسعادة فاخرة؛ وألقى إليه مقاليد أموره، واكتفى به في غيبته وحضوره.
فلقد حدثني من أثق به؛ أنه وصله من/ أ/ غير الحسابة بمال جزيل، ونوال جليل، يقارب العشرة الآلاف الدينار، فلم يزل ينمى غرسه، وتشرق شمسه، حتى صار أحدوثة الرُّكبان في الحجة على تقلّب الأعيان.
أخذ علم الأوائل عن شرف الدين المظفر الطوسي، وكان عنده منه معرفة كتاب أوقليدس، والعمل بالبركار التام؛ وأشياء كثيرة تليق بمثله من الصدور.
وله رسائل عذبة، وألفاظ رطبة، ومعانٍ أرق من النسيم، وفصول أحسن من نضرة النعيم؛ وأنا ذاكر منها ما ذكرته من خطّه، ووقفت عليه من غيره، ما تروق الأسماع أسجاعه، وتشوق الطباع أوضاعه.
وكتب إلى أبي عبد الله محمد بن يوسف البحراني:
وأبرح ما يكون الشَّوق يومًاإذا دنت الدِّيار من الدِّيار
لو أن أشواقي إلى المجلس الفلاني؛ أسماه الله وأيده، وكبت أعداءه وحسَّده،
وزنت لرجحت على ثبير وشمام، ورجحان سيدي بمروءته على الأنام، وقد كنت واصلت تقصيري في إصدار الخدمات إلى أعالي مجلسه تزجية مني للآمل، والوعد أن سيكون ذلك منّي ضمن أمور في نفسي، حال بيني وبين بلوغها الأقدار التي لم تزل/ ب/ تحول دون الأغراض وتفرض، وتعدو على الآمال وتمرض؛ وبالجملة ففحوى أحوالي علمه محيط بها قياسًا واستقراء، وإن لم يحط بتفصيلها أخبارًا.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أبي الحسن الحنفي- أدام الله سعادته- قال: ((كان الوزير أبو المؤيد فاضلًا عالمًا، واسطة خير عند مخدومه، محبًا لأهل العلم، فصيح العبارة، حسن الإنشاء، قد أخذ من العلوم بحظٍ وافر؛ وكان قيّمًا يعلم الهندسة.
وكانت وفاته يوم الخميس الخامس والعشرين من صفر سنة سبع وستمائة بحلب، ودفن في داره، ولم يزل مدفونًا بها، إلى أن بيعت على ورثته، ونقل منها إلى مشهد بمقام إبراهيم الخليل- ﵇.
ثم قال: وأنشدني إسماعيل بن محمد بن الحسين قال: أنشدني أبي لنفسه، ولم أعرف له نظمًا غير هذين البيتين:
إنَّ العذارين ما إن زادني بهماإلّا فؤادٌ تذوب النَّار من حرقه
ما شان حمرة خدَّيه اخضرارهماأغضُّ شيء يكون الورد في ورقه
محمَّد بن المنذر بن عبد الرحمن/ أ/ بن أبي عقيلٍ، أبو عبد الله اليابريُّ.
كان والده من بلاد المغرب.
وولد أبو عبد الله ببغداد، وأمّه بغدادية، وتفقه بها على يوسف بن محمد
الدمشقي، وسافر الكثير، وسمع بدمشق الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن الدمشقي، وقرأ عليه معظم تاريخ دمشق، وأبا المظفر مظفر بن أسعد بن الحكيم.
ثم اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- ﵁ وولي له أعمالًا، ثم من بعده بخدمة ابنه الملك العزيز عماد الدين عثمان- صاحب الديار المصرية- ثم انتقل بعد موته إلى حلب، وسكنها، واستخدمه الملك الظاهر غياث الدين غازي على قناة حلب، وأجرى له رزقًا حسنًا.
حدثني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: كان أبو عبد الله يمتنع عن إسماع شيء من الحديث النبوي؛ فإنَّني فاوضته في ذلك مرارًا؛ فقال: أنا لا أستجيز رواية الحديث، لقول النبي ﷺ: ((نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها)) الحديث .. وأرى المحدثين، يأخذون عن من لا يفهم شيئاً، وتقع منهم أوهام إلى أشياء من هذا القبيل؛ وباحثته في ذلك مرارًا، وهو مصرّ على ما سوّلت/ ب/ له نفسه.
وسألته عن مولده، فقال لي: تقديرًا إلى هذا التاريخ ثمانون سنة؛ فإنني أدركت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة؛ وكان سؤالي له في سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ قال: وولدت ببغداد.
وتوفي بحلب في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وستمائة، ودفن خارج باب النصر، في مقبرة مشهد الدعاء.
وأنشدني القاضي أبو القاسم- أيده الله تعالى- قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن المنذر، إملاءً من لفظه لنفسه، في الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- ﵁:
بدت فرأيت البدر في حلَّة الصَّباوماست فخلت الغصن ميَّله الصَّبا
وهزَّت قوامًا كالرُّدينيِّ وانثنتمغادرةً قلبي المعنَّى وقد صبا
وراشت نبالًا من جفونٍ وجرَّدتحسام لحاظٍ فلَّ صبري وما نبا
فساومتها وصلًا فقالت مجيبةًأخلت وصال الغانيات مسيَّبا
إذا ما طلبت الوصل منهنَّ لم تجدإلى ذهبٍ يومًا إلى ذاك مذهبا
وإن تك ذا مالٍ فأنت الَّذي إذًانعيد بعيد الشَّيء منك مقرَّبا
فقلت لها إنِّي امرؤٌ ربع مالهغدا مقفرًا من ساكنيه مخرَّبا
/ أ/ فقالت تزوَّد حسن ظنِّك واصطحبرجاءك واجعل صدق قصدك مركبا
إلى ملك لو لامست كفُّه الثَّرىلعاد الثَّرى باللَّمس في الحال مخصبا
إلى من له أضحت لنا مصر جنَّةًومسكنها من جنَّة الخلد أطيبا
وأنشدني، قال: أنشني أيضًا لنفسه من أبيات فيه:
يا عاذلي دع عنك عذل الوالهفالعذل منك يزيد في بلباله
لو كنت شاهدت الَّذي هو مغرمٌمن أجله ما كنت من عذَّاله
رشا يحاكي الغصن في حركاتهويفوق نور البدر عند كماله
لم أنسه أشكو إليه تحصفًاويدي لفرط الوجد في أذياله
ناديته يا من بسهم لحاظهقلبي أصاب ولم يجد بوصاله
وأذاقني كأس التَّفرق عامدًاوجنى عليَّ بمنع طيف خياله
رفقًا بمن أمرضته ببعادهواعطف على من لم تغب عن باله
واسأل عن الباكي عليك بأدمعٍتحكي ندى من عمَّ فيض نواله
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من أبيات:
/ ب/ ثمر المعالي لا ينال وإن دناإلّا بأطراف الصَّوارم والقنا
وإلى رفيع المجد يومًا ما ارتقىفي راحة إلَّا الَّذي اقتحم العنا
وعلى المراد من الرِّيادة ما احتوىإلا الَّذي أعطى صوارمه المنى
فانهض نهوض أخي اعتزامٍ صادقٍما قام يدعو الأمر إلَّا أذعنا
كصلاح دين الله والملك الَّذييرجى ويخشى إن تباعد أو دنا
فيه لأيَّام الزَّمان محاسنٌإذ جاء يدعى في الملوك المحسنا
كم من يد أسدى وكم من منَّةغطَّى بها فعل المسيء فأحسنا
كم وقفةً شهدت له وثباتهوثباته فيها بمشهور الغنا
سل عنه ألسنة الرِّماح فإنَّهأتنبيك عمَّا أودعته الألسنا
واستمل تملي المرهفات حديثه الــمروي عن يوم الكفاح الأحسنا
ما بات إلاَّ مستجيشًا عزمهفتراه في سفرٍ إذا ما استوطنا
وأنشدني، قال: أنشدني محمد بن المنذر لنفسه:
بالجدِّ تعطى الجد لا بالمزاحوما أفاد الحمد إلَّا السَّماح
والطَّير لا تحصل يوم الثناعلى المنى إلَّا بخفق الجناح
/ أ/ وما حوى الرَّاحة إلَّا الَّذيسعى إلى كشف الغنا ثم راح
فدع تصابيك وخلِّ الصِّباولا ترح يومًا إلى شرب راح
واسع إلى نيل العلا مثل ماسعى إلى الملك المهيب الصَّلاح
وأنشدني، قال: كتب أبو عبد الله لنفسه: [من السريع
يا قلمي نب في الثَّناء المقيمعلى كمال الدِّين ابن العديم
وقل له عنِّي إذا جئتهفي منصب الدَّرس الجليل العظيم
يا من عدمنا المثل في فضلهيا وارث المجد الأثيل القديم
قد قيل لي إنَّك قد بعتنيبالغبن والغبن فداء السَّليم
قدَّمت غيري ثمَّ أخَّرتنيفي هذه الدَّار الَّتي لليتيم
وأنت بالفرض فأدرى وبالأصلح والمفسد طلٌّ حكيم
يسرّ بالدَّهر من عالمولا يرى دينار .... العليم
فارجع إلى ما أنت أهلٌ لهمن سؤد كلُّ لديه خديم
والأجر والأجرة حصَّلهمابعد الثَّنا الباقي عليك المقيم
من ناظمٍ درَّ اليتيم الَّذييطرب من يسمعه والنَّظيم
/ ب/ فكتب إليه القاضي أبو القاسم جوابها:
يا أيُّها الصَّدر الفقيه العليمومن له الإحسان والفضل خيم
أرسلت نحوي أسطرًا نظَّمتجواهر اللَّفظ بمعنًى قويم
تعير ماء المزن من لطفهاوتكسب الرِّقَّة مجرى النَّسيم
تضمَّنت عتبي ولا ذنب لييا أيُّها المولى الصَّديق الحميم
أقسم بالله وآياتهونعمة المولى المليك الرَّحيم
ما بعت مولاي ولكنَّني أشــتريته وهو العزيز الكريم
وأنَّ بيع الدرِّ في سمطهومشتري البهرج حمقٌ عظيم
والعذر قد أبديته قبل أنيأتيني [منك] العتاب الأليم
فاعذر سديد الدِّين أو لا فجدبالصَّفح عن ذنبي فأنت الحليم
إنِّي على حبِّك يا سيِّديوصدق ودِّي لك ما إن أريم
وقال:
قال عبد الله يعزى إلى المنذريرجو الخلاص يوم العرض
بالَّذي يغفر الذُّنوب سوىالشِّرك إله السَّما معًا والأرض
/ أ/ قل لمن قال: إنَّني رافضيٌّلست تبرا في العرض من دين عرضي
إذا أثني على الَّذي رفض الباطل في كلِّ سنَّة مع فرض
وبحبِّ النَّبيِّ والآل والأصــحاب في البسط دائمًا والقبض
والَّذي لا يرى المودَّة في القربى عليه فرضًا رهين الرَّفض
ونصوص الآيات جاءت بلا ريــب على الآل بالثَّناء المحض
وبذاك الأخبار جاءت بإسناد صحيح البنا عديم النَّقض
وإذا لم على النَّبيِّ مع الآلتصلِّي وقت التَّشهُّد تقضي
وإله العبد يعلم ما في الــقلب خاف من فرط حبٍّ وبغض
ومسيء الظُّنون بالخلق لا ينــفكُّ يومًا عن إثمه في البعض
وإذا أنت لم تكن حسن الظَّنِّ فأعرض عن سوء ظنِّك وامض
إذا لم يقر شخصٌ بشيءٍفبماذا عليه في الصَّمت تقضي
وعن الخوض قد نهينا قديمًافي الَّذي مرَّ قبلنا غير مرضي
من نزاع بين الصَّحابة والآل خاف إليه يفضي
والخطا والصَّواب لا بدَّ أن يحــدث بين الخصمين في كلِّ مفضي
مع علم بأنَّ هذا وهذاعادما عصمة بها الشَّرع يقضي
/ ب/ وغبيٌّ من قال من غير علمٍكطبيب لم يدر جسَّ النَّبض
مثل كم يزعم الجهول وقالالفرس لم اعتد الحامي العض
واعتقادي هذا وعقدي وقلبيلم يقابل إبرامه بالنَّقض
والبراهين كالسَّماء إذا جاءتك أغنتك عن دليل الأرض
فافخروا الآن يا ذوي العلم بالعلــم على من لم يدر معنى الرَّفض
وهو التَّرك في الحقيقة للشَّيء إذا ما قابلته بالدَّحض
واشكروا الله رَّبكم واسألوهأن يديم النُّعمى لأهل الأرض
ببقاء الملك العزيز عماد الدِّين بن الغازي الشَّهيد المفضي
برضى رَّبه الكريم إلى فردوس دار البقاء جزاء القرض
وبقا كافل الملوك مع الملــك فلا زال قائمًا بالمرضي
ذي الأيأدي الملك الرَّحيم شهاب الدَّين غوث الورى زمان البرض
لا خلت رتبة الممالك منهأمره نافذٌ بختمٍ وفضِّ
وعلا جدُّه وخصُّ برفعٍوثوى ضدُّه وخصَّ بخفض
كلَّما لاح نور زهر السَّماوت وما فاح نور زهر الأرض
محمَّد بن النفيس بن مسعود/ أ/ بن أبي سعد بن عليٍّ، أبو سعد المعروف بابن صعوة الفقيه السَّلاميُّ.
قال أبو الحسن القطيعي: شاب حسن الشارة والخلق، من أهل القرآن والفقه، كان يسمع معنا الحديث، وروى اليسير.
وتوفي في ذي القعدة سنة أربع وستمائة، ودفن بمقبرة الزرادين بالجانب الشرقي من بغداد.
قال: وأنشدني لنفسه:
رقَّ يا من قلبه حجرلجفون حشوها سهر
ولجسم ما لناظرهمنه إلَّا الإسم والأثر
فغرامي لو تحمَّلهصخر رضوى كاد ينفطر
إنَّ لومي في هواك لمنشرِّ ما يجري به القدر
يا بديعًا جلَّ عن شبهما يداني حسنك القمر
صل ووجه الدَّهر مقتبلٌفزمان الوصل مختصر
كما رأينا وجنةً فتنتفمحا آثارها الشعر
محمَّد بن معمر بن عبد الواحد/ ب/ بن رجاء بن عبد الواحد بن محمَّد بن الفاخر بن أحمد بن محمَّد بن القاسم بن الفاخر بن محمَّد بن النعمان بن إسماعيل بن اللقيط بن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن كثير بن ربيعة بن سمرةً بن حبيب بن عبد شمس بن عبد منافٍ.
قال أبو الحسن القطيعي: هو بخطّ اللفتواني، وافق لهذا إلى الفاخر الثاني، ثم بعده محمد بن النعمان بن المنذر بن إسماعيل بن اللقيط بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن كثير؛ ثم وافق إلى آخره، وهو بخط محمد بن عبد الواحد بن الحافظ الدقاق، عم معمر من قبل الأم: معمر بن عبد الواحد بن جابر بن عبد الرحمن بن محمد بن الفاخر بن محمد بن بشر بن المنذر بن النعمان بن إسماعيل بن سعيد بن
إسماعيل بن عبد الرحمن بن سمرة، قال لي محمد بن معمر. وهذا هو الأصح في ظني، أبو عبد الله الأصفهاني الفقيه الشافعي.
قال أبو الحسن القطيعي: أنشدني محمد بن معمر بن عبد الواحد لنفسه:
شوقي إلى من بالعراق برانييا صاحبي نجران ما تريان
فجوًى حكى وخز القنا من شانهوهوًى حكى نيل المنى من شاني
والبرق والورقاء من أعوانهوالدَّمع والإرنان من أعواني
/ أ/ فإذا شجا برقٌ أعان مدامعيوإذا شدا ورقٌ شفى إرناني
لو لم يكن إلَّا معرسَّ ساعةفي ظلِّ رايات بها لشفاني
بيض الذُّرى سود الذَّوائب ظلُّهامأوى الهدى وتبوُّء الإيمان
تهفو الرِّياح على الرِّماح بها فهلتعلو ومن مطلوبها القمران
إذ لا يرى في ذي البسيطة كلِّهاإلَّا مطيعٌ للخليفة عاني
والنَّيِّران وإن نأى أوجاهماأيضًا له عبدان مؤتمران
وقال: وأنشدني لنفسه:
تبدَّت مثل ما بزغت براحوآذنت الكواكب بالبراح
فقلت فضحت حين وضحت ليلًاوطال لسان واشٍ في رواح
فقالت بعدما جادت ومادتوأبدت عن ثغورٍ كالأقاحي:
وهل تستنجح الحاجات إلَّابوجهٍ في مساعيه وقاح
كانت ولادة أبي عبد الله محمد بن معمر، ليلة الإثنين خامس عشري جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة، وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة بأصفهان.
محمَّد بن زهرٍ الإسعرديُّ.
/ ب/ وهو ابن أخت أبي محمد الأسعرديّ، الذي مرّ شعره.
وأنشدت لمحمد هذا، يمدح الملك المسعود مودود بن محمد بن محمد بن قرا أرسلان ابن أرتق- صاحب آمد- حين شرع في عمارة خندق آمد وسورها:
يا أيُّها الملك الَّذي سعدت به الدُّنيا وأشرق غربها والمشرق
الدِّين من علياك ركن مفاخريسمو على أفق السَّماء ويسمق
ما آمد [و] السُّور إلاَّ مقلتةٌأضحت بناظرها ابن أرتق ترمق
ماذا تحاول في عمارة خندقٍيحمي وبأسك سورها والخندق
لو رام أهل الأرض منها نظرةًلتعذَّرت والباب رحبٌ مطلق
لك في قلوب العالمين مهابةٌأضحى فؤاد الدَّهر منها يخفق
وستملكنَّ من البلاد أدانيًاوأقاصيا وضياء سعدك مشرق
مولاي شاعرك الشَّكور بحالهنقصٌ وجودك زائدٌ متدفِّق
أمنن بإشفاقٍ عليه مثل ماكان الشَّهيد عليه قدمًا يشفق
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع