من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (٩)
وأنشدنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سعد بن الخشاب؛ قال: أنشدنا أبو المحامد الهلالي لنفسه، / ب/ هذه القصيدة الدالية، يمدح السلطان الملك الظاهر- رحمه الله تعالى-:
بالمشرفيَّة والقنا الميَّادملكت معاقل يعرب وإياد
وبحثِّ والدك الصَّوافن ضمَّرًاتختال تحت قساور الأمجاد
دانت ملوك المشرقين وزعزعتبالمغربين شوامخ الأطواد
فعلام يا خير الملوك أبًا ومنخلقت صوارمه بلا أغماد
لم تورد البيض القواضب والقنامهج العداة فإنَّهنَّ صوادي
وتقيدها بدم الكماة كأنَّماخضبت عواملها يد العرصاد
فانظر غياث الدِّين يا خير الورىوأجلَّها من حاضر أو باد
يا ابن الَّذي ملك الطُّغاة وأصبحوارهن الحقوف لديه والأضداد
واغتر لدين المسلمين فقد سمتظلمًا ثعالبه على الآساد
وانهض إلى الدُّنيا بكلِّ غضنفرندب لكلِّ وقيعةٍ معتاد
ثبتٍ يودُّ لدى الطِّعان بأنَّهلعلاك من دون البريَّة فادي
وافتح حصون الخافقين فإنهاوافتك طائعةً على ميعاد
لا تخش من كيد الملوك فإنَّهمنعمٌ وأنت لها بسيفك حادي
/ أ/ تالله لا بلغو مداك ولا شأواعلياك يا ابن السَّادة الأجواد
أنَّى وأنت لهم إذا اشتجر القناليث الشَّرى وإلى المكارم هادي
غرست رماحك في الجوارح منهمرعبًا تبقِّيه على الأولاد
إن يحسدوك على المكارم والعلاوالمجد لا يخلو من الحسَّاد
كم بين من نسخ الكرام وأصبحتأمواله وقفًا على الوفَّاد
نال المدى يوم السِّباق ومجدهإرثٌ عن الآباء والأجداد
ومدمَّم بخلت يداه فلا يرىطرف الفخار إليه بالمنقاد
كم رام ذو خطر ليدرك بعض ماأوتيت من شرف وبذل أيادي
فرآك كالنَّجم الَّذي لا ترتقييومًا إليه طبائع الأجساد
أنت الَّذي عمَّت سحائب جودهسحّا على الأغوار والأنجاد
وغدا لنشر مديحه بين الورىوثنائه في كلِّ قطر شادي
أغياث دين الله يا من لم يزلعزِّي إذا طلب الزمان عنادي
يا خير من جرًّ الجيوش وخير منتليت مناقبه على الأعواد
إنِّي ولجت فناء جودك راجيًامننا تبلِّغني لديك مرادي
فاجمع رعاك الله شملي عاجلًايا ابن الكرام الغرِّ بالأولاد
/ ب/ فلقد وعدتهم بأنَّك منجحٌقصدي وأنَّك عدَّتي وعمادي
واسلم فخير النَّاس أنت وللندىأهلٌ وأنت بكلِّ خير بادي
وتهنَّ شهر الهاشميِّ محمدٍوبشهر أمَّته وبالأعياد
محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن محمَّد بن عليٍّ اليحصبيُّ، أبو عبد الله القرمونيُّ الأندلسي.
كان طويلًا من الرجال، خفيف الروح، مداعبًا معاشرًا. نزل دمشق وخالط صدورها، واتصل بأماثلها.
وكان طول دهره، لم يزل مكشوف الرأس، ما وضع على رأسه عمامة ولا قلنسوة. ويعتني بالتصوف، وطريقة التوكل، ويميل إلى السياحة والفقر، ولبس الصوف. وكان له شعر حسن، وفيه أدب وفضل.
حدثني أبو الفضل عمر بن علي بن محمد بن هبيرة، قال: رأيت بدمشق، ومدح والدي بهذه الأبيات:
يا طالبًا معنى الزَّمنإلق الوزير أبا الحسن
تلق المكارم والنُّهىوالخلق والخلق الحسن
/ أ/ ما مثل نجل هبيرةٍلا بالشَّام ولا اليمن
فإذا ظفرت بحبلهظفرت يمينك بالمنن
وركنت منه إلى يديطود ترفَّع عن قنن
يا أيها الشَّمس الَّذيحاز الفرائض والسُّنن
يا فجر بغداد الَّذيأضحت لمجدكم سكن
إن لم تكن أنت الَّذيترجى لمكرمةٍ فمن؟
ومنها:
لا زلت من ريب الحوادث لابسًا أوفى الجنن
محمَّد بن صالحٍ المعلم، أبو عبد الله الواسطيَّ.
شاعر، له دراية بالأدب؛ نزل البصرة، وهو بها مقيم، يمدح وجوه أهلها، ولم يكن له حرفة سوى التكسب بالشعر، والاستجداء به. وهو من سواد واسط.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن شعيب الواسطي، قال: أنشدني محمد بن صالح الواسطي لنفسه:
/ ب/ هل نازح الدَّار بعد البعد يقتربفيستريح فؤادٌ كله كرب
أما اللَّيالي الَّتي جاد الزَّمان بهاتعود من بعد ما فاتت فترتقب
أيَّام قد كنت يا لمياء راضيةًفلم أبل رضي الواشون أم غضبوا
ما بال أثواب وصلي بعد جدَّتهاقد أخلفت وجلابيب الصِّبا قشب
إذا نهضت إلى مجد أوثِّلهتقاعدت بي عن إدرأكه النوَّب
يستضحك الفضل منِّي حين يخطبني الــعلا ويدركها عريٌ فينتحب
ومنها:
يا من أغات على قلبي لواحظهببيضهنَّ ألا فليهنك السَّلب
صل مدنفًا قلبه شوقًا إليك علىمثل اللَّظى يتلظَّى حين ينقلب
ما راق بعدكم شيءٌ له أبدًاولا دعاه إلى مستحسنٍ طرب
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه، من ابتداء قصيدة:
أفنى وليس بفان ما أكابدهولا عج الشَّوق ماينفك عائده
وأكتم الوجد والتَّبريح يظهرهوكيف [يكتم] داعي الحبِّ واحده
يا من صحبتهم دهرًا فما نظرتعيناي منهم أخا صدقٍ أوادده
/ أ/ من كان طالب خلٍّ يستعين بهعلى الزَّمان فقد أكدت مقاصده
محمَّد بن أحمد بن عليِّ بن محمَّدٍ، أبو أحمد الواسطيُّ الضرير، نزيل الموصل.
كان قارئًا مجودًا، ماهرًا في القراءات، فقيهًا جدلًا مناظرًا، حسن القراءة للقرآن وتجويده. وكان قد تفرّد بشيء ما انفرد به غيره؛ وذلك أنَّه كان يقرأ السورة من آخرها إلى أولها؛ آية بعد آية. ويأخذ من سورتين من أول واحدة، وآخر أخرى، فيقرأ من أول كل سورة آية، ومن آخر سورة أخرى آية؛ فيختم هذه إلى آخرها، ويختم تلك إلى أولها؛ ثم يأخذ من سور متعددة، من أول واحدة، ووسط أخرى، وآخر أخرى، ثم
يختم السور كلّها. قراءة مرضية من غير توقف.
لقيته بالموصل، وطلبت منه شيئًا من شعره، فوعدني ذلك؛ ثم توفي ليلة الاثنين بعد عشاء الآخرة، حادي عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني ولده أحمد؛ قال: أنشدني والدي لنفسه من قصدية أوَّلها:
/ ب/ حظر الوجد عن العين كراهافأتت ساهرةً إلَّا قذاها
وأبى البين فأصمى سهمهكبدًا لم يخطها يوم رماها
محمَّد بن المؤمل بن فضلٍ البحرانيُّ، أبو عبد الله.
كان فقيهًا على مذهبه الإمامية، فاشتغل بالحلة المزيدية، ثم ورد الموصل، وأقام بها، إلى أن مات سنة خمس وعشرين وستمائة.
أنشدني الرئيس أبو العباس أحمد الموصلي- أيده الله تعالى- قال: حججنا سنة إثنين وعشرين وستمائة، ومضينا إلى البيت المقدس، وزيارة الخليل- ﵇ وكان أبو عبد الله في صحبتنا، فأنشدنا لنفسه:
حججنا وزرنا المصطفى ثمَّ إنَّاعطفنا المطايا يا حسراتٍ ضوامرا
نؤمُّ كريمًا كان في الله بذلهوأنزل فيه: قانتًا لي وشاكرا
فكن يا خليل الله ذخرًا وعدَّةًلنفس أتى بالمال والنَّفس زائرًا
وحاجته العظمى إذا جاء في غدٍتكون له عونًا معينًا وناصرًا
/ أ/ وحاشا لجدِّ الهاشميِّ محمدٍيؤمِّله راجٍ ولم يك ظافرا
محمَّد بن يوسف بن خمر تاش بن سعيدٍ، أبو عبد الله القطبيُّ".
وكان يعرف بأمير علم، وخدم جنديًا لبني أتابك أوّلهم؛ عزّ الدين مسعود بن مودود بن زنكي، ثم ولده من بعده نور الدين أرسلان شاه، ثم ولده الملك الظاهر عزّ الدين مسعود- ﵃.
وكان موصلي المولد والمنشأ، وتوفي بالموصل في السابع والعشرين من رجب سنة خمس عشرة وستمائة.
أنشدني ولده المبارك، قال: أنشدني والدي لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين، ملك أمراء الشرق والغرب، أبا الفضائل غرس أمير المؤمنين- ثبت الله دولته، وأدام الله عليه نعمته- يهنئه بالشهر:
أمولاي بدر الدِّين ذا النَّائل الغمرأهنِّيك يا خير البريَّة بالشَّهر
وإنَّك أهلٌ للهناء وصاحبٌله غزَّة كالشَّمس والقمر البدر
وكفٌ إذا مدَّت ببذل مواهبٍتقاصر عنها نائل البحر والقطر
/ ب/ أنا السَّائل المملوك يرجوك للَّذيتشرِّفه في حاله الطَّيِّ والنَّشر
فما أنا عبد عق مولا لا ولاعصى أمره في حالة العسر واليسر
وأنشدني، قال: أنشدني والدي فيه أيضًا:
ما قام يستجلي المدام بكفَّهإلَّا حسبت البدر يحمل كوكبا
صنمٌ تفرَّد بالملاحة وحدهوسواه إن ذكرت ملاحته هبا
كالملك بدر الدِّين أفرد بالنُّهىفغدا إلى كلِّ القلوب محبَّبا
ملك ظلت بعزِّه مستعصمًافأغاثني والسَّيل قد بلغ الزُّبى
يا مالك الحدباء بشرى إنَّهالإقبال حولك كيف شئت تقلَّبا
محمَّد بن سعد الله النهرديريُّ.
نهر الدير من أعمال البصرة.
أنشدني أحمد بن عبد الله بن داود المذاري، قال: أنشدني محمد بن سعد الله لنفسه:
ردي عليَّ تحيةً حيِّتثمَّ افعلي من بعدها ما شيت
ودعي الحليَّ وحمله يا هذهفعن الحليِّ وحمله أغنيت
/ أ/ والله ما أزداد منك على الَّذيقد نالني خلِّيت أو خلِّيت
تيهي على الخفرات تيهًا فافخريفخرًا فما أعطين ما أعطيت
الرِّبح راح لمن شراك ورحت فيأشراكه أرخصت أو أغليت
محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن الحسين بن سندٍ، أبو عبد الله بن أبي الرضا الموصليُّ.
كان والده من الأماثل بالموصل، وذوي الثروة والجاه، وورث لولده هذا مالًا كثيرًا، فأتلفه جميعه في الخمر والفساد والقمار. وكان مبتذِّلًا في مواطن اللهو والإنعكاف عليه، حتى افتقر، ونفد ما معه، وساءت حاله، واجتدى الناس بالشعر، ومات على أقبح حال بالموصل، بطاقات سور المدينة.
أنشدني الشريف منصور بن عبد الخالق الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الله بن سند لنفسه، يمدح الوزير أبا المظفر عبد الباقي بن محمد بن أبي يعلى بحلب، من قصيدة أوّلها:
نسيم الصَّبا إن سرت في السَّحر الأعلىقفي ساعةً في ساحة الشَّرف الأعلى
/ ب/ رعى الله بالميدان والكجك ليلةتقضت وكانت من أقاصي المنى أحلى
وحيَّا فنا الحدباء عنِّي فإنَّ ليبها جيرةً ما اخترت غيرهم أهلا
وكم قد تثنَّى في ثنا الثِّني أهيفٌبصرف شمولٍ كأسها نظم الشَّملا
يميس قضيب البان تحت قبائهوشمس الضُّحى من نور طلعته خجلى
يميت إذا رام القطيعة والجفاويحيي لموتاه إذا منح الوصلا
محمَّد بن أبي عليِّ بن سالمٍ، أبو بكرٍ الحلبيُّ.
وجدت له قصيدة بخط يده، يمدح بها بعض الرؤساء، أنشدنيها عنه أبو القاسم التبريزي، أولها:
مرَّت على سرحة الوادي فلم تقفوخلَّفتني حليف الدَّمع والأسف
لمياء ما في جفون الظبي من دعجٍفيها وما في قوام الغصن من هيف
يغار بدر الدُّجى منها إذ سفرتعن واضحٍ من محيَّاها بلا كلف
تكامل الحسن من فرعٍ إلى قدمٍفيها وجلَّت معانيها عن الصَّلف
من منصفي من جفاها والهوى لهحكمٌ معانيه عانٍ غير منتصف
/ أ/ ما كنت من قوم طالوتٍ فتأخذنيوما عرفت سواها أخذ معترف
من لي بساخرة الألفاظ ساحرة الألحاظ تسلب قلبي سلب ملتقف
ذات المخلخل لو مرَّت نسيم صبًابه لأدمته من لينس ومن ترف
محمَّد بن أبي الوفاء بن أحمد بن أبي طاهر، أبو عبد الله النحويُّ العدويُّ الموصليُّ، المعروف بابن القبيصيٍّ.
أصله من قرية من أعمال الموصل، تدعى القبيصة، شرقيها.
قرأ القرآن العزيز ببغداد بالقراءات، على القاضي أبي الفتح نصر بن علي الكيّال الواسطي؛ ثم قرأه أيضًا على جماعة من المشايخ، وأخذ علم النحو عن شيخه أبي الحرم مكي بن ريّان الماكسي، وحصل له معرفة جيدة بهذا العلم.
وتفقه على أبي القاسم يحيى بن علي بن فضلان البغدادي ببغداد، وسمع الحديث من أبي سعد بن حميه الصوفي، وتخرّج عليه جماعة في علم العربيّة والأدب بإربل والموصل، واستفادوا منه.
وخرج إلى بلاد الروم فسكنها مدّة، ثم رحل عنها إلى الشام. أصله من/ ب/ أصفهان، وإنَّما نزل بعض أجداده القبيصة وتديَّرها، فنسب إليها.
وكانت ولادته في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، هاجر إلى حلب بأخرةٍ. وأقام بها مدّة، وتصدّر لإفادة علم النحو والعربية والأدب، إلا أن مات سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن من قبيلها بجوار مقام إبراهيم- ﵇.
وصنّف ثلاث مقدمات؛ مقدمة في النحو، ومقدمة في التصريف، ومقدمة في الحساب.
كان شخصًا قصيرًا، ضعيف العينين، وكان يقول شعرًا صالحًا؛ رأيته عدّة مرات ولم آخذ عنه شيئًا.
أنشدني أبو بكر بن محمد بن أمريكا الزنجانيّ، قال: أنشدني ابن القبيصيّ لنفسه، في غلام قصّاب:
وأهيف قدُّه قدُّ العواليولكن خدُّه خدُّ العوالي
بمديته ومقلته تصدَّىلسفك دم المواشي والرِّجال
تراه قاطمًا ماظلَّ يفريبه الأودأج خلوًا لا يبالي
فلو ردَّت وقد نهلت رضابًاكشهد شيب بالماء الزُّلال
إلى أعناقها من غير ذبحلكلِّ قام يسعى غير آل
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا من شعره:
/ أ/ وريمٍ قد سقيت الرَّاح حتَّىأمال برأسه فرط العقار
فأقسم أنَّه لابدَّ من أنيريني الشَّيب في وسط النَّهار
فلمَّا أن تبسَّم قلت هذينجومٌ في النَّهار بلا تماري
لقد برَّت يمينك يا حبيبيبما أبديت من تلك الدَّاري
وأنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي- ﵀ قال: أنشدني ابن القبيصي لنفسه:
ما لذَّة الدَّهر إلَّا الرَّاح نشربهاأو الفم العذب مضروبًا به الضَّرب
تشابها لطف خلقٍ لا شبيه لهوطيب خلق فتمَّ الحسن والطَّرب
والورد والكأس ذا خدٌّ وذاك فمٌوالخمر والحبب الأرياق والشَّنب
والخدُّ والفم ذا وردٌ وذا قدحٌوالرِّيق والثَّغر ذا خمرٌ وذا حبب
وليلة جمعة شملي وشملهماوبات يرتع في ميداني الأرب
حتَّى إذا ما تشمَّت في شمائلناكأس الشَّمول تمشَّى بيننا الأدب
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
خذ على الدَّهر إن قدرت يمينًاأن يديم الصَّبا وأن لا يمينا
// ما تراه قد راق روضًا وقد رقَّ نسيمًا وقد تأرَّج حينا
زمنٌ طيب وعيشٌ رقيقٌوصال ما خلته أن يكونا
فكأنَّ السَّماء تنشر في الرَّوض من القطر لؤلؤًا مكنونا
وكأنَّ البهار حامل أطباق نضار على سواعدنا مينا
وكأنَّ الأقأح أزرار تبرٍ كلِّلت لؤلؤاً يروق العيونا
فاغتنم لذَّة الزَّمان فليس الدَّهر كيف اعتبرته مأمونا
ونقلت من خطه، ما قاله لنفسه:
أطلعت الغواية فيما مضىفعاص الغواية فيما بقي
وكن في التُّقى أبدًا راغبًافما إن يفوز سوى المتقي
وخالط أولي الخير تسعد بهمفليس السعيد كمن قد شقي
وله دوبيت مردف:
بالله ترفَّقوا بصبٍّ عانيفالصَّب غريب
قد ذاب فؤاده من الهجرانوالهجر مذيب
تنهلُّ دموعه من الأجفانوالدَّمع مريب
/ أ/ قد جلَّ غرامه عن الكتمانفالصَّبر عجيب
وقال أيضًا:
على ذلك الخيف ظبيٌ ملوللعينيه في كلِّ حيٍّ قتيل
تحار إذا عاينته العيونوتصبو إذا عقلته العقول
ويتلف جسمي بهجرانهوإتلاف روحي فيه قليل
تصبَّرت حتى فداني العدوُّعلى جوره ورثى لي العذول
أميل إليه وإن ملَّنيكذلك كلُّ محبٍّ يميل
تملَّك رقِّي فماذا يريدوقد حرت فيه فماذا أقول
لساني كليلٌ إذا ما وصفتوطرفي إذا ما رآه كليل
ونفسٌ تمكّن منها الهوىوجسم تمكن منه النحول
فلم يبقى من تيك إلَّا المنىولم يبق من ذاك إلَّا الاليل
وقال من أبيات:
دعني أمتِّع [منك] نفسي بالهوىما بعد هذا الحسن حسنٌ يعشق
أرَّقتني لمّا هجرت وشقتنيوكذاك هجرك شائقٌ ومؤرِّق
وتركتني حلف الصَّبابة مقلةٌعبرى عليك ومهجةٌ تتحرَّق
/ ب/ ولقد فرقت من التَّفرق قبل أنيلفى ومن مثل التَّفرُّق يفرق
وشفقت من نظري عليك وربماكان الغنى ما كنت منه أشفق
قمرٌ له في كلِّ قلب مغربٌمن ناظريه وكلِّ عين مشرق
غرقت عقول الناس فيه دائمًافي مثل صورته تضلُّ وتغرق
وتجاوزت وصف اللَّبيب صفاتهفلديه كلُّ أخي اجتهاد مطرق
أهوى الهوى وأذب عنه لأنَّهأبدًا إلى طرق العلا يتطرَّق
ويروق لي عذل العذول لأنَّهأغرى ليقظان الصَّبابة أشوق
ويزيد رغبتي الملام كأنَّمالفظ الملام على الترغُّب يطلق
محمَّد بن قيصر بن بلك، أبو عبد الله البغداديُّ.
كان شاعرًا فاضلًا، ذكيًا، ماجنًا، منتقدًا للشعر؛ سمع ذات يوم فقيهًا قد صنع قصيدة في الملك القاهر عزّ الدين، وهو ينشدها، فمرّ فيها على قوله:
يا أيُّها الملك السَّامي ومن شهدتله الخلائق حتَّى الطَّير والسَّمك
فقال للفقيه: ما كنت أعرف/ أ/ أنَّ الملك القاهرة صيَّاد إلَّا الساعة.
قدم من بغداد إلى الموصل، فأقام متفقًا بالمدرسة العمادية، وكان مدرسها يومئذ للشافعية؛ أبو المظفر محمد بن علوان بن مهاجر الموصلي. فمكث عنده، وكان يختلف إلى أبي حفص عمر بن أحمد النحوي الضرير، فيسمع عليه شيئًا من شعر أبي الطيب المتنبي، فبغته أبو المظفر، فقطع جرايته من المدرسة، فأطنب في هجائه، وهجا بنيه، وشتر بهم أبلغ التشتير، وتركهم ضحكة بين الناس؛ فبلغ من مكروه ودهائه، أنَّه لم يسمع هجاءهم إلَّا لمن كان مفرطًا في بغضهم، ومخالفًا لهم في مذهبهم. فإنَّه أسمعه الجلال أبا جعفر محمد بن إبراهيم الحنفي الرازي، ونقيب العلويين.
وبحثت عن سبب قطع خبزه، فلم أعرف في ذلك شيئًا، ثم أخبرت أنَّ السبب في ذلك، أنه كان يشيع ما يعرض للشيخ أبي المظفر بن مهاجر من اللحن.
والشيخ- ﵀ كان قد فطره الله على اللحن، وترك علم الإعراب، وله في ذلك أخبار عجيبة ولبنية.
أخبرني الإمام أبو عبد الله أحمد بن الحسين النحوي، قال: أخبرني شيخي أبو حفص النحوي، قال: لما: ب/ قدم الشيخ أبو المظفر من مكة، مضيت لأهنئه بالقدوم؛ فحدثني ابنه أحمد الذي كان معه، أنه رأى مغربيًا بمكّة، مجاورًا يحفظ سيبويه هكذا لفظ به، ابن الشيخ، ولم أر أحدًا من العامة يقول إلّا سيبويه. فالعجب من عالم تقصر فطرته عن عامي.
وجمع هجاءهم في جزء، ووسمه ((برياضة الخاطر في هجاء ابن مهاجر))، وفيه هجاء مقذع، وكلام قبيح، وقول فاحش بذيء لا يليق سطره في هذا الكتاب، ولو وجدت له غير ذلك لأثبته.
أنشدني أبو عبد الله النحوي، قال: أنشدني محمد بن قيصر لنفسه:
درست رسوم الفقه أيَّ دروسمذ أهَّلوك لمنصب التَّدريس
وبكى عليه الشَّافعيُّ وكيف لايبكي وقد أفضى إلى إبليس
تبًا لدهر صرت فيه مدرِّسًامن بعد رعي الثَّور والجاموس
قد نلت مالًا كنت تأمل عشرهفحويته بالنَّصب والتَّدليس
عجبًا تعاف الضَّأن شبعًا أكلتوتبيت طاويةً أسود الخيس
إن كانت الأرزاق تقسم هكذاأبدًا
وقال أيضًا/ أ/ يعتذر عن ترك هجاء علوان وولده:
ولائم يوجعني عتباولم أكن مقترفًا ذنبا
يقول لم لم تهج علوان أوتوسعه ثلبًا ولا سبَّا
فقلت ما أقعد عن هجوهعتبًا ولا خوفًا ولا حبّا
لكنَّه كلبٌ وهل شاعرٌسمعته قطُّ هجا كلبا
وقال أيضًا، يخاطب رجلًا من قصيدةٍ امتدحه بها شكرًا على يد أسداها إليه:
صنت وجهي عن بذله لوجوهليس تندى لؤما ويندى الصخر
بأكفٍّ في البحر لو غمسوهاكدَّرت صفوه وغاض البحر
ورثوا اللُّؤم عن جدودٍ لئامٍلا سقى تربةً ثووها القطر
وقال من قصيدة، امتدح بها الجلال الحنفي:
كيف ألحى ظلمًا بلومٍ أليمبعد أن أصبح الغرام غريمي
صنت دين النَّبيِّ عن ناس سوءحرَّفوه جهلًا بقول أثيم
/ ب/ لبسوا الفقه جاهلين بفرقًبين منع الدَّليل والتَّسليم
ويح نفسي أنا رضيت وغضَّ الرَّوض لي مملقٌ برعي الهشيم
وورود السَّراب والبحر مورودٌ ونبع المحمود والمذموم
ليس ديني صبرًا على الذُّل كلَّالا أريد الدُّنيا بعيشٍ ذميم
غير أنَّ القضاء في كلِّ حالٍعجبٌ غير مدركٍ مفهوم
محمَّد بن محمَّد بن أحمد، أبو الفضل المرنديُّ النحويُّ الأديب.
كان شيخًا مقدمًا في علم النحو والعربية، وصدرًا في معرفة اللغة والأشعار، كثير الحفظ، واسع المعرفة. وكان ينظر شعرًا باردًا، في ألفاظه تعسف.
أنشدني الخطيب الفقيه أبو بكر بن جبريل بن عبد الجليل الأزهري، قال: أنشدني محمد بن محمد المرندي لنفسه، ما كتبه إلى القاضي محيي الدين، قاضي مرند، يشكو إليه حاله:
كيف للحوت بغير الماءقلقا يشوى على الرَّمضاء
كيف للصبِّ ولكن لهطمَّه الثَّلج على الأنداء
/ أ/ كيف للداء الذي لهوللمراق رمين الدَّاء
كيف للطفل فطام لبنًاوفراق الشَّمس للجرباء
كيف محمودٌ لدى غلَّتهكيف مخمورٌ بلا صهباء
كيف ظمانٌ ولا ماء لهوهو في دغدغة استسقاء
كيف مجنونٌ وليلاه نأتونوى الوامق والعذراء
كيف للظبي ويناه طلاكابر الآساد في البيداء
كيف للروضة هجران صبًاوهي قد تبدل بالنَّكباء
كيف للنملة سهلًا جرهاحبلًا في خطَّةٍ عسراء
في سحيق في سفا مخلولقفي محاكي قلَّة شمَّاء
صرت مأخوذًا بقاف عنوةًفاعترتني رنَّة الفأفاء
وهي قصيدة طويلة، ويكفي هذا القدر منها.
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن قدامة، أبو عمرٍو المقدسيُّ.
وهو أخو الشيخ الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد.
وأبو عمرو كان من الشيوخ الصالحين الأولياء العاملين، إمام وقته/ ب/ في الزهد والورع. وكان يقطع ليله تسبيحًا وتهجُّدًا، ولم يزل في علمه وعمله حظيًا مجتهدًا.
عمّر إلى أن جاوز التسعين عامًا. وكانت أنفاسه تحية من الله وسلامًا.
أنشدني أبو الفضل عمر بن علي بن هبرة، قال: أنشدني أبو عمرو لنفسه:
ألم يك منهاةً عن اللَّهو أنَّنيبدا لي شيبٌ الرَّأس والضَّعف والألم
ألَّم بي الخطب الَّذي لو بكيتهزماني حتَّى ينفد الدَّمع لم ألم
محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن أبي الفضل السُّلميُّ، أبو عبد الله المرسي النحويُّ المقرئ المتكلم الأديب الفقيه المالكي الأصوليُّ.
صنّف التصانيف، وخرّج التخاريج.
رحل إلى بلاد خراسان، ووصل إلى مرو الشاهجان، ولقي مشايخ العلم، ورجال الأدب، وجال في بلاد الشام والعراق، وجاور بمدينة الرسول ﷺ وأقام بها على الدراسة والتعليم.
وهو أحد الأدباء المعدومين، من جملة الأئمة الأعيان، سلك طريق النسك والاجتهاد، وآثر العزلة عن الناس والإنفراد، أ/ جامع لأشتات العلوم، حائز، ضارب فيها بسهم فائز، يتكلم فيها بعقل صائب، وذهن ثاقب.
ثم إنّه يقوم بعلم تفسير القرآن، وعلوم الصوفية، أحسن قيام، تكلّم على كتاب المفضل لأبي القاسم الزمخشري، وأخذ عليه عدة مواضع، وعمل كتابًا في تفسير القرآن المجيد، لم يصنف أحد من العلماء المتقدمين مثله، أورد فيه أشياء والتزمها؛ ولم يذكر غيره ممن كان له عناية بهذا الشأن.
وكان مولده سنة سبعين وخمسمائة. شاهدته شيخًا بدار الحديث، بمدينة حلب، يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
وأنشدني لنفسه هذه المقطعات:
قالوا محمَّد قد كبرت وقد أتىداعي الحمام وما اهتممت بزاد
قلت الكريم من القبيح لضيفهعند القدوم مجيؤه بالزَّاد
وقال وقد تماروا عنده في الصفات:
من كان يرغب في النَّجاة فما لهغير اتِّباع المصطفى فيما أتى
ذاك السَّبيل المستقيم وغيرهسبل الغواية والضَّلالة والرَّدى
فاتبع كتاب الله والسُّنن الَّتيصحِّت فذاك إذا اتَّبعت هو الهدى
/ ب/ ودع السُّؤال بكم وكيف فإنَّهمن باب بحر ذوي البصيرة والعمى
الدِّين ما قال الرَّسول وصحبهوالتَّابعون ومن مناهجهم قفا
وقال ملغزًا في شخص اسم يحيى:
أبثُّك ما بالقلب من لوعة الحبِّوما قد جنت تلك اللَّحاظ على لبِّي
أعارتني السُّقم الَّذي بجفونهاولكن غدا سقي على سقمها يربي
على أنَّني في بثِّك الحبَّ مثل منيبوح بما في الصَّدر منه إلى القلب
أما وهواك المذهبي إنَّ مهجتيمقسَّمةٌ بين الصَّبابة والكرب
وإنِّي ما ذقت الكرى مذ نسيتنيوما حال من يصبو إذا صدًّ من يصبي
كتمت الَّذي بي من هواك عن الورىعلى أنَّ دمعي ذو ولوع بأن ينبي
ولكن سأبديه إليك لأنَّنيأرى ذلك الإبداء من سنَّة الحبِّ
صبا بفؤادي نحوك اثنان سؤددٌوحسنٌ فعذرٌ واحدٌ منهما يصبي
فديتك من قاضٍ عليَّ لو أنَّهيعدِّي اسمه لي ما قضيت أسى النَّحب
ودونكها بكرًا لها من حبابهارداءٌ أتت فيه مروَّعة السِّرب
فمدَّ لها كفّا فمنك حياؤهاولا تبدينها فهي من ذاك في رعب
وقال:
/ أ/ تقبَّل أبا بكر كتابًا وهبتهكقلبي لا أبغي إليَّ إيابه
وطبت به نفسًا فخذه بمثل ماغدا آخذًا يحيى النبيُّ كتابه
وقال أيضًا:
فؤادٌ كما شاء الحبيب الَّذي يهوىيسعِّر فيه النَّار وهو له مثوى
وجسمٌ براه الحبُّ إلَّا أقلَّهويحمل ما ينهدُّ من حمله رضوى
بليت بداني الدَّار ناء بهجرهولي صبر أيُّوب على هذه البلوى
على أن صبري كلَّما زاد قوَّةتلقَّته من هجرانه هجرةٌ أقوى
إلى الله أشكو لا إليه لأنَّنيشكوت له حالي فلم تنفع الشَّكوى
طبيبٌ إذا استشفيته قال لي: اصطبرأسى الحبِّ داءٌ لست تلفي له أسوا
وماؤٌ ولكن كدت يهلكني الصَّدىفيا ماء هل لي من سبيل لأن أروى
وقالوا الهوى شهدٌ وصابٌ فذقتهفألفيته مرًا ولم ألفه حلوا
ولو أنَّ ما لاقيت منه أبثُّهلكان حديثي فيه أعجب ما يروى
فرفقًا بصبٍّ كلَّما قيس حبُّهبحبِّ سواه كان كلُّ هوًى دعوى
يرى حبَّكم فرضًا تأكد حكمهولكنَّ فرضًا ليس يحتمل السَّهوا
محمَّد بن يحيى بن أبي دلف/ ب/ بن خشرم- بضم الخاء المعجمية من فوقها، وتسكين المهملة وبعدها ياء مهملة- أبو عبد الله البغدادي الواعظ المعروف بالشاعر.
واعظ حسن، له قبول عند طائفة من الناس، شاهدته عدّة مرَّات في سنة اثنتين
وثلاث وعشرين وستمائة، بمدينة السلام، في أيام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد- ﵁ يعظ الناس بباب البدرية، ولم يقدَّر لي الاجتماع به، لأعلق عنه من شعره.
ثم بعد ذلك انحدرت إلى بغداد في سنة تسع وثلاثين وستمائة، ولقيته بها؛ فاستنشدته فأنشدني أواخر ربيع الآخر من السنة السابق ذكرها، يمدح الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين- صوات الله عليه-:
خليفة الله أبو نصرمؤيّدٌ بالعزِّ والنَّصر
من صفوة الله بني هاشمالطَّيِّبين الأصل والذِّكر
أصبح وجه الدَّهر مستبشرًابوجهك المستحسن البشر
وظلَّت الشمسة شمس الضُّحىفيه وأبدت طلعة البدر
ومنها قوله:
وهو عليه بردة المصطفىوتاجه نور أبي بكر
/ أ/ ورحت من طيب مناجاتهأهزُّ عطفيَّ من الشُّكر
وظلت في ظلِّ بساتينهأخطر في روضاته الخضر
كأنَّني أخطر في جنَّةأنهارها من تحتها تجري
لكلِّ شيء ثمرٌ يجتنىمنه وهذا ثمر الصَّبر
هذا كتابه دائماندعو له في جامع القصر
فانبسط السُّنِّيُّ في عصرهوغيره في القبض والعصر
إنَّ أمير المؤمنين اشترىحسن ثناء الخلق بالتِّبر
ففاز بالرِّبح وحاز العلامن ذا الَّذي يبتاع بالسِّعر
وأرخص البرَّ بإنعامه الــهامي وهذا غاية البرِّ
لم أر أبهى قطُّ من وجههكأنَّه يوسف في مصر
أنتم بني العباس ساداتنانطيعكم في السِّرِّ والجهر
طاعتكم بالنصِّ مفروضةُّ وأنتم حقًا أولو الأمر
عش ألف عامٍ يا إمام الهدىما أنت إلَّا غرَّة الدَّهر
وانشر لواء الحمد في ذروة الــعلياء بين الحمد والشكر
ما روَّحت ريح الصَّبا نسمةًوروَّحتها نسمة الفجر
/ ب/ تبت من الشِّعر ولكنَّنيفي حبِّه عدت إلى الشِّعر
وأنشدني أيضًا من شعره، من أبيات أولَّها:
بلي ببلاء الصَّبِّ من عذل الصَّبافما لامه إلَّا وما عرف الحبَّا
ولم يبقى حبُّ العامريَّة لي ذمًايرام ولا سمعًا يلام ولا لبَّا
أغالط عذَّالي فأذكر عزَّةًولبنى وأعني في ضميري الكنى عتبا
كلانا نصون الحبَّ خوف وشاتهفأنظمه شكوى وتنثره عتبا
وأنشدني أيضًا لنفسه، من أبيات، يمدح بها النبي ﷺ:
أنارٌ أم سنى برق أنارافأذكى في قلوب الركب نارا
تسامى يمنة العلمين وهنًاضريمًا ما ورى حتَّى توارى
يفوت تتابع اللَّحظات سبقًاويأخذ من بيوت الزَّنج نارا
عشيَّة كلُّ من في الرَّكب حيرىفلو مرَّ الهدى بهم لحارا
فبينا نحن في سجف الدَّياجيعلى الأحداج نرتقب النَّهارا
كوجهك يا رسول الله لمَّاسفرت على زمانك فاستنارا
بك افتخرت قريشٌ في البراياأفضحت تملأ الدنيا افتخارا
/ أ/ ولولا سعد جدِّك لم يعدُّوامعدَّا في الجدود ولا نزارا
سبقت إلى العلا وسمعت أقصىنهايتها فشأوك لا يجاري
معال أصبح الفصحاء فيهاووصف صفاتك العليا حيارى
فمدحك لا تحيط به البراياولو جعلوا مدادهم البحارا
محمَّد بن يوسف بن أبي بكر بن بقاء، أبو عبد الرحمن الموصليُّ.
كان شابًا ذكيًا من حفاظ القرآن، ومن أهل الفقه؛ وأخذ طرفًا من علم الحساب والفرائض، وله شعر حسن، رأيته ولم أكتب عنه من شعره شيئًا، لتوانٍ لحقني.
أنشدني أبو الفضل العباس بن ثروان بن طرخان الموصلي، قال: أنشدني أبو عبد الرحمن محمد بن يوسف لنفسه، يمدح الصاحب الوزير أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي- رحمه الله تعالى-:
بي من لحاظك جرحٌ أنت مرهمهوفي الحشا منك وجدٌ أنت تعلمه
أخفيت حبَّك جهدي أن أبوح بهفأعرب الدَّمع ما قد أعجمه
/ ب/ ومن جوارحه تبدي مفاضحهإذا طرا الحبُّ قل لي كيف أكتمه
لا غرو أن مات من يهوى الملاح جوًىأو دام في حبِّ فتان يتيِّه
ما أعذب الحبَّ ما أحلى مغبَّتهلو أنَّ أيدي النَّوى منهًا تسلِّيمه
ترى يبلُّ غليلٌ من صدى دنفأم هل يبلُّ عليلُّ عزَّ مرهمه
لجدَّه الوجد في أحشائه قدمٌوإنَّ أقتل داء الحبِّ أقدمه
جفاه كل حبيب كان يألفهوملَّه كلّ خلٍّ كان يرحمه
فعاد ليس له بين الورى أملٌفي الجود إلَّا ابن موهوب مقدِّمه
محمَّد بن حيدر بن مسعود بن محمَّدٍ، أبو عبد الله الأصفهانيُّ الأصل، الموصليُّ المنشأ والمولد.
قدم أبوه مع الملك السلجقي الموصل، من أصفهان.
ونشأ محمد ولده وأحبّ الأدب، فصحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريّان النحوي الماكسي مدّة، وقرأ عليه النحو واللغة والأدب والأشعار، حتى تميّز من بين تلاميذه
وكان ذا فضل ومعرفة، وكان نزقًا شرسًا، سريع الغضب، في طبعه/ أ/ جفاء، بسفّه على من يخاطبه، خرج عن الموصل إلى ديار بكر، واتصل بجماعة من ملوكها.
ثم انقطع آخرًا بالملك المسعود ركن الدين مودود بن محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سليمان بن أرتق بامد سلطانها. ولم يزل في خدمته، يفيد الناس علم النحو والأدب إلى أن مات بجباني في أوائل شهر الله رجب سنة ست وعشرين وستمائة.
ومن شعره، يمدح الأمير فخر الدين أبا إسحاق إبراهيم بن سعد بن عمار المهلبي- رحمه الله تعالى- وذلك في سنة تسع وثمانين وخمسمائة، من قصيدة:
ما راغ عنك على عظيم بلائهقلبٌ أحلَّك منه في سودائه
قسمًا بمن أمَّت زيارة بيتهأممٌ تحاول من جزيل عطائه
وبمهجتي غفرت جرائم من بهيدعو الإله تبهُّلًا بفنائه
يفديك من لحن الزَّمان وصرفهبك مغرمٌ يفنى ومن برحائه
ومن مديحها يقول:
لك يا أبا إسحاق رقِّي فاحتكمأنت الَّذي أنا منه في آلائه
فخرت بفخر الدِّين آراءٌ لهإذ هنَّ فيه ولسن في نظرائه
/ ب/ لو أنَّ من منح السناء بعقلهوالمجد كان على ذرى علوائه
صومٌ يبشِّرك الصِّيام بمثلهألفًا وفطرٌ ناطقٌ بإزائه
محمَّد بن خلف بن راجح بن بلال بن عيسى، أبو عبد الله المقدسي الأصل، الدمشقي المولد والدار.
كان رجلًا صالحًا متدينًا، سمع بدمشق أبا المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلم. كان من فقهاء الحنابلة؛ محدّثًا عالمًا مناظرًا، حسن العلم والكلام، عارفًا بالتفسير.
تفقه بمدينة السلام، وسمع الحديث من شهدة بنت الأبري، وابن تغوبا [وأبي محمد بن الخشاب، وأبي الحسين عبد الحقّ بن عبد الخالق بن يوسف] وغيرهم. وعاد إلى دمشق؛ حدّث بمسند مسدد بن مسرهد، عن أبي الحسن علي بن المبارك بن تغوبا، ووعظ الناس.
وتوفي في أواخر صفر سنة ثماني عشرة وستمائة. وكانت ولادته في سنة خمسين وخمسمائة.
رأيت له هذه الأبيات، رواها عنه إنشادًا من لفظه أحمد بن الحمزة أبو الحسين السلمي العدل:
قربت وحانت أوبة التَّرحالعن هذه الدُّنيا بلا إشكال
/ أ/ الأرض قد منعت كلاها والسَّماضنَّت وذلك رائد الأهوال
ظهر الفساد ببرِّها وببحرهاوتنكَّرت أحوالها في الحال
لم يبق في الدُّنيا جميلٌ ظاهرٌإلَّا أقاصيص الزَّمان الخالي
هل في الورى متيقِّظ متحفِّظٌيدع التَّواني عنه في الأعمال
محمَّد بن المظفر بن عمر بن الحسين بن المظفر، أبو طاهرٍ- من أهل قزوين- الفقيه الشافعي الواعظ.
نزيل منبج، المدعو بالناصح.
كانت ولادة أبيه بقزوين، سنة ثلاثين وستين وخمسمائة. قدم منبج، واستقر بها مقامه، وأولد بها.
وكان فقيهًا عالمًا أصوليًا شاعرًا، يعرف الخلاف والحديث والمذهب والتفسير والنحو واللغة والأدب. وتوفي بمنبج في شهر شوال سنة إحدى عشرة وستمائة.
وكان يعظ الناس على أسلوب وعظ العجم؛ بملاحة إشارة، ولطافة عبارة.
وكان فصيحًا في إنشاده، وصحب جماعة في أسفاره من المشايخ المشهورين المعتبرين. وكان أكثر اعتماده في الاشتغال والصحبة على قطب الدين بن أبي المعال/ ب/ مسعود بن محمد النيسابوري الفقيه الشافعي- ﵄ وكان يذكر الدليل من يديه، والأئمة يحضرونه- وهو صغير السن- وأنجب على يديه. وكان يتعجب من فرط ذكائه، ويؤيد دليله.
ومن شعره ما أنشدنيه ولده المذكور:
اذكره ومض البروق الأبرقافأمطر الأجفان سحّا غرقا
هاج له الوجد دعاء ورقهعلى غصون بانه تشوُّقا
اله أنشده يمين منشدوقل له قل لي متى يوم الِّقا
ولائمٍ لام على تجلُّديما درى أنِّي أداري الحرقا
يقول لي دمعك جفَّ أورقافلا رقا دمعك جفَّ أورقا
أإن صبرت جلدًا أو سلوهفما رعيت للغرام موثقا
يا لك من قاسي الفؤاد أكذاجزيت بعد البين جيران النَّقا
ماذا أقول إن جرى ذكركمفي أرضهم مات لكم طول البقا
محمَّد بن لؤيِّ بن محمَّد بن عبد الله، أبو منصور بن أبي محمَّدٍ القرشيُّ.
من الشعراء/ أ/ البغداديين المتسمِّين بخدمة الديوان العزيز الخليفتيّ- مجّده الله تعالى- وله المدائح الكثيرة في الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- رحمه الله تعالى- ومدح الظاهر بأمر الله، وكذلك المستنصر بالله.
وقد ذكرت والده في كتاب ((تحفة الوزراء المذيل على معجم الشعراء))، وكان أبو منصور ينشد في الهنآت وغيرها.
كتب عنه شيخنا أبو عبد الله محمد بن سعد بن الدبيثي، وأبو عبد الله محمد بن محمود ابن الحسن بن النجار البغدادي الحافظان؛ إلَّا أنَّ شعره نازل لا حلاوة عليه.
وكانت ولادته- فيما ذكر أبو عبد الله الدبيثي- في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وأخبرني أبو عبد الله بن النجار البغدادي بها، قال: مولد أبي منصور في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وتوفي إما في سنة خمس أو ستٍّ وثلاثين وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن النجار البغدادي، قال: أنشدني أبو منصور لنفسه من أبيات:
تاه بالحسن شادنٌ عربيُّصار في القلب منه داءٌ دويُّ
بدر تمٍّ يسعى بغنج لحاظٍساحراتٍ وسحرها بابليُّ
/ ب/ يخجل البدر خاطرًا حين يبدووجهه المشرق البهيُّ المضيُّ
بعذارٍ كالنَّمل دبَّ على العاج ولكن له دبيبٌ خفيُّ
رشاٌ جسمه أرقُّ من الماء وأندى قلبه جلمديُّ
أنا من عظم هجره مستجيرٌبجوادٍ له النَّبيُّ سميُّ
محمَّد بن عبد الجليل بن أبي المجد بن أبي الفوارس التاجر الدمشقيُّ، أبو عبد الله.
ولد ببغداد، ونشأ بها، وقرأ القرآن، وتفقه بالمدرسة النظامية، وكتب بخطه الكتب الكبار في الفقه. وسمع الحديث من جماعة. ثم اشتغل بالكسب والتجارة، وسافر إلى الشام عدّة نوب.
قال محبّ الدين: سمع معنا الحديث؛ وهو أحد رفقائنا وأترابنا ربينا معه في المكتب، وفي قراءة الأدب، وسماع الحديث، ولم تر عيناي صاحبًا أسلم جانبًا منه في سفري وحضري، ولا أتم مروءة، ولا أصدق إخاءً، ولا أحفظ منه العهود، وحقوق الصحبة.
علقت عنه شيئًا من الشعر له، ولغيره/ أ/ في المذاكرة، وسألته عن مولده، فقال: في يوم الأربعاء مستهل ربيع الآخر سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد.
قال: وأنشدني لنفسه:
قلبي إليكم من السَّاعات مشتاقودمع عيني على خدَّيَّ مهراق
والجسم من بعدكم حلف الضَّنى أبدًاإذا ابتدا يتثنَّى وهو حرَّاق
صلوا لديغ صدودٍ في محبَّتكمقصدُّكم موته والوصل ترياق
يا عاذلي خلِّ عذلي في محبَّتهمفالعذل يغري بمن قد ضلَّ يشتاق
لولا تذكُّرهم لم أبق بعدهمولا سعت قدمٌ بي لا ولا ساق
لم أملك الصَّبر إذ ساقوا مطيَّهمفليتهم ملَّكوني الصَّبر إذ ساقوا
محمَّد بن عبد الحميد بن عبد الله بن أسامة بن أحمد بن عليِّ بن محمَّد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن
عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، العلويُّ.
كانت ولادته في ثامن عشر من رجب، سنة تسع وخمسين وخمسمائة، بمشهد علي بن أبي طالب- صلوات الله عليه- / ب/ بالنجف.
كان أديبًا فاضلًا، له معرفة بالنسب؛ ويقول الشعر الحسن، ومنه قوله، وأنشدنيه تاج الدين أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام، رابع شوال، يوم الاثنين سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني الشريف أبو طالب لنفسه:
وصادحة باتت ترجِّع شجوهاوتظهر ما ظمَّت عليه ضلوعي
تنوح إذا ما اللَّيل أرخى سدولهفتذكر أشجاني بكم وولوعي
فيا ليت شعري والأمانيُّ ضلَّةٌهل الله يقضي بيننا برجوع
فنبلغ أوطارًا ونقضي مآربًاويلتذَّ طرفي من كرًى بهجوع
وما ذاك من فعل الإله وصنعهغريبٌ ولا من حوله ببديع
محمَّد بن إسماعيل بن عبد الجبار بن يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن عليِّ الصويتيُّ- من صويت فخذ من اليمن- أبو الحسين ابن أبي طاهر بن أبي محمَّدٍ المقدسيُّ.
من أهل الديار المصرية.
وكان والده كاتبًا في ديوان العرض هناك. وأبو الحسين فاضل أديب له أنسه بالتواريخ، وأخبار الأدباء.
وكانت ولادته في ليلة الأربعاء تاسع صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
قدم بغداد طالبًا للحديث، وسمع من شيوخها/ أ/ وحصّل وجمع واستفاد، وانحدر إلى واسط، وسمع من أبي الفتح المندائي، ومن غيره. وعاد إلى بلاده.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو الحسين محمد بن إسماعيل لنفسه:
فلا تعجبا لاختلاف الأناموما قد نرى من صروف الزَّمن
بهذا قضى الله في خلقهفقومٌ سرورٌ قومٌ حزن
محمَّد بن الحسن بن محمَّد بن عليِّ بن إبراهيم، المعروف بابن الكريم، أبو عبد الله البغداديُّ.
الكاتب الشيخ الأديب.
كان فيه أدب وفضل، وله كتابة وشعر.
أنشدني وجيه الدين الإسكندري، أنشدني ابن الكريم النفسه:
إن يغب عن فنائك الرَّحب شخصٌفدعائي إليه سارٍ وشكري
وثنائي على معاليك مازال مقيمًا في كلِّ سرٍّ وجهر
وانقطاعي عن الحضور لأمرٍسوف أنهيه فهو يوضح عذري
/ ب/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
ما صاحبٌ يسعى على رأسهللنفع بين النَّاس والضُّر
معكوسه منقصةٌ في الورىلا ترتضى للماجد الحرَّ
حوى علوم الخلق من عابروغابر في سالف الدَّهر
وهو إذا استودع سرًا فلايحفظ ما استودع من سرَّ
وطالما أجرى دماء وكمفرَّج بعد العسر باليسر
وقد تراه صامتًا ناطقًاممتهنًا مرتفع القدر
فاعجب لناهٍ آمرٍ لم يزلممتثل النَّهي مع الأمر
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
قلت لمَّا سئلت عن كنه حاليمن هوى نجمه فكيف يكون؟
أنا ممَّن أصابه حادث الدَّهــر فأمسى لريبه يستكين
أتمنَّى خلًا أمينًا على الدَّهــر أراه وأين خلُّ أمين!
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
إنَّ البلاغة إن أردت بيانهافضلٌ لمعنًى زانه الإيجاز
كالوعد أحسن ما يكون لآملٍمن ذي النَّوال أتمَّه الإنجاز
/ أ/ وقال يصف زهر الخشخاش، وأنشدنيه:
أمأ ترى زهر الخشخاش حين بداتقلُّه في الرِّياض الخضر قضبان
كأنَّه لعيون النَّاظرين يرىمشاعلًا أضرمت فيهنَّ نيران
وله أيضًا فيه، وأنشدنيه عنه:
سقى صوب الحيا روضًا نزلنابه مذلاح للإصباح فجر
وقد أبدى به الخشخاش وردًايحيِّر ناظرًا فيه وفكر
كأنَّ بدائع الأزهار فيهمطارد عسكر بيضٌ وحمر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع