من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (١٠)
وله:
قنعت بميسور قسم الإلهوقد كان من باليسر اقتنع
وأصبح راض بخاء الخمولونون النَّباهة عنه رفع
وأنشرت نفسي بقاف القنوعوألزمتها طيَّ طاء الطَّمع
وإن وفق الله كنت امرءاًيرى لازمًا رأي راء الورع
وقوله:
وصاحب لي بالنُّهى لم أزلأعرفه والفضل موسوما
يقول يومًا حين ناديتهما أحسن المنثور منظوما
/ ب/ مثل عقود الدر تفصيلهاتراه بالياقوت مفهوما
أهداه لي عصر الرَّبيع الَّذيإحسانه مازال معلوما
فاسعد به لازلت في نعمةٍولا أراك الدَّهر مهموما
وله:
إذا ما بدا من صاحب لك زلَّةٌوأخفيتها ثمَّ ابتدرت عقابه
فإنَّك قد عاقبته ظالمًا لهولورمت انصافًا نشرت عتابه
وله:
متحلِّفٌ إن جئتهلم تلقه للهمِّ فارج
وتراه يستمع المدائح ثمَّ لا يقضي الحوائج
وله:
أمسيت في جلِّق أسير أسىرهين همٍّ محالف الكمد
لا مسعدًا أرتجيه يسعدنيعلى زمان يفت في عضدي
يا بلدة السُّوء ويك لست أرىفيك معينًا يعين ذا رشد
لأرحلن عن فنان لا ندمًاأقرع سنِّي ولا أعضُّ يدي
وكون مثلي يسير عن بلدٍعارٌ على أهل ذلك البلد
/ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
أيُّها الماجد الَّذي لست عن حفــظ ودادي ما غبت عنه أحول
وثنائي عليه كالرَّوض غضٌّلا يدانيه ما حييت المحول
لي عذرٌ عن التَّأخُّر لمَّاأصبحت بيننا الوحول تحول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
أرى بجلَّق أقوامًا مودَّتهمإذا تبينتها منحلَّة السَّبب
إن أولموا لم يلمُّوا بالصَّديق وإندعوه لم تك إلَّا دعوة النَّشب
ونشدني عنه أيضًا:
حتَّى م ترضى بضنك العيش مغتربًاناء عن الأهل والجيران والسَّكن
وأنت من سعة البيداء في رحلٍتمسي وتصبح فيها ضيِّق العطن
لا تستقرُّ بدار غير نازحةتجد سيرًا كثير الحضر في المدن
فاثن العنان وسر بالعزم مرتحلًامن بعد طول النأي واربع على الوطن
وإن حللت بدار العزِّ مغتربًافالضُّرُّ والذُّلُّ بالتَّغريب في قرن
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
تغيَّر النَّاس وأحوالهمفما ترى منهم فعالًا جميل
/ ب/ لا صادقًا ألقى ولا ألقىلما ناب نبيها نبيل
قد عدم المشفق في عصرناحتَّى فقدنا وعزَّ المنيل
فعدت بالوحدة مستأنسًاوحسبي الله ونعم الوكيل
وأنشدني وجيه الدين، قال: أنشدني ابن الركيم لنفسه:
إذا فرصةٌ لاحت فخذها ولا تكنبمعتذرٍ عن أخذها بسبيل
ولا ترجها إن أمكنتك إلى غدٍفمن لغدٍ من حادثٍ بكفيل
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
لم أزل أعفو ويهفو صاحبيوإذا أبصرت عيبًا أتعامى
ولكم راءيت غمرًا جاهلًاوإذا خاطبني قلت سلاما
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره:
إذا ما نظرت إلى جاهلٍسفيه يفوه بغير الصَّواب
وقد جاء مستهترًا عابثًايخاطب جهلًا بسوء الخطاب
فلا تحفلنَّ به واطَّرحهمهانًا ولا تلقه بالجواب
فما إن لعمري يضرُّ السَّماءإذا ما فهمت نباح الكلاب
/ أ/ وأنشدني أيضًا وجيه الدين أبو المظفر الأسكندري، في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن إبراهيم المعروف بابن الكريم البغدادي، بدمشق لنفسه:
أهدى إليَّ النِّظام مبتديًامكفَّنًا يبتغي له سترا
من فوق عرش مزخرف بهرتألوانه ثمَّ حيرت فكرا
يخبر في الطَّعم عن خلائقهوعرفه قد غدا له نشرا
دفنته في الفؤاد من حزنٍوظلَّ صدري إذًا له قبرا
فهو حقيقٌ منه بكلِّ ثنًا .. أهديه نظمًا وتارةً نثرا
ما زال يهدي برًا إليَّ ومازلت بجهدي أهدي له شكرا
فلا عداني إفضاله كرمًاولا عدته مدائحي تترى
وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه:
قل للَّذي خضب المشيــب مغالطًا حكم القدر
هلَّا ادَّعيت تصابيًاوغدوت تخفي ما ظهر
/ ب/ وسترت شيبك بالخضاب فكيف تصنع بالكبر؟
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره:
صارحت إخوان الودادفعل اللَّبيب أخي السَّداد
لمَّا تكَّر منهمصفو الأخوة والوداد
وأطلعتهم وجفوتهمكالعضو يقطع للفساد
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
قبول المديح بغير اعتذارٍيدلُّ على سوء رأيٍ قبيح
ولكنَّ هذا جزاء امرئٍأتى كاذبًا لكم في المديح
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
وباخلٍ جادلنا غالطًابالنَّزر من فاضل إنعامه
في عامه الماضي ولكنَّهاستقضاه في الحاضر من عامه
وأنشدني، قال: أنشدني من شعره:
أنكرتني لمَّا علا الشَّيب فوديوضننت حتَّى بطيف المنام
ليس شيبي من طول عمري ولكنشيَّبتني وقائع الأيَّام
/ أ/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
ولقد مررت على الدِّيار مسائلًاعن جيزةٍ كانوا بها مستخبرا
فأجابني الرَّسم المحيل بها حداحادي المنون بهم وقد سكنوا الثَّرى
هذي قبورهم وتلك قصورهمفانظر وقف بفنائها مستعبرا
والله ما نعمت حياتي بعدهمكلَّا ولا التذَّت جفوني بالكرى
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
هل بعد ما شاب العذار يرىفي اللَّهو لي إن عدت من عذر؟
ما كان ذا حدَّ المشيب، بلى:هذا غبار وقائع الدَّهر!
غادرتني غرضًا لأسهمهاورميتني من حيث لا أدري
وخفضن أحوالي الخطوب بماقد حطَّت الأقدار من قدري
فغدوت في الأحداث معتصمًالمَّا نزلن بأجمل الصَّبر
أجرى مع الأيَّام كيف جرتلا فوز عند الصَّبر بالأجر
لا أشكينَّ لوقع نائبةٍوالصَّبر أحسن بالفتى الحرِّ
محمَّد بن أحمد بن أبي عيسى/ ب/ أبو عبد الله المايرقيُّ.
الناسخ الأديب، نزل دمشق.
أنشدني أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الإسكندري، قال: أنشدني أبو عبد الله الناسخ لنفسه بدمشق:
قالوا: تحبُّ ترى بغداد قلت لهمإنِّي بحبِّ ثرى بغداد مشغوف
وكيف لا وبها البدر المنير بدامن في الأنام عليه الحسن موقوف
محمَّد بن محمَّد بن الحسين ابن الخراسانيِّ الوراق، أبو عبد الله.
من أهل بغداد، ومن أولاد المحدثين.
قال محب الدين: سمع الكثير من شيوخنا، وكتب بخطه، وقرأ بنفسه، وكان يكتب خطًا حسنًا، ويورّق للناس. كتب الكثير من الكتب الكبار والصغار والكراريس، والإجزاء؛ وكتب لي كثيرًا، وسمعت معه وبقراءته.
وكان شابًا فاضلًا صالحًا ورعًا زاهدًا تقيًا متعففًا، لازمًا لمنزله، لا يخرج منه إلَّا في يوم الجمعة لأجل الصلاة، ويأكل من كدّ يده.
وما رأيت أحدًا أبلغ احتياطًا منه في أداء الأمانة، وصحة المعاملة، والخروج/ أ/ من مظالم العباد، لحقته أمراض متعبة، وطالب به إلى أن مات شابًا، قبل أوان الرواية، يوم الأربعاء الخامس من رجب سنة ستٍّ وستمائة، ودفن من الغد بباب حرب- رحمه الله تعالى-.
حدّث بالسير عن ابن زريق؛ وحدّث الحديث قديمًا من أبي الحسين بن يوسف، وأبي السعادات القزاز.
ثم قال: قرأت بخط محمد بن الحسين بن الخراساني: ولد الولد أبو عبد الله في تاسع عشر من صفر سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقرأت بخط ابن الخراساني محمد بن محمد في كتابه، قال: رأيت كأني أنشد هذه الأبيات في المنام لنفسي:
غرَّدت في الأراك أيكة سلعفوق غصنٍ سقيته ماء دمعي
فاعتراني إلى الحبيب اشتياقٌوتذكَّرت موقفي بالربع
يا عذولي دع عنك لومي فإنِّيعن ملام العذول قد صمَّ سمعي
كتبه محمد بن محمد بن الحسين الخراساني.
قال: وقرأت بخط محمد بن محمد بن الخراساني، قلت:
/ ب/ جدُّو إلى طاعة مولاكمفإنَّما دنياكم ذاهبه
فقد حظي بالفوز من ربِّهمن كان برًا للورى ذاهبه
محمَّد بن معمر بن عبد الواحد بن الفاخر، أبو عبد الله القرشيُّ.
من أهل أصبهان.
كان شيخًا حسنًا فاضلًا عالمًا ثقة نبيلًا؛ سمّعه والده الكثير من أبي الفضل جعفر بن عبد الواحد بن الثقفي، وأبي نصر أحمد بن عمر الغازي وغيرهما من المشايخ المعتبرين.
وكانت ولادته ليلة الإثنين الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة. وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة.
قال ابن القطيعي؛ أنشدني أبو عبد الله محمد بن معمر لنفسه:
تبدَّت مثل ما بزغت براحوآذنت الكواكب بالرَّواح
فقلت فضحت حين وضحت ليلًاوطال لسان واشٍ فيَّ لاحي
فقالت بعدما جادت ونادتوأبت عن ثغورٍ كالأقاحي:
وهل تستنجح الحاجات إلَّابوجه في مساعيه وقاح
محمَّد بن النفيس بن مسعود بن محمَّد بن عليِّ الدقاق، أبو سعدٍ المعروف بابن صعوة البغداديُّ.
كان شابًا حسنًا، وفقيهًا فاضلًا، حافظًا لكتاب الله، كيّسًا متوددًا، ظريفًا لطيفًا؛ قرأ الفقه على أبي الفتح بن المنى، وتكلم في مسائل الخلاف، وحصل طرفا صالحا من العلم.
وسمع الحديث من أبي علي أحمد بن علي الرحبي، وأبي عبد الله بن منصور بن هبة الله الموصلي، وأبي الحسن عليّ بن عساكر البطائحي. وحدّث باليسير، لأنه توفي شابًا، قبل أوان الرواية.
قال محبّ الدين: علقت عنه شيئًا من الأناشيد في المذاكرة، وكان صديقنا- رحمه الله تعالى- وسألتها عن ولادته، فقال: في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. ومات ليلة الجمعة ثاني عشر شوال سنة أربع وستمائة ببغداد، وصلينا عليه، من الغد بجامع القصر؛ وحمل على رؤوس الناس إلى الزرادين، فدفن بها.
قال القطيعي: أنشدني ابن صعوة لنفسه:
رقَّ يا من قلبه حجرلجفون حشوها سهر
/ ب/ ولجسمٍ ما لناظرهمنه إلَّا الرَّسم والأثر
فغرامي لو يحمَّلهصخر رضوى كاد ينفطر
إن لومي في هواك لمنشرِّ ما يجري به القدر
يا بديعًا جلَّ عن شبهما يداني حسنك القمر
صل ووجه الدَّهر مقتبلٌفزمان الوصل مختصر
كم رأينا وجنةً قتلتفما آثارها الشَّعر
محمَّد بن أبي الفرج بن معالي بن بركة، الفقيه الشافعيُّ [المقريء، أبو المعالي الموصليُّ.
قال أبو الحسن القطيعي: رفيقنا من أهل القرآن والفقه والأدب، قم بغداد في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة].
قال القطييعي: أنشدني لنفسه، يمدح بعض الصدور:
وقد أوتيت أخلاقًاتحيِّر ضارب المثل
فأنت الكامل المتفرد الخالي من الخلل
لقد أصبحت للوفَّادمن حافٍ ومنتعل
مسيح مروةٍ تحييلدينا ميِّت الأمل
محمَّد بن أحمد بن هبة الله/ أ/ ابن تغلب، أبو عبد الله النحويُّ، الفرزانيُّ.
من قرية تدعى فرزينيا، من قرى نهر ملك.
كان مقربًا عارفًا فاضلًا، وقيِّمًا بعلم العربية والقراءات. قرأ على الإمام أبي محمد بن الخشاب، وغيره، وسمع من أبي منصور مسعود بن عبد الواحد بن الحصين.
وكانت ولادته في سنة ثلاثين وخمسين، وتوفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر سنة ثلاث وستمائة ببغداد، ودفن في باب حرب، بمقابر الشهداء.
فمن شعره قوله:
يا هاجري ادلالاهجرتني أم ملالا
أم كاشحٌ أم عذولأراك قتلي حلالا
يا غصن بانٍ رطيبٍفاق الغصون اعتدالا
ارفق بمهجة صبٍّأضحى يحاكي الخلالا
تظنُّه عنك سالحاشاك هيهات لا، لا
وكيف يسلوك صبٌّيذوب فيك اشتعالا
ولو أطاق سلوًاأبى هواه انتقالا
إيهًا على طيب عيشٍألذَّ ما كان زالا
/ ب/ أنالنا الدَّهر وصلًاثمَّ استردَّ النوالا
محمَّد بن عليِّ بن الحسن بن محمَّد بن رضى، أبو حامد بن أبي المكارم الموصليُّ العمرانيُّ.
كان أحد أجداده من العمرانيّة، قرية من نواحي الموصل شرقيها.
وقد تقدم شعر أخيه.
ورد أبو حامد مدينة إربل، في عهد سلطانها الملك المعظم مظفر الدين- ﵁ وأقام بها متوليًا نظارة ديوانها، ثم حبس بعد ذلك، وآلت به الأحوال إلى أن ضمن جهبذة الديوان؛ فأقلع عن ظلم فاحش، وسيرة غير حميدة، فلم تطل أيامه بها، حتى أتت عليه منيته، وذلك يوم الاثنين أواخر صفر سنة إثنتين وعشرين وستمائة.
وكان حسن الحظ والشعر، له كتاب سمّاه: ((بهجة الناظر في الخيال الزائر)) ذكر فيه مدائح الملك القاهر عزّ الدين مسعود.
ومن شعره، وكان سائرً مع بعض الأكابر، وذكر له، أن عمل بيتين يتضمن شرح من يكتب بليقة حمراء في كاغد أصفر، فعمل أبو حامد فيمن يكتب بالأسود في الكاغد الأبيض:
/ أ/ كتبت بخطِّي فوق خطِّ معذِّبيسطورًا تحاكي أضلعي وسقامي
وأوردت فيها بعض ما بي من الجوىوأودعتها وجدي وفرط غرامي
ومن شعره أيضًا، ما كتبه إلى بعض الرؤساء:
سلامٌ كأنفاس الخزامى وقدهماعليه سحيرًا دائمًا سبل القطر
تهبُّ به ريح الشَّمال معطَّرًاوتهديه من صبٍّ نحيل أخي فكر
أدام له الله الكريم بفضلهسعادات جدٍّ لا تزال مدى الدِّهر
ألا أيُّها المولى الَّذي جاد باللُّهىوإحسانه عمَّ البريَّة بالوفر
ومن سابقت آلاؤه وتتابعتإليَّ أياديه ونعماه كالقطر
أبثُّك أشواقي وفرط صبابتيتقلِّب أحشائي على مسعر الجمر
فلو كانت الأرض الفسيحة صفحةًلسطري عليها والمداد من البحر
وأوغلت إفصاحًا وأطنبت شارحًاوأسهبت بالإفراط لم آت بالعشر
فيا ليت أنِّي كنت بين سطورهلأحظى برؤيا وجهه المشرق البدر
ولولا عوادٍ أشغلتني عن السُّرىلجئت إليه ساعيًا عوض السَّطر
وقال غزلًا:
/ ب/ وغادة شبَّهتها في حسنهابالقمر الزَّاهر في جنح الدُّجى
قلت لها: يا منية القلب إلىأورثت الجسم سقامًا وضنى
صلي محبّا ذائبًا فؤادهأذابه الهجر وأفناه الجوى
قالت أجبت القول فيما تبتغيإن كان ما قد قلت حقًا يا فتى!
وله من صدر كتاب:
كتابي عن شوق إليك وغبطة........ لا يزال يزيد
ولي بعد بعدي عن لقائك زفرةٌلها بين أحناء الضُّلوع وقود
وقال أيضًا:
يا ربَّ قد أخذ البلوى مآخذهامنِّي ولم يبق لي صبرٌ ولا جلد
فليس لي ملجأ إلَّا إليك ولاركن ألوذ به إلَّاك يا صمد
وله أيضًا:
عساها عن صباح النُّجح تجلىوترفع من دجى الغمرات سدلا
وتعقب بعد شدَّتها لباثًاوتنشط من عقال الهمِّ حبلا
فقد طاولت ناصية اللَّياليأريد تجلُّد وأريد مطلا
/ أ/ إلى أن أنفدت صبري وأفنتسهام خطوبها حطمًا وفلَّا
أرح قلبي بذكراهم فإنِّيأحنُّ على الجوانح منه طلَّا
فلي طرفٌ بحرِّ الدَّمع يدمىولي كبدٌ بنار الشَّوق تصلى
وله وقد سأله بعض أصدقائه، أن يضع أبياتًا يلغز فيها اسمًا، فصنع هذه الأبيات، وألغز فيها اسم ((كلبهار)):
يا من تحلَّ لديه كلُّ مشكلةٍومن وجدنا إليه الفضل منسوبا
ما اسمٌ إذا ما عكست الثُّلث مختبرًامنه يصير من الأصباغ محسوبا
وإن عكست بالَّذي يبقى يكن رجلًايبغي رضا الله قلا، أن يرى طوبى
فأوضح الاسم لازالت منائح ذيالإفضال تأتيك مهديًا وموهوبا
وقال يلغز باسم سلطان:
يا من علا رتبًا في الفضل ساميةًومن وجدناه أكفى النَّاس في الأدب
ما اسم ما ذكرت خمسًا بدايتهيطل أمرًا لخرط النصل ذي الشطب
وإن ذكرت الَّذي يبقى يظلُّ كمنرمَّ البناء بترب أحسن التُّرب
/ ب/ وإن عكست المبقَّى منه صار كماتعلَّق الأمر في هذا بذا السَّبب
وإن جمعتهما صارا بلا ريبقيلًا عظيمًا كريم الأصل والنَّسب
فحقِّق الاسم واغنم فيه محمدةًتبقى على قدم الأزمان والحقب
محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الواحد، أبو عبد الله الآرسيُّ السبيُّ بحلب.
[عمران الغرناطي، قال: أنشدنا محمد:]
قف بالدِّيار وحيِّي الأربع الدُّرساونادها فعساها أن تجيب عسى!
وإن أجنَّك ليلٌ من توحُّشهافاشعل من الشَّوق في ظلمائها قبسا
إذا تنشَّق أنفاس الصَّبا سحرًايكاد تسري إليهم نفسه نفسا
وإن يكن في قفار ظنَّها لججًاوإن تنفَّس عادت كلُّها يبسا
مضى الزّمان الَّذي قد كنت أعهدهوكان بالأمس معمورًا فقد درسا
يا هل درى الغادون عن دنفٍيبيت وليل الدَّياجي يرقب الغلسا
ظبيٌ غريرٌ ولكن لحظ مقلتهيسطو على الصَّبِّ سطو اللَّيث مفترسا
كلَّمته فتشكَّى الكلم من كلميوكدت أجرحه باللَّحظ مختلسا
وابتزَّ قلبي قسرًا قلت مظلمةيا حاكم الحبِّ هذا القلب لم حبسا
/ أ/ غرست باللَّحم دمعًا فوق وجنتهحقًا لطرفي أن يجني الَّذي غرسا
وإن أبى فالأقاحي منه لي عوضمن عوِّض الثَّغر من خدِّ فما بخسا
فبات طوع يدي والشَّمل يجمعنافي بردةٍ للتُّقى لا تعرف الدَّنسا
تلك اللَّيالي الَّتي اعتدُّ من عمريوبالأحبَّة كانت كلُّها عرسا
لم يحل للعين شيءٌ بعد بعدهموالقلب مذ أنس التَّرحال ما أنسا
يا جنَّة فارقتها النَّفس مكرهةًلولا التأسِّي بدار الخلد متُّ أسى
محمَّد [بن] نصر بن أبي البيان، أبو عبد الله الأديب الدمشقيُّ.
كان يفهم صدرًا صالحًا من علم العربية، وينظم شعرًا حسنًا، وسمع الحديث ورواه عن أبي القاسم الحافظ، وحمل عنه، وسمع سعادة الأعمى، وروى عنه من شعره.
أنشدني أبو المظفر منصور بن سليم بن منصور الإسكندري، الفقيه الشافعي، قال: أنشدني الأديب أبو عبد الله بن أبي البيان لنفسه:
لا تنكرن ضعف خطِّي وارتعاد يديفإنَّه خطُّ من قد جار سبعينا
/ ب/ صرَّفتها بيد التَّسويف مرتجيًاعفو الإله وأسلافي المطيعينا
قومٌ مضوا منذ كانوا قطُّ ما برحواإلى العفاف وفعل الخير ساعينا
لم يحملو لمليك منةً أبدًاولم يكن قصدهم جاهًا وتعيينا
نبا بناصية حتَّى لقد وجدواأصحابه في الورى غرًا ميامينا
طريقهم بالتُّقى والدِّين واضحةٌبالذكر لله لا بالرَّقص لاهينا
فالرَّقص نقصٌ عظيمٌ لا يقول بهقومٌ مصيبون بل قومٌ مصابونا
هذا مقالي وكلُّ الخلق يعرفهفلا تكونوا لقول الحقِّ قالينا
فنسأل الله حقًا أن يثبِّتناعليه حتَّى نرى في الخلد ثاوينا
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
قلت إذ لفَّع الزَّمان رداء الشَّيب بالثَّلج فهو ضاف قشيب
أنا ما نلت بغيتي في زمانيحيث غصن الزَّمان غضٌّ رطيب
أفأرجو نيل الأمانيِّ فيهكيف ترجى وقد علاه المشيب
قد تلاقى مشيبة ومشيبيفانتشا بينهن أمرٌ عجيب
من قريبٍ أراه وهو بعيدٌوبعيدٍ أراه وهو قريب
وزمان إذا تأمَّلت أهليهفإنَّ الوفاء فيهم غريب
/ أ/ ومن شعره يمدح القاضي الخويّ:
لقد أسعف الله أهل الشَّاموأنقذهم من أذى يونس
وعادت دمشق بقاضي القضاةتزيد على شرف المقدس
وصار الخويّ لمَّا بهتسمَّى أعزَّ من الأطلس
فيا حاكمًا قد ملكت القلوببلطف ينطِّق للأخرس
ومالت إليك نفوس الأنامكأنَّك مغنيطس الأنفس
وأيَّك الله سبحانهبفصل الخطاب لدى المجلس
فعشت مدى الدَّهر في أنعمٍوأعداؤك الآن في أبؤس
وكتب إلى بعض القضاة معتذرًا:
قاضي القضاة عماد الدِّين سيِّدناسمت مناقبه بالعلم والعمل
فالعدل منبسطٌ والظُّلم منقبضٌوالعلم في عزَّة والجهل في خذل
وليس تأخذه في الله لائمةٌوخالص الدِّين لا يخشى من الزَّلل
لا تحسبنَّ انقطاعي عنك من سببٍيصدُّني أو لأمر الحمَّق السَّفل
ومنها:
أعوذ بالله إلَّا أننَّي زمنٌعشر الثَّمانين قد ضاقت به حيلي
وقد بلغت إلى عمر يؤخِّرنيعن كلِّ خيرٍ ويدنيني إلى الأجل
/ ب/ فاعذر لعبدك في التقصير وارع لهحقًا تقدَّم يا ابن السَّادة الأول
لا زال مجد عماد الدِّين مرتقبًاإلى الكواكب والشِّعرى ولم يزل
وله:
وقائلة لا ترض بالشِّعر خطَّةًفإنِّي أرى أهليه من أرذل البشر
فقلت أنا الياقوت بين حجارةوقد يشمل الياقوت تسمية الحجر
وله يمدح ابن مرزوق:
سبحان من رزق ابن مرزوق النُّهىوحباه منه بوافر الأقسام
لمَّا رأيناه رأينا سيِّدنابمناقبٍ أعيت ذوي الأفهام
متكبِّرًا عن أن يرى متكبِّرًامتواضعًا وله المحل السَّامي
يحنو على الضُّعفاء منه تلطُّفًاويبرُّهم بالبرِّ والإنعام
فهو المجمَّل بالمناقب كلِّهاوهو المجمِّل ملَّة الإسلام
لا زال ماضي الأمر في مصرٍ وفيحلبٍ وبغدادٍ وكلِّ الشَّام
وقال من قصيدة، يمدح بها الفلك بن المسيري:
باليمن والنُّجح دار أنجم الفلكتنمى سعادتها للصاحب الفلك
/ أ/ مولى مدائحه كالمسك مسلكهافي النَّثر والنَّظم منه خير منسلك
لا زال يرفل في أثواب عافيةٍوصانه الله عن بؤسٍ وعن درك
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله النصيبي بحلب، قال: أنشدني محمد بن نصر بن عبد الرحمن لنفسه:
ولقد ضعفت فلم أزرك وإنَّ ليقلبًا إليك صميمه يرتاح
ودعاؤنا لك صالحٌ ندعو بهفيؤمِّن الإمساء والإصباح
يا أيُّها القاضي الَّذي سرَّ الورىبقدومه وتوالت الأفراح
لمَّا قفلت من الحجاز تباشرواأهل الشَّام به فلاح فلاح
فاعذر لخادمك المقصِّر إنَّهيفنٌ ضعيفٌ ما عليه جناح
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
عشر الثَّمانين قد أوهى قواي وقدتضاعف الضَّعف في عشر الثَّمانينا
فاسأل الله لطفًا منه يلطف بيباقي الحياة فقل بالله آمينا
محمَّد بن المبارك بن عليٍّ/ ب/ حمى الله حوزته-. وكان ذا فضل وأدب، حافظًا للقرآن الكريم، شاعرًا؛ نظم أرجوزةً في النحو.
وقع إليّ قصيدة من قيله في البيت المقدّس، حين خرّبه الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبي بكر- صاحب دمشق-. وفي تلك السنة أخذ الفرنج- خذلهم الله تعالى- دمياط، وهي سنة ست عشرة وستمائة؛ فأنشأ أبو عبد الله هذه القصيدة:
مصاب القدس قد سلب الرُّقاداوقد لبس الخطيب به حدادا
وقاضيه قضى نحبًا وإن لميمت لخراب ما أعلى وشادا
ونادى المسجد الأقصى أيرضىبهذا الفعل من فرض الجهاد
ومنبره الشَّريف يئنُّ خوفًاوممَّا حلَّ بالمحراب مادا
ولا ترقى لصخرته دموعٌفكم قد أقرحت أسفًا فؤادا
كذا محراب داود علتهالكآبة دمعه يحكي العهادا
ولازم باب رحمته عذابٌوسطَّح الطُّور أدمعه وجادا
/ أ/ وأصبحت المدارس معولاتتريق محابر الفتيا المدادا
وما عن عين سلوان سلوٌلساكنه ولو ملك البلادا
وبيت خليله وجلٌ لما قدأصاب سواه يرتعد ارتعادا
وعند قمامة اليوم التَّهانيتتيه ككاعب جاءت تهادى
إذا سمعت بدمياط وما قدأشيع تقول بلِّغت المرادا
ولكنَّ الكنائس ضاحكاتٍتعالى الله يفعل ما أرادا
ألا يا زائريه أبكوا ونوحواعلى الإسلام وافترشوا الرَّمادا
فلو بكت العيون دمًا عليهتقاضى رزؤه الباكي ازديادا
فمكَّة ثاكلٌ عبرى فلمَّاألمَّ بأختها لبست سوادا
فترك الحجِّ أبكى كلَّ عينوعن طيب الكرى اعتاضت سهادا
رضا الملك المعظَّم ذا عظيمٌولو ملك البسيطة ما أفادا
ولكن ربنا ربٌّ غفورٌلطيف الصُّنع يمتحن العبادا
فخوَّلنا وبوَّأنا بلادًاأرانا جاحدي نعماه عادا
أبعد خراب بيت القدس خطبٌأشدُّ ولو توسدنا القتادا
على الدُّنيا وما فيها عفاءٌولو نلنا بها السَّبع الشِّدادا
/ ب/ وأنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن القوصي بدمشق، في المحرم سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن المبارك الضرير خطيب القدس، وقد أنشدته هذين البيتين:
وما طلب المعيشة بالتَّمنِّيولكن ألق دلوك في الدِّلاء
تجيء بملئها طورًا وطورًاتجيء بحمأةٍ وقليل ماء
فقال مجاوبًا لي ما انحصرت القسمة، بل بقي قسمان آخران، وأنشدني لنفسه بديهة:
وكم من مرسلٍ دلوا تردىوطورًا عاد منقطع الرشاء
فأجمل في طلاب الرِّزق واعلميقينا أنَّ رزقك في السَّماء
فلا حرصٌ يقيك ولا توانٍيغيث فثق بسابقة القضاء
محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن يحيى بن عليِّ بن يحيى، أبو عبد الله ابن الأكّاف الموصليُّ المعروف/ أ/ أبو عبد الله الموصليّ المقرئ.
كان ممن قرأ على الشيخ أبي بكر يحيى بن تمام بن سعدون القرطبي الأزدي، القرآن والقراءات، وتلمذ به، وجود عليه. وكان شيخًا شيعيًا متواليًا، له أشعار في المدح وغيره. وكان يعرف بابن نصيف.
قرأ عليه القرآن، خلق كثير من أهل الموصل، وتوفي في سنة اثنتي عشرة وستمائة. أدركت آخر زمانه، وهو شيخ كبير.
ونقلت من خطه، قوله يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود- ﵁:
لعداك فرط صبابتي وغراميوعداك وجدي في الهوى وهيامي
يا من غدا متفرِّدًا بجمالهصل من غدا متفرِّدًا بسقام
رشا جموح الحسن طوع يمينهيقتاده عنفًا بغير زمام
يرمي وترمي مقلتاه بأسهمٍفسهامه موصولةٌ بسهام
كيف التَّخلص من لواحظه الَّتيجعلت مراميه وهنَّ مرامي
قسمًا بسحر كامن في جفنهولذاك عندي أوفر الأقسام
لأصاحبنَّ الدَّهر غير مسالمٍوأصول مقتدرًا على الأعوام
أأرأع يا دهري ونور الدَّين ليمولًى وعونٌ إن سطوت وحامي
/ ب/ ملكٌ يرى في سرجه ملكٌ لهسيما الهدى وسكينة الإكرام
متقلِّد من عزمه ذا رونقٍيرضيك في نقضٍ وفي إبرام
ليثٌ العرين إذا تثنَّى في وغًىوإذا انثنى لندًى فبحرٌ طامي
تلقى أرسلانًا إذا اشتجر القناوتأخَّر المتقدِّمون يحامي
يا آل زنكي أنتم الصِّيد الألىبكم حمى اللَّاجي وريُّ الظَّامي
ليقر عينًا يا فثٌ بكم فقدأربى على سام بفخر سامي
مولاي عوة من أتى مستمطرًايرجو الرَّذاذ فجدته بركام
حكَّمته في دهره فتقهقرتوتقاعست عنه خطى الأيَّام
حسدتني الدُّنيا عليك وباعدتخدمي ولم يبعد نداك الهامي
فاعطف على العبد الَّذي أبدأتهبسجال قربك فهو ذاو ظامي
واسلم منيع الجار مبذول النَّدىخصب الجناب مؤيَّد الأعلام
ونقلت من خطّه شعره، ما كتبه إلى بهاء الدين الربيب:
قل لبهاء الدِّين عنِّي شفاهيسألك الله غدًا من سماه
شيمتك العدل وفيك التُّقىوكلَّ أعمالك ترضي الإله
/ أ/ فاسئل عن حالي وعن قصَّتيوذبَّ عنِّي من أذًى قد أراه
غلمان إبن العجمي كلُّهمقد حلَّلوا قتلي وقالوا: الغزاه
وكيف ألقى القتل في بلدةملك أبي الحارث رسلان شاه
ممهِّد الأرض بأطرافهاوليس في الأرض مليك سواه
مجَّدك الأبطا يوم الوغىسائل ملوك الأرض عن ملتقاه
ما جاءه من خاف من ظالمٍإلَّا أزال الظُّلم لمَّا أتأه
وإنَّني أخوف من أرنبيرى كلاب الصَّيد تعدو وراه
وذاك خوفي لم يكن منهمما يعجز الرَّامي عمَّن رماه
وإنَّما خوفي من بطشكمأجتنب الشَّر وأخشى أذاه
إنههم مولاي عن فتنتيوردَّهم عنِّي وإلَّا فاه
قد مضَّني فرط سؤالي لهموليس يزدادون إلَّا عماه
لو أنَّني قد جئت من خيبركنت أداريهم بوزن البراه
وإبن غازي هو أسُّ البلايؤلِّب القوم ويهوى هواه
يزوِّر الكتب كما يشتهيمجاهد الدِّين لهذا اتَّقاه
وقد تأذَّى النَّاس من شرِّهفازجره عن مسك القلم والدَّواه
/ ب/ ولا خلوت الدهر من دعوةٍمن نالها في الخلق يعطى مناه
واسلم ودم وأبق لدى نعمةٍما سارت الركبان أرض الفلاه
محمَّد بن محمَّد بن محَّمد بن محمَّد بن الحسين، أبو البركات ابن أبي جعفرٍ النحويُّ البغداديُّ المولد والمنشأ.
وأصله من شهرستانة، وهي بلدة عند نسا من بلاد خراسان، مما يلي خوارزم، يقال لها: رباط شهرستانة؛ بناها عبد الله بن طاهر في خلافة المأمون.
كانت وفاة أبي البركات يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وستمائة ببغداد، ودفن بجانبها الشرقي بمقبرة الوردية. وكان مولده في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
أخذ النحو عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وبعده على أبي الحسن علي بن المبارك المعروف بابن الزاهدة، ولازمه حتى حصل معرفة هذا العلم، وتميّز فيه على غيره، وسمع الحديث من جماعة، وله شعر حسن.
أنشدني أبو عبد الله/ أ/ محمد بن سعيد الواسطي، قال: أنشدني أبو البركات لنفسه:
لمَّا جفا من كنت آمل وصلهظلمًا وجدَّ فديته من ظالم
أخفيت زرقة ملبسي من حاسديولبستها من خشيةٍ في الخاتم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني محمد بن محمد لنفسه:
خليليَّ عوجا عرَّضا لي بذكر منبها ينقضي عمري وأدفن في رمسي
ونوحا بشجو واندبا لي فرقتيليال تقضَّين فهل راجعٌ أمسي
غداة افترقنا غاب عقلي فما أرىلي اليوم من عقل صحيح ولا حسِّ
ألا إنَّ نور الشَّمس من نور وجههافما لي أراها تستظلُّ من الشَّمس
ومن شعره ما كتبه إلى بعض الصدور، وقد أهدى إليه كتابًا ألّفه لأجله:
جمَّعت من غرر البلاغة لمعةًأهديتها للكامل بن الكامل
أهديت للبحر الفرات لآلئًاوالدُّرَّ في تيَّاره والسَّاحل
ولذاك صيحانيُّ تربة يثربيهدى إلى نخل العراق الحامل
ومتى تأمَّلت النَّهار لديهمأبصرت كلَّ غريبة في الحاصل
/ ب/ وقبول ذلك جبر قلب مؤمِّللقبوله وكياسةٌ في القابل
لا زال كهفًا للعفاة وملجأللقاصدين وعدَّةً للآمل
ومن شعره أيضًا، وقد صنف كتابًا في الظاء والضاد، وأهداه إلى زعيم الدين يحيى بن جعفر، وكتب عليه:
الفرق بين الضَّاد قل والظَّاءأهدي إلى ذي الطَّول والنَّعماء
يحيى بن جعفر الزَّعيم أخي التُّقىوالمجد ربَّ جلاله وبهاء
فكأنَّني أهديت ما هو حفظهلكنَّني ذاكرت في إهدائي
جهد المقلِّ فهل رأيت أخا حجًىللبحر يهدي قطرةٌ من ماء
أم هل رأيت أخا سداد متحفًاللبدر حال كماله
لكن أخو الفضل العزي محقِّقٌلذوي الفضائل صورة الأشياء
محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن عليٍّ، أبو عبد الله الحربويُّ.
هو من حربا، من قرايا العراق. من أهل بغداد، وكان مرتبًا بالمدرسة النظامية، وكان أديبًا فاضلًا، يقول الشعر الحسن.
دخل بغداد، وأقام بها إلى أن مات يوم السبت الثامن والعشرين من ربيع الأول
سنة ست عشرة وستمائة. وكان يؤدّب بها الأمراء والأتراك/ أ/ وينوب عن النظَّار بطريق خراسان، وكان رجلًا سليم الجانب.
وهو القائل، وقد جاءه كتاب من صديق له:
وافى كتابك فابتهجت مسرَّةًبقدومه وتضاعفت أشواقي
وكأنَّني كنت السَّليم لبعدكمعنِّي وكان هو الطَّيب الرَّاقي
وافى إليَّ وفيه منك هديَّةٌفيه الوفا ومكارم الأخلاق
ما زلت أرعى العين بين سطورهفي زهر روضٍ جداول وسواقي
فكأنَّني لمَّا فضضت ختامهلك فيه بين زيارةٍ وتلاقي
وأنشدني محبّ الدين، قال: أنشدني الحربوي، في استرضاء قومين، كان يتردد إليهما، قاله لكل واحدٍ منهما:
لهم ولكم عليَّ حقوق وبرٍّومعرفةٌ تعزُّ ولا تهون
ولكنِّي إذا أنصفت كانواوكنتم بينكم فرقٌ مبين
هم العين اليسار بكلِّ حالٍلديَّ وأنتم العين اليمين
قال: فلم يرض أحدهما إلَّا بانقطاعه عن الآخرين، فاعتذر إليهما بأن قال:
/ ب/ ولي عينان من كرمٍ وجودٍعليَّ تكاملا بصرًا ونورا
وقد أمست جفونهما مراضًاولم أر نافعًا لهما الذَّرورا
دوا إحداهما في داء أخرىومثلي في القضَّية لن يجورا
يهون عليَّ أن أدعى بأعمىولا أدعى بواحدةٍ بصيرا
فرضي كل واحد منهما.
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في غلام مثاقفٍ:
قد سلَّ سيف الثِّقاف منتضيًامن بعده مرهفًا من النَّظر
مثاقفٌ من سيوف مقلتهقد أصبحت مهجتي على خطر
ما همَّ في شدَّ عقد مئزرهإلَّا وقد حلَّ عقد مصطبري
يكاد في حفي من يثاقفهبالسَّيف يحصي مغارر الشَّعر
كأنَّما وجهه لمبصرهفي وجهه غيمةٌ على قمر
محمَّد بن مطرٍ البغداديُّ.
كان عاملًا بتكريت، من قبل أمير المؤمنين الناصر لدين الله- ﵁. وكان فيه فضل ومعرفة، شاعرًا متصرفًا؛ ومن شعره/ أ/ ما كتبه إلى شهاب الدين أبي عبد الله عمر بن القاسم التكريتي الفقيه الشافعي:
ما يقول الإمام وفَّقه الله لسبل الهدى وفعل الصَّواب
في فتًى مات عن فتاةٍ رداحذي قوام بريقه كالسَّراب
ولها حقُّها من المهرعينٌوكتابٌ بنسخه في الكتاب
بشهود لا ينكرون مقالًامع مرِّ السِّنين والأحقاب
وله والدٌ وما كان له قبل موته والذَّهاب
من حدادٍ ولا متاعٍ نراهتحت حرزٍ له ولا بوَّاب
هل يجوز التماسها من أبيهحقَّها خالصًا بغير عقاب
ثمَّ ما خلَّف الفتى من نتيجبين حيٍّ بلاحق الأنساب
أفتنا أيُّها الإمام سريعًاواكتسب أعظم الجزا والثَّواب
فأجاب أبو عبد الله ارتجالًا على وزن الشعر ورويّة:
قل لمن ألغز الخطاب الَّذي فاق وقد فاق فوق كلِّ خطاب
سائلًا عن فتًى كريم وقد مات بلا علَّة من الأسباب
/ ب/ عن فتاة إذا أتاها مريدٌأخذ المهر منه من لا يحابي
وله والدٌ كريمٌ من الكرمله اشتقَّ اسمه في الصِّحاب
ثمَّ أم توطا لتبرز منهامزنة تجتلى بغير نقاب
مهرها أربعون ممن أتاهاأو ثمانون في القياس الصَّواب
فاجتنبها وصن جنابك عنهافهي للقتل خدعةٌ كالسَّراب
هاك ما حاك فيه فكري سريعًاوبديهًا سطَّرته في الجواب
أيُّها السَّيِّد المؤمَّل شمس الدِّين ما هكذا حسبت حسابي
محمَّد بن الخضر بن محمَّد بن الخضر بن عليِّ بن عبد الله بن تيمية، أبو عبد الله ابن أبي القاسم الحزّاني الواعظ الحنبليُّ، الخطيب الكفر جديانيُّ.
خطيب حرّان ومحدّثها وعالمها على المذهب الأحمدي، وكفر جدايا قرية من قرى حرَّان. وكان واعظًا مفسِّرًا حافظًا عالمًا.
حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي- أيده الله تعالى- قال: أخبرني إبراهيم الصريفين، أنه سئل عن نسبه إلى يتيمَّة، أ/ فقال: هي جدتي، وكانت من أهل العلم، واعظة البلد- يعني حرّان- فعرفنا بها.
وتفقه أبو عبد الله بمدينة السلام على أبي الفتح نصر بن فتيان النهرواني المعروف بابن المنى، وسمع بها أبا الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطي، وأبا الحسن سعد
الله بن نصر الدجاجي، وأبا الفضل أحمد بن صالح بن شافع، وأبا بكر عبد الله بن حمد بن النقور، وأبا القاسم يحيى بن ثابت بن بندار وغيرهم- رحمه الله تعالى-.
كانت له معرفة حسنة بالتفسير والوعظ والأحاديث. وكان من صلحاء الناس ذا قبول عندهم؛ من تصنيفه، كتاب سمّاه: ((تحفة الخطباء من البريّة في الخطب المبنرية)).
وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وكانت وفاته بحران فيما بلغني يوم الخميس وقت العصر عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة- ﵁.
ومن شعره قوله:
إذا جنَّ ليلي جنَّ قلبي بذكركمفيغلبني وجدٌ بكم وبكاء
وتعتاض عيني عن لذيذ رقادهابحرِّ دموعٍ وقعهنَّ شفهاء
وتضعف عن حمل التَّجلُّد قوَّتيإذا مضَّني داءٌ وعزَّ دواء
/ ب/ ويظهر لي صدق الَّذي قال قبلناوهل لقوي لا أستجد بقاء
أنشدني الشيخ الحافظ محبّ الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن الخضر بن محمد بن تيميّة لنفسه ببغداد:
أرى قوَّتي في كلِّ يومٍ وليلةٍتؤول إلى نقصٍ وتفضي إلى ضعف
وما ذاك من كرِّ اللَّيالي ومرِّهاولكن صروف الدَّهر صرفًا على صرف
فراقٌ وهجرٌ واخترام منيةٍوكيد حسودٍ للعداوة لا يخفي
وذاك دخيلٌ للفؤاد مقلقل الــضُّلوع يجلُّ الخطب فيه عن الوصف
وعشرة أبناء الزَّمان ومكرهموواحدةٌ منها لهذا الهوى يكفي
بليت بها منذ ارتقيت ذرى العلاكما البدر في النُّقصان من ليلة النِّصف
وما برحت تترى إلى أن بليت منتضاعفها ضعفًا يزيد على ضعف
وأصبحت شبهًا بالهلال صبيحة الــثلاثين أخفاه المحاق عن الطَّرف
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن أياس بن عبد الله الحرَّاني بحلب، قال: أنشدني أبو عبد الله بن تيمية لنفسه:
/ أ/ إذا دهمتك عظام الأمورفشاور لها العقلاء الألبَّا
ولا تستبدَّ بها دونهمفتلقى خسارًا عظيمًا وتبَّا
فقد أمر الله خير الأناموأزكى البريَّة عقلًا ولبَّا
بأن يستشير أصيحابهفشاورهم مستجيبًا ولبَّى
وقوله أيضًا:
قدمت من سفر الدُّنيا على ملكٍيعدُّ للوافدين البرَّ والنِّعما
يقري الضيوف بإحسان وتكرمةًقرى الكريم ويوليه المنى كرما
وما قدمت عليه مسلفًا عملًاأرجو به من عطاء فضله قسما
لكن بفقري وإفلاسي ومسكنتيوسيئاتي الَّتي تستوجب النِّقما
أرجو تجاوزه عمَّا أتيت بهمن القبيح وإن جاز المدى عظما
وحسن ظنِّي به ركني ومعتصميحسبي بظنِّي به في ذاك معتصمًا
وقال أيضًا:
دنت رحلتي وتدانى المسيروزادي من النُّسك نزرٌ حقير
وقلبي على جمرات الأسىمن الخوف من خالقي مستطير
وكم زلَّةٍ قد تقحَّمتهافدمعي لها وعليها غزير
/ ب/ مضى عمري وانقضت مدَّتيولم يبق من ذاك إلا اليسير
كأنِّي بكم حاملين السَّريرلشخصي وناهيك ذاك السَّرير
يقلُّونه شرجعًا مثقلًاعلومًا لجنبيه فيها صرير
إلى منزل ليس في ربعهأنيسٌ يساكنه أو نصير
سوى عملٍ صالحٍ بالتُّقىفنعم الأنيس ونعم الخفير
وقال لما فرغ من تحرير تفسير القرآن الذي ألّفه:
أيُّها النَّاظر بعدي في كتابيمستفيدًا منه مرغوب الطِّلاب
قاطفًا منه ثمارًا سقيتباجتهادي ماء شيبي وشبابي
اهد لي منك دعاءً صالحًاواصلاٍ تحت أطباق التُّراب
محمَّد بن يوسف بن الدّخوار، أبو عبد الله السكاكينيُّ.
من أهل حلب، كان أصله فارسيًا.
وكان شاعرًا ينتجع بشعره ويرتزق به، وكان فقيرًا مملقًا، شديد الفاقة، ذا عائلة، وعنده دينٌ وخير. وكان مع خيره/ أ/ ودينه بذيء اللسان، هجاءً شرِّيرًا، يتقى شره. وتوفي في سنة أربع وخمسين وستمائة.
أنشدني من نظمه أبو الوليد عبد الملك بن يوسف بن عبد الملك بن رستم ابن علي الديلمي الحلبي بها، في سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني ابن الدخوار لنفسه، يمدح السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب- صاحب قلعة حلب، رحمه الله تعالى-:
يا آمل البان ما بالبان مذ بانواأهل الحمى لك أوطار وأوطان
ولا مغاني الغواني بعد بعدهميغني مغازلها منهنَّ غزلان
ففيم يصبيك ربعٌ لا أنيس بهللصبِّ إلَّا صباباتٌ وأشجان
نعم هي الدَّار من نعمان لو جمعتنعمٌ نعمت بها يومًا ونعمان
وأين منك لياليها الَّتي سلفتوللصِّبا من قلوب العير أعوان
من كلِّ خودٍ رداحٍ في لواحظهاأسياف فتكٍ لها الأجفان أجفان
تبدو فتغدو لديها الشَّمس كاسفةًوينثني خجلًا من قدِّها البان
إنسيَّةٌ ما لعين بعد رؤيتهاخوف الفراق بسحِّ الدَّمع إنسان
أقول للبين إذ بأنت ظعائنهوللحداة وقد سنُّوا النَّوى شان
/ ب/ رفقًا عليَّ فلي إن رمتم تلفيببينها من غياث الدِّين سلطان
من مالك ما لصرف الدَّهر خيفتهإلَّا على حائن عاداه عدوان
بحرٌ إذا هطلت جودًا أناملهفالبحر منحسرٌ والغيث خجلان
وإن غزا ظلَّت الأرضون راجفةًواستشعر الثَّقلان الإنس والجان
مؤيَّد الرَّأى والرَّايات منتصرٌللنصر في نصله إن سلَّ برهان
في درعه ليث حرب كلُّ منزلةأضحى بها مستقرًا فهي حفان
للدِّين منه وللدُّنيا إذا انتصرًايوما وغى وحجًى أمنٌ وإيمان
يا ابن الذي لم تكن تلفى خزائنهلها إذا قدم العافون خزان
وابن الهمام الَّذي أغماد صارمهلدى القرى والوغى بدنٌ وأبدن
إليك أشكو زمانًا لا يقوم بماحمِّلت من ثقله رضوى وثهلان
حظٌّ غدا كحضيض الأرض منتقلًاوهمَّه همُّها للعلو كيوان
فمن زماني بإسعادي ترى رجلًالجامح الفضل إذ ناداه إذعان
فما ألم بمن وافاك منتصرًاكلٌّ ولا مسَّ من يرجوك حرمان
واستجلها بنت فكرٍ لا يدنسهاتبذل فهي يا مأمون بوران
/ أ/ لها بكلِّ لسانً صان روايةٌنعم وفي كلّ قلب دان ديوان
لفارسيٍّ به يبدو إذا فخرتقيسٌ وإن لم تلده العرب عدنان
وأنشدني أبو الفتح بن بيان بن علي الحلبي بها، في شوال سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الدخوار لنفسه:
أتطمع أجفاني بطيب رقادوقد سلَّمتهن النَّوى بقتاد
وآمل دهري على البين مسعدًاوقد عزَّ ما بيني وبين سعاد
فلا مخبرٌ إلَّا صبا كلَّما بدتنوافحها شبًّ الأسى بفؤادي
ولمع بريقٍ مستطير كأنَّهلبعد المدى في اللَّيل قدح زناد
فيا ريح هل تلقينها بتحيَّةويا برق هل تعتادها بودادي
ويا طيفها هل لي إليك وسيلةفتدنو بك الأيَّام بعد بعاد
وأنشدني أيضًا أبو الفتح، قال: كان ابن الدخوار، قد مدح القاضي زين الدين- قاضي حلب- فلم يجزه، وكان قد تردد إليه مرارًا فلم يعطه شيئًا، فقال فيه: وأنشدنيه:
/ ب/ رددتني عنك يا هذا بلا صلةوقد علمت بإعساري وإعدامي
وعاد برقك عندي خلَّبا ونبًاقصدي فيا لسراب غرَّ بالظَّامي
يا مشبه البحر أظما ما يكون بهالسَّاري إذا لجَّ في تياره الطَّامي
تبًا لشعري أما تجدي جوائزهسوى التَّفكير في نقضي وإبرامي
وهكذا السَّهم ما أنهاه حاملهللنزع إلَّا وأدمى إصبع الرَّامي
فإن سمت بك زين الدِّين مرتبةٌفليس تهوى من الدُّنيا سوى السَّامي
إذ لا غناك ولا فقري فإن عظمابين الأنام سوى أضغاث أحلام
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع