من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (١١)
وله وقد استهدى بعض الأشراف مركبّا، وضمن البيت الثالث:
أضحت دواتي بالبياض مناطةًيا ابن المشاعر والمحصَّب من منى
وامتاز خطَّي بالسَّواد لشقوتيفظللت أنشد في التَّضادد معلنا:
يا قلبه القاسي ورقًّة خدِّههلَّ نقلت إلى هنا ممَّا هنا
وقال أيضًا:
في فم من أهوى وفي خدَّهستَّة أنواع وأجناس
شذًا وشوٌ وطلًا عزَّرتبالورد والنَّرجس والآس
/ أ/ محمَّد بن نصر الله بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، أبو عبد الله بن أبي الفتح الشيبانيُّ الموصليُّ.
وقد تقدّم شعر عمَّه أبي السعادات المبارك بن محمد.
كانت ولادته بالموصل في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وتوفي صبيحة يوم الإثنني ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
كان يتعاطى فن الترسل والشعر، ويدّعي الفصاحة في النثر؛ ذا حمق ورقاعة، كثير العجب بنفسه، متكبر على أبناء جنسه.
وخبرت عنه، أنه كان يطعن في القرآن، ويتسامح في حقِّ العلماء الأعيان، ويضع منهم، ويعرض بحمقه عنهم؛ وله تواليف منها كتاب سمّاه: ((غرّة الصباح في أوصاف الإصطباح)) ذكر ما قيل في الصبوح وأيام الربيع، وما وصفت به الخمر من طيب أنفاسها، واختلاف ألوانها وأجناسها، وما يلتئم بذلك من لطافة ندمانها، ومحاسن قيانها، ونعت الساقي، وما يوصف به من الحسن والجمال، والظرف والكمال، وأورد فيه مقطعات من أقاويل الشعراء، ورتبها على حروف/ ب/ المعجم، ثم أتبع كل حرف من الحروف بشيء من شعره. وكتاب ((الأنوار في نعت الفواكه والثمار)) ذكر ما قيل في الرياحين والفواكه والأزهار، وما قالت الشعراء من محاسن أقوالهم. وكتاب: ((روضة النديم)) مجموع أشعار مرتّب أبوابًا.
شاهدته عدّة مرّات بمجلس والده وعمّه أبي الحسن علي بن محمد، ولم أكن من قبل أعلم أنَّ له شعرًا، فلما وقع الاجتماع به، سألته أن ينشدني شيئًا من شعره، فأجاب إلى ذلك، ووعدني أن يكتب لي منه جزءًا، فلم تطل به الأيام حتى انتقل إلى جوار ربّه- رحمه الله تعالى-.
ومن شعره، ما نقلته من خط يده يصف الخمر، من قطعة وأوردها في كتابه ((غرّة الصباح)):
باكر بها قبل الصَّباح نديميبنت الكروم وأمُّ كلِّ كريم
صفراء في حلل الكؤوس مزاجهامن قبل كون الشَّمس من تسنيم
كانت وليس من الكواكب كوكبٌمقصورةً في جنَّة ونعيم
حتَّى إذا فضَّ الختام تكوَّنتشمسٌ وزيِّنت السَّما بنجوم
وتنفَّست فتنفَّست أرواحناوتحرَّكت شوقًا لكلِّ قديم
/ أ/ جاء النَّسيم بها إليَّ ولم تزلنفسي مرنَّحةً لكلِّ نسيم
وسعى بها ريمًا أغنَّ ومن رأىشمسًا مطالعها بكفِّ الرِّيم
يشدو على كأس المدام كأنَّهصوت المخيَّب فيه والمزموم
ووددته لو كان يمزج كأسهمن ريقه برحيقه المختوم
ونقلت أيضًا من خطّه قوله:
إسقياني فالصبح مرخي اللِّثامبنت كرم شجَّت بماء غمام
خنريسا تدني السرور وقد أصــبح عن شربها بعيد المرام
شبه نار الخليل في بردها وهــني كنار الكليم في الأضرام
وفتاة مذكراتٌ لها الأفعاللكن مؤنثات الأسامي
زعموا أنَّها حلالٌ فدعني .. من حلال في شربها أو حرام
واقتصد في الملام إنِّي خليعٌمستمرٌ على سماع الملام
وأدرها حتَّى تراني لا أفــرق بين الأعراف والأنعام
ليِّن العطف بعد طول جماحيأخرس اللَّفظ بعد حسن كلامي
وقال أيضًا:
قد أسفر الصُّبح لنا عن نقابوزفَّت الكأس ورقَّ الشَّراب
/ ب/ فقم بنا نشرب من قهوةتلمع بالشُّرب كلمع السَّراب
من قبل أن تلفظ شمس الضُّحى .. من أعين النَّرجس درَّ السَّحاب
أما ترى الكأس وإيماضهاكالسَّيف والكأس لها كالقراب
فهزَّها في كأسها هزَّةًتجن بها أثمار شرخ الشَّباب
وقال يمدح:
يا مليكا زانه جودٌ وحلمٌ وحياء
والَّذي يكفي لمن نــائل جدواه الثَّناء
والَّذي يومان داءٌ للبرايا ودواء
إصطبح دام لك الإقــبال واجتدَّ البقاء
في نعيم لا يدانيــه زوالٌ وانقضاء
دمها يسقي سرورًاإن سقى الأشجار ماء
وافن أيامك لهوًاقبل أن يأتي الفناء
قهوةً تذكر إسماعيل حيَّاه الفداء
إنَّما العيش استماعٌوانخلاعٌ وانتشاء
وقال خمرية:
/ أ/ يا نديمي قد أقبل الصُّبح في الشَّرقوولَّت حنادس الظَّلماء
فالق ثوب الوقار عنِّي ودعنيمن ملام يزيد في إغرائي
واسقنيها حتَّى تراني لا أفــرق بين الخضراء والغبراء
من مدامٍ أيدي المزاج عليهاسمط درٍّ كأنجم الجوزاء
فهي شمسٌ لكن بغير مغيبولهيبٌ لكن بغير انطفاء
وهي نوحيَّة الغراس فلو تنــطق قصَّت سوالف الأنباء
أطربت كأسها فلو لم تدرهاكفُّ ساق دارت على النُّماء
عجبًا ما رأيت والكأس تجلىوهي شيءٌ من أعجب الأشياء
مجمع النَّار والزُّجاج مع الماء ودٌّ يدور فوق الماء
يا له منظرًا وعيشًا لو أن الله لم يبل جمعنا بالفناء
وقال أيضًا:
للروض عند الصَّباح طيبنمَّت إلينا به الجنوب
واستمتع الطَّرف من كراهفملَّت المضجع الجنوب
والطير فوق الغصون تدعوطاب لكم وقتكم فطيبوا
والكأس في كفِّ ذي قوامٍيخجل من لينه القضيب
/ ب/ لولا لباسٌ يقيه طرفيلكاد من لحظه يذوب
ما سعد الوالدان فيهإلِّا لتشقى به القلوب
راحٌ إذا الرَّاح أبرزتهاصبا إلى شربها اللَّبيب
لها إذا الماء جال فيهافي قعر كاساتها وثوب
إذا سرت في عروق شخصهانت على قلبه الخطوب
وقائلٍ: تب، فقلت: كلَّاهيهات عن شربها أتوب
إذا استقام الأنام طرّاقل لي لمن تغفر الذُّنوب
وله أيضًا من أبيات فيها:
فكأنَّ الصَّهباء في الحسن السَّافي لها والحباب فوق المدام
شمس ظهرٍ في كفِّ بدرٍ عليهسمط درٍّ تحكي نجوم الظَّلام
وقال فيها أيضًا:
باكر الشَّرب الكرامفاسقني طاب المدام
من كميت خسرويٍّقبل أن يدنو الحمام
قهوةً عتَّقها فيدنَّها سامٌ وحام
شجَّها أحور قد أدنف عينيه السَّقام
/ أ/ فاسقنيها بقنانبعدها طاسٌ وجام
وأدرها مترعاتًزانها ميمٌ ولام
فالرُّبى قبَّلها الزهــر وحيَّاها الغمام
وجيوش الصُّبح قد أقــبلن إذ ولَّى الظَّلام
خمسةٌ في ستَّةٍ والــقوم عن ذاك نيام
فإذا ما زدت كأسًافعلى الدُّنيا السَّلام
وقال فيها أيضًا:
طاب الصَّبوح فاشربهذا أوان الطَّرب
ودع ديار لعلعٍوخلِّ ذكر الربرب
من قهوةٍ صافيةتفوق ماء السحب
صفراء مثل الياسميــن أو كصافي الذَّهب
تريك في الظَّلماء إنشجَّت شواظ اللَّهب
ترقص من فوق أعاليها لآلي الحبب
كراكبٍ مستعجلٍقلوصه في خبب
فالغيم في تصعُّدوالغيث في تصبُّب
/ ب/ والعيش واللَّذَّة فياحتساء بنت العنب
يديرها مقرطقٌنشوان تركي النَّسب
ولا تؤخِّر عاجلًالآجل مغيَّب
وثق بربِّ غافرٍلكلِّ عبدٍ مذنب
وقال فيها أيضًا:
قم يا ندييم للمدام فاتهاعجلان فالأيَّام في غفلاتها
واشرب على طيب الرِّياض وسقنِّيصفراء كالأقمار في هالاتها
كرخنَّةً لا تعتزي مع جهلهابسنيِّها إلَّا إلى خاناتها
أو ما ترى الأوتار حيث ترجَّعتفأجابت الأطيار في نغماتها
فابق البلابل في احتساء سلافةلا تنزل الأحزان في ساحاتها
والبس لأيَّام الصَّبوح غلائلًاشيعيَّةً في كلِّ ما أوقاتها
واخلع عذارك في الصَّبوح تنل من الأفراح في الدُّنيا منى لذَّاتها
قال أيضًا يعنيها:
ذكر المدامة في الصَّبوح فعرَّجاورأى الصِّباح وقد بدا متبلِّجا
وتصعَّدت أنفاسه طربًا وقدصاح الهزار على الغصون وهزَّجا
/ أ/ وتلاعبت أشجانه لمَّا رأىزهر الرِّياض المستنير مدَّبجا
وتنفَّست أنفاس علويِّ الصَّبافغدا به ربع الصِّبا متأرِّجا
فغدا إلى الخّار يصحب فتيةًشمَّ الأنوف مصوَّرًا ومتوَّجا
عافت نفوسهم الدَّنيَّة فالدُّجىمن نور أوجههم تراه مسرجا
وقال فيها أيضًا:
يا لبيني باكري الرَّاح بمحكوك الزُّجاج
واصبحي الشَّرب فقد أيــقضهم صوت الدَّجاج
وأديريها كميت اللَّون شجَّت بالمزاج
قهوةً لم تبصر النَّار ولا ضوء السِّراج
فإذا ما دارت الكاسات من قبل الأجاج
فأمري المطرب أن يقــطع إرسال الحجاج
ويغني بانخفاض الــصَّوت من غير انزعاج
لا تضق ذرعًا نعمكل ضيقٍ لانفراج
وقال أيضًا:
يا نديمي قم بنا مصطحبًاغرَّد الطَّير فهات القدحا
/ ب/ واسقنيها بنت كرمٍ لم يدعمن قواها الدَّهر إلَّا شبحا
تطرد الهمَّ إذا ما عبَّهاشاربوها وتفيد الفرحا
وتعوِّض عن مثاني معبدٍبمثاني عندليبٍ صدحا
وقال في مثله:
غرَّد الطَّير الفصاحفاسقني لاح الصَّباح
وأدرها قهوةً يعــذب فيها الافتضاح
خدرها الدَّن مدى الأزمان والقار الوشاح
جسمها من ألطف الأشياء والطَّبع السَّماح
إنما اللَّذة في الدُّنيا سماعٌ واصطباح
وقال في المعنى:
إسقني يا ابن معبدمن شراب مورَّد
قهوةً تذكر المسيــح بشيرًا بأحمد
من يدي شادن حييَّ الطَّرف بضِّ المجرَّد
فجيوش الظَّلام مثــل طريد مشرد
والعصافير ضللنبين مغنٍ ومنشد
/ أ/ واصطخاب الأوتار بيــن مثنى ومفرد
ويد اللَّهو والتَّهتُّك جرَّت بمقودي
فاعص فيها قول العداوملام المنفنِّد
واصطحبها وغنِّنيفلقد طاب مشهدي
عين قري عين أسعديطلع البدر فاسجدي
وقال أيضًا:
إسقني قد أسفر الصُّبــح سلاف الخندريس
ودع الربع وتذكار سعادٍ ولميس
بين مزمارٍ وعودٍونديمٍ وجليس
قهوةً عتَّقها فيهيت بهرام المجوسي
فأدرها في قنانوبواطٍ وكؤوس
فهي في الدَّنِّ عروسٌخدَّررها لعروس
وإذا أودعت الأقــداح أزرت بالشُّموس
تم الجزء السادس من قلائد الجمان
/ ب/ وتمَّ بتمامه الجزء الثالث من الأصل
ويتلوه إن شاء الله الجزء السابع، بقية من اسمه محمد
والحمد لله أولًا وآخرًا
وصلى الله على محمد النبي الأميّ وآله وصحبه وسلَّم
/ ب/بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله
[تتمة حرف الميم]
[تتمة ذكر من اسمه محمد]
محمَّد بن حيدر بن محمَّد بن زيد بن محمَّد بن محمَّد بن زيد بن أحمد بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الله، أبو طاهر بن أبي الفتوح الحسينيُّ العلويُّ الموصليُّ.
وقد سبق نسبه بتمامه، عند ذكر والده.
تولى نقابة العلويين بالموصل ثلاث نوب في الدولة الأتابكية؛ ثم في الأيام البدرية.
كانت ولادته سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وأخبرني الأمير مبارز الدِّين أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان ..... بحلب؛ قال: توفي النقيب أبو طاهر محمد بن حيدر الحسيني بالموصل، يوم الأحد سلخ جمادى الأولى، ودفن يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة على والده بتربة كان والده أنشأها قبلي المدينة في سنة إحدى وأربعين وستمائة - رحمه الله تعالى-.
أنشدني لنفسه، يمدح بدر الدِّين لؤلؤ بن عبد الله - صاحب الموصل-:
رعى الله أكناف الحمى وسقاهامن المزن ماروى صدي رباها
ولا برحت [أ] يدي الصبا بربوعهاتحوك بهي الروض طول مداها
/ أ/ مراتع غزلان من الإنس قد حوتمحاسن تصبي من تراه يراها
مواقف فيها للمحب مواقفبها هجر الأجفان طيب كراها
دعاني بها داعي الصبا فأجبنهإجابة من لم يعتلق بسواها
وقمت مقامًا لم يقمه متممعلى بعد من يهوى وطول نواها
وكم لمت قلبي لومًة بعد لومةعلى ترك أسباب الهوى فأباها
وكيف يرى ترك التي هي شغلهومن هي داء النفس ثم دواها
فحينئذ قال الوشاة وأكثروامقالتهم حتى استمس قلاها
وما أنًا ممَّن يدخل العذل قلبهولا أنا من يصغي لقول عداها
وما أنا ممَّن ينقض الهجر عهدهولا أنا من أضحى يملُّ هواها
طبعت على حفظ الوداد وحب مناياديه أعلاني سني علاها
مليك به طالت حياتي واعشبتربوعي بعد المحل حين سقاها
بسحب من الإكرام والبذل والحياافاض علينا جودها ونداها
دعاني ولائي فاستجبت مسارعًاإلى خير داع للقلوب دعاها
لك الله من ملك تعالت صفاتهوجلت معاليه وزاد سناها
/ ب/ لقد عَّز من والاه حقًا وذلَّ منيناوي علاه غبطًة وسفاها
سمت بك بدر الدِّين همة مالكبنى رتب العلياء ثمَّ رقاها
إليك انتهت آمالنا ورجاؤنًاوكفك أولاها الغنى وكفاها
وكفك راعى حوزة الدِّين وانبرىلها عزمك الماضي فعز حماها
فيا من به قد أسفر الصبح وانجلتغيابة دنيانا وزاد ضياها
أهني بك النيروز يا خير مالكبه لذت الدنيا ولذَّ جناها
فدم وابق ما دام الضياء واقبل الــمساء وأولتنا السماء حياها
وأنشدني أيضًا يمدحه – ثبت الله دولته -:
تحيَّة مهجور إلى خير هاجرتهيجه الذكرى إلى غير ذاكر
على أنه لو شق قلبي وجدتهبه ماثلًا أو في ضميري وخاطري
وكيف أرى السلوان عمَّن أعزَّنيبإنعامه الفياض عزَّة قادر
له من ثنائي ما استطبت سماعهومن مدحي ما حبرته خواطري
ومن دعواتي المستجابة في الدجىوما باطني بالله إلا كظاهري
دعاني هواه فاستجبت مسارعًالأنِّي أراه من أجلِّ ذخائري
/ أ/ لك الله من ملك به سمت العلاوعم نداه كل باد وحاضر
علوت علو النجم مجدًا وسؤددًابما أنت قد أوليته من مفاخر
ودانت لك الدنيا وأصحب صعبهاونلت الذي تهوى بأسعد طائر
ولولاك بدر الدِّين ما التذواردبورد ولا ساغت مصادر صادر
فلا زلت محمي الجناب من الردىتبيد العدا بالمرهفات البواتر
وكذَّب ظن الحاسدين بعكس ماأسروه من داء دخيل مخامر
وقام منار الدِّين واستوسق الهدىبصحة ملك ما له من مناظر
لقد عزَّ من والاك عزًا مؤَّبدًاوذلَّ الَّذي ناواك ذلَّ الأصاغر
بنفسي أقيه كلَّ أمرٍ يخافهومن عزَّ من قومي وجلَّ عشائري
وأنشدني أيضًا فيه يمدحه – أعز الله أنصاره -:
من لصبٍّ أضحى أسير الأمانيموثقًا في حبائل الهجران
كلَّما رام أن يبوء بعبء الــحب يومًا زلَّت به القدمان
كيف يرجو الوصال من خصمه المحــبوب أم من له بيوم التداني
كان لي في الهوى زمان مضى يذمم والآن قد حمدت زماني
/ ب/ يا خليليَّ أسعداني على الحــبِّ وكفَّا الملام لا تعذلاني
وذراني وما أحب ومن أهوى وشان الغرام يومًا وشاني
إنَّ لي في الَّذي أروم حديثًافاق طيبًا على استماع الأغاني
غير أني لا أستلذ بحالأصبح السر فيه كالإعلان
والذ الهوى وأطيب ما فيهجحود يفضي إلى كتمان
يا أساة الغرام دائي الَّذي أســقم جسمي علاجه أعياني
أين منِّي السلوهيهات يا صاح ودمعي يلج في الهملان
وفؤادي يكاد من شدَّة الشوق حصاه يذوب بالخفقان
يا ليالي الحمى فهلاَّ تعوديــن ويومي به أما لك ثاني
لنعيد السرور بدءًا كما كان ونرمي الفراق بالحدثان
ويوالي ذكر الصِّبا ومغانيــه فيا حبَّذا بها من مغاني
كلَّما رمت أنثني عن هوى النفــس شاني قسرًا إليه عناني
لا أرى أنَّني أشق عصا اللَّذَّة يومًا بالمنع والعصيان
مثل ما أوجب التُّقى طاعة المالك بدر الدِّين العظيم الشان
ملك أصبحت محاسنه تتــلى وتروى حقًا بكلِّ لسان
/ أ/ همه في اقتناء ما يكسب الأجــر وجبر الكسر أو فكِّ عاني
جوده كالسحاب قد طبق الأرض وعم القاصي وخص الدَّاني
طالما أعجز الملوك من الملــك وأعيى بناؤه كلَّ باني
ملك قد سما علوًا وعزًّاوعلا قدره على كيوان
من تراه يحصي مكارمه الغــرَّ وما فيه من بديع المعاني
فهو خصب الأنام إن أجدب العام وأمن من حادثات الزمان
مذ علا ما يزال متصل الإمــداد في كلِّ ساعة واقترن
ببقاء الملك الَّذي خصَّه اللــه وإبلاغه جميع الأماني
وقال يهنئه – أدام الله أيامه -:
أهنِّي بك الشهر الَّذي جاء مقبلًاهنًاء له الأسماع تزهى وتطرب
وأثني على الملك الَّذي أنت ربهثنائي الَّذي قد يستطاب ويعذب
أيا مالكًا أعيى الأنام ببذلهفلم يبق راجٍ في الورى يتعتب
ويا من رضاه بات أمنًا لآمنومن سخطه ما فيه منجى ومهرب
/ ب/ إليك انتهت آمالنا ورجاؤنافأنت لنا كنز الحياة ومطلب
فلا زلت منصور اللِّواء مؤيَّد الــعلاء ومن سامي معاليك يطلب
وقال يمدحه – أعز الله نصره – من أبيات:
إنَّني مذعن بعجزي عن شكــر أياد أوليت من إحسان
كيف أحصي قطر السماء وماذاك بحاز في قدرة الإنسان
يا مليك الأنام يا أعظم الخلـق محلًا يعلو على كيوان
أنا راجٍ بأن تعيش مدى الدهــر وتحيا في غبطةٍ وتهاني
ومنها قوله:
إن سلطاننا الَّذي خصَّه اللــه بفضلٍ يقوم بالبرهان
وبآي بصدقها انزل اللّــه قديمًا في محكم القرآن
كفَّ عنِّي ندى يديك فقد خفتـت لإفراطه من الطغيان
وبأنِّي أقول ما قال من يعـبد عيسى في السِّرِّ والإعلان
يا ملاذ المخوف يا كعبة الآمال يا غاية المنى والأماني
سر براياتك الَّتي حفَّها اللّـ .. ـه بنصرٍ يعنو له الثَّقلان
//أوقال يمدحه، ويهنئه بشهر رجب:
يا مالكًا جلَّ قدرًا واعتلى شرفًاففات بالمجد سبقًا سائر الأمم
وخصَّه الله بالفضل الَّذي اعترفتبه ملوك جميع العرب والعجم
أنت الّذي جادني من فيض راحتهسحبٌ بها عدت في أمر من العدم
لك الهناك بشهرٍ جاء يشفعهبشراكم بدوام العزِّ والنِّعم
وقال يمدحه، ويهنئه بعيد الفطر:
أيا مالكًا في العلا أوحدومن جوده للورى مقصد
ألا لعن الله راجي سواكوطرف بصيرته أرمد
ولو جاز في شرع خير الورىبأنِّي سوى الله من يعبد
لكنت أميل بذكري لكموعند مديحي لكم أسجد
أيا من سحائب نعمائهيروِّي الورى بحره المزبد
أهنِّي بكم فضل عيد الفطورفإنَّ فضائله ترشد
ولازال سلطانكم دائمًامدى الدَّهر والدَّهر لا ينفد
//ب وأنشدني لنفسه، يصف سيفًا أهدي [إلى] الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، أبي جعفر المنصور –﵀:
أنا إن فلَّت القواضب في الهيــجاء يومًا فإنني لا أفلُّ
بين حدَّيّ من لظى إن تأمَّلــت ونوحٌ في فلكه مستقلُّ
وفخاري بأنَّني عدت في كــفِّ إمامٍ له الثُّريَّا محلُّ
ملكٌ ذلَّت البرايا لديهوبحقٍّ لبأسه من يذلُّ
هو روح الزَّمان مستنصرٌ بالله من عقد ملكه لا يحلُّ
وقال من أبيات:
ما أنت أول مولع بغرامهكلاَّ ولا علق الهوى بزمامه
فاصبر على مضض التَّلوُّو آملًاممَّن تحبُّ فإن يفي بذمامه
واقنع بليت وربما ولعلَّماسمح الذي يقوى بقرب لمامه
إيَّاك أن تصغى لقول مفنِّدواش ولا تك سامعًا لملامه
إنِّي عهدت أخا الهوى لا ينثنيعمَّا يروم ولو مني بحمامه
كيف الوصول إلى شحيحٍ ما يرىنيل المحبِّ تعلُّلًا بكلامه
/ أ/ ومما كتبه إلى الملك الرحيم بدر الدِّين –ضاعف الله اقتداره، وأعلى مساره-:
يا مالكًا اصبحت أنأملهتفتح باب الرَّجاء للراجي
وظلُّه ملجأ المخوف ومنــجاةٌ لمن ظنَّ أنَّه ناجي
ما بال حظِّي عادت محاسنه الــبيض كليلٍ سواده داجي
وأنشدني قوله فيه:
إفتح دواتك بالسُّعود ووقِّع الدُّنيا عطايا
كم في يراعك للنُّفوس من التَّمنِّي والمنايا
ولكم أشاد من البناء بما أباد من السَّرايا
وإذا دحا ثمَّ انتحىأبدى لك النّكت الخفايا
وقال فيه:
صباحًا بالمسَّرة والتَّهانيلملك ماله في الدَّهر ثاني
مليك سحب كفَّيه توالتفروَّت للأباعد والأداني
فلا زالت له الأيَّام طوعًاتدين له على مرِّ الزَّمان
ولا برحت له الأفلاك تجريبإقبال يخلَّد غير فاني
/ ب/ وقال فيه أيضًا:
يا من به وبعدلهوببذله كمل الزَّمان
ومن الذي لولا إيالته لما ظهر الأمان
يا مالكًا ملكت أياديه المكرَّمة الحسان
رقَّ الأنام بأنعمٍعن شكرها قصر اللَّسان
وقال فيه أيضًا:
يا من طوالع جودههزمت جيوش الفقر طردا
يا ذا الذي اضحى ونائله إلى العافين نقدًا
يا ذا الفضائل قد سبقــت ملوكها عنقًا وشدَّا
في حلبة المجد الأثيــل وفيهم قربًا وبعدًا
فليهنك الشهر الذيأولاكم ظفرًا وسعدًا
لازال ملكك دائمًاوحسود مجدك ليس يهدا
وقال فيه أيضًا:
يا مالكًا أخجلت سحابة جدواه سحاب السَّماء إذا هطلا
فذاك يروي ظمآنه ظمًاوهذه بالمطار حيَّ هلا
/ أ/ يا واحدًا في العلاء منفردًاومن غدا بالفخار مشتملًا
كم نعمة قد أنعمت طائلةعليَّ حتَّى جعلتني خجلًا
وكم لباسٍ ألبستني فعلًاقدري فأصبحت في العلا مثلًا
لازلت في نعمةٍ مخلدةٍدائمةٍ تورث العدا نهلا
وله جواب كتاب:
وقفت على مكتوبه فوجدتهكنور رياضٍ باكرته سواجمه
له أرجٌ أذكى من المسك نشرهلعرض أمين الدِّين صينت معالمه
وقال أيضًا:
لولا معالجة الصدودلما حلا أبدًا وصال
ممَّن غدت أجفانهمن هدبها ريش النِّبال
ومن الَّذي لولاه ماعرف التَّقاطع والملال
يا من به داء الغرام فإنَّه الدَّاء العضال
وقال أيضًا، ابتداء كتاب إلى بعض الأكابر:
//ب سلامٌ على من عطَّر الأفق نشرهوفاق جميع العاملين علاه
ومن بات محسود الفضائل واللُّهىومن ظلَّ مذموم الفعال سواه
ومن بتُّ أرجو قربه ودنوَّهومن بتُّ أخشى بعده ونواه
فللَّه ما تحوي الأضالع من جوىدخيل وشوق لا يصاب دواه!
إلى الصَّدر شمس الدِّين ذي الفضل والنُّهىومن عمَّ جدواه وفاض نداه
وقال أيضًا:
لولا لواعج أشواق تجاذبنييومًا غليكم لما أصبحت مكتئبًا
ولا غدوت مريضًا لا شفاء لهحتَّى جعلت دموعي للشِّفا سببًا
وقال أيضًا:
لسن ممَّن يعدّ ما تذهب الأيَّــام من عمره بلا لقياكم
لا ولا يلتهي عن الحزن والبلــوى ونار الجوى بلا ذكراكم
فبحقِّ الوداد والسَّبب الأوَّل عودوا عن الجفا حاشاكم
وقال أيضًا:
ما كنت في عيشٍ أسرُّ بهإلا عليَّ أصبح السَّببا
من بات بالعلياء مُتَّصفًاوغدا إلى الإحسان مُنتسبا
/ أ/ وقال أيضًا:
يا أوحد الدِّين إِّني جدُّ منتظرٍلما وعدت وراج منك إنجازًا
ففز بما أنت توليه فخير فتَّىيولي الجميل فأضحى بالعلا فازا
محمَّد بن الحسن بن عبد القاهر بن الحسن بن القاسم بن
المظفر بن عليٍّ، أبو السعادات بن أبي عليٍّ القاضي الشَّهرزوري الموصلُّي.
كان والده يتقلد القضاء بالموصل، وكاذلك كان عمّه وجدّه وأسلافه؛ وهم أهل بيت عريق في القضاء، أشهر من أن ينبَّه عليه، والقضاء يتردّد فيهم على قديم الزمان وحديثه.
وأبو السعادات أخبرني؛ أنَّه ولد في ليلة النصف من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
حفظ القرآن، وسمع جملة من الحديث، وقرأ فقه الإمام الشافعيّ –﵁ على الشيخ العلامة أبي المعالي موسى بن يونس بن منعة بن مالك الفقيه المدرس. وأخذ عنه علم الأصول والخلاف، وغير ذلك من العلوم الشرعية.
ثم تصدَّر للتدريس، فدرس بالمدرسة الكماليّة ب/ بالموصل. وهو فقيه مدرّس، عالم مناظر، قيّم بعلم الأدب والنحو، شاعر مجيد، له اعتناء بكلام الصوفية من الحكماء، ومعرفة بوصف الخيل ونعوتها، واختلاف أجناسها.
أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الرحيم بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، نصير أمير المؤمنين –خلّد الله دولته-:
هو القدُّ يسبي المستهام رشيقهويصبيه منه عطفة ويروقه
ويهوى اعتناق السَّمهريَّ لأجلهويطربه بان الحمى ويشوقه
ويقلق وجدًا كلَّما عنَّ عارضٌتذكِّره ثغر الحبيب بروقه
وتغريه إن هبت من الغور نفحةٌكأن بها حادي الغرام يسوقه
ولم ير زهر الرَّوض إلا وهاجهوأبدى جواه ورده وشقيقه
كذا كلُّ عذريِّ الصَّبابة شأنهوجزب الهوى من قلبه وفريقه
وربَّ خليِّ القلب أضحى معنِّفيويزعم أنِّي خلُّه وشقيقه
يجرِّ عني كأس السُّلوِّ وإنَّهليعلم أنِّي لست ممَّن يذوقه
ولو كان لي في سلوة الحبِّ مذهبٌسلوت ولكن سدَّ عنِّي طرقه
أبى الله إلاّ أن أبيت متيمًاأخا زفرة يتلو الزَّفير شهيقه
/ أ/ أقضِّي الدُّجى في سوء حظِّي تفكُّرًاوقلبي قد استولى عليه خفوقه
يهدِّدني بالهجر من لا أصدُّهويظلمني في الحلم من لا أطيقه
وكيف احيالي والزَّمان معانديوقد كسدت فيه لذي الفضل سوقه
إذا رمت أمرًا كان عكسي مرامهوإن سمته برِّي بدالي عقوقه
ولم يبق لي كهفٌ الوذ بظلِّهجديرٌ بحمد للثَّناء خليقه
سوى ملك مازلت أدعى بعبدهعلى أنَّني من جور دهري عتيقه
وإن كنت بالإحسان منه مقيَّدًافإنِّي من صرف الخطوب طليقة
مليك إذا ما سابق العيس باسمهحداها دنا من كلِّ نأيٍّ سحيقه
لأنَّ لها علمًا بذلك إنَّماتصادفن من بحر السَّماء عميقه
وفي جودة فضل على البحر إنهإذا فاض لم يخش الهلاك غريقه
متى حئته مسترفدا لنوالهحبا كبه من غير مطل يعوقه
ومازال تفريق الصِّلات صبوحهوتأليف شمل المكرمات غبوقه
فمن لآمه في البذل فهو عدوُّهومن لم يلمه فيه فهو صديقه
وهذا من الأوصاف أعدل شاهديدلُّ على أنَّ السَّماح عشيقه
/ ب/ عنا خيفةً من بأسه كلُّ ماردٍوذل له صعب الحران نزوقه
وعاد لها ما بعد ما كان مرهفًالدى عزمه ماضي الغرار ذليقه
أخو فتكات في العدا ليس تتَّقىبردٍّ ومقدور القضاء رفيقه
وقورٌ إذا طاشت حلوم ذوي النُّهىرعاه رصينٌ من حجاه وثيقه
يرنِّحه مرُّ الثَّناء بسمعهكما رنَّحت حاسي السُّلاف رحيقه
ويعجبه في الرَّوع أن حسامهيكون دماء المارقين خلوقه
ويلتذُّ إن عدَّت فضائل مجدهوإن كان لا تحصى بعد حقوقه
ودعوه ببدر الدِّين لمَّا تمكَّنتيد الإفك بسطًا وادلهم غسوقه
وطال عماد الشِّرك واشتدَّ أزرهوعزَّ حماه واشرأب بسوقه
وزحزح عن دين الهدى كل غمَّةبهمَّته العليا وفرَّج ضيقه
وعاد دجى الإيمان أبلج واضحًاكذي البدر لا يبقى الظَّلام شروقه
أمولاي سمعًّا من عبيد لسانهبشرك لا ينفك رهنًا صدوقه
أعيذك أن ترضى لغرس غرستهبنعماك أن يظما وتذوى عروقه
وحاشاك من إهماله وهو مخلصٌيديم انتسابًا في الولاء عريقه
// يبثُّ فنونًا من صفاتك شعرهويسأل حرًّا من نداك رقيقه
وقد وفدت مولاي بنت قريحتيبمدحٍ كنشر المسك فاح سحيقه
يهنِّيك بالنَّيروز يا خير مالكهناءً حكى وشي الرِّياض أنيقه
سلمت مطاع الأمر ما هبَّت الصَّباوما ماس مخضر الأراك وريقه
وأنشدني أيضًا لنفسه يمدحه – أدام الله أيامه، وبلغه مرامه-:
أشاقك البرق نجديًّا تألُّقهوراقك الحزن لمَّا لاح أبرقه
وراع لبَّك ظبي الحيِّ ملتفتًايخاف من أعين الواشين ترمقه
أوفى على شرف يختال في صلفٍكالبدر في سدف لم يخف شرقه
وهز من قدِّه لدنًا ومقلتهغصبًا ومن طرفه سهمًا يفوِّقه
وكان من سوء حظِّ المستهام بهلمَّا تعرَّض فرط الوجد يقلقه
وقوس حاجبه بالوتر موترةٌفما تزال بنبل اللَّحظ ترشقه
حتَّى إذا استحكمت أسباب محنتهوشفه بيد البلوى تعلُّقه
وغرَّ ناظره بالسِّحر ناظرهٌوصار منكره علمًا يحقِّقه
ألقاه مضنى على فرش السِّقام فماأبقى النُّحول له حقًّا يؤرِّقه
/ ب/ يا سعد اصغ لقول من أخي ثةيوليك نصحًا فخير القول أصدقه
إيَّاك ريم الحمى إن جزت واديهفكم به من أسير ليس يطلقه
ومدنف ما دنا منه مخاطبهإلاَّ وكاد من الأنفاس يحرقه
واحفظ فؤادك واحذر فهو ذو حيلٍخفيَّة المكر يدري كيف يسرقه
وصف لديه غرامي واشك ما لقيتنفسي إليه عسى الشَّكى ترقِّقه
واذكر له يوم بان السَّفح كم سفحتعيني من الدَّمع في خدِّي ترقرقه
وقد حدا بالنَّوى الحادي على مضضمنِّي وزمَّت لوشك البين أينقه
وقل إذا لان في استعطافه وبدًاعند المقال له سمعٌ يصدِّقه
متى توفِّي ديون الوصل طالبهامن بعد ما شاب بالهجران مفرقه
وقد تقضَّت حياتي بالمنى سفهًاوضاع عمري الَّذي قد كنت أنفقه
وما تدرَّعت ثوب الصَّبر في زمنيإلا وكفُّ عواديه تمزُّقه
وأنشدني لنفسه أيضًا:
لا تقلقن إذا نالتك نائبةٌواصبر لمكروه ما أبدى لك القدر
فللَّيالي صروفٌ في تقلبهاعجائبٌ ليس يأتي مثلها بشر
وما صفت هذه الدُّنيا لصاحبهاإلاّ واعقب منها صفوها الكدر
فلا تكن جزعًا مما أصبت بهفربَّ عسر أتى من بعده يسر
/ أ/ وربَّما أخفق السَّاعي بقدرتهفيما يروم ووافى العاجز الظَّفر
أنشدني القاضي أبو السعادات محمد بن الحسن الشهرزوري لنفسه، يمدح بدر الدِّين لؤلؤ صاحب الموصل:
هو المحبُّ حليف الهمِّ والفكروما دهى قلبه شيءٌ سوى النَّظر
كم كان يحذر حتَّى حلَّ في شرك الــبلوى ولم تغن عنه شدَّة الحذر
وصار ذا ذلَّة من بعد عزَّتهدهرًا وبدِّل صفو العيش بالكدر
بالله يا هاجر المشتاق صل دنفًاقد باع طيب كرى الأجفان بالسَّهر
واستبق مقلته كيما يراك بهافلذة العين فيها غاية الوطر
وكل يوم جلت رؤياك ناظرهفيه فذلك محسوبٌ من العمر
ولا تطع قول اش ظل يحسدهعليك في حبِّه يا ضرَّة القمر
سلمت مما أقاسي من جوى وأسىتبيت بينهما روحي على خطر
إلى متى أنا ظمآنٌ إليك وماأروى بقربك في وردي وفي صدري
ألم يحط لك علمٌ أن لي وزرًابه أمنت صروف الدَّهر والغير
حلف النَّدى الملك بدر الدِّين من وسمتأيَّامه في جبين الدَّهر كالغرر
/ ب/ قالوا: هو البحر إن عدَّ الكرام وهمنهرٌ وكيف يقاس البحر بالنَّهر
عجبت منهم ومن تشبيه نائلهبالبحر والفرق باد غير مستتر
ذا راكب الأمل الرَّاجي نداه علىأمن وذاك عظيم الخوف والعرر
ثمَّ الغريب لديهم ذكر حاتمهم .. منهم بجود على العافين مشتهر
هلاَّ رأوا جوداك الهامي وقد بدرتكفَّاك مولاي بدر الدِّين بالبدر
وشبَّهوك بليثٍ عند سطوتهوذاك منهم دليل العيِّ والحصر
لأنَّ أيسر عبدٍ من عبيدك لورآه ليث الشرى ولَّى من الخور
وقاس رأيك أقوامٌ بقيسهمهيهات ليس رماح الخطِّ كالإبر
متى ادلهم ظلام الخطب في سببوحلَّه منك رأىٌ وهو لم ينر
واستعظموا أحنفًا في الحلم واعتقدواأن ليس مثلٌ له يأتي من البشر
وأنت احلم منه والَّذي نزلتفي حقِّه معجز الآيات والسُّور
مولاي يا ملكًا عمَّت مواهبهطوائف النَّاس من بدو ومن حضر
منحتني بجواد لو أسابقهبالريح لم تتعلَّق منه بالأثر
رحب اللَّبان أسيلُ الخدِّ منهرت الــشِّدقين حلو المحيَّا غير منبهر
ضافي السَّبيب كمين اللَّون محكمةٌأرساغه في وظيف محكمٍ عجز
/ أ/ من فوق خضر كأمثال الزَّبرجد فيألوانها وهي في الأجسام كالحجر
فحدتنا كزهر الرُّوض فوَّقهكفَّ الحيا فبدا كالأنجم الزُّهر
من كلِّ معنىً لطيف رائق حسنفي نثر منتظمٍ أو نظم منتثر
عروس فكر إلى علياك أحملهامن فوقه من بديع القول بالدُّرر
لازال عزُّك محروسًا بأربعةٍبالسَّعد والنصر والإقبال والظَّفر
وأنشدني أيضًا لنفسه:
تاه على العاشق باحتشامهواعتقد الصُّدود من إنعامه
وكلَّما طالعه بقصَّةيذكر ما يلقاه من غرامه
وقَّع أعلاها له علامةًدلَّت من الهجر على دوامه
يا قاتل الله الهوى كم دنفبه معنى القلب مستهامه
عوَّضه عن عزِّه بذلَّةوبالهوان المحض عن إكرامه
من مبلغي إلى الحمى تحيةًّعنِّي وأشواقي إلى خيامه
معرضٌ بذكر ظبي جفنهأعارني النحول من سقامه
إن جرَّد السَّيف فمن مقلتهأو سدَّد الرُّمح فمن قوامه
لم أنسه وافى بغير موعدليلًا وواشي القوم من نوَّامه
/ ب/ فبتُّ طول ليلتي مرتشفًالريقه أشرب من مدامه
فقام والنُّعاس في أجفانهأذياله تعلق في أقدامه
لو فهم العاذل ما فهمتهمن حسنه أقصر عن ملامه
لاسيَّما إذا بدا مبتسمًافإنَّ هتك السِّتر في ابتسامه
وأنشدني لنفسه، يصف مجمرة الطيب:
ومودعة كتمان سرٍّ وشت بهوأدته ما بين النَّدامى مفصَّلًا
توهَّمتها عند الحفاظ جميلةًفألفيتها عند الإذاعة أجملا
تنمُّ بما فيها إذا كان ساكنًافؤادًا لها نارٌ وتكتم إن خلا
تزيل بريَّاها الهموم كأنَّهاسلوُّ محبٍّ لم يكن في الهوى سلا
وأنشدني لنفسه، وذكر أنه صنع ذلك بديهةً:
كلَّمته فتكلَّلت وجناتهعرقًا ولم ينطق لفرط حيائه
فظننت أن الورد ذاك وفوقهبعد الغمام بقيةٌ من مائه
وقال أيضًا، يمدح الملك الرحيم بدر الدِّين أ/ أبا الفضائل صاحب الموصل –خلد الله سلطانه- ويهنئه فيها بشهر رجب وبالنيروز لاتفاقهما في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، موازنًا لقصيدة أبي عبادة البحتري –﵀:
أكنت معنِّفي يوم الرَّحيلوقد لجَّت دموعي في الهمول
رويدك ربَّه الطَّرف الكحيلفكم غادرت من دنفٍ نحيل
وحسبك ما ألاقي من غرامٍووجدٍ لازمٍ وجوىً دخيل
ويكفي أنَّني لولا أنينيخفيت عن العواذل من نحولي
هبي عيني الرُّقاد ولا تشحِّي .. بطيف منك يشفي من غليلي
فإن لم تفعلي فعدي جميلًاولا تستكثري نيل القليل
وممَّا صحَّ قولًا وهو حقٌّ:جمال الوجه أليق بالجميل
فمنِّي وانظري حالي تريهاكحال ابن الملوح أو جميل
وأيسرها إذا فتَّشت عنهاوإن عظمت مداراة الملول
بحقِّك يا نسيم الرِّيح عرِّجعلى تلك المعالم والطُّلول
وسلِّم إن مررت بآل سلمىوحييِّ عقائل الحيِّ النُّزول
/ ب/ وبلِّغ ظبية الوعساء شوقيإذا سنحت ظباء بني عقيل
وما كلفتك الإبلاغ إلالأنِّي خفت من عذر الرَّسول
وسلها عن فؤاد ضلَّ منِّيغداة البين في أثر الحمول
فما لي منه علمٌ منذ ولَّىسوى عهدي به يوم الرَّحيل
وعرِّفها حنيني وارتياحيإليها في الغدو وفي الأصيل
وأنِّي لست أسلو عن هواهاولا أصغي إلى لوم العذول
وكيف ولم يزل عمري ولوعيبذات الخال والخدِّ الأسيل
وتعجبني الشِّفاه اللُّعس ذهنًاكأنَّ بها جني الزَّنجبيل
ويعذب لي نقيُّ الثَّغر يحكيبريقته حباب السَّلسبيل
واهوى القدَّ ميَّاس التَّثنِّيرشيق الملتوى حسن المميل
ومن أغراه حبًا بعض هذافليس إلى التَّسلِّي من سبيل
وليس بمنكر إن قيل عنِّيصبا عشقًا ولا بالمستحيل
فكم لعب الهوى قبلي قديمًابألباب الرِّجال ذوي العقول
ولم أر مخلصًا لي منه إلاَّإذا ما عذت بالملك الجليل
/ أ/ حليف الجود بدر الدِّين ملكٌتعالى عن شبيه أو عديل
وعزَّ عن المفاخر والمناويوجلَّ عن المباري والرَّسيل
وقصَّر عنه طوق الشُّكر لمَّاسميت أوصافه عن كلِّ قيل
كريمٌ كلُّ من يدعى كريمًافنسبته إليه كالبخيل
إذا جادت يداه لنا غنينابجودهما عن الغيث الهطول
وإن سحَّت وشحَّ فما نباليبجذب العالم فينا والمحول
رزينٌ لو يوازنه ثبيرٌغدا وهو الخفيف عن الثقيل
حليم عن عظيم الذنب يعفوويصفح وهو ذو حدٍّ وبيل
وحزمٍ حارت الحكماء فيهوعزم دونه حدُّ الصَّقيل
ورأىٍ لم يفارقه صوابٌوقلبٍ لم يقلَّب بالذُّحول
شجاعٌ ما تقاعد عن لقاءومقدامٌ على الأمر المهور
وطلقٌ والزمان به قطوبٌوماضٍ ليس يتعب بالكلول
ومبتسمٌ وغرب السَّيف يبكينجيعًا من مقارفة الفلول
ولم تسمع به الأبطال إلاونادت بالثُّبور وبالعويل
/ ب/ وودَّع بعضهم بعضًا وقالوانجاةٌ ما إليها من وصول
يقينًا منهم أن ليس يبقىعليهم غير نائحة ثكول
وأن سطاه مثل السَّيل سارتصواعقه الرَّواسي بالسُّهول
وأضحى كلُّ جبَّارٍ عزيزٍلها في الحلم كالعبد الذَّليل
تأمَّل منه فردًا تلق جيشًاوإنسانًا تعاين ليث غيل
وإن جاورته جاوت بحرًاتقلُّ به مجاورة السُّيول
إذا ركبت به سفن الأمانيتجارت فيه أمنًا بالقبول
تحبُّ عقابه العقبان علمًابأن لم تخل حينًّا من قتيل
فتعشى الجوَّ أسرابًا تحاكيرعيلًا يقتفي أثر الرَّعيل
وتتبعه سباع الوحش تبغيقراها عنده كالمستنيل
فما ينفك من كرمٍ وبأسٍعلى حالي مقامٍ أو رحيل
وإن دعيت نزال سعى ولبَّىوبادر مسرعًا سعي العجول
ويطرب إن جرى للبيض وقعٌعلى البيض استماعًا للصليل
وتصيبه الوغى شعفًا إذا ماتجاوبت المذاكي بالصَّهيل
ومادت في سماء النَّقع شهبٌتلوح من الأسنَّة والنُّصول
/ أ/ وليس تحرِّك الأيَّام منهسوى يومي نزال أو نزيل
وركب نحوه حثُّوا ركابًاتراوح بالرَّسيم وبالذَّميل
إذا غنَّوا به مالوا اشتياقًاكأنَّهم سقوا صرف الشَّمول
أتوه والرَّجاء لهم شفيعٌفابوا منه بالنَّيل الجزيل
تحدِّث عنه نعمته عليهموذاك على النَّدى أقوى دليل
له نسبٌ إلى الحسنى عريقٌإذا ما عدَّ ذو النَّسب الأصيل
ونفسٌ عزُّها منها إذا ما انتــمى عزٌّ إلى شرف القبيل
وليس الفخر بالآباء فخرًافتتكل الفروع على الأصول
ولكن من حوى غرر المعاليوكملها تمامًا بالخمول
وبالغ في شتات المال جمعًالشمل الحمد والمجد الأثيل
كما حاز المكارم بدر تمٍّتنزه عن محاق أو أفول
مليكٌ لا يضاهيه مليكٌعديم المثل مفقود العديل
ألا يا أيُّها السُّلطان حقًّاومن مازال للإحسان يولى
هذا الشَّهر واسعدبنوروز بما تبغي كفيل
وسمعًا ............. محبٍّرماه الدَّهر منه بالخمول
/ ب/ وأخَّر حقَّه عنه وأخفىفضائله وقدَّم ذا الفضول
وحاشا عصر مثلك أن يساوىغزير العلم فيه بالجهول
أقلي عثرتي مولاي يا منسواه لم أجد لي من مقيل
فربعك لم يزل حجِّي إليهولم يبرح حماك به مقيلي
وعمر شبيبتي فيكم تقضىوقد أصبحت أحسب بالكهول
وما لي غير بابك من ملاذٍوسابغ ظلِّ أنعمك الظَّليل
فهبني نظرةً اقتراحيوخوِّلني رضاك فذاك سولي
وعش كهفًا لملهوف وأبشرفداك النَّاس بالعمر الطَّويل
ودم متملكًا ما لاح برقٌوما ناح الحمام على الهديل
محمَّد بن نصر لله بن محمَّد بن القاسم بن نصر الله بن محمَّد بن
أبي القاسم بن عبد الله الأنصاريُّ المعروف بابن النابلسيِّ،
أبو بكر بن أبي الفتح الدمشقيُّ
كان مولده بدمشق سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
وهو شاعر ذو قدرة على نظم الشعر، كثير القول، أ/ صاحب بديهة وارتجال. قصد ملوك الشام بشعره، من بني أيوب وغيرهم من الوزراء والأماثل، وربما أنشأ القصيدة من غير فكرة، ولم يضع لها سوداء، ولا يراجع نظره فيها، لتنقيح ألفاظها ومعانيها، وذلك لقوة قريحته.
شاهدته بمدينة الموصل وإربل عدّة مرات؛ فأنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، سند الملّة، ملك أمر الشرق والغرب .... أتابك طغر لتكين بلكا أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ضاعف الله قدرته، وأدام تمكينه ونصرته-:
مكارم بدر الدِّين يشرقن في العلاكما أشرقت في اللَّيل زهر الكواكب
وقد حاز من دون الملوك مناقبًاأنافت على عد النُّجوم الثَّواقب
وإنَّ ابن عبد الله أشرف مالكمن الصيد مشهور العلا والمناقب
فراجيه من دون البرية ظافرٌبما يرتجيه من جزيل المواهب
يرى أقبح الأشياء أوبة آملكسته يد المأمول حلَّة خائب
يؤمِّل نعماه العفاة ويرتجيإليه البرايا من جميع المذاهب
/ ب/ غدا كعبةً للقاصدين فلا ونتتخبُّ إليها تامكات الغوارب
تراه إذا ما جئته طالب النَّدىجميل المحيَّا باسمًا غير قاطب
فملَّكه الله البلاد بأسرهامشارقها موصولةٌ بالمغارب
فما غيره في الصِّيد من يستحقُّهاوليس سواه يرتجي في النوائب
فلا زال منصور اللِّواء مؤيّدًاوشاني علاه عرضةٌ للمصائب
وأنشدني أيضًا لنفسه فيه –خلد الله ملكه-:
مازلت امتدح الأنام فأنثنيعنهم بصفقة خاسر مغبون
حتى امتدحت أبا الفضائل ذا الندىفظفرت منه بلؤلؤ مكنون
أغنى افتقاري جوده لمَّا غدابنداه لي في الدهر خير معين
فلأثنين عليه خيرًا في الورىما عشت مدة اشهري وسنيني
ولأمنحن علاه شكرًا دائمًاإني بذاك عليه غير ضنين
ولا سألنَّ الله أن سيمدُّهطول المدى بالعزِّ والتَّمكين
والله أكرم أن يردَّ دعاء منيدعو بصالحةٍ لبدر الدِّين
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أعز الله نصره-:
/ أ/ الصِّيد من شبه وبدر الدِّين فيحال التَّناسب عسجد ونضار
وإذا الَّلآلئ واليرامع قِّومتلابدَّ أن تتباين الأسعار
وأنشدني فيه أيضًا لنفسه – أوضح الله برهانه-:
بأبي الفضائل عذت في زمني فهاأنا قد آمنت لديه كلَّ مخوف
فكأن بدر الدِّين أهلٌ في العلالإغاثة المكروب والملهوف
يا أفخر الدُّر الثَّمين ومن بهأضحى افتخار قلائد وشنوف
هل يفخر الإكليل وهو مجوهرٌيومًا بمثل اللُّؤلؤ المرصوف
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا – أدام الله سلطانه- من جملة أبيات:
مدائح بدر الدِّين فرضٌ على الورىفمن لم يفه بالمدح فيه فملحد
فهذا نبيُّ المكرمات وقبلهأتانا نبيُّ البيِّنات محمَّد
"ﷺ".
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، وعمل ذلك بديهًا، يوم الميلاد:
/ ب/ لأبي الفضائل لا عدته سعادةٌفي كلِّ يوم فرحةٌ وسرور
ملكٌ على أيام دولة ملكهلا دكن ساطعة عليها نور
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا- ثبّت الله دولته-:
أبو الفضائل بدر الدِّين أشرف منسعى على الأرض من حافٍ ومنتعل
يممته آملًا منه عوارفهفنلت منه ندىً أربى على أملي
فمن لشكري فيه أن يقوم بماأولى وإن كنت بالشُّكر الجميل ملي
فيا له من مليك ساد سائر أمــلاك البريَّة في قول وفي عمل
فالله يحرسه من كلِّ حادثةٍما غردت في الضُّحى ورقاء في الأصل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع