تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه محمد (١٤)

وأنشدني أيضاً لنفسه في مشبب يعرف بابن سلطان:

إنَّ ابن سلطان وأنفاسهيحيى بها من هو مقبور
/ ب/ كأنَّه والزِّير في كفِّهينفخ إسرافيل والصُّور

وأنشدني أيضاً من شعره، في مطرب حسن الصوت والوجه:

يا مطرباً لحنه ونغمتهتحلُّ عقد العقول والمهج
إيَّاك والفتك في القلوب فماأفتاك في سلبها بلا حرج

أمسيت فينا فناب وجهك في اللَّيل مناب الشُّموع والسُّرج

وأنشدني له فيه أيضاً:

لنا مطربٌ من سنى وجههيبيَّض وجه الدُّجى المظلم
تكاد إذا ما شدا ترقص السَّــماء وتنتثر الأنجم
يهيم الحليم بألحانهويفهم من لم يكن يفهم

وأنشدني لنفسه فيه أيضاً:

ومطرب عذبت لنا ألفاظهتهتزُّ من ألحانه الجدران
ودَّت عيون النَّاظرين جمالهمن نطقها لو أنَّها آذان

وأنشدني لنفسه، وقد حضر مجلساً في جوسق بدمشق أ/ مع أميرين، يلقب أحدهما بدر الدين، والآخر بهاء الدين، وهنالك غلام حسن الصورة، يقال له: سعدون، فسأله الأمير: أن يشبّه محاسنه بشيء من أزهار الجوسق، فقال ارتجالاً:

وجوسقٍ مرَّت لنا نزهةٌفيه بأنواع الرَّياحين
لم أر شيئاً فيه إلاَّ وبيمثاله من وجه سعدون
من وجنةٍ كالورد محمرةٍوحاجبٍ كالآس مقرون

وسايره الأميران المقدم ذكرهما في البستان حتى وقفوا على ماء يترقرق على الحصى، فقال بديهة:

وربَّ ماءٍوهو من .... فوق الحصى مندفقٌ يجري
لو أنه مال لشبهتهيد البها أو راحة البدر

وسأله راجح الحلي الشاعر: أشربت الخمر قبل اليوم؟ فأنكر، وأنشد بديهة:

/ ب/ يا راجح القول في سرٍّ وفي علنوواحد النَّاس من أنثى ومن ذكر
هذي المدامة من أخلاقك اعتصرتحتَّى تصابي إليها أوقر البشر

وأنشدني لنفسه، وقد اجتاز برأسٍ عين سنة عشرين وستمائة، وجرى بينه وبين قاضيها كلام، ونهض من عنده مغضباً، فلقيه فيما بعد القاضي راكباً على بغلة،

فاستوقفه، وأنشده ارتجالاً:

عاتبت بغلة قاضينا وقلت لهاإلى متى أنت من مولاك في دأب
قالت: فقد جاء في القرآن ملتزمٌبالوالدين ومالي أن أعقَّ أبي

فشكاه القاضي، إلى شاعر هناك، يقال له برهان الدين عثمان بن عطية، فلما عتبه، أنشده ارتجالاً لنفسه:

أعثمان إن كان القريض فضيلةًيقربها في كلِّ مجتمعٍ تروى
فممَّ بمرأى إدَّعيت اجتنابهومالك فيه حجَّةٌ تثبت الدعوى
وإن كان نظم الشعر غير فضيلةٍفإنِّي وإياك اتفقنا فلم أزوي

/ أ/ وأنشدني لنفسه أيضاً، وقد حضر مع راجح الحلي الشاعر، مجلس شراب، فمد له قدحاً يشربه، فقبله، وأنشده ارتجالاً:

كأن الرَّاح في كفَّيك تبرٌيجود بها بلا من علينا
فلا شكرٌ يغرُّ يديك منَّاكما إحسانها يترى إلينا

وأنشدني أيضاً لنفسه، يمدح الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين، خليفة الله في العالمين –﵀ ويحرضه على أعدائه، وأخذ بلادهم:

في صهوات الشُّزَّب الضُّمَّرمطَّلب النَّصر لمستبصر
وفي الرُّدينيات نيل المنىومنشأ العزَّة والمفخر
لا تغترر بالخدع من صاحبٍمن يغر بالعلياء لا يغرر
إن معطاه كؤوس السُّرىتسرُّ قلب الخاطر المخطر
وخوض هول الأرض لا يرتضىإلاَّ لجرَّار القنا مجتري
الدَّهر وآراؤهمحمودة المورد والمصدر
/ ب/ لله كم من مهمهٍ جئتهبهمَّةٍ تهزأ بالأنسر
تؤنسني الوحدة في منزلٍوالرفق ما في البلد المقفر
وجنح ليلٍ جنحت رفقتيفيه إلى الأزهار والمزهر
بتنا على اللَّذات أسرارنامسروروٌ بالخمر والميسر
تقدِّح الأقداح من لهوناشرار حقد الكبد الموغر
وضجَّة الأوتار ما بينناوأنزه الصَّاحي من المسكر
ليل حميدٌ ما زجرنا بهمهرَّيةً في المهمه الأغبر
ولا اصطحبنا منه في غارةٍغازين بالأبيض والأسمر
مارسني الدَّهر ومارستهوالحرُّمين يحمد في المخبر
أقصى قصاراي به عزمةٌحكيت الملك على قيصر
ما أنا ممَّن همُّه بلغةٌيبلغ منها إرب المقتر

إذا نبا بي موردٌ عافه .. خلقي ولو كان من الكوثر

لا أحمد النَّهضة إلاَّ إلىخليفة الله أبي جعفر
الآمر الأمَّة بالعرف والــمعروف والنَّاهي عن المنكر
والصائم القائم والعالم الــحاكم في الغيَّب والحضَّر
/ أ/ وعاقد الرَّايات سوداً يقرِّبن العدا من موتها الأحمر
في جحفلٍ جبريل من جندهيموز بالنَّصر ولا يمتري
لوامع البيض وبيض الظُّبافيه كبرق العارض الممطر
كأنَّ فتح الطير من فوقهمخلوقةٌ من ذلك العسكر
كأن غرثي الوحش سرَّت بهسرب قطاً بالماء مستبشر
كأن فيه الخيل جوَّالةًضراغمٌ ثرن فلم تثأر
تهتزُّ فيه كلُّ خطيَّةسمراء هزَّ الغصن الأخضر
شنَّ به المنصور نصراً لمنيعدُّ دعواه ولم يغدر
لا غرو أن ...... بطش منأعراقه تغلق بالمئزر
مبتهج الوجه إذا أمَّهذو أملٍ مرتفع العنصر
زرناه بالزَّوراء فاستبشرتآمالنا بالنَّائل الأوفر
وأصبح المعروف من تيههيعلو على المشئم والممصر
فيا أمير المؤمنين الَّذيجبينه كالقمر المسفر
ورأييه في فضل ........يزهر مثل الكوكب النيِّر
/ ب/ عز لبلاد الله من حاكمبالجور فيها لحكم مستنكر
وأجبر بعدل منك كيس امرئلولاك لم يؤس ولم يجبر
يا ملكاً أنمل راحاتهسحائبٌ أنشئن من أبحر
رع كل باغ ما بي إذاصال فمثل الأسد القسور
ليثٌ على السرج له غرَّةٌكالبدر في دائرة المغفرة
فالأرض إرثٌ لك من دوننايا ابن الصَّفا والرُّكن والمشعر
من لي بأن أنظر راياتكممرفوعة تنشر في شيزر
في فيلق تجري كرجل الدَّبىمعتصماً بالعدد الأكثر
تحتل من أرض حماة الحمىحلول حام غير مستنكر
ويلتقي حمص بملمومةٍتدمِّر الأعداء عي تدمر
ضراغمٌ تطلب من جلِّقعرين ثاوٍ غير مستنفر
وترجم القصرين من بعدهاعزائمٌ طالت فلم تقصر
تجتذب النيل إلى دجلةكما مضى في سالف الأعصر
لوارث البردة من أحمد...... للسيف والمنبر
/ أ/ ومنقذ الأمَّة من غيِّهمومنصف الأعمى من المبصر
هناك ينجو الشَّرق من مشرقٍويبرأ الغرب من البربر

محمد بن سعيد بن يحيى بن عليِّ بن الحجّاج بن محمد بن الحجاج، أبو عبد الله بن ابي المعالي الدبيثيُّ الواسطيُّ.

وجده الأعلى كان من دبيثا؛ قرية الحجّاج من طريق الجبل، بينها وبين واسط عشرة فراسخ.

شيخ صالح فاضل، عدل ثقة من مشاهير أصحاب الحديث وعلمائهم وأعيانهم وحفاظهم، قد جمع عدّة كتب منه: تأريخاً ذيّل به على تاريخ السمعاني المذيل على تاريخ الخطيب؛ وقرئ عليه، وكتب به عدة نسخ.

وكانت ولادة أبي عبد الله يوم الاثنين سادس عشري رجب سنة ثماني وخمسين وخمسمائة، بواسط. وتوفي ببغداد يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستمائة.

وسمع الحديث الكثير على مشايخ واسط، وبغداد، والحجاز، وطلبه بنفسه، وسمع بواسط أبا طالب محمد ابن علي الكتاني، وأبا العباس هبة الله بن نصر الله بن مخلّد ب/ وجماعة آخرين. وبالحجاز من عبد المنعم بن عبد الله الفراوي، وببغداد من أبي السعادات نصر الله بن عبد الرحمن القزاز وغيرهم؛ وألّف التاريخ.

وهو شيخ ثقة حافظ ذو معرفة، وضبط وعلم بالتواريخ والوقائع، واسع الرؤية، له أشعار متضمنة الزهد، والوعظ، وما يتصل بهذه الأنواع.

أنشدني لنفسه:

سبيلك يا نفسي إذا رمت مخلصاوراحة سرَّ أن تقلّي من الطمع
وأن تقنعي بالقصد في كل حاجةولا تيأسي في الحادثات إذا تقع
وإن مس دهرٌ بالمساءة فاصبريوزيدي خضوعاً للإله فقد نفع
ولا تظهري الشَّكوى لخلق فلن تريلأمر قضاه الله من دافعٍ دفع
فما العسر باقٍ مثلما اليسر لم يدمولا المرء يبقى فاتركي الحرص والخدع

وأنشدني لنفسه أيضاً:

سيذري دماً بعد الدُّموع كآبةًعلى خوضه في اللَّهو من كان لاهيا
ويندم من قد كان يسعى لنفسهبأهوائها إذ بان في النار هاويا
ويعلم عقبى حاله كلُّ خالعٍعذار الحيا يوم الحساب الملاقيا
فقل لمجدٍّ في الحرام مسارعٍترفَّق قليلاً سوف ترحل

/ أ/ وأنشدني من شعره أيضاً:

يغر الفتى طول السَّلامة لاهياًوينسى هجوم الموت مع ظلمة القبر
وأهوال ما يلقى ويوم حسابهإذا برز الجبَّار للفصل والأمر
وصيحة أهل النار في النار والبكاإذا عاينوا أهل المفازة والغفر
فيا ربِّ وفِّفنا لخير طريقةٍومنِّ بما يرضيك يا عالم السِّرِّ

وأنشدني لنفسه أيضاً:

إني نظرت مفكراً في مبدأيوتنقُّلي في الخلق والأحوال
حتى عقلت وصرت أعلم أنهلابد لي من منتهى ومال
وكأن ما قد كان لم يك صائراًفيما مضى متحقِّقاً لزوال
أيقنت أنِّي لا محالة ذاهبٌمتحلِّل التَّركيب غير محال

ومن شعره، يمدح المستنصر بالله:

إمام هدى أحيا به الله خلقهوأغناهم بالبرِّ منه وبالفضل
وأعطاهم فوق الذي كان ظنَّهممن الطول والإحسان والأمن والعدل
به ازدانت الدنيا وزاد جمالهاوظلَّ بنوها من أياديه في ظل
فلا زال في ملك عقيم ونعمةٍتدوم وفي عمر مديد وفي بذل
/ ب/ وبلَّغنا فيه الذي نرتجي لهمن النَّصر والتمكين رب له يعلي

وله:

خليليَّ إن جار الزَّمان أو اعتدىفلوذا بحسن الصَّبر فيه وسالما
فمن سالم الأيَّام نال مرامهوكان من المكروه .... وسالما

وقال:

عليك بحسن الصَّبر في كل حالةٍوإن كان طعم الصَّبر في حمله صبرا
فلن يعدم الإنسان نيل مرامهإذا قطع الأيام مستعملاً صبرا
وعدِّ عن الأطماع وأقنع بدونهافكم أهلكت حرصاً وكم قتلت صبراً

وقال:

خبرت بني الأيام طرّاً فلم أجد

صديقاً صدوقاً مسعداً في النَّوائب

وأصفيتهم منِّي الوداد فقابلواصفاء ودادي بالقذى والشَّوائب
وما اخترت منهم صاحباً وارتضيتهفاحمدته في فعله والعواقب

وقال:

يا من يكاثر بالإ خوان معتقداًأن المودَّة من أسباب قوَّته
لا تغترر ببني الأيام معتمداًعلى مودَّة من تغري بصحبته
/ أ/ وكن على حذر ممن تعاشرهفالدَّهر أنكد أن تصفو لعشرته
كم من خليلين طال الودُّ بينهماعادا عدوَّين كلُّ حلف جفوته

محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر بن عليِّ بن عبد السلام، أبو نصرٍ البصريُّ.

لقيته بمدينة السلام سنة أربع وعشرين وستمائة؛ وهو كهل طويل. وذكر لي أنه قرأ القرآن العزيز بالروايات العشر والسبع والشواذ.

وهو تاجر يسافر [إلى] البلاد، وينتقل في طلب المعاش والتجارة، وله شعر قصره على فن التغزل والنسيب؛ ولم يمدح أحداً ولا هجاه إلاَّ بقول الشعر تأدباً،

الألحان. وهو

أنشدني لنفسه:

حتَّى م أعذل في الهوى وأعنَّفتالله إنَّ عواذلي قد أسرفوا
قالوا: اصطبر واسل الحبيب تكلُّفاًوأبى الهوى أن يقتضيه تكلُّف
أنَّى وكيف لي السُّلوُّ وها أنافي الحب مسلوب الحشاشة مدنف
أخفى الغرام تستراً من كاشحفتذيعه عنِّي جفونٌ وكف
/ ب/ يا للرجال سبى فؤادى شادنٌغنج اللَّحاظ رخيم دل أهيف
خنث الشَّمائل عذبةٌ أخلاقهمن خدِّه ورد الشَّقائق يقطف
ملك القلوب بحسن لطف خلالهفكأنَّه ربُّ الملاحة يوسف
جاوزت في حبيبه كل نهايةًفصبابتي أنهى حديث يوصف
أشكوا غليه لعلَّه أن يرعويلسكايتي وأودُّلوا يتعطَّف
وبليَّتي ونحول جسمي أنَّهفي وصل مثلي زاهدٌ متعفِّف
وحياته قسماً وحسبي أننيبحياتي في الحب براً أحلف
لا خنته جهدي ولا عن حكمهأبداً ولو ذقت الرَّدى اتخلَّف

وأنشدني لنفسه في الغزل:

غفل الواشي فزارالابس الليل إزارا
بدر تمَّ لو رآه الــبدر إجلالاً توارى

في الدُّجى يسري فخلت الليل إذا وافى نهارا

فاتر الطَّرف كساه السِّــحر غنجاً وأحورارا
قلت: أهلاً ب حبيبٍلا أرى عنه اصطبارا
/ أ/ مالكي تفديك روحيذبت شوقاً وانتظارا
فسقاني من رضابخلته صرفاً عقارا
عطل الكاسات لمَّاخمر عينيه أدارا

وانتقلنا اللَّثم حتى خالنا الصَّاحي سكارى

يا لها فرصة عمرٍليتها عادت مراراً
ليلةٌ ضاهيت فيهاليلة القدر افتخارا

محمد بن أحمد بن أبي بكرٍ، أبو حامدٍ الجرباذقانيُّ.

وجرباذقان بليدة بين أصفهان وهمذان.

ففيه شافعي، جيد المعرفة في المذهب، فاضل في علم الأصول والخلاف، وله شعر يقصر عن معرفته وعلمه. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.

أنشدني لنفسه من قصيدة أولها:

أحبابنا بالحمى بالله ما الخبرهل يعتريكم سلامٌ فائحٌ عطر
أم أنتم ذهَّلٌ عن فحصكم أثريوما لودَّ إلينا بالرِّضا نظر
ما هكذا الودُّ للخلاَّان منعقدٌبالله صحبي أروني كيف أصطبر

/ ب/ ومنها:

ثغر المودّة للأحباب مبتسمٌلكنَّ عيني بكاها مسَّه الأثر
على فؤادي فنون الجور من زمنٍبأن دمي في عهده هدر

ومنها:

ابيت في ترحةٍ والقلب منصدعٌوالدَّهر هيهات لا يبقى ولا يذر

ومن مديحها:

غوث البريَّة دستور الممالك منذا عنده للندى عظمٌ ولا خطر
عين المعالي حليف العزِّ مصطنعسيَّان عند نداه العين والمدر

محمد بن عبد الواحد بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الموصلي.

تفقه على مذهب الإمام الشافعي، وقرأ طرفاً من علم النحو والعربية على جماعة من أدباء الموصل.

وكان شاباً خفيف العارضين، نحيفاً، أبيض اللون، تعلوه صفرة. وكان ترامى إلى العلوم الرياضية، ويدّعي معرفتها. وكان فيه ذكاء حسن، وكان بيني وبينه عشرة وصحبة. وكان في خلواته بارعاً ... أ/ جاد خاطره بشيء من النظم، في غرض يقع لا بأس به.

كانت ولادته ليلة عرفة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وتوفي آخر النهار يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة سنة ثماني عشرة وستمائة بالموصل.

أنشدني لنفسه، ما خلا البيت الأول وهو للأمير أبي العباس عبد الله بن المعتز:

من معيني على السَّهروعلى الهممِّ والفكر
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «من معيني على السهر»

فنظم أبو عبد الله على الوزن والقافية:

من غزالٍ قد اشتهرحسنه واسمه عمر
قد براني في ضررمن هواه على خطر
فكم الحسن قد سطرحاجبيه وما اقتصر
ليس في خدِّه شعرنوره يقمر القمر
ليته زار في السَّحروالكرى يفهم الخبر

محمد بن عليِّ بن عبد الله بن سليمان بن عليِّ بن عبد الحميد بن أبي العافية، أبو عبد الله البلنسيُّ العمريُّ.

من أولاد عمر بن الخطَّاب – ﵁.

رأيته شاباً طويلاً، أشقر ب/ أزرق العينين، بمدينة إربل، في أوائل رجب سنة ثماني وعشرين وستمائة. وهو من أهل القرآن والمعرفة بالنحو والأدب. وذكر أنه قرأ العربية على أبي الحجاج يوسف بن محمد الأندي. وعلى ذهنه قطعة صالحة من أشعار الندلسيين.

وله تصانيف في الأدب، عدّد لي أسماءها منها: كتاب "النكت الغريبة في شرح الجزولية"، وكتاب "الشافعي في علم العروض والقوافي"، وكتاب "الروض الممطور في أوصاف الخمور"، وما يتعلق بها في الشذوذ".

وله شعر مليح، وقول عذب. وسألته عن مولده، فقال: ولدت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.

أنشدني لنفسه:

ومهفهف سفك الدِّماء بلحظهجارت على كلفي به فتكاته
رقَّت محاسن وجهه فكأنَّماماء الحياء غذيت به وجناته
رشاً إذا أهدى السَّلام بمقلةولَّى وقد عبثت بنا لحظاته
نمَّ العذار على مورِّد خدِّهولوت بعقرب صدغه نوناته
نشوان لكن من خمار خفونهمن أين للقلب العميد نجاته!
/ أ/ أنت الكمال وغصن قدِّك ناعمٌلا تبخلنَّ فقد زهت ثمراته
الحسن مالٌ والزَّكاة فريضةٌلا يزك مالٌ لم تؤدَّ زكاته

وأنشدني لنفسه أيضاً:

يا سيداً ساد الورى قسماً بمنخلق الهوى إنِّي إليك متيِّم
جرحت ظبا ألحاظ جفنك مهجتيفعساك تأسوا ما جرحت وترحم

وأنشدني لنفسه أيضاً، وكان قد أهدى إليه بعض العلماء شربة ماء:

يا خير من كتبت يمناه بالقلموخير من قد غدا يمشي على قدم
تغضي العيون حياءً من مهابتهبحر العلوم وبحر الجود والكرم
أهديت لي شربة ماء إن شربت بهاماء سوى حبِّك المفروض في الأمم
شرَّفتني بالَّتي تحيا النُّفوس بهايسقيك من كل عذب بارد شبم
بالورد قد طيبت لكن نوافجهاطيَّبتها منك بالأخلاق والشِّيم
لا زلت في نعمةٍ تترى مجدَّدةٍعليك ما لاح بدرٌ في دجى الظُّلم

محمَّد بن عليِّ بن أحمد ب/ بن عبد الله بن عليِّ بن أبي طالب بن أبي الفرج بن مخلد بن كرمٍ، أبو عبد الله الخزرجي الأنباري.

كانت ولادته بمدينة السلام، سابع عشري رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، بجانبها الغربيّ، في جوار محمد بن بشار بالقرية.

وهو رجل صالح عفيف، نشأ في طاعة الله تعالى وحفظ القرآن المجيد، وسمع الحديث الكثير على جماعة من مشايخ بغداد الثقات؛ كأبي الفرج بن الجوزي، وأبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش البغدادي، ومكيّ الغراد، وعبد الرحمن بن عيسى البغدادي، وأبي علي عمر بن علي بن عمر الحربي الواعظ وغيرهم، مما ينيِّف على خمسين شيخاً.

اجتمعت بأبي بعد الله بمدينة إربل، وهو مقيم بها، فانتظمت بيني وبينه مودة.

أنشدني لنفسه أشعاراً في أغراضه، فمن ذلك قوله:

يا خليَّ البال عن كمديبأبي السُّبطين خذ بيدي
أنا في داء أعالجهلا أرى الشكوى إلى أحد
مغرمٌ قد قلَّ ناصرهمستهامٌ ناحل الجسد
ربَّ ليلٍ بتُّ ساهرهعن غرامٍ حلَّ في كبدي

/ أ/ وأنشدني أيضاً:

يدَّبر الله ما يشاء وفيتدبيره للعباد إحسان
يقيم أرزاق خلقه ولهفي كل وقتٍ من أمره شان

محمد بن عمر بن محمد بن علي بن محمد بن المبارك بن محمد المهتدي بالله بن الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهديِّ بن المنصور بن محمد بن عليِّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو عبد الله بن أبي حفصٍ العباسيُّ.

هكذا نسب لي نفسه.

شيخ رأيته بمدينة إربل في جمادى الأولى، سنة سبع وعشرين وستمائة. وذكر لي، أنَّه كان بالموصل معلّم صبيّة لكتب العامة، ثم ترك صنعة التعليم، وعاد إلى وطنه بغداد، فصار بها يؤدّب أولاد أمرائها بالخط.

أنشدني لنفسه، يمدح القاضي شهاب الدين أبا المناقب محمود بن أحمد بن بختيار الزنجاني:

علوُّ مجدك أجرى السَّعد في الأفقفأبشر بيمن وإقبال على نسق
واسعد به يا شهاب الدين وابق لنايا أبيض الوجه والإحسان والخلق
لأنت مولى إذا عدَّت مناقبهفبلَّجتك ضياء الصُّبح في الفلق
سامي المناقب محسود المراتب محــمود العواقب محمولٌ على الحدق
/ ب/ إن قال أو صال أو سالت عوارفهلدى المرا والوغى والنائل الغدق
كالغيثكالعضب مندلق ... واللَّيث منطلق والغيث مندفق
أغنت عوارفه فقرى وعاش بهاأهلي ومات بها ضدِّي من الفرق
فما اصطبحت بكأس من عوارفهإلاَّ وقد بثَّ في جلباب مندفق
كم نلت ما رمت من إنعام راحتهفنال أقصى المنى في ملكه وبقي
في ظل مالكنا رقاً وموسعنارزقاً ومنذنا .... من العلق

النَّاصر الملك الدَّاعي إلى الرَّشد النَّاهي عن الفند الهادي إلى الطرق

خليفة الله ظل الله ناصر ديــن الله أحمد كهف الواهن الفرق
لا زال عصمة ملهوفٍ وكعبة معــروف يحجُّ إليها كل مرتزق

محمد بن عليِّ بن شمَّاس بن هبة الله، أبو عبد الله بن أبي الحسن الإربيليُّ.

وقد تقدم شعر والده، وشعر أخيه.

أخبرني أنه؛ ولد في شهر ذي الحجّة سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وهو الأكبر من أولاد الوزير أبي الحسن علي بن شماس. وهو حسن المذاكرة بأيام الناس وأخبارهم، وقال أشعاراً غير أنَّها ذهبت، ولم يظهر لي منها شيء.

ومن شعره، يهجو علي بن أ/ النفيس. كان من أولاد نصارى رومايا، قرية من بلد قلعة ألقى من أعمال الموصل.

وكان قديماً من الجزيرة العمرية. وكان هذا المهجو بإربل قد استولى على مملكة سلطانها الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين – ﵁ – وحكم فيها، واستفحل أمره، وظلم الناس ظلماً فاحشاً حتى غلب على السلطان مظفر الدين، وانقاد له في جميع ما يأمره وينهاه، وحصل أموالاً جمّة، ومات على أقبح موتة، وأراح الله المسلمين من ظلمه. فأنشدني أو عبد الله فيه لنفسه:

قد كرهت الولاء لمّا تسمَّىبعليٍّ هذا الوضيع الرَّذيل
إنَّ يوماً يكون فيه رفيعاًعند هذا الورى ليوم ثقيل
إنَّ ملكاً يكون فيه مشيراًمثله في الأنام ملكٌ علي

ما احتيال ............... ..........................

وأنشدني لنفسه:

بكت عيني حذار البين حتَّىجرت بعد الدُّموع لها الدِّماء
وعوِّدت التئام الشَّمل جهديوليس لصحبةٍ أبداً بقاء

/ ب/ محمَّد بن عليِّ بن يحيى بن محمد بن الحسن بن يوسف بن عبيد الله، ابو عبد الله بن أبي الحسن الشلمانيُّ.

كان ولده من قرية من قرايا فنك، تدعى شلما، من عمل الجزيرة العمرية. وقد سبق شعره أبيه في موضعه.

وأبو عبد الله ذو طبع في الشعر، إلا أن شعره ضعيف؛ لكونه لم يشتغل بالعربية. نزل إربل، وتولّى بها عملاً، ثم حبس، وطالت مدته في الحبس.

أنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفى من الحبس، يشكو حاله، وما يلاقي من الضائقة والفاقة:

شرف الدين لا برحت بإحسانك تحيي من كان ميتاً كسيرا
أنت بحرٌ والبحر يمنح ما يأتيه درّاً ولؤلؤاً منثورا
إن أكن في الحديد أصبحت فرداًعاري الجسم جائعاً مكسورا
فلي الله ثمَّ أنت ومن كنــت له مسعداً فعزَّ ظهيرا
قيَّدتني أطواق إحسانك لمَّاضنَّ من كنت أرتجيه نصيرا
وملكت القياد منِّي فأصبحــت بجدواك منعماً محصورا
قست ما كان من زماني فلم أحــظ ..... منكم هباً منثوراً

/ أ/ محمَّد بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن ثابت بن مزاحم بن عياش بن وديعة، أبو عبد الله الموصليُّ.

تقدّم شعر أبيه، وكان من النيل.

وكانت ولادة محمد بالموصل، في منتصف ذي القعدة يوم الاثنين ضاحي نهار سنة ثمانين وخمسمائة.

شاب ضعيف العينين، وقد وخطه الشيب، مربوع. سمّى نفسه شاعر أهل البيت. يلحن في إنشاده.

وحكى أنه وقف على منجم طرقي، فأراد أن يعبث به، فقال: نجّم لي، وذكر غير اسمه، واسم أمّه.

فقال له المنجم: قل الصحيح.

فقال: فقلت له، اسمي الحقيقي.

فقال: أنت تكون تجمع ألواح الصبيان، وتصر معلماً.

قال: فكنت بعد ذلك بمدّةٍ طويلة كما قال.

وكان يؤدّب الصبيان بالموصل.

وهو شاعر غزير الشعر، طبعه مجيب في النظم، مدح أهل البيت – صلوات الله عليهم – بقصائد شتى، اشتهرت عنه، وترك التأديب، ثم اشتغل بالتنجيم، وعرف منه طرفاً جيداً وكتب التقاويم الحسنة.

أنشدني لنفسه من قصيدة، يمدح بها مولانا وسيدنا الإمام المفترض الطاعة على كافة الأنام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور – رحمه الله تعالى -.

/ ب/ يقول فيها:

وربَّ عنس صرت في ظهرهاجائلة في مهمه الأنهر
لا تشتكي فرط وجى لا ولاترعى من الحوذان والعرعر
جاريه كالطَّير في جوِّهالغامها من طحلب أخضر
تؤمُّ بي نحو إمام النَّدىخليفة الله أبي جعفر
الظَّاهر الأنساب من هاشمٍرب الجبين الواضح الأزهر
هو الإمام النَّبويُّ الذيعنصره من أشرف العنصر
وإلى أمور الدين عن جدِّهالعبَّاس بل عن أحمد المنذر
حامي حمى البطحاء والرُّكن والــحطيم والكعبة والمشعر
واللاَّبس البردة والحامل الــقضيب والرَّاقي على المنبر
ذو التاج والمغفر لا... ..... بربِّ التاج والمغفر

من في فناه مهبط الوحي والتَّبجيل والتَّفضيل والمفخر

من نور رب العرش أنوارهكذاك لا تخفى على المبصر
مالك أعناق ملوك الورىمنشي زمام الرِّمم الدُّثَّر

ذو الجحفل الجرَّار والعسكر الساري من الأملاك في عسكر

/ أ/ تخفق في الآفاق راياتهباسم منصور ومستنصر
إذا جرت في معرك خليهبغير هام الشُّوس لم تعثر

توسم في الأرض المحاريب فالثغور باللَّثم لها تمتري

يظل من فوق الثَّرى دونهايسجد وجه الملك الأصفر
سيوفه مذ لم تزل والقنابالدَّم غن يدع بها يقطر
وبيضه حمرٌ وأرماحهسمرٌ بغير الهام لم تثمر

حاز على عشر بحار وفي كل الورى سبع من الأبحر

وحيث جادت كفُّنه بالحيافالعارض الهتَّان لم يذكر
يغني بعيد الدار بالوابل الــمدرار من مثر ومن مقتر
يعلم ما في السرِّ وحياً من اللــه وقد يخبر بالمضمر

أضحت به بغداد كالخلد للسَّاكن والدِّجلة كالكوثر

فنشرها أذكى من المسك للنَّاشق والكافور والعنبر

خليفة الله الذي حبُّهفي اليوم ينجيني وفي المحشر
من لا يواليك غداً في لظىيكبُّه الله على المنخر
فقت على كيوان في رتبة الــفخر وجاوزت مدى المشتري
/ ب/ وأصبح المرِّيخ في هوَّةٍمنك على الأعداء كالقسور
فارق وطل واسعد وسد وابتهلوعش ودم واسم وجد وافخر

وأنشدني لنفسه، وقد أهدى إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفى، تقويماً، وكتب على ظهره:

ولما رأيت الشعر ليس ببالغعلاك وأهل الأرض أنت رئيسها
منحتك بالأفلاك تجري سعودهاإليك وتجري في الأعادي نحوسها

وأنشدني لنفسه فيه أيضاً، وقد لسعته عقرب في قدمه:

يا شرف الدين الذي لم يزليجوده يوجد أهل العدم
قد فاقت العقرب فخراً كماقد فاق من قبل منك القدم

وأنشدني لنفسه، مبدأ قصيدة:

يا مائساً تحت الغلائلأمن الشَّمول هي الشَّمائل
أزرت لحاظك بالسيوف ولين قدِّك بالذَّوابل
إن شئت قتلي في هواك فحبذا ما أنت فاعل
/ أ/ شفَّيت بي منك الحواسد واللَّوائم والعواذل

يا أيُّها الرِّيم الذي مرعاه قلبي لا الخمائل

لا حبذا واش غداعنِّي إليك الزُّور ناقل
كم ذا أميل إليك منوجد وعنِّي أنت مائل
لا تحملن سيفاً فلحــظك ناب عمَّا أنت حامل
لك من خفونك والحشاطول المدى رامٍ ونابل
حازت لحاظك ما وعىالملكان من سحرٍ ببابل
ويح النَّسيم لو أنَّهأدَّى إليك لي الرسائل
لبعثت في طيَّاتهمنِّي إلى الحبِّ الرَّسائل

وأنشدني لنفسه:

مدحتك لا طعاماً في نداكوفي جود مثلك من يطمع
ولكن بشحِّك لمَّا سمعتأردت أحقِّق ما أسمع

وأنشدني أيضاً لنفسه، في غلام لابس أحمر:

ومهفهف كالغصن قامتهبخصره ما بي من السَّقم
/ ب/ لم أنسه لمّا بدا قمراًيختال في ثوب من العنم
وحواسدي حولي وقد بهتوامن حسنه في ذلك الصَّنم
فأجبتهم والدَّمع يكسب منجفنيَّ في خدَّيَّ كالدِّيم
لم يكف أن دمي بوجنتهحتَّى تسربل كلُّه بدمي

محمد بن المبارك بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن المظفر، أبو سعد بن أبي الفتح الشهر زوريُّ الموصليُّ.

من أبناء القضاة الشهرزوريين.

أخبرني أنه ولد بالموصل، في سلخ جمادى الآخرة سنة ستٍّ وثمانين وخمسمائة.

تفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ – وحفظ فصولاً في الوعظ، وقال أشعاراً مختارة، ووعظ الناس بالمسجد الجامع برهةً من الزمان. وكان يحصر مجلسه عالم كثرٌ من الرؤساء، والفقهاء، وأكابر البلد. وكان حسن الصوت في إنشاد الشعر، ذا قبول تام عند الناس؛ فبقي مدة يسعد المنبر، ويتكلم على الناس، ويعظهم، ويظهر التدين والنسك على سيرة مرضية، وطريقة حميدة؛ فعند ذلك جذبه المولى الملك الرحيم إلى خدمته، واختاره لمنادمته، وأنعم [عليه]، أ/ وقربه إليه، وصار أحد ندمائه، ومخصوصاً من بين جلسائه، وتزيّا بزي الأجناد.

أنشدني لنفسه، يمدح المولى المالك الملك الرحيم بدر الدين، عضد الإسلام والمسلمين، تاج الملوك شرف السلاطين، غياث الملهوفين، ملك أمراء الشرق والغرب بهلوان جهان خسروا إيران اج أرسلان إينانج قتلغ بك أتابك صغرك تكين بلكا، أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين – ثبت الله أركان دولته – وأسبغ عليه ظل نعمته، ويهنئه بالنيروز:.

لمَّا تبدَّى الكثيب الفرد والعلمأهدى السَّلام فماد البان والسلم
وظلَّ يلثم خدَّ الأرض معترفابسكر ما أسلفت أيَّامها القدم
أيَّام لهو تقضَّت وهي حافلةٌبالوصل لا سامٌ فيها ولا ندم
ونحن في صفو عيش ما به رمقٌالدَّار دانيةٌ والشمل ملتئم
لله كم من لبانات قضيت بهاأيَّام لم يهتضمني الشيب والهرم
فاليوم لا عثرتي فيها تقال ولايرعى لديَّ بها إلٌ ولا ذمم
لا درَّ درُّ الغواني كم حشا تركوامقتروحةً حشوها من جورهم ألم
يوفون بالعهد ما دام الشَّباب لناغضّاً وما مسَّنا الإملاق والعدم
/ ب/ صحوت يا صاح من سكر الشَّباب وقدأضاء صبح مشيب ليس ينكتم
وعدت أدأب في نيل الفخار وليعزمٌ يقصِّر عنه الصارم الخدم
أرى المعالي مراماً ليس يدركهإلا فتى بذيول العزم يلتزم
باتت تعنفني في الحرص لائمتيتقول ما الحرص يجدي إذ جرى القلم
فقلت أرجوا زماني أن يبلِّغنيمراتباً ليس تسموا نحوها الهمم
وكيف لا أترجَّى الخير في زمنأبو الفضائل في العادل الحكم
ملكٌ سما في سماء المجد مرتدياًثوباً له العدل سلكٌ واحلجا علم
وفي مدائح بدر الدين مالكناتحير اللَّوذعيُّ المصقع الفهم
إن قيل ليثٌ، فليث الغاب في وجلٍأو قيل غيثٌ فليست تمرع الدِّيم
يا أيُّها الملك المرجوُّ نائلةومن تخاف سطاه العرب والعجم
فضحت حاتم طيَّ بالنَّدى فغداإليك ينتسب الإحسان والكرم
لله أنت فكم شيَّدت من رتبومن جنان نعيم دونها إرم
أما وحقِّ أياديك التي ملكترقَّ الأنام وحسبي ذلك القسم!
إني على قدم الإخلاص قد علقتكفِّي بعروة أمن ليس تنفصم
جعلتها لي ملاذاً أستجير بهمن الحوادث أنَّى زلَّت القدم
/ أ/ لا زال ربعك أمن المستجير بهتؤمُّه من أقاصي أرضها الأمم
تسعى إلى بابك الميمون كل ضحىتطوف سبعاً بركنيه وتستلم
يكبرون إذا لاحت بشائرهكأنه بينهم في الحرمة الحرم
تهنَّ واسعد بذا النَّيروز حين أتىمبشراً بسعود ليس تنصرم
ودم على رغم من يشناك في نعمٍالعدا في إثرها نعم

وأنشدني أيضاً لنفسه:

يا رعى الله أناساًما رعوا عقد ذمامي
فرَّقوا بالهجر مابين جفوني والمنام
وكسوا جسمي سقاماًفوق ما بي من سقامٍ

ومنها:

يا فتاة الحيِّ حيَّاأرضكم صوت الغمام

كم قتيل لك أمسى بين أطناب الخيام

راعها الشيب وقد لاح بفودي كالثَّغام
فأجابت عبراتيوهي تهمني بانسجام
لمغير ... هجرانك عاماً بعد عام

/ ب/ ومنها:

باكر الرَّاح سحيراًقبل تغريد الحمام
واله بالكأس وذرماقيل فيها من أثام
فعروس الكرم لا تجــلى على غير الكرام
سكنت في الدَّنِّ حتَّىسئمت طول المقام
ثمَّ جاءت تورد الأنــباء عن سامٍ وحام

وأنشدني لنفسه، يمدح بعض الأمراء، ويعتذر إليه من أمرٍ جرى له:

دم نافذ الأحكام والأمرفي دولة مشدودة الأزر
ورتبه بالسعد مقرونهتسمو على العيُّوق والنسر
ونحن في ظل حماك الذينلقى به غائلة الدهر
نرتع من قربك في روضةأزهارها أبهى من الزَّهر
يطربنا ذكرك فوق الَّذييبلغ منَّا طرب الخمر
ينشر من وصفك بين الورىحسن ثناء طيِّب النَّشر
/ أ/ إنَّ أياديك التي طوَّقتأجيادنا جلَّت عن الحصر
ما سمع الناس ولا أبصروامثلك في بدوٍ ولا حضر
تقني وتفني للندى والعدافأنت للنفع وللضر
أضحى عماد الدين كنز لنانرجوه في عسر وفي يسر
يقضي له الخطِّيُّ يوم الوغىعلى العدا بالجدِّ والنَّصر
إن عبس الفتيان يوم الرَّدىرأيته مبتسم الثغر
يا واهب الجرد العتاق استمعشكواي لمَّا خانني صبري
لله ما بتُّ رهيناً بهمن شدَّة الشَّوق إلى الصَّقر
أضحت مواعيدك عندي بلاشكٍّ يماريها ولا عذر
فأجمع به شملي على حالةترضيك بالحمد وبالشكر
وكنت الهو برشيق غداًيسطو على العنقاء والنَّسر
رجوته كيما أسلي بهطول هموم أحرجت صدري
فما دنا لي الدَّهر في قربهفأبتزه منِّي بالقهر
غادرني باليأس لمَّا غداعند بهاء الدِّين في الأسر
وليس يسلي الهمَّ من بعدهشيءٌ سوى إحسانك الغمر
/ ب/ لم يك تأخيري لغير الذيأبديه يا مولاي من عذري
وذاك أنَّ الكأس لمَّا رمىمنِّي بالصَّدِّ وبالهجر
جنى على رجليَّ لمَّا جنتعليه بالدَّوس وبالكسر
لا زلت في عزٍّ منيع الحمىما غرَّد الصَّادح في الفجر

محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. الشريف أبو الغنائم بن أبي الفتح الحائري، المعروف بابن الجعفرية.

من مشهد الحسين بن علي – صلوات الله عليهما وسلامه -.

وهو شاعر مطيل، كثير الأشعار، متبجح لسنٌ، هدار ذو مديح وهجاء، وصاف

لنفسه. يفد إلى بغداد يجتدي وجوه الحضرة بها، ويمدحهم.

لقته بمدينة السلام، سنة أربع وعشرين وستمائة؛ وهو شيخ كبير السن، طويل أسمر، ذو جسم عبل. وخبرت أنه ولد سنة أربع أو ثلاث وسبعين وخمسمائة؛ وذكر أن والده كان فيهاً أ/ على مذهب الإمامية، وكان جده نقيباً علاّمة وقته في الأدب، وعلم العربية والفقه.

أنشدني لنفسه يفتخر:

مرامي قريضي لا تطيش نبالهاوأسياف فهمي مرهفات نصالها
ولي خاطرٌ كالعضب أخطر من ظباًمهنَّدة بتر حديد صقالها
تطأطئ دوني رأس كل معاندٍوعيل بعزمي من عداه احتيالها

ومنها:

وإنِّي لأبكار القوافي لمالكٌ ...,مذهب غيري نقصها وانتحالها

سأدعى فريد العصر فضلاً وحكمةًأقلِّد خصمي عثرةً لا يقالها
فلوذوا بسلمى تسلموا من خواطريوإلا دهاكم بالهجاء عضالها
سلوا شعراء الملك عنِّي فإنَّنيإذا أنسيت يوم الفجار تخالها
أنا ابن علي والبتول وحبذافخارٌ إذا الأعياض قام سجالها
أبي خير خلق الله بعد محمَّدلقد حلَّ من أنساب قومي جلالها
فإن تنسبوني تخبروا لي أرومةًكثيراً معانيها قلالاً مالها
بسبق أبي قامت شريعة دينكمفباد لدينا حرمها وحلالها
/ ب/ وما زال طلاَّع الثنايا وموقع الــمنايا باحران شديد ضلالها
لنا يوم خمٍّ والعهود عليكمبحب أبينا لا تجدُّ حبالها
ونحن ورب البيت أكرم أسرةٍتسود علاً نسوانها ورجالها

وأنشدني لنفسه:

ما عن أجرع رملةٍ وعقيقإلا ولؤلؤ مقلتيَّ عقيق
أوهزَّ خفَّاق النسيم أراكةًإلا عرا منِّي الغرام خفوق
إنِّي وإن عنف الوشاة وراش ليبالصَّدِّ سهم سلوِّه المعشوق
لمتيَّمٌ بهوى الأحبَّة وآلهٌإلى العقيق وساكنيه مشرق
يا أهل رامة إن جفا عرصاتكمودق الغمام وصوبه المدفوق
فأنا الوفيُّ فلا لديَّ عهودكمرممٌ ولا ودِّي لكم ممذوق

كم في بيوتكم جداية ربرب يصبي الحليم جمالها الموموق

في عطفها هيفٌ وفي الحاظهاسحرٌ بألباب الرجال علوق
الثَّغر عن خصر الرُّضاب منضدٌفالدُّرُّ ثغرٌ والسُّلافة ريق

محمد بن محمد بن إبراهيم أ/ بن الحسين بن سراقة، أبو القاسم بن أبي عبد الله الأنصاري الشاطبيُّ.

كانت ولادته فيما أخبرني – من لفظه – بشاطبة، في شهر الله رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وهو شاب طويل، أبيض اللون، تعلوه صفرة، خفيف العارضين، نحيف البدن.

ذكر لي أنه من أبناء القضاة الفقهاء، حفظ القرآن الكريم، وتفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس – ﵁ – رحل إلى مدينة السلام في طلب الحديث، فلقي بها جماعة من مشايخها العلماء؛ كأبي حفص عمر بن كرم بن الحسن

الدينوري، وأبي علي الحسن بن المبارك بن محمد الزبيدي، وأبي الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد بن بكران الداهري، وغيرهم من هذه الطبقة.

قدم إربل، ونزل بدار حديثها، وقرأ على شيخنا أبي الخير بدل بن أبي المعمر بن إسماعيل التبريزي، كتباً كثيرة من الأحاديث والتفسير.

شاهدته بها في ربيع الأول سنة ستٍّ وعشرين وستمائة؛ فوجدته رجلاً فاضلاً، متنسكاً عاقلاً، مسالماً ذا دين وعفاف وبشر، ووقار على منهاج المتقدمين من العلماء، مواظباً على الاشتغال بالعلم وتلاوة وقراءة القرآن ب/ ثم إنَّه جيّد المعرفة بمعاني الشعر، صالح الفكر في حل التراجم، له شعر حسن.

أنشدني لنفسه:

إلى كم أمنِّي النَّفس ما لا تنالهفيذهب عمري والأماني لا تقضى؟
للشاعر محيي الدّين الشاطبي، من قصيدة «إِلَى كم أمنى النَّفس مَا لَا تناله»
وقد مرَّ لي خمسٌ وعشرون حجَّةًولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى؟
للشاعر محيي الدّين الشاطبي، من قصيدة «إِلَى كم أمنى النَّفس مَا لَا تناله»
وأعلم أنِّي والثَّلاثون مدَّتيحر بمغاني اللَّهو أوسعها رفضا
للشاعر محيي الدّين الشاطبي، من قصيدة «إِلَى كم أمنى النَّفس مَا لَا تناله»
فماذا عسى في هذه الخمس أرتجيووجدي إلى أوب من العشر قد أفضى؟
للشاعر محيي الدّين الشاطبي، من قصيدة «إِلَى كم أمنى النَّفس مَا لَا تناله»
فيا ربِّ عجِّل لي حياةً لذيذةًوإلاَّ فبادر بي إلى العمل الأرضي

وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى بعض ملوك المغرب:

لقاؤك عيدٌ بالنَّجاح بشيروتقبيل يمنى راحتيك حبور
بهاؤك في لحظ المواسم موسمٌونشرك في ريَّا العبير عبير
وما عادنا من عيدنا غير وافديحول عليه الحول ثم يزور
له أملٌ في لثم لقياك مدركٌوطرفٌ بها يرنو إليك قرير
سرى نحوكم مذ عام أول جاهداًيجوب عراص البيد وهي شهور
فبشراه وفي النفس ملء فؤادهاسروراً وإن أعيت وطال ميسر
/ أ/ وناجيت نفسي والهوى يبعث الهوىوطال بي التسويف وهو غرور
أأترك موسى ليس بيني وبينهسوى ليلة إنِّي إذن لصبور!
فملت بودِّي وأنحياشي وهمَّتيإليك وفيها عن سواك نفور
وأيقنت أني إن أخذت بحبلكمعلى ريب دهري من الثَّناء أجير
هما منثنى الأعناق نحو علائهكمالٌ بأهواء النُّفوس جدير

ومنها:

ينوب عن الدُّر النَّفيس كلامهوما ناب عن جدوى يديه بحور
إذا صفرت أيدي السَّحاب فكفُّهسحابٌ بآفاق السَّماح درور

محمد بن يوسف بن أبي سعد بن يونس بن فيروز، أبو عبد الله التلعفريُّ الفرّاء.

أخبرني أنه ولد بتلعفر، بمحلة بني سعد، في المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وتوفي بالموصل في العشر الآخرة من شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ودفن خارج البلد غربيه، بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد، تجاه باب الميدان – رحمه الله تعالى-.

كان مقامه بالموصل، يتردد إلى فضلائها، ويختلف إلى أدبائها لطلب الإفادات.

/ ب/ وكان يحفظ مقطعات من الشعر، ويذاكر بها ويشعر، وله طبع يساعده في المنظوم، ومدح جماعة من أهل الموصل. وكان يخلط في شعره ألفاظاً عاميّة، ويستعملها كثيراً في أثناء كلامه؛ فتأتي لائقة في مواضعها، وربّما تكلّف لنفسه يداعب رجلاً يعرف بالحكيم الفقاعي، يبيع الفقاء. وكان يتدين، وإذا سمع موعظةً بكى وتواجد، ويظهر خوفاً وخشية من الله – ﷿ – رحمه الله تعالى:

لم يبك هذا الحكيم مستمعاًإلا أقمنا له معاذيرا
لأنَّه من كرام معشرهحاز التُّقى والسَّداد والخيرا
ما فيه من خصلة يعاب بهاوعرضة لن يزال مستورا
قالوا: نراه يبكي إذا عرضتموعظةٌ ما تظنُّه زورا
فقلت: هذا البكاء متفقٌعليه قد قدَّروه تقديرا
يبكي فلوس الفقَّاع منتحباًإذ لم تكن كلُّها دنانيرا

وأنشدني أيضاً لنفسه، في رجل يلقب بزنباط، وكان من أخل الخير أ/ والديانة. وكان يكثر الصياح في الصلاة تواجداً. وكان من أبغض الناس صياحاً، وربما كان في الصلاة، فيقرأ الإمام آيةً من القرآن، فيزعق زعقات متوالية، فيشوش على الناس صلاتهم لكثرة صياحه، ومقت صوته. وكان الحكيم الفقاعي – رحمهما الله تعالى – يحتذي بحذوه في التواجد:

كم صاح زنباط في الصلاة وكمخر صريعاً ما بين صفَّين
واليوم قد أصبح الحكيم لنايحطُّه في السَّماع رخَّين

وأنشدني أيضاً لنفسه في زنباط – رحمه الله تعالى -:

وقفت يوماً أصلِّي والصَّلاة بهايمحِّص الله ذنب المجرم الخاطي
ثم انثنيت إلى الصف الأخير علىأن ليس ذلك من عزمي وأشراطي
فقيل أول صفٍّ لم تركت وقدعلمت فيه ثواباً غير منحاط
فقلت زنباط فيه وهو مستمعٌوإنني أتخشى صوت زنباط

وأنشدني قوله من أبيات، يرثي بها طير حمام، ويستعير لها ألفاظاً، ب/ من

ألفاظ المطيرين، واصطلاحاتهم، مبدأها:

عين سحِّي بدمع جفن هتونواسعدي عبد بالبكا والحنين
واندبي طيره الذي قطُّ لا يعــرف إلا بالسَّابق المجنون
كان أوفى الحمام في العلم الاول سبقاً بفوتها كل حين
كان لون خفَّق المناصف مااحتاج إلى حمل وغدا مكين

كان سهل التسريح ما خطر الترحيل يوماً له كدس الظنون

وأنشدني أيضاً لنفسه، في إنسان يعمل الخل، يعرف بالمؤذن، فقال له رجل: ما بال خلك يا مؤذن ما له طعم؟ فسئل محمد بن يوسف الفراء أن ينظم في ذلك شيئاً، فصنع هذه الأبيات:

نصح المؤذِّن من له عزموثواب كل نصيحة غنم
في حال ذوق الخل قال له:ما بال خلك ما له طعم؟
لا توهمنَّ الناس إنَّك قدأصلحته ما ينفع الوهم
الخل أدمٌ أي فائدةفيه إذا لم يصلح الأدم؟
/ أ/ وشروه منك بغير تجربةًخطأٌ ولم يحدث بذا رسم
يا عاذلي في شرح قصّتهخفض عليك فحربه سلم
قل للمؤذِّن لا يغرُّك أنحمدوك قومٌ حمدهم ذمُّ
يكفيك فعلك بالزبيب فقدأحسدت ما قد أصلح الكرم
درياقنا عنب الكروم ومادبرت منه كأنَّه سمُّ
لا تعزلنَّ نقيع أوَّلهفعليك إن أعزلته إثم
فاقبل نصيحتنا تبترَّ وإنخالفت مالك في السما نجم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.