من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (١٨)
وأنشدني أيضًا من شعره قوله:
أما مخبر اين استقلُّوا ويمَّمواوفي أيِّ دار بعد نعمان خيَّموا
وكم حلَّلوا قتلي على الخيف وانثنواعن العهد والوصل المحلَّل حرَّموا
وقد ذبحوا في عيني النَّوم بعدهمفمن ذاك في أجفانها يسفح الدَّم
أيا جيرة الوادي إلى م أعاتب الطُّــلول وصمُّ الصَّخر لا يتكلَّم
نقضتم على الرَّمل العهود ومن بناعلى الرَّمل أمسى كيف لا يتهدَّم
وأرضيتم الواشي وأسخطت عذَّليوخالفت
وحقِّ ليالينا القصار بوصلكموعهد حفظناه لكم وأضعتم
إذا بارق من أرضكم لاح خلتهلهيب سعير بين جنبي يضرم
وإن نسمة هبَّت من الشِّعب سحرًةتوحَّمت طوعًا نحوها فأسلَّم
ويطربني عذل العذول ومن نأىمحبًا لذكرى حبِّه يتألَّم
وأنشدني أيضًا لنفسه:
/ أ/ لا أوحش الله من كتب إذا وردتكأنَّما نشرت من طيها الفرجا
أكرم بها ومبهديها وحاملهافقرَّة العين لي فيها وألف رجا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى القاضي الإمام بهاء الدين أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب – أيده الله تعالى-:
يا سيِّدًا لم تزل مراكبهراكبًة فوق منكب الشِّعرى
علوت قدرًا على المدائح بل..... بوصفك الشِّعرا
وأنشدني أيضًا لنفسه:
لو كنت شاهدت يوم البين موقفناأبصرت منِّي ما أبدى لك العجبا
روحي مضت وبقي الجثمان بعدهملقًى يقلِّبه بين الثِّياب هبا
وكلَّما صعدتالضلوع ... ............ صغته ذهبا
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى أخيه، بعد تهاجر كان بينهما:
قدِّمت قبلك وافتديت بمهجتييا ذا الَّذي من غير جرم يعتب
أولست تعلم أنَّ عتبك ظالمًاممَّا جناه النَّحل عندي أعذب
/ ب/ وأنشدني لنفسه، يلغز باسم:
لو صحَّ لي من منيتي زورةتسخن منها عين واشيه
كنت أسمه من بعد عكس إذاصار أخير الإسم ثانيه
هذا اسم من أهواه لكنَّنيخوفا عليه لا أسمِّيه
وأنشدني لنفسه:
كأنَّما الرَّاح في الإبريق كامنةوقد بدا نورها للكأس فانصدعا
وأنشـ .......
إن سرَّ بالعيد قومفما سررت بعيدي
وكيف يفرح عانمهدَّد بوعيد
يودُّ أن ينظر الأهــل نظرًة من بعيد
وليس يعطي مناهمن كان غير سعيد
وأنشدني أيضًا لنفسه:
إذا نسمة هبَّت لنا من دياركمبكيت وإن برق من الغور أو مضا
ومنَّيت نفسي رجعًة لوصالكموهيهات أن يدني من العيش ما مضى
/ أ/ وكان دمًا دمعي ولكنَّ عبرتييصعِّدها حزني فينهلُّ أبيضا
محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن سجمان البكري – من بكر بن وائل – الشريشي الأندلسي.
كان مولده تقديرًا في سنة ستمائة؛ سمع الحديث الكثير بالأندلس، وديار مصر، والحجاز، والشام، وبغداد. واستظهر القرآن الكريم، وقرأ علم الأدب والعربية على جماعة. ترَّبى بالأندلس، وقرأ فقه الإمام مالك – ﵁.
أنشدني لنفسه، يلتمس من إنسان كتاب "التلقين" على مذهب الإمام مالك بن أنس – ﵁ – فمنعه، وكان قبل ذلك قد أعاره إياه، ثم كتب له رقعة يعتذر إليه في المنع:
ما إن وجدت أطال الله عمرك ليوللمكارم توليها وتنشرها
من منعكم منِّي التَّلقين موجدًةعليك في النَّفس أطويها وأسطرها
قد طال ما كان عندي وانتفعت بهوكم لكم من أياد لست أحصرها
وفي الضَّمير لكم ودُّ ومنزلةمنع الحوائج ممَّا لا يغيِّرها
/ ب/ إذ الصداقة صحَّت من أخي ثقةعلى صفاء فما شيء يكدِّرها
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة:
لقد سار فينا سيرًة عمريَّةًوأذهب عنَّا الجور فالعد قائم
إذا ما انتضى للخطب يقظان عزمهغدت عزمات الدَّهر وهي نوائم
ففي الحرب للأعداء بالقهر قاصموفي السِّلم للأموال بالرِّفق قاسم
لكلِّ بيوت الله بالعلم عامروكلِّ بيوت الشِّرك والجهل هادم
وأنشدني أيضًا لنفسه:
هلاَّ عليك كما كلفت جميلاإن تولي الصَّبَّ المشوق جميلا
يا واصلي بالهجر إنَّك قاتليهلاَّ بوصلك أن يكون وصولا
أيحلُّ قتل الصَّبِّ في شرع الهوىلا والَّذي قد أنزل التَّنزيلا
حزني من الجفن العليل فإنَّهقد صيَّر الجسم الصَّحيح عليلا
يا مالكًا رقَّ الأنام بحسنهما بال طرفك للعبيد قتولا
أو ما ترقُّ لمدنف ومتيَّمأضحى بحبِّك هائمًا مخبولا
أضناه طول الشَّوق حتَّى إنَّهما إن يبين لمبصريه نحولا
ألف السُّهاد مع الضَّنى فجفونهما إن تذوق من المنام قليلا
/ أ/ يرعى النجوم إلى الصَّباح وينثنيحتَّى المساء بذكركم مشغولا
فوحقِّ حسنك والصَّبابة إنَّنيما خفت موتي بالهوى مقتولا
لكن أخاف عليك إن أتلفتنيإذ كان شخصك في الفؤاد نزيلا
هذا دمي لك يا ظلوم أبحتهأو ما تخاف لدى الحساب جليلا
أقسمت أنَّك في جمالك واحدما إن أرى لك في الملاح مثيلا
محمَّد بن عبد القاهر بن هبة الله بن عبد القاهر بن عبد الواحد بن يوسف ابن النصيبيِّ، العدل الأمين، أبو عبد الله بن أبي المعالي.
أخبرني أنه ولد ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
سمع الحديث النبوي كثيرًا؛ بحلب، ودمشق، ومصر، وبغداد. وهو من بيت مذكور بحلب معروف، وهو عدل من عدولها وقبره بها، وتولى عدّة أعمال منها؛ خزن مال الأيتام والنظر فيه، وغير ذلك، وأفادني كثيرًا من رواياته.
رأيته شيخًا حسنًا صحيح الرواية، جيّد المعرفة، أنشدني لنفسه يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة ب/ بحلب المحروسة، بجامعها سنة خمس وثلاثين وستمائة، قال: أنشدنا قاضي القضاة أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن شداد – ﵁ – قال: أنشدني القاضي الفاضل لبعضهم على صعد:
قلت للزلمة جوديلا تمرِّي بلهاتي
وبخفي خلِّ حلقيفهو دهليز حياتي
وأنشدني لنفسه:
نظرت إلى الدُّنيا الغرور بعَّزةوغفلة مشغول بها يتجاهل
وكيف أرى دارًا لذيذ نعيمهاوأطمع أن أحظى به غير زائل
وضيعت دارًا للخلود معدَّةًبلذَّات دار أكملت للرذائل
ولمَّا رأيت الأقدمين تقدَّمواولم يحصوا إلاَّ على غير طائل
رجعت إلى النَّفس اللَّجوج ألومهاوقلت لقد ضيَّعت حقًّا بباطل
وأنشدني أيضًا لنفسه:
كم عدٍّو لي من ظهري وكممن حميم لم تلده لي أمِّي
وكذا الخال وبال قالهقبل هذا كلُّ ذي فهم وعلم
فاحذر الأخوة والإبن وكنمن بني الأعمام في همٍّ وغم
/ أ/ وأنشدني لنفسه:
إنَّ حمَّامنا الحمام لمن رام نعيمًا من غير ضرٍّ وبؤس
هي مثل الموت المنغِّص للَّذات بين بردٍ ويبس
محمَّد بن يحيي بن محمَّد بن هبة الله بن أبي جرادة أبو المفاخر بن أبي الفتح العقيليُّ.
من أهل حلب وأبناء أجلتها وقضاتها وأكابرها، فضلاً وعلمًا.
سمع الكثير من الحديث النبوي، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة – ﵁ – وأتقن صدرًا جيدًا منه، وناظر وتكلم مع الفقهاء، وقرأ أنموذجًا صالحًا من علم العربية، على الشيخ الفاضل موفق الدين أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي، وأتقنه معرفة.
وهو شاب كيس دمث الأخلاق، جميل الخطاب، حلو المحاضرة، وربما جادت قريحته بشيء من الشعر على سبيل الرياضة فيجيد فيما يأتي به.
أنشدني لنفسه، كتبها إلى يونس بن المرتضى الشاعر:
/ ب/ ولابد أن يعلو بك الفضل رتبًةيجلُّ عن التَّحديد في الطُّول والعرض
وأتلو على رغم الزَّمان وكيده﴾ كذلك مكَّنَّنا ليوسف في الأرض ﴿
وأنشدني أيضًا لنفسه:
وردت خباها والرَّقيب مهوِّمفهبَّت سريعًا قبَّح الله نعله
تعرَّف حالي فانصرفت... ولي مصدر .... أضمر الفعل قبله
وأنشدني أيضًا من شعره:
قالت: طرقت بيوت الحيِّ في غسقثمَّ اهتديت إلينا، قلت: بالقمر
تبسَّمت فأضاء الخدر فاستترتعن النَّواظر في سحب من الشَّعر
وأنشدني أيضًا قوله:
سرَّحت طرفي في رياض محاسنٍعرف النَّسيم بنشرها متأرج
فالقدُّ غصن، واللَّواحظ نرجسوالخدُّ ورد، والعذار بنفسج
محمَّد بن محمَّد بن حنين بن عمر بن أبي سعيد العربيُّ، البصريُّ المولد، الواسطي المنشأ، النحويُّ.
أخبرني أنَّه ولد في سنة إثنتين وستمائة.
شاب ألحى، ربع القامة، ذو فنون من العلم والأدب، حفظ القرآن المجيد، أ/ وتفقه على مذهب الشافعي، وأخذ علم النحو عن أبي الفتح محمد بن أبي الفتح الواسطي، وأبي الحسن علي بن عدلان بن علي النحوي الموصلي، بمدينة السلام، وغيرها وعلى خاطره من النكت الأدبية، وعنده كيس ولطافة، ودماثة أخلاق.
ولمّا انحدرت صحبة الأمير الكبير العادل ركن الدين، إلى بلد البطائح، واستقر بها المقام، أبلغ أنَّ بواسط رجلاً فاضلاً، وأنَّه قد انحدر إلى قرية تدعى: "بأم عبيدة"؛ فأرسل في استدعائه، فأقبل إليه، فرآه كاملاً في كل فضل، فندبه على تأديب ولده الأمير شهاب الدين أبي الفضل عيسى – بلّغه الله تعالى فيه ما يتمناه – وقررّ له جامكية، ورتب له جاريًا يكفيه ويفضل عنه، في رأس كل شهر، وأصعد صحبته إلى مدينة السلام، وقربه وأدناه، وأنعم عليه.
أنشدني لنفسه، ليلة الجمعة الثانية عشر [ة] من شعبان، ببلد البطائح من الأعمال الواسطية، سنة تسع وثلاثين وستمائة، من قصيدة منها:
دمت ما دامت الفواعل أسماًء صراحًا واشتدَّ جرس الطَّاء
وتمكَّنت ما تمكَّنت الألــفاظ حال الإعراب لا في البناء
. ما ارتفع الفاعل أو ضمَّ خالد في النِّداء
/ ب/ ثمَّ لازلت في دسوتك منصوبًا كزيد في حالة الإغراء
وأميلت رقاب شانيك بالفعــل خلا من حروف الاستعلاء
لأمدَّن في مديحك صوتيمثل مدِّ الكوفيِّ في هؤلاء
وأنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة:
ما ضر من برعليها هتن ... لو أنها جادت لصبٍّ
علقت شرار الحبِّ في أحشائهاوتضرَّمت مثل اضطرام جهنَّم
وافلته المأسور وازفراتهما في الرِّفاق مساعد لمتيَّم
وأنشدني أيضًا لنفسه، يخاطب بها بعض من كان يتردد إليه، ويستفيد عليه بشيء من الأدب:
أبا القاسم اذكر عهدنا واستعن بناتجدنا ولا تحلل عهود المواثق
وكن عالمًا أنَّ اللَّذاذة تنقضيورَّبك بالمرصاد من كلِّ ناطق
محمَّد بن عمر بن الحسين بن محمَّد بن منصور البغدادي الفارقي.
من أهل ميَّا فارقين ولادًة أ/ ومنشأ.
أخبرني أنه ولد سنة إحدى وستمائة.
وهو شاب له طبع موات في نظم الشعر، وقريحة جيدة في استنباط المعاني.
أنشدني لنفسه في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وذلك حين افتتح المسلمون قلعة بالروم، وليلة فتحها احترقت بأجمعها، فتطيّر رب الدولة من ذلك، فقال: "والقلعة هي زينجا ببلد دايت":
لا تحسب القلعة الميمون طائرهاخربتها يا أبا الهيجاء من عار
لكنَّها أشركت بالله مذ... فطهَّر الله ذاك الشِّرك بالنَّار
وله:
فواعجبًا إنِّي ظللت بصدغهعلى قرَّة من جفنه وهو مرسل
وأعجب من ذا أنَّ بي منه عارضًاأصبت به والصدغ منه مسلسل
وقال أيضًا:
بين المثقَّفة الطِّوال السُّمر والبيض القصار
رشا أطعت صابتيفيه وعاصيت اصطباري
وسنان يجلو طرفهكأس الصَّبابة والعقار
لا غرو أن لبس العذاربأن خلعت له عذاري
/ ب/ لله ليلة زارنيواللَّيل مسدول الأزار
فحبا يدي بعقارهوأعضته عنها وقاري
ولثمته فوردت فيماء النَّعيم لهيب نار
ولربَّ ليل كالغداف هلاله تحت السِّرار
أطلعت شمس رجاي فيــه فعاد لي مثل النَّهار
ومن مديحها:
فشعاره النُّعمي علــيَّ وشكره أبدًا شعاري
يهني بيمنى راحتيــه حيث باليسرى يساري
ولتصنع الأيَّام ماشاءت فإنَّ به انتصاري
إنِّي أخاف الحادثاتوجورها ونداه جاري
وله:
وأسمر منه القدُّ أسمر ذابلفؤادي عليه ناصر لي وخاذلي
إذا ما أتى أثنت عليه عواذليأيا حسن من تثني عليه العواذل
من السُّمر أودى بالنُّفوس قوامهسجيَّة نفس كلِّ أسمر قاتل
له رامح من قدِّه غير راحموغير شفيق في المحاجر بابلي
/ أ/ رماني فما أخطت فؤادي سهامهوهب أخطأت قلبي فكلِّي مقاتل
وزار وقد مالت به نشوة الصباوعنق الثُّريَّا في المجرَّة مائل
فقبَّلت ما أبداه لي برق ثغرهوعانقت ما أخفته عنِّي الغلائل
بنفسي وما لي تلك ليلة وصلهلقد كان فيها للصباح شمائل
نعمت به فليصنع الدَّهر بعدهامشيئته بي ولتغلني الغوائل
وقال يمدح رشيد الدين عمر بن القصّار الفارقي – أسعده الله-:
إن كان عنِّي رشيد الدِّين مستترًاما جود كفَّيه عنِّي الدَّهر مستور
فهو الرَّشيد به أمسيت معتصمًامن الخطوب ورأيي فيه منصور
وقال وكتبها إلى صديق:
يقبِّل الأرض عبد من عبيدك لويسطيع شوقًا إلى تلك العلا طارا
لكن كما تعلم الأيَّام مقعدةفقد أقامت له الأيَّام أمدارا
وقال أيضًا:
ما نام لي حتَّى بدافي خدِّه ليل العذار
واليوم سهل في الدُّجىمن حيث يعسر في النَّهار
/ ب/ وقال أيضًا:
زار واللَّيل بهيمأبلج الوجه رخيم
من بني الرُّوم رشيقفاتر المقلة ريم
وعلى كفَّيه شمسطلعت فيها النُّجوم
من بنات الكرم بكركفؤها الندب الكريم
وقال أيضًا:
سلام كأيَّام الشَّبيبة والصِّباعليك ومثل الرُّوض هبَّت به الصَّبا
سلام امرئ إن جاز في ليل فكرهأرته به آراؤه فيك كوكبا
تغرَّب عنكم غير أنَّ فؤادهلديكم فيا لله ما إن تغرَّبا
تذكرَّ لو أجدى عليه ادكارهزمانًا بكم كان الرَّبيع واطيبا
سأركب في إدراكه اللَّيل أدهمًاوأجنب في تلقائه الصُّبح أشهبا
عساي وعلِّي ما اجتليت... من العيش أجنيه بقربك مذهبا
وله:
جمعت مسرَّات الزَّمان لنا كما جمع الكمال
تاريخه يأتي إليــته يسرُّ في الصِّدق الرِّجال
/ أ/أخَّرنه فكأنَّه ... في وجنة الأيَّام خال
محمَّد بن عبد الوهاب بن محمَّد بن ظاهر بن حمزة، أبو بكر بن أبي محمَّد القرشيُّ، المعروف بابن البراذعيِّ.
نجم الكتّاب، من أهل دمشق، وأبناء أماثلها في الفضل والكتابة.
رأيته بحلب، في سنة إحدى وأربعين وستمائة، أخبرني أنه ولد بدمشق في سنة ستٍّ وسبعين وخمسمائة؛ شيخ أزرق العينين، نقي الشيبة، قد أصابه داء الفالج، فتلجلج لسانه، وثقل. يتعاطى مذهب الحريري – صاحب المقامات – في أقواله، يكتب خطًا حسنًا، وينشئ نظمًا ونثرًا، لم يكن على ذلك طلاوة، ويظهر عليه تكلّف.
لازم الشيخ أبا اليمن زيد بن الحسن الكندي، مدة طويلة، وقرأ عليه شيئًا من الأدب، وصحب أبا المحاسن محمد بن نصر بن عنين الشاعر، وروى عنه معظم أشعاره.
أنشدني لنفسه بحلب المحروسة يوم الخميس السادس من شهر شوال سنة إحدى وأربعين وستمائة يقتضي وعدًا:
سرَّ الحسود بما جرى وبما بدامن وعد مولانا الوزير بنفعه
/ ب/ قد نال هذا بالسَّماع فهل أرىفي عينه ما قد جرى ف سمعه
وأنشدني أيضًا، وقد رأى في منامه، وهو ينشد بيتًا، فعمل أبياتًا، والبيت المذكور آخر الآبيات:
لم ينتفع عالم يومًا بحكمتهإن لم يقدِّم عليها حسن نيَّته
ويترك العرض الفاني ويرفضهويطلب الجوهر الباقي بأوبته
وما انتفاع أخي الدّنيا بزخرفهاإذا ثوى في الثَّرى يومًا بوحدته
إنِّي امرؤ لست أبغى في الزَّمان سوىعفو الإله وأن يجري
وقد لهجت بقول لا أغيِّرهعمري ولا حلت دهري عن مودَّته
إنَّ الذي منَّ في الدُّنيا بنعمتهإنِّي لأرجوه في الأخرى لرحمته
وأنشدني أيضًا لنفسه يقتضي وعدًا:
ألا أيُّها المولى الَّذي عم رفدهوكلُّ وزير في البريَّة عبده
أيجمل أنِّي تحت ظلِّك ضائعوأنت الَّذي في الدَّهر قد قلَّ مجده
وقد مسَّني ضرُّ ودين وفاقةويزداد هذا ما تأخَّر وعده
وأنشدني لنفسه، يمدح الشيخ العلاّمة أ/ علم الدين السخاوي:
يا خابط الظّلماء ي بيدائهأو ما سلمت من السرى وعنائه
عرِّج على الشَّام الشَّريف ولذ بهتلتذُّ منه بظلِّه وبمائه
لا تنزلنَّ إلى الغوير ولا تزرجيرانه فالجور في أرجائه
وارجع إلى الرَّأي السَّديد وعدِّ عنذكر الهوى ونعيمه وشقائه
وانزل على الجبل المنيف بجلِّقفالصًّالحون بسفحه وفنائه
واقبل إلى العلم الكبير المجتبىتلق المنى واليمن عند لقائه
العالم الصَّدر الإمام المرتضىمهدى الهدى من نوره وبهائه
ما زال أوحد دهره علمًا وقدرضي الزَّمان به على أبنائه
هذا السَّخاوي الَّذي ما مثلهبين الورى في علمه وسخائه
يتلى كتاب الله حول يمينهوشماله وأمامه وورائه
متواضعًا لله جلَّ علاؤهمتورِّعًا خوفًا على عليائه
شاد المعالي بالتَّواضع فارتقتوتنَّزهت فاعجب بحسن بنائه
وهو الَّذي غمر الوجود جميعهمن فضل أنعمه وفيض عطائه
ولطالما نفع الأنام بعلمهوصواب منطقه وصائب رأيه
/ ب/ دامت لنا أيَّامه وبقاؤهوالله ينفعنًا بطول بقائه
وأنشدني لنفسه، في غلام يرقص:
وظبيٍ حكى نور الغزالة وجههوقد شدَّ بندًا عندما قام يرقص
من الرِّيم لكن فيه حسن التفاتهوفي الرِّيم لفتات من يقنص
فهذا بما فيه من الحسن قانصوتلك بما فيها من الحسن تقنص
وقد صاد قلبًا عزَّ منه خلاصهومن ذا الَّذي من أسره اليوم يخلص
وأنشدني لنفسه، في غلام معه خدّام يحفظونه:
نفسي الفداء لمن أقام قيامتيبقوامه ونحافة في خصره
حرسوه بالخدَّام خيفة عاشققد حار من حرِّ الهوى في أمره
كم خادم من حسنه في وجههيغنى به عن خادم في عمره
ريحان سالفه وعنبر خالهيتعايران وجوهر في ثغره
وأنشدني لنفسه في المعكوس:
أسمر راجٍ نكبًةتبكن جار رمسا
أسرَّنا لقاؤهوهو أقلُّ إن رسا
/ أ/ وأنشد لنفسه، حرف سقط، وحرف مهمل:
بربك قلت: أنا يا جميلاًفإنَّك تستلذُّ وتستميح
وقل يا جابري هذا بلاءفلا تهجر فإنَّك تستريح
وأنشدني لنفسه، يلغز وعملها على لسان شخص يلتمس من السلطان قباء وعده به:
يا مالكًا فاق جميع الورىوعمَّ في العالم تشريفه
ابق متى ألبس متى ألبسمعكوسها كل بأعدائك تصحيفه
وأنشدني لنفسه، وهي أبيات خالية من الإعجام:
إسمع كلام مسلِّم ومسالموموادع ومودّد ومواصل
وله وداد لامرًا ولا ادعاما ود صرام لود الواصل
حمد الإله محمِّدًا ولآلهآل المروة والسماح الكامل
أهل الإمامة والعدالة والعلاوهم المراد لعالم ولعامل
وهم عماد مؤمِّل ومعوِّلومداه كلُّ مردِّد ومطاول
/ ب/ هم عمدة الإسلام ما دام الولاوسلاح كلِّ محاور ومحاول
وهم مهاد للكرام وعدّةولصادر ولوارد ولآمل
ما للرواة سواهم وهم كماماء السَّماء لكلِّ عامٍ ما حل
لا أحمد الهمَّ الملمَّ وما لهم..... أو الملح الهاطل
لا حرَّم الله الورود ولا هموهو الدَّواء لكلِّ صدر آهل
محمَّد بن عليِّ بن أبي الحسن عليِّ بن أبي القاسم هبة الله بن أبي العساكر سعد بن محمَّد بن الحسن بن أحمد بن عليِّ بن الفضل بن بشرويه، أبو عبد الله بن أبي القاسم الهماميُّ.
هكذا أملى عليّ نسبه لما سألته عنه، وذكر لي أن أصله يرجع إلى قوم من الفرس.
كان مولده في سلخ جمادى الآخرة سنة ستٍّ وتسعين وخمسمائة، بالهمّامية قرية كبيرة تحت واسط، من أعمالها وأشهر قراياها، نسبت إلى رجل، كان ينعت بهمام الدين من بني أسد، وكانت من جملة أقطاعه. وكان أجداد ابن بشرويه .... ومقدميها، ولهم بها .... يتوارثونها بها أ/ وهي بأيديهم إلى يومنا هذا.
وهو رجل أسمر، خالطه الشيب قليلاً، يتولّى التّصرف في الأعمال الديوانية، من قبل الديوان الخليفيّ المستنصري. يعاني صناعتي النظم والنثر، وهو ذو طبع سليم في إنشائهما، ويكتب خطًّا حسنًا، ولم يكن ممن يبغي أجرًا على المدح، فإنَّ نفسه ترفعه أن يمدح أحدًا مستميحًا، يفد على مدينة السلام في كل وقت، ويمدح أرباب الحضرة الشريفة بها، وربما امتدح أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله ملكه – ثم يعود إلى قريته.
ولما توجَّه انحدر في جمادى الآخرة من سنة تسع وثلاثين وستمائة، صحبة الأمير الكبير العادل ركن الدين أبي شجاع أحمد بن قرطايا – أسبغ الله ظلاله – إلى أملاكه التي أقطعه إياها أمير المؤمنين من أعمال واسط، لاستيفاء أنفاعها، وقبض
المغل الذي يحصل له من الخراج، اجتزنا بالهمامية، وكان ابن بشروية غائبًا عنها، لأشغال عرضت له من قبل الديوان العزيز، ولم يتفق للأمير الاجتماع به؛ فلما قدم ابن بشرويه من غيبته، أشعر بمقدم الأمير، فشق ذلك عليه، كيف لم يحظ بخدمته!، فعند ذلك صنع رسالة وأعقبها أبياتاً، وأنفذها/ ب/ إلى مخيمه المحروس مديحاً، يعتذر فيها من تأخره عن خدمته المولوية؛ وبعد ذلك انحدر إلى خدمته قاصداً زيارته، وقاضيًا حقه، وذلك في أوائل شعبان من السنة المذكورة، فاجتمعت به بالمخيم المحروس، وأنشدنا صدرًا متوفرًا من أشعاره، وعلقت عنه القصيدة التي امتدح بها الأمير- حرس الله مدته، وبلغه أمنيته- فأنعم عليه بجائزة سنية كعادته على الذين يردون عليه من أهل العلم والفضل.
أنشدنا إبن بشرويه، يمدح الأمير الكبير العالم العادل الفاضل ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا- أدام الله إقباله وحرس جلاله بمحمد وآله أجمعين: -
أهلاً عديد الرَّمل من جلاجلومن زرود وأكام عاقل
والمرو من سلمى ومن متالعومن شمًام وهضاب حائل
بأحمد من قادم أمست بهبشائري شافيةً بلابلي
ومرحبًا من بعد ما سهل بهمن ملك ندب ند حلاحل
مهذَّب الأخلاق ذي فضائلمصونة الأطراف بالفواضل
أغرَّ كالشَّمس سنى جبينهيجلود جى الحوادث النَّوازل
/ أ/ ما انفكَّ حصنًا مانعًا لخائفونجعًة لسائل وآمًل
وافى كساري المزن أضحى ناشرًاكل ما حل
تحفُّه صيد وغًى من يافثكأنجم حفَّت ببدر كامل
فاهتزَّت الأرض به مسرًّةًسرورهًا بالسُّحب الهواطل
وأنبتت من كلِّ زوجٍ ناضرٍأضحت به بهيجة الخمائل
وفاح طيبًا كالخزامى تربهاجاءت .... صبا الآصائل
وراح للبشر ينادي أهلهاأهلاً بهذا الآريحيِّ الفاضل
أهلًا به من مستفيد خالدمن خالص الجهد ببذل زائل
أهلاً به من غيث خصب قاتلللجدب واللأواء أيِّ قاتل
أهلاً به من ليث حرب خيسهمن الرِّماح الشُّرَّع الذَّوابل
صيوده أسد الشَّرى يوم يرىفيه الضُّحى ليلًا من القساطل
يخاله الجحفل من إقدامهعلى زؤام الموت في حجافل
فلست أدري للَّذي قد حازهمن كرم الأخلاق والشَّمائل
ومن ..................تهفو وبأس في الهياج صائل
أطرقه بالبحر أم بيذبل.... أم بليث غاب باسل
/ ب/ أعزز علىَّ غيبتي عن بلدمرَّ به رهواً على منازلي
تلك لعمري حسرةٌ رحت لهًاأخا حشًا من الهموم آهل
ضاهت سروري بتداني خطَّتيمن ظلِّ علياه الظَّليل الشَّامل
إسمع أبا شجاع خير مدحةلها أريجٌ المسك في محافل
هديًة من خادم بحمدهلمجده السَّامي الذَّرى مواصل
سمع لعلياك بها ذًي ضنَّةبمثلها على سواك باخل
ما جيًد من أضحت له قلادةٌمن حلية المجد بجيد عاطل
تهزُّ أعطاف الرُّواة نشوةكأنَّها شيبت بخمور بابل
يا أحمد المحمود يا خير فتًىيرجى ليومي شدَّة ونائل
أنا الَّذي أصبح منه جارياًهواك مجرى الدَّم في المفاصل
فلو يحول بذبلٌ لم ألف عنودِّك يا رٌكن العلا بحائل
لا تنقمن منِّي تعدَّاك الرَّدَّىسوء ثنائي عنك أو رسائلي
فذاك عن غير قلًي لكنَّهعن شغل لي في الخطوب شاغل
قد جشَّمتني حمل ما أحقرهيوهي قوي رضوى فكيف كاهلي
وغادرتني راضيًا أحداثهابالضَّيم عن رغم من الأرذال
/ أ/ثم/ أرتني كيف يسطو سفًابغاث ذا الدَّهر على الآجادل
وكنت قسَّ الحلم أدعى قبلهافصرت أدعى حصراً بباقل
وآض سهل الشِّعر عند نظمهأصعب من عضِّي على الجنادل
ولو جرى المقدار لي بنيل ماعن نيله أصبح ظلمًا خاذلي
لم تلقني يوماً لناديك ولالوجهك الميمون بالمزايل
الوذ في القلب وكم مواصلٌيكتبه للودِّ شرُّ فاصل
وكم فتًى مقاطع يكتبهوهو بصفو الودِّ خير واصل
وما لأشواقي إليك غايةٌلكنَّها بحرٌ بغير ساحل
ولو أروم وصفها كنت كمنحاول عد الشُّهب والجراول
ولو تمكَّنت لقد الفيتنيمكان ما خطَّت إذا أناملي
وزرت سعيًا ربعك الرَّحب وماللزائر الرَّاكب فضل الرًّاجل
وأنشدني لنفسه يوم الأربعاء، ثالث شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة، ما كتبه إلى علاء الدين هاشم بن علي بن الأمير السيد العلوي، وكان قد أسدى إلى والده ب/ حسنى حين كان ناظراً بواسط:
على بابك الميمون من كنت موئلاًلوالده ممَّن يخاف ويحذر
أتاك بما أوليته من صنيعةوعارفة يثني عليك ويشكر
لأن الثَّناء يا ابن بنت محمدأجلُّ جزاء المنعمين وأكبر
فهل من سبيل لي إليك فإنَّنيإلى نظرة من نور وجهك مقتر
وتقبيل يمناك التي من بنانهاعيون ينابيع النًّدى تتفجر
فأنت الجواد أبن الجواد الَّذي بهتغاث الورى في الممحلات وتعصر
أرى أكرم الأشياء عندك ساعةبأنَّك فيها مستجيزٌ ومعسر
ويصبح هذا في جوارك آمنًاويصدر من مغناك ذا وهو موسر
ولله بيتٌ قاله ذو فصاحةبه أنت يا ابن الهاشميين أجدر:
"كريمٌ له عينان عينٌ عن الخنًاتغضُّ وأخرى في العواقب تنظر"
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى مجد الدين يوسف بن الوقي. كان وزيراً بخوزستان. (من الكامل]
يا أيها الملك المنيع حجابهإلا عن العافين والسُّؤال
/ أ/ يا كاشف الكربات وهي قوادحٌومفرِّج الغمَّاء والأهوال
يا من نؤمِّله لإدراك المنىوبلوغ أقصى غاية الآمال
أإليك من نهج لعبد مخلصبولائه جم الثَّناء موالي
غرضٌ إلي تقبيل راحتك الَّتيهي للعفاة أبٌ وأمُّ عيال
والإبتهاج بنور طلعتك الَّتينسقى الغمام بها لدى الإمحال
جاب الحزون إليك علمًا أنَّهسينال عندك راحة الإسهال
ولكم غدا إخلاصه مستشهداًلما إليه شكا وجا الإرقال
أحوامل الأثقال أنك في غدبفناء أحمل منك بالأثقال
فاسلم لنا يا يوسف أبن محمدوزراً نلوذ به من الأوجال
فلأنت أكرم من بوافر سيبهلفحت لنا الآمال بعد حيال
وأنشدني لنفسه، يرثي علي بن أحمد بن هزدي. وكان صديقاً له:
سقى جدثًا وارى علىَّ بن أحمدهزيم حيًا أحوى الرَّباب دفوق
ملثٌ إذا يومًا أربَّ لماحلغدا وهو بالرَّوض الأنيق أنيق
فتًى حاز منه التُّرب ترب فواضلبأيسرها كان الفضاء يضيق
/ ب/ مضى فمضى المعروف والبأس واغتدىفشيب رداء الحلم وهو سحيق
فما ساءني من بعده فقد صاحبولا سرَّني في الأصدقاء صديق
ولم أر شيئًا مذ تضمَّنه الثَّرىيلذُّ لعيني شخصه ويروق
فيا كبدي أنت الأسيرة للأسىعليه ودمعي الدَّهر أنت طليق
وأنشدني لنفسه في بعض أغراضه:
هجرتك يا دار الأحبَّة راغمًاوودُّك ما حالت لديَّ به الحال
ولولا وشاة الحيِّ يا دار لم يكنيحلُّ ركابي فيك ما عشت ترحال
وأنشدني لنفسه، ما كتبه إلى الصاحب فخر الدين أبي سعيد المبارك بن يحيى- صاحب ديوان الزمام، وكان قد أنفذ له شيئاً من المال، فم يمكن رده عليه- بقصيدة منها هذه الأبيات:
أمولاي فخر الدِّين دعوة ناظممدائحه عقداً لسؤددك النَّهد
لك الخير رفقًا بعض سيبك إنَّهجسيمٌ فكيف الجمُّ من طولك العدِّ
لقد جدت لي منه بما رحت مالكًابه رقَّ شكري في دنوٍّ وفي بعد
/ أ/ فوالله ما أحرزته عن ضرورةإليك ولا عن فاقه لي إلى الرِّفد
ولست بنكس آنست عين دهرهله قطُّ في خوض المطامع من وردِّ
ولا شاعر يهدي مديحًا فيجتنيله ثمراً عند الكرام سوى الودِّ
ولكنَّني أجللت برَّك ليتنيأكدِّر ما أصفيت له منه بالرَّد
وحاولت أن تضحي بحسن قبولهلديك لي الآمال محكمة العقد
فأحرزته إحراز حر ثناؤهعليك جزاء الله خيراً ثنا عبد
ولو أنَّه من عند غيرك جاءنيوكان عديد الرَّمل والمرو من لحد
لما وأبيك الخير همت بأخذهيميني ولو همت لفارقها زندي
زكنت أرى ذياك لؤم سجيَّةتأنَّقها منِّي أخو خلق وغد
وأيسر من حملي لغيرك منَّهًوإن سهلت حملي لثهلان أو أحد
وأحسن ما قد قيل في مثل هذا الصـصنيعة من نثر يروق ومن نضد
ثلاثة أبيات بخفض نحورهاعفت أربع الحلاَّت للأربع الملد
وما كنت ذا فقر إلى صلب مالهوما كان حفصٌ بالفقير إلى حمدي
ولكن رأى شكري قلادة سؤددفصاغ لها سلكًا بهَّيًا من الرِّفد
فما فاتني ما عنده من حبائًهولا فاته من فاته من فاخر الشِّعر ما عندي
/ ب/ الثلاثة الأبيات الأخيرة لأبي تمام.
وأنشدني لنفسه، وكان قد تصاحب هو ورجل علوي في بلاد خوزستان، فرأى منه ما يكره. وكان من جانب مجد الدين ابن البوقي- رحمة الله- ثم انفصل مجد الدين، وتولى بعده ظهير الدين الحسن بن عبد الله، فانفصل هو والعلوي عن العمل الذي كانا به، وطلب دستورًا ليعود إلى أهله، فلم يمكنه ظهير الدين، وكثر مقامه عنده، ثم أشار إليه أن يخدمه في موضع يعرف بمعاملة القروج، وكان عاملها قاضي الحويزة، وهو جعفر بن الحسن العلوي، فأبى أن يخدم بالعمل المذكور كرهًا له؛ لأنه
استقله فلم يقبل ظهير الدين عذره، وألزمه الخدمة؛ فكتب إليه هذه الأبيات، وعرضها عليه سعد الدين الحسن بن محمد الحاجب، وهي:
/ أ/ أعوذ بالله ربِّ النَّاس كلِّهموبالفتى حسن ذي المنظر الحسن
بأن يراني إنسان له بصرٌمصاحبًا علويًا آخر الزَّمن
فقد لقيت من الكوفي معضلًةلو لابست
حتَّى لقد كدت لو لم تقض فرقتناوشكًا أحبُّ أبن هند مظهر الفتن
فلا تعدني ظهير الدِّين ثانيًةإلى مكابدة الأهوال والمحن
فليس يلسع من جحر حوى رقمًاطورين إلا أمرؤٌ خال من الفطن
وإن يكن ضاق عن مثلي جنابك أوأنِّي لما منك أرجو لست بالقمن
فما أذمُّ سوى حظِّي لديك ومنبغير حظٍّ يرد نيل المرام يني
وله:
تجمَّعت خمسةٌ منمكرمة ... في أحمد بن قراطايا هي الشِّيم
وجهٌ مليحٌ وأخلاقٌ مهذبةٌومنطق ذربٌ .....]
محمد بن محمد بن محمد محمد بن عمرك بن أبي سعيد عبد الله بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن النضر بن معاذ بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق صاحب رسول الله صلى الله عليه البكري التيمي القرشي الدمشقي، أبو الفضل بن عبد الله.
أخو الشيخ الحافظ صدر الدين أبي علي الحسن بن محمد البكري.
وأبو الفضل هذا، رأيته شيخًا بدمش / ب/ وأخبرني أنه ولد سنة تسعين وخمسمائة، وكان يتصرف في الأعمال والولايات وتحت يده أوقاف الصدقات. يشدو شيئًا من فقه الإمام الشافعي- ﵁ ويقول الشعر طبعًا، ويزنه ويذوقه ويفهم مواضع الخطأ منه، وقد نظمه في الأغراض التي يقصدها، وذكر لي أنه لم يشتغل قط بشيء من العربية، ولا قرأ منها لفظة، وينظم نظمًا متزنًا صحيحًا، وربما جاء في شعره لحن قريب، لكونه لم يتعلم شيئًا من الأدب.
أنشدني لنفسه، يمدح النبي ﷺ وذلك في أواخر سنة تسع وثلاثين وستمائة:
لي في مديحي للرسول غرامفعلى الرَّسول تحيةٌ وسلام
المصطفى المختار من دون الورى الــمدَّثر المطَّهر الصَّوام
الهاشميُّ الأبطحيُّ ومن بهتتفاخر الأيَّام والأعوام
كالبدر وضَّاح الحبين مهذَّب الأخلاق حاز المجد وهو غلام
حسبي بمدحيه افتخارًا أنَّهفي الحشر ممَّا أتَّقيه ذمام
فمديحه يشفي السَّقام وذكرهينفي الأوام وحبُّه معصام
كم غصت في بحر المعاني مخرجًادرر المدائح زانهنَّ نظام
/ أ/ في خاتم الرُّسل الكرام ومن بهللأنبياء المرسلين ختام
سبحان من أسرى به في ليلةفانجاب عنها غيهب وظلام
وعلا على ظهر البراق وجاوز السَّـ ـبع الطباق فعمَّه الإنعام
خفَّت به الأملاك تعظيمًا لهفهم لحضرة قدسه خدَّام
ودناً فكا كقاب قوسين كماقد جاءت الآيات والأحكام
ورأى فما كذب الفؤاد لما رأىمن رِّبه فتبارك العلَّام
يا خيرة الله الذي بك قد سماالتوحيد والإيمان والإسلام
بلغت يا خير الأنام رسالةتهدى بها الأعراب والأعجام
لولا رسالتك التي بلَّغتهاضلَّت قريش ودينها الأصنام
أرسلت فينا شاهدًا ومبشِّرًايا قدوة للمتًّقين إمام
يا من إذا ما قطَّبت عداؤهفي الرَّوع صال وثغره بسام
يا من بحضرته الغزالة سلَّمتولبدر طلعته أظلَّ غمام
وإليه حنَّ الجذع من شوق كماحنًّ البعير ... أقدام
وله الأيادي البيض والمنن التيتحيا بها الفقراء والأيتام
تالله إني في مديحك صادقٌولئن أطلت المدح لست الأم
/ ب/ لو قلت مهما قلت إني عاجزعن كنه حصر صفاته تمتام
ماذا يقول المادحون بمدحهولرِّبه في مدحه أحكام
أثنى عليه الله- ﷻمدحًا يقصِّر دونها الأفهام
يكفيه معجزة الكتاب ولم تكنبيمينه قد خطَّت الأقلام
أوليس أقسم رُّبه بحياتهقسمٌا به تتحمَّل الأقسام
وتزعزع الإيوان في ميلادهوخمود نار الفرس وهي ضرام
وتضاعف الزَّاد القليل لصحبهمن بعد ما قد مسَّهم إعدام
من إصبعيك الماء فاض ينابعًاسحًا فروَّى الجيش وهو لهام
يا من تعاظم في النُّفوس مهابًةوالرُّعب يقدمه فليس يرام
ورمى بكف من تراب أعين الــكفَّار فاغشوشت بذاك وهاموا
نكصوا على أعقابهم إذا قوبلوافكأنَّما إقدامهم إحجام
ناجاك ربُّك صلِّ وأسعد واقتربفلشانئيك الذٌّل والإرغام
أعطاك ربُّك كوثرًا لكرامةلك عنده فليهنك الإكرام
ولك الشفاعة إذ غدوت مشفَّعاًدون الورى والنقض والإبرام
يا سيِّد السَّادات يا خير الورىوالماجد الطَّعان والمطعام
/ أ/ لولا المسير إلى زيارتك الَّتيخفت بها الأرواح والأجسام
ما طاب ذكر الجزع أو ذات النقاأبداً ولا ضربت بهنَّ خيام
كم بثَّ بالحرم الشَّريف مجاور الــقبر المنيف فما ألمَّ سنام
مرَّت لييلاتٌ وأيامٌ بهنعم اللَّيالي كنَّ والأيَّام
يا كنز كلِّ مؤمِّل ذي فاقةقد مسَّه الإقلال والإعدام
نسخت شريعتك الشرائع فاغتدىلكلامها في المشركين كلام
محمد بن عبد السلام بن المطهر بن عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر ابن أبي عصرون، أبو عبد الله بن أبي العباس التميمي.
كانت ولادته بحلب، في أوائل المحرم سنة عشر وستمائة.
من أبناء القضاة المعتبرين، والعلماء المدرسين، ومن بيت علم مشهور، وفضل مذكور.
وهو شاب جميل، حصل من الفقه صدراً صالحا< يرجع إلى ورع وتقى، وخير وسداد، وحسن طريقة، واستقامة سيرة، ويحفظ جملة من الأشعار النادرة، ويقول شعراً لطيفًا ب/ أنشدني لنفسه يتغزل:
وظبى تسترقُّ لهقلوب النَّاس الحاظه
كأنَّ العقد مبسمهونثر الدُّر ألفاظه
وأنشدني أيضاً لنفسه:
حلبٌ جنَّة النَّعيم فزرهاتلق فيها ما تشتهية النُّفوس
من هلال يرنو بعيني غزالوقضيب على كثيب يميس
ورياض كأنَّها بنظيم الــنَّور من حسن نبتها طاووس
محمد بن عبد المنعم بن نصر الله، أبو عبد الله، [المعروف بابن شقير الدمشقي التنوخي].
أنشدني لنفسه:
أشاقك برقٌ بالحمى يتألَّقله بالنَّقا عهدٌ عليك وموثق؟
أم البان هزَّته الصَّبا فتأرَّجتسحيرًا فمن أنفاسها المسك يعبق
أم اقتنصت أرام رامة قلبك الــمشوق فأضخى وهو لهفان يخفق
بعيشك حدِّثني عن البان والحمىفإنِّي إلى أهل الحمى أتشوَّق
أما وليالينا بمنعرج اللِّوىوغصن الصِّبا واللَّهو ريَّان مورق
/ أ/ لقد أغري الجفن المسًّهد بالبكافكا أسًى في لجَّة الدَّمع يغرق
إذا أنا لم أبك العقيق بمثلهفما أنا صبٌّ لا ولا أنا شيِّق
ومنها:
علي عيون المزن تبكي تأسُّفًاومن حزني ناح الحمام المطوَّق
عدمت الكرى والطَّيف طيف خيالكمفلا النَّوم يغشاني ولا الطَّيف يطرق
وقد وعد الصَّبر الجميل تجلُّدًاومن لي بأنَّ الصَّبر في الوعد يصدق
عقرت لضيف الطَّيف إنسان مقتليفدمعي دمٌ في سفح خدِّي يهرق
وأنفقت كنز الدمع في سوق بينكموفي مثله كنز المدامع ينفق
وبي ربُّ حسن بات قلبي كليمهإذا ما تجلَّى كدت بالشَّوق أصعق
وإن هو ناجاني على طور حسنهتراني من الإجلال أغضي وأطرق
ضللت بليل من ذوائب شعرهكما ضلَّ سار في الدُّجنَّة معنق
فانست نارًا أضرمت بين أضلعيلها قبسٌ يهدي لمن ضلًّ يشرق
خدمت بديوان المحبَّة ناظرًاولي في الهوى جار من العين مطلق
وجسمي ضناه عاجلٌ وهو مشرفٌعلى تلف أضحى لحيني يحقِّق
وقد حاسب التَّبريح جسمي فلم تكنبواقيه إلَّا أضلعٌ تتحرَّق
/ ب/ ولو إنكسار الصًّبر في جهة الهوىلما كان قلبي بالحبيب يعلَّق
رفعت له مع حاجب الغمض قصَّتيبأنِّي عان في هواه وموثق
فوقَّع لي سلطان خطِّ عذاره:أسير الأسى من حبِّنا ليس يطلق
وإن يك بالهجرة انقضت مدًّة الجفافباقي الهوى بالرَّوح منه يغلَّق
لي الله من غصن وريق ومبسموريق به جفني قريحٌ مؤرَّق
بهاء محيَّاه وأملود قدِّهمن البدر أبهى أو من الغصن أرشق
يصول على عشاَّقه بجمالهدلالًا ولا يحنو ولا يترفًّق
وقد تمَّ ما فوق النِّصاب ملاحًةفهلَّا على مسكينه يتصدَّق
ومنها:
فللَّه ليلاتٌ تقضَّت حميدًةبجلِّق الفيحاء والعيش مونق
وأيَّامنا بالنَّيربين ونورهامنيرٌ وأحداق الزُّهور تحدِّق
ينمُّ بها النَّمام من حسد لهاومن طرب حيث الشَّقيق يشقَّق
ومنها:
لقد أصبحت ذات العماد بملكها الــعماد يمينًا مثلها ليس يخلق
ومنها:
/ أ/ وما أسدٌ خفَّان باسلٌشديد السُّطا عبل الذِّراعين أشدق
طواه الطَّوى حتى استمرَّ مريرهوسيف المنايا بين عينيه يبرق
بواد تحاماه الأسود مخافةًإذا مرَّ في أرجائه الموت يفرق
بأعظم منه سطوةً ومهابةًوأثبت جأشًا والكتائب تقلق
أمدَّ عليها صافيًا من ظلالهفأضحت به من نهجة تتألَّق
رأينا بها الولدان والحور رتَّعًافقلنا يقينًا: جنَّة الخلًد جلِّق
تزوَّج منها بالسُّرور نفوسناعلى أنَّنا منها الهموم نطلِّق
فكم راقنا مستنزهٌ في ظلالهاوكم شاقنا قصرٌ مشيدٌ وجوسق
فلم أنس أنسي في ميادينها الَّتيلها نضرةٌ تحيي النُّفوس ورونق
يخيط بخيط المزن ثوب ربيعها الــنسيم وأكمام النَّبات تفتَّق
تراكض في أرجائها اللَّهو والصِّبافجالت بها خيلٌ إلى الأنس سبَّق
فكم من غزال سانح في رياضهاحكى أخته في حسنها حين يبرق
وكم لاح بدرٌ فوق غصن أراكةرشيق قوام بالعيون ممنطق
وكم كوثر يجري إلى جنب كوثروكم أعين نضَّاخة تترقرق
لقد صبَّت الغدران عند مديرهًافسلسل فيهًا ماؤها وهو مطلق
/ ب/ جنان نعيم ليس يشقى نزيلهايحلى بها جيد المنى ويطوَّق
كلاها كمال الدِّين منه بعينهفمن جوده أمواهها تتدفَّق
فلا غرو إن رقَّت وراقت لأنَّهابأخلاقه الحسنى غدت تتخلَّق
ومنها:
يكاد ذكاء عند إعمال فكرهمتى شاء عمَّا في المغيَّب ينطق
له قلمٌ فيه المنَّية والمنىيجاور بحراً ماله ليس يورق
وأعجب منه أنَّني جار ظلِّه الــرَّحيب لراجيه ورزقي ضيِّق
ومنها:
أبثُّك حالي حال عمَّا عهدتهوشكوى لها صمُّ الصَّفا يترقَّق
فقد مسَّني فقرٌ وحاشا أمرءاً غدالجودك جاراً أن يرى وهو مملق
فعطفًا وإشفاقًا على ذي فضيلةألست على أهل الفضائل تشفق
أعيذك أن أنسى بظلِّك ظاميًاوغيث ندى كفَّيك بالجود مغدق
وهذا قريضي يخجل الدُّر نظمهإلى حسنه الجوزاء ترنو وترمق
فخذ مدحة فاقت على كلِّ مدحةغدت وعليها من ضيائك رونق
فدونك معنٌ في السَّماح وحاتمٌومن دون شعري جرولٌ والفرزدق
/ أ/ صورة ما كتب الشيخ علم الدين السخاوي، يمدح هذه القصيدة:
وقفت على هذا الفريض الَّذي لهضياءٌ وأنوارٌ وحسنٌ ورونق
تضمَّن أوصافًا بها كلُّ سامعإذا ما تلاها شاهدٌ ومصدِّق
وأبرز أنواعا من الدُّر بحرهاأن لا يجيد النظم من در مغرق
ولا عجبٌ ممَّا جرى من جواهرففي التَّاج أنوار الفرائد تشرق
له قصبات السَّبق في كلِّ وجهةفمن ذا يجاري سابقًا ليس يلحق
يقول علي بن محمد السخاوي: "إنني تدبرت هذا النظم البديع، والبحر الوسيع، فرأيته مالكًا لعنان البلاغة والإحسان وافيًا بصناعة الشعر في الإجادة والإتقان، مع عذوبة ألفاظه، وسهولة مسالكه ... والرقة لمن يهجن المعاني بأغلاطه، فكم فيه من درة حسنها مع جسمها، وضعها في موضعها، ومن مطربة تثني على منشدها ومسمعها، وما هي إلا ساعدة من نظم فيه، نسأله الله حفظه فيما ب/ يأتيه". وكتب علي بن محمد السخاوي؛ متشرفًا بهذه الفوائد، ومبتهجًا برؤية هذه الفرائد، إن شاء الله تعالى، وذلك في ثالث عشر شهر الله الأصم سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وله في قاضي القضاة رفيع الدين حامد بن العزيز بن عبد الواحد بن [عبد] الحميد:
أمثلي في أرض الشَّام يضيعولي فيك مدحٌ كالعبير يضوع
وحسن معان راق للنَّاس حسنهاولفظٌ هو السِّحر الحلال بديع
لمن أتصدَّى غير مجدك مادحًاوأنت فمغرًى بالسَّماح ولوع
ومن ذا الَّذي أدعو سواك من الورىوأنت مجيبٌ للدعاء سميع
أما وأحاديث السَّماح الَّتي غدتغرائبها عن راحتيك تشيع
لأنت الَّذي ما زلت تولي عوارفًابها عمرت للمكر مات ربوع
وصلت بكفٍ ظلّإلى النَّدى ... وصلت للضَّلال يريع
ترى منك يا خير العطايا محرَّماًلأنَّ بها كلَّ الشُّهور ربيع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع