من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (١٩)
ومنها:
طويل وعيد بل قصير مواعدمديد نوال للعطاء سريع
/ أ/ (تواضع كالنَّجم استبان لناظرعلى صفحات الماء وهو رفيع
ومن دونه يسمو إلى الجوِّ صاعداًسموَّ دخان النَّار وهو منيع
البيتان مضمنان لابن التلميذ
وكتب إليه بهذه الأبيات أيضاً:
أيُّها الحاكم الذي عمر النَّاس جميعاً بفضله الفيَّاض
أفتنا في قضيَّة أنت فيها الــخصم لي في العلا وأنت القاضي
بعت للفضل منك خالد حمديوافترقنا عن غبطة وتراضي
لم تدحى نصب لتمييز حالحلَّ من بعد رفعة في انخفاض
وغلامًا نداك خال ووعديمنك ... وأمرك ماضي
إن تقل عاف ذاك ترًك التقاضيلست يا ابن الكرام بالقول راضي
وإذا الجود كان عوني على المرء تقاضيته بترك التَّقاضي
وله إليه:
بديع مديحي فيك شرقًا ومغربًاسرى كندى كفَّيك في البرَّ والبحر
ومعروفاك المعروف موجب أنًّنالك الله ندعو بالزِّيادة في العمر
فإنا رأينا من أياديك فوق ماسمعناه عن معن السَّماح وعن عمرو
/ ب/ نسخت بما أوليته ذكر حاتمفأصبح في سوق الثنا كاسد الذَّكر
أعيذك ان أمسي بظلكِّ خاملًاوحالي بعد اليسر حالت إلى العسر
ولم يبق منِّي الدًّهر إلا صبابةًوإلَّا كما أبقى نداك من الفقر
فهل تشتري منَّي بما هو ذاهبٌثناءً ومدحًا فيك يبقى على الدَّهر
فيقبح بي أن أرتجى من سواكمنوالاً وأن يعزى إلى غيركم شكري
وله:
لسان غرامي في هواك المهذَّبوتنبيه وجدي ماله عنك مذهب
وجلَّاب أشواقي إليك صبابتيونافع صبري ليس لي عنه مذهب
أمالك رقِّي ما لأحمد سلوتيعلى زهده في مثل حسنك يرغب
أبى خدُّه أن لا يرى وهو شافعيوقال إلى النُّعمى أعزًّى وأنسب
وناظرني في صيغة الحبِّ والهوىوكم مرَّة نازعت فيها وأغلب
أسائله يا مقتفي نص هجرهفيسهب من ذكر القياس ويطنب
ويوضح وجه الصَّدِّ منه بفرقةفيعطفني إعراضه والتَّحنُّب
حبِّي له وصبابتي هما نتجاًأن ليس لي عنه مهرب
وحاوي فضول الشَّوق ليس بحاذقوإلَّا فمنها كيف لا يتطيَّب
/ أ/ أعلِّل قلبي في هواه بعلَّماوليت وقلبي في هواه المعذَّب
ألم يك مبنيًا على الكسر جفنهفما بال أمسي وهو بالسِّحر معرب
وقائلة لمًّا رأتني لمًّا رأتني خاملًاوروض ربيع الحظَّ مَّني مجدب
تنبَّه تفز من فضلك الجمَّ بالغنيفأنت لإدراك الغني تتطلبَّ
وإن قلت كنز الجود عزّ فباطلٌوكنز رفيع الدَّين للنَّاس
محمد بن أبي الحسن بن هبة الله بن عمر بن أبي بكر، الشيخ أبو عبد الله الراكبدار الواسطي والدًا وأصلًا، البغًدادي داراً ومنشأ.
كانت ولادته ببغداد في المحرم سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. كذا ذكر لي لما سألته عنه.
حافظ للقرآن العظيم، عني بسماع الحديث، فأكثر منه، وصاحب أهل الدين، وخالط الصالحين.
ثم تعلم صنعة الركبدارية، فصار طبقة منها، مشهوراً بها، واتصل بالإمام الظاهر – رضى الله عنه- وهو ولي عهد، وخدم معه ركبدار؛ ولما أفضت الخلافة إليه، قربه وأدناه، وحظي عنده حيث رآه ماهراً في صنعته، مشكوراً في طريقته ب/ ولما انقضت مدة إمامته، ونقله الله تعالى إلى مستقر رحمته، وما أعد له من فضله وكرامته، ومن على العالم بقيام من شملهم بعدله ورأفته، وعمرهم بعميم عطاياه ووافر صدقته؛ وهو الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، أقرَّ محمداً هذا على ما كان عليه، وأجراه على ما أهل له، وفوّض إليه، وعمّه بالأنعام، وعمره بالعطاء الوافر الأقسام.
وهو رجل آدم، شديد سمرة اللون، شيخ نقي الشيبة، كبير النفس، عالي الهمة، قد أخذ بأطراف الفضائل على اختلافها؛ قرانًا، وحديثًا، وفقهًا، وأدبًا، وشعرًا، وجودًا، وسماحة، وإيثاراً.
وشعره رائق سهل الألفاظ، وهو القائل يمدح المستنصر بالله- رحمة الله- وأنشدنيه بمدينة السلام، بجانبها الشرقي يوم الأربعاء ثاني عشر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة:
أدرها باليمين أو الشَّمالفلو كانت حلالًا ما حلا لي
ولا تطفي توقُّدها بماءففي ياقوتها نور الَّلالي
وصرَّف صرفها بغناء شادًمليح الوجه معشوق الدَّلال
.... يزيد هوًى ويطمع في الوصال
ولا تخش الهموم على سرورولا تجزع لحادثة اللَّيالي
/ أ/ إذا المستنصر المنصور دامتًله النعماء لم تضرع لحال
وصلنا صولة الأسد الضَّواريعلى ريب الزَّمان ولم نبال
وباهينا ملوك الأرض جوداًوعدلاً جلًّ عدلك عن مثال
وقلنا ذا إمامُ أو نبنيٌّكفاه ذا العلا عين الكمال
يبخل بالعطاء السحب كفّاًأفاض على الورى سحب الَّنوال
يعفو عن عظيم الذَّنب حلمًاويفصح ... الموالي
أيا مولى الأنام فدتك نفسيوزادك ذو الجلال من الجلال
ولازالت جيوش النصر تسريأمامك في حلول وارتحال
ولا برحت صلاتك كفالاتبارزاق العباد بلا زوال
وأنت الغيث إن جدب عزلهاوأنت اللَّيث في يوم النَّزال
فعش ما شئت أن تبقى سعيداًتعم بفضل عدلك والنَّوال
وتفني المارقين بحدَّ عزمٍوتغني المعتفين عن السؤال
محمد بن محمد بن عبد الخالق بن المبارك بن عيسى بن الحسين، أبو عبد الله بن أبي الفضل / ب/ المعروف بابن الأبريَّ البغداديُّ الحنفيُّ مذهباً.
فقيه فاضل، صحيح الذهن، جيد الإيراد، حاضر الخاطر، حسن الكلام في المناظرة، تولى القضاء بواسطة، وسار سيرة حسنة مرضية، واعتمد أموراً موافقةً للشريعة المحمديّة، وهو أحد المعيدين بالمدرسة المستنصرية على الطائفة الحنفية.
سألته عن مولده فذكر أنّه ولد في خامس ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
له فضل، وأدب، وحسن خلق، ودماثة.
أنشدني لنفسه يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من رمضان بالمدرسة المستنصرية، سنة تسع وثلاثين وستمائة، من قصيدة يمدح الخدمة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المستنصرية، ويذكر فيها الدراهم المنعم بها على العالم حفظًا لأديانهم، وصيانة لأموالهم، وتنزيهًا لهم عن الشبهات، بترك تلك المحظورات:
أبدت لنا قمراً من السَّجفوتكلَّمت بإشارة الطَّرف
وتستَّرت بمحاسن كشفتعنها فكان السَّتر في الكشف
ومنها:
يا من عرفنا في عوارفهمعلميةً معلومة الوصف
/ أ/ لكم التَّمكُّن في سموَّكمولنا عليكم عادة العطف
أعلامكم مرفوعةٌ أبداًوعدوُّكم ينجرُّ بالحرف
أبداً وتفَّرق كلَّ ما جمعواوتصغَّر الآلاف في الألف
وقال أيضًا:
تعرَّض للأعراض عن عاشق صبَّوجار بحكم الحسن عن سنن الحبَّ
فصارت ضروب الَّصَّد تخظى بوصله .. إذا ملَّ ضربَّا منه مال إلى ضرب
أذكرته عهد الهوى وحقوقهوما كنت ألقى فيه بالعذل من صحبي
وأنَّي لمَّا كنت قانص سربهتعلَّقت منه قانصًا قانص السَّرب
وإن فاق أيَّام الصَّبأ في وصالهعلى نفسه منه وأصباه ما يصبي
فعاد بعطف ثم قال معاتبًافقلت له: لا تفسد العطف بالحبَّ
ودعني من عتب يكدَّر مسربيعلىَّ فحسبي بالرَّضا عاتبًا حسبي
محمد بن علي بن غازي القاضي، أبو عبد الله الحموي الفقيه الحنفيُّ.
شاب ذو فضائل جمّة، كثير المحفوظ. وكان من جملة محفوظة صحيح مسلم بأسانيده ومتونه، ب/ وكتاب المفصل للزمخشري، مع مواظبة على تلاوة القرآن المجيد؛ وهو أحد المعيدين بالمدرسة الشريفة المستنصرية، وتولى قضاء واسط، ثم عزل عنها.
وله في المستنصر بالله يمدحه:
دار السَّلام لها من يمن طلعتهسلامةٌ عطبت من دونها الغير
ذو سيرة كسرت كسرى وذا يزنوعن مدى طولها في قصير قصر
ويلٌ لأعدائه من بأسه أبداًلا ملجاٌ منه ينجيهم ولا وزر
عليه أنار وحي الله شاهدها إلاجماع والنَّصُّ والمعقول والأثر
يستعظم النَّاس أخباراً لهيبتهوعند رؤيته يستصغر الخبر
سطا وأعطى فشمل الشُّكر منتظمٌله وشمل العدا والمال منتثر
ماذا عسى يستطيع الشَّعر يمدحهوفي مدائحه الآيات والسُّور
يا ثالث العمرين الرَّاشدين ومنعلى أياديه يثني البدو والحضر
أنت الحقيقة للإسلام حقّ هدًىوما سواك مجارٌ ليس يعتبر
جنَّت إليك أقاليم البلاد وقدأطاعك القادران: السَّعد والقدر
فروَّ من علق الأعداء لاعجهافأنت هادي الورى للفتح منتظر
لازلت مستنصراً بالله منتصراًللدين يا خير من للدين ينتصر
/ أ/ وقوله وقد أوردها بالمدرسة المستنصرية عقيب مرض عرض له:
من كان مفتتحًا بحمد إمامهفلقد أجاد وجاد عقد نظامه
ومن اقتدى بهدى الفتى المستنصر الـ ـمنصور فليبشر بنجح مرامه
فالصَّدق في أقواله والحقُّ فيأفعاله والرَّزق من أقلامه
والبأس جدوُّ البأس من عزماتهوالنَّاس كلُّ النَّاس من أقوامه
والفضل من أحاسبه والفضل منأنسابه والرُّشد من إلهامه
والصَّيد والآساد من أجنادهوأفاضل الأملاك من خدَّامه
ما ملك ذي يزن ومن ذا قيصرٌما عدل كسرى العدل في أحكامه
من قيس آراء وقسُّ فصاحةمن حاتم الإنعام في إنعامه
حرُّ الملوك رقيق حدَّ حدَّ رقيقهًوبروق سطوته بريق حسامه
يا سيد الخلفاء دعوة شاكرشاك إليكم من أليم سقامه
لولا تداويه بيمن ولائكمّْما طال عنه حمام يوم حمامه
وافى من الوطن البعيد مهاجراًفسما ووفَّى اللَّيل في إكرامه
من فضلكم حاز الفوائد والعلاوبفضلكم يرجو بلوغ مرامه
/ ب/ ومنها:
إن كان عاصيه يشوق فؤادهفمطيع دجله آخذٌ بزمامه
لازال يخفض بالسَّيوف عداتهويديم رفع الَّدين في أعلامه
وقال أيضًا يمدحه:
كم مهمة قفر ومرت فدفدجبناه بالنُّوق الكرام الوخَّد
مع رفقةً هجروا لإدراك العلًاشامًا بمعرق سيرهم والمنجد
وتيمموا داًر السَّلام وسلَّمواوتباشروا بهدى أبن عمِّ محمَّد
المقتدي بالمصطفى خير الورىفي الهدى نعم المقتدى والمقتدي
إنَّ الإمام الظَّاهر بن النَّاصر بــن المستضيء الماجد المستنجد
التَّائبين العابدين الحامديــن السَّائحين الرَّاكعين السُّجًّد
من دوحة نبويَّة قرشَّةأكرم به فرعًا لأكرم محتد
لمَّا غدوا إنسان إنسًان العلًالبسوا سواد عيون كلَّ موحَّد
فهم الغصون المثمرات لمجتدوهم البحور الزَّاخرات لمجتدي
ومنها:
يلقى الحروب بلا حقي سابقلمع البروق وأعوجًّ أجرد
/ أ/ فتراه ليثًا في الوقائع بلاسلًابل طود حلم فوق بحر مزبد
حكمت مواضيه على أعدائهبهلاكهم ودمارهم وكأن قد
ومنها:
يا سيَّد الخلفاء دعوة شاكرداع موال مخلص متودَّد
هجر العشيرة والعشير مهاجرًالأداء فرض في الجنًان مخلَّد
وافيت من وطني حماة بتحفةومفصَّل من مدحكم ومنضَّد
ووسيلتي إحسانكم وولاؤكموبضاعتي حفظ الصَّحيح المسند
إن كان يمنعني الشَّباب مطالبيياليته يبقى وإن صفرت يدي
محمد بن يحيى بن أبي دلف بن خشرمٍ، أبو عبد الله الواعظ البغدادي.
صحب الفقراء، وخالط الصالحين، وتشاغل بالوعظ، وفتح عليه قبة؛ فكان يجلس في كل جمعة بجامع ابن المطلب، وتحضره الخلق الكثير، وحصل له قبول تام، واستمر بذلك، وصار معروفًا به، ووحظى عند الإمام الظاهر بأمر الله- ﵁ وأمره بالجلوس ببابب بدر وأنعم عليه بشيء وافر، وتحمل ظاهر ورتَّبه شيخًا بالرباط المجاور لعين ومعين بمشرعة الكرخ، ومقدمًا على من مرّ به.
ولمّا مرض المرضة التي توفي فيها- ﵁ وصَّى أن يغسله، فأحضر وشرف بمباشرة غسله؛ ثم أقرَّ في الأيام المستنصرية على الجلوس في باب بدر، وأجري عليه من البرّ المتقبل في رجب قدر وافر، يصل إليه في كل رجب.
وهو رجل خيَّر جيد الكلام، حسن العبارة، عذب الإيراد، حاضر الاستشهاد.
/ ب/ وهو القائل في الإمام المستنصر بالله، يمدحه- ﵀: -
سبى عقلي سنى البرق التَّهاميوأجب عند عذَّالي التهامي
أضاء على فضاء الجزع وهنًافخرَّق جيب جلباب الظَّلام
وأسهرني وأسعر نار شوقيوأجرى دمع عيني بابتسام
أيا حادي الرَّفاق دع المطاياتسير إلى العراق بلا زمام
فحادي الشَّوق قلبك قد حداهاوهدَّاها إلى دار السَّلام
إلى حرم الخلافة زاد عّزًافللَّاجي به كلًّ المقام
منادي جوده في كلَّ نادينادي أمَّموا ظلَّ الإمام
بنو العبَّاس في الدُّنيا شموسٌمطالعها من البيت الحرام
بجدَّهم نغاث كما سقينابجدَّهم شابيب الغمام
وللمستنصر المنصور مجدٌعريقٌ ثابت الآساس سامي
تلفَّع بردة المختار فخرًاوأيَّد بالقضيب وبالحسام
ويسبق رأيه الرَّايات عزمًاويقتل روعه قبل السَّهام
فللدُّنيا وللدَّين ابتهاجٌبدولته المنوطة بالدَّوام
وجودك يا إمام العصر عزٌوجودك كالخضمَّ العذب طامي
/ أ/ أمين الله قد فرضت علينامديحك منَّه النَّعم الجسام
وما أنا شاعرٌ يقفو القوافيولكنَّي بحَّبك يا إمامي
أصاب صواب وصفك صفو فكريفكانت روميةً من غير رامي
محمد بن هبة الله بن حيدر البغداديُّ، أبو عبد الله، يعرف بابن المليحة.
أحد شعراء الديوان العزيز المستنصري- مجّده الله تعالى-، شاعر جيد حسن المقاصد، متصرف، خدم عن خدم سواداً وحضرة؛ وهو وكيل أحد السادة الأمراء، أولا الظاهر بأمر الله- ﵁.
وهو القائل في مدح الخدمة المستنصرية، زادها الله عزاً وشرفاً، وأوردها بالقرب الشريفة، بالرصافة في موسم رجب:
ما زاره الطَّيف الملهمُّ مسلَّمًاإلاَّ وودَّعه كراه وسلَّما
ولطالما هجر الكرى لكنَّهجعل الرُّقاد إلى الزَّيارة سلَّما
صبٌ براه الشَّوق حتَّى لم يدعفي جسمه لحمًا يبين ولا دمًا
لو تستطيع دموعه كانت لهمن طول ما يبكي المنازل لوَّما
/ ب/ يصبو إلى الوطن القديم برامةمتأسَّفًا ويشوقه ذكر الحمى
لم يبق فيه معلمًا إلاَّ وقدًوشَّاه ثوبًا بالمدامع معلما
حتَّى غدا قد عاودته يد النَّوىعينًا مسهَّدةً وقلبًا مغرما
كم عاذل ظنَّ الملام يفيدهعتباً فأقسم لا يفيق متَّيمًا
أتراه رام به سلوَّاً بعدماأخذ الهوى بعنانة فاستسلما
كلاَّ وزمزم والحطيم ومن سعىبالبيت مستلمًا ولبَّى محرما
وندى أمير المؤمنين فإنَّهقسمٌ يراه فريضةً من أقسما
خير الخلائف من سلالة هاشمٍينتابه خلف الغيوم السُّجما
مستنصر بالله نور جبينه نور جبينهيجلو ظلام الخطب أتَّى أظلما!
كم فكَّ مأسورًا وآمن خائفًاوأجاب مضطرّاً وأغنى معدما
وأجار من جور اللَّيالي عدلهمن آداه صرف الزَّمان وحطَّما
يدنو حباه للعفاة ولم يزليعفو عن الجاني المقرَّ تكرُّما
جودٌ يقلُّ له السَّحاب يزينهحلمٌ يصغَّر يذبلاً ويلملما
ويومي يوم ندًى فلو أنَّ الحيايحكيه عمَّ العالمين إذا هما
يدنو حباه للعفاة ولم يزليعفو عن الجاني المقرَّ تكرَّما
جودٌ يقلُّ السَّحاب يزينهحلمٌ يصغَّر يذبلًا ويلملما
ويومي يوم ندًى فلو أنَّ الحيايحكيه عمَّ العالمين إذا هما
من معشر ورثوا المشاعر والصَّفاوالرُّكن والبيت الحرام وزمزما
/ أ/ وعليهم نزل الكتاب ومنهمعرف الصَّواب وكان قدمًا مبهما
وبهم يرجَّي في المعاد شفاعًةمن جاء من زلاَّته متندَّما
والحوض حوضهم الَّذي استسقى بهمن خاف يوم الحشر من حرَّ الظَّما
فلهم على الدَّارين حكمٌ نافذٌأمضى الإله نفوذه فاستحكما
حتى لقد أحيا الخليفة ذكرهمجودًا وعدلًا في البريَّة قد نما
أيَّامه الغرُّ الحسان مواسمٌفلذاك ما خصَّ التَّهاني موسما
والدَّهر يكشر فعله فلو أنَّهيسطيع نطقًا همَّ أن يتكلَّما
فاسلم أمير المؤمنين معمرًاأبداً كما تهوى البقاء مسلَّما
وتنهَّ بالشَّهر الأصمَّ مؤيَّدًافالله نسأل أن تعيش وتسلما
المواسم والشهور ممتَّعًاملكًا على هام النُّجوم مخيَّما
لازلت منصور الجيوش مظفَّرًايجري بما تهوى القضاء المبرما
وقال أيضًا يمدحه، ويهنّيه بشهر رمضان:
ما لامني فيك العذول مفنَّداًإلاَّ وأتهم في هواك وأنجدا
وأثار بين جوانحي بملامهناراً يبيت لهيبها متوقَّدا
/ ب/ يا مفردًا في حسنه وجمالهأصبحت من ولهي بحبَّك مفردا
ته كيف شئت ونم هنيئًا إننيأمسيت ذا وجد عليك مسَّدا
ته كيف شئت ونم هنيئًا إنَّنيأمسيت ذا وجد عليك مسهَّدا
لي فيك قلبٌ لا يزال متيَّمًاأبدًا ونومٌ لا يزال مشرَّدا
حتَّى م توليني جفاك فكلَّماأبديت لي هجراً بذلت توددا
وإلى م أظلما في هواك وقد غدتمن فرط شوقي أدمعي لك موردا
ما بال قلبك كلَّما رقَّت لهفي حسنها خدَّاك أضحى جلمدا
وعلى م لحظك قاتلٌ بفتورهفي جفنه والسَّيف ينبو مغمدا
وجفون عيني ما تحدَّر دمعهاإلاَّ تلقَّاه الأسى مستصعدا
فاضت شابيب السَّحّاب كأنَّمامدَّ الخليفة من نداه لها مدى
خير الخلائف من سلالة هاشموأجلُّهم قدرًا وأعلى محتدا
مستنصرٌ بالله منصورٌ بهعذب الرَّضا حلو الجنى داني النَّدى
أعطى فبخَّل جوده صوب الحياوسطا فأردى بأسه صرف الرَّدى
وأجار من جور اللَّيالي عدلهفالشَّاة لا تخشى الهزبر الملبدا
خيفت مهابته وآمن جودهمن خاف من جور الزَّمان إذا اعتدى
ما شام بارق بشره باغي ندًىإلاَّ تهلَّل للندى نور الهدى
/ أ/ وبدت له سييما النَّبيِّ محمدفكأنَّما ألقى النَّبيَّ محمَّدا
هذا الخليفة في البريَّة رحمةٌتركت فسوَّت بالقريب الأبعدا
فالله يحرسه ويحرس ملكهأبدًا على مرَّ الزَّمان مخلَّدا
حتَّى تمتَّع بالبقاء فدهرناندعو الإله بأن يعيش مؤَّبدا
والله يسعده بشهر الصَّوم فالدُّنيا وأهليها به قد أسعدا
وإذا حى أجر الصَّيام مضاعفًاباليمن فالإكمال فيه عبَّدا
أبدًا على مرَّ اللَّيالي لابسًاثوب البقاء مدى الدُّهور مجدَّدا
محمد بن فاخر بن شجير البغداديُّ، أبو عبد الله
شاب فاضل، نشأ مشتغلًا بالنحو، حصل منه طرفًا جيدًا، ويقول شعرًا حسنًا. ومن شعره في مدح المستنصر بالله- صلوات الله [عليه]- ويعرض بذكر زلزلة عرضت ببغداد، عند زيارة الركاب الشريف بعض الأماكن المحترمة، فقال وأنشدنيه في أواخر
شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة، بمدينة السلام، بجانبها الشرقي:
/ ب/ حتَّى م في سفه وفي إغفاءوالورد يدعونا إلى الصَّهباء
والجوُّ من عبق النَّسيًم ممسَّكٌوالأفق منه معنبر الأرجاء
أفما ترى الأغصان مسن نضارًةفي حلَّة من سندس خضراء
من صنعة القطن الَّذي لم ينتسبتفويف صنتها إلى صنعاء
فاشرب على زهر الرَّبيع سلافةًلطفت عن الإدراك والإيماء
راقت ورقَّ نسيمها فللطفهاتسري مسير الرُّوح في الأعضاء
بكرًا على فرع المزاج مسنُّةًعجبًا لها من ثيَّب عذراء
لم يغنها درع الحباب وقد غدتمقتولًة عمدًا بسيًف الماء
ما العيش إلَّا شربها في روضةقد كلَّلت بلالئ الأنداء
مذكورة الأنهار نام ظلُّهًاأزهارها تحكي نجوم سماء
نشوانًة أغصانها قبًل الصَّباأهدت لها كأسًا من الصَّهباء
أو أنَّها غارت فمالت نشوًةلمدائحي في سيَّد الخلفاء
مولًى يذل له الزَّمان المعتديذلَّ العبيد لعزَّة الأمراء
أغنى العباد عن الجهاد بنائلومواهب غمرتهم وعطاء
ولقد أقول وما نطقت بباطًلوالحقُّ متَّضحٌ بغير خفاء
/ أ/ ما زلزت بغداد بل من عدلًهطربت فقد رقصت من السرَّاء
إذا كان ما زعموا فغير ملومةشوقًا إلى ذي العزَّة القعساء
هذا الجمال فكيف بالمهج التيأحييتها بالأمن والنَّعماء
فاسلم على الإسلام وابق مخلَّداًماكراَّ إصباحٌ وراء مساء
محمد بن إبراهيم بن أميّة بن عليَّ بن خلف، أبو عبد الله العبدريُّ
من أهل ميورقة من بلاد الأندلس
شاب أشقر قصير، من حفّاظ القرآن العزيز، زعم أنَّه درس صدراً من علم العربية وأتقنه. نزل حلب واستوطنها يسترزق من الوراقة والنسخ؛ وذكر أنَّه ولد سنة عشر وستمائة، ويقول الشعر.
أنشدني لنفسه بحلب، وكتبه لي بخطه في سنة أربعين وستمائة:
عج بالكثيب المستهام وسر بهمتيمَّمًا نحو العقيق وسربه
وانشد فؤادًا ضلَّ فيه وقل لهمليس المتيَّم آمنًا في سربه
واسفح بسفح الأبرقين وتربهسحب الدُّموع على تشتُّت تربه
ب/ فلعلَّه يقضي لبانة نفسهمن قبل أن يقضي بلوعه حبَّه
يا مدنفًا عبث السَّقام بجسمهومتيَّا لعب الغرام بلبَّه
وطوى السُّرور لبينهم يوم النَّوىطيَّ الأديب اللَّوذعيَّ لكتبه
خفَّض فديتك زفرةً أبديتهاوتلاف جفنك من إساله غربه
كي لا يقال من الصبابة قد صباوتضرَّمت حرق الجوى في خلبه
ومهفهف ملك القلوب بحسنهوسبى العقول بغنجه وبعجبه
لدن المعاطف كالقضيب إذا انثنىحلو المراشف والمقبل عذبه
سلس المقال من اللَّطافة سهلةعسر الوصال من القطيعة صعبه
يقري المعنَّى من سلوةً وتجهُّمًاويظلُّ يعمل فكره في خلبه
أخدى السَّقام لجسمه ولطرفهفرط السُّهاد وصدَّه عن قربه
يا لائم الصَّبَّ الشَّجي بحبَّهأقصر بليت بدائه من عتبه
شتَّان بينكما تبيت منعَّمًاويبيت ملتهب الحشا من كربه
وقال أيضًا:
سلامٌ يباري المسك والمندل الرَّطباونشر نسيم الرَّوض عن ... هبَّا
عليكم يبثُّ الشَّوق منَّي إليكمويمنحكم محض المودَّة والقربا
/ أ/ تحية نائي الدَّار فالأهل ما قضىله وطراً لكن قضى نحبه نحبا
يحنُّ إذا هبَّ النَّسيم صبابًةإليكم وسلَّ البرق من ومضه عضبا
ويستنجد الصبر الجميل إذا جرىحديثكم يومًا فهاج له كربا
لعمري ما تأخيري كتبي عن قلىولا ملل منَّي فأستوجب العتبا
ولكن ريب الدَّهر يا صاح مولعٌبتشتيت شمل المرء تبَّا له تبّا
تطوَّحه أيدي النوى عن.... فترمي به شرقًا وطوراً به غربا
لحا الله من لا يقبل العذر من أخويوسعه عفواً وإن قارف الذَّنبا
عليكم سلام الله ما جنَّ غاسقٌوما جنَّ شوقاً عاشقٌ أو رعى الشهُّبا
وما شرَّقت شمس النَّهار وأشرقتوما صدَّ أحوى الطَّرف عن مدنف عجبا
وله أيضًا:
أثمَّ محيًّا نجتلي وجه أغيدوأحلى حديث لا يملُّ عتابه
وأحسن زهر يجتنى ورد خدَّهوأعذب ورد يستلدُّ رضابه
وله أيضًا:
خليلي لوما في الهوى الصَّب أو دعافليس وإن عنَّفتما عنه مقلعا
وهل يرعوي في الحبَّ حرَّان قد غدامن الوجد لا يصغى إلى العذل مسمعا
/ ب/ وهل يستطيع الواله الصَّبُّ سلوةًوقدبان من يهواه عنه وودَّعا
وأودع ما بين الجوانح جذوةًفضرَّمها داعي التَّفرق إذا دعا
وقلقل أحشاء المتيَّم لوعةًفأصبح مذعوراً الفؤاد مفجَّعا
يهيمالعذيب إذا سرى ... نسيمٌ عليك منهم فتضوَّعا
تمازجه أنفاسهم فكانَّماتحمَّل مسكًا أذفرًا فيه مودعا
محمد بن سالم بن مطر بن حمد بن سالم بن مطر بن مسلم بن أبو عبد الله القبيضي الموصلي.
من أهل القبيصة، وهي قريٌة من قرايا الموصل شرقيَّها
نزل حلب، وسكن بعض مدارسها، متفقهًا وجاد خاطره بالشعر، وقال منه كثيرًا وسلك فيه مذهبًا حسناً في صناعته.
أنشدني منه جملة وافرة، ومما أنشدني قوله بحلب سنة أربعين وستمائة:
لو كان في جفنٌ يلمُّ به الكرىلرجوت أن ألقى الخيال إذا سرى
لكن قضى من لا أعرَّض خيفة الــواشي بذكر جماله أن اسهرا
رضاٌ يصول من الجفون بأبيضويهزُّ من لدن المعاطف أسمرا
/ أ/ نزلت باية حسنة سور الجوًىتتلى بألفاظ الغرام على الورى
لي فيه جفنٌ ما تألق بارقٌللبين من مغناه إلَّا أمطرا
أضحى لمنصور الجمال يدٌ علىسفَّاحة فلذلك يغدق جعفرا
لولا ......يا عاذلي منَّي الطُّلول كما ترى
ولما أباح لي الولوع من الأسىفي مذهب الوجد النَّصيب الأوفرا
وسفحت في سفح اللَّوى دمعًا متىحرقاً جرى ذكر العقيق له جرى
وإذا شككت فخذ حديث كابتيمن عبرتي فحديثها لا يفترى
أغريب ذاك الحيَّ برح صبابتيبكم أنزَّه سرَّه أن ينشرا
أيضام قلب الصَّبَّ وهو نزيلكمويصد عنه وشمية العرب القرى
أحبابنا حاشى حفاظ مودَّتيلكم بطول البعد أن يتغيَّرا
أحسنت ظنَّي في الهوى بجمالكمفسواء جرتم أو عدلتم لا أرى
وإلى سواكم لا شكوت صبابتيفي الدَّهر طوَّل عاذلي أو قصَّرا
وأنشدني أيضًا لنفسه، من قصيدة يمدح بها الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر ب/ غياث الدين غازي بن يوسف:
لو صقت بوعده وعودهلما وفى بهجره وعيده
بدر دجًى فتَّر عن مؤشَّرشفاء داء صبَّه بروده
للغصن من أعطافه شمائلٌوللغزال طرفه وجيده
يشرق صبح الحسن من جبينهإذا بدا ويجتلي عموده
له بديع مهجتي خميلةٌوفي فؤادي لوعتي زروده
لولا فتور لحظة ما خضعتيومًا لآرام النَّقا أسوده
برَّح بي في حبه رقيبهوصدَّ عن جفني الكرى عتيده
أضحى لطرفيَّ بروق هجرهسحائب يحسنها رعوده
وكيف يرجى قربه وللنوىحوادثٌ عن قربه تذوده
عليَّ من عروض بحر حبَّهدائرةٌ أسبابها صدوره
فوافر الصَّبر الَّذي أدخرتهلهجرة قطعه مديده
يا كعبة الحسن الَّذي للحظهمهنَّدٌ شاهده شهيده
وحَّدك القلب فدار لوعًةبغير معناك ولا سجوده
وقلب صبَّ كلَّما نازعهالعاذل في سلوَّه يزيده
/ أ/ كالملك الصالح ما عذلتهعلى النَّدى إلَّا وزاد جوده
ملكٌ سجاياه على مكانةإذا ادَّعى فضيلةً شهوده
يحمي حمى مجلسه طارفًهويتَّقي عنه الرَّدى تليده
فالنَّصر حيث تبتلى جيوشهوالعزُّ حيث تجتلى بنوده
إكسيره للكيمياء ذكرهوالجود من راحته تصعيده
وأنشدني لنفسه، يمدح المولى الصاحب الوزير العالم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أدم الله توفيقه وتسديده-:
أيُّها الصَّاحب الَّذي فضله الباهر بين الأنام لا يستطاع
والَّذي لم يزل بذكر مساعيــه جلالًا تشنف الأسماع
لتباطيك المنيع نوالليس فيه عن العفاة امتناع
جمع المجد بشره بالعطايافعلى سعد نشره الإجماع
أروعٌ ينثربنظم الجزم ... إذ لدنه القويم اليراع
ولكم.... القراع الرقاع
/ ب/ فمساعيه ليس فيها إذا نوزع في المكرمات قومٌ نزاع
ولعمري لولا نداك لما قامَّ لشرع السَّماح يومًا شراع
أيُّها الصَّاحب الوزير ومن يصــرف بالعدل كلَّ خطب يطاع
والَّذي لم يزل به لجناب الــملك عزٌ مذ ساسه وارتفاع
بي إلى لثم ثغر ظلَّك شوقأبدًا تستفزُّ الأطماع
حرمٌ حجُّة على أربي فزضٌ وسعيي إليه فيه انتفاع
ومديحي إن ضغت عقد ثنائيلسوى جيده الأثيل الضَّياع
وأنشدني لنفسه فيه أيضاً يمدحه:
يا غائباً وخياله .. في القلب منَّى حاضر
ومهفهفًا أنسي بهوهو الغزال النَّافر
أشكو إليك هوًى بهربع التَّجلد داثر
وجوى أقام بمهجتيوله فؤادي طائر
وأما وخد وردهيحميه طرفٌ ساحر
وبنظم ثغر درُّهلعقيق دمعي ناثر
إنَّ الغرام كما عهدت وفوق ما أنا ذاكر
/ أ/ وعلي عامل قدَّك الــلَّدن المثقَّف ناظر
يا هاجري رفقًا بمنهو في حماك مهاجر
لجمال وجهك في النَّوىسلطان حسن قاهر
ما للصبابة أوَّلاليوم هجرك آخر
ونهى العذول وكيف والــوجد المبرَّح آمر
يا راقداً لي ناظرٌساه لبعدك ساهر
صبٌ جواه وصبرهواف عليك وغادر
يا من شمائله علىقتًل المحبَّ تظافر
ليلي مديدٌ مذ هجرت وفرط شوقي وافر
أنا لا أخاف إذاألمُّ بحادث وأحاذر
ومؤيَّد الدَّين الوزيــر لكسر قلبي جابر
مولًى سحاب نوالههامي الماثر هامر
من بشره في كلَّ وجــه للمقاصد ظاهر
وبه أطارحً في السَّماح ذوي العلا وأناظر
ولمجده في كلَّ ناحية حديثٌ سائر
/ ب/ وأنشدني لنفسه، في رجل شيعي المذهب، غال في التشيع، من أهل الحلة المزيدية، ورد حلف، وأقبلوا عليه الشيعة، وتعصبوا له، فظهر يومًا منه في حق الصحابة كلام قبيح، فأخذه صاحب الأمر يومئذ، فشهره وأركبه حمارًا، وصفعه وطيف به في المدينة، فقال في ذلك أبو عبد الله محمد بن سالم:
قل لذوي الرَّفض وأشياعهميا ذا العلا قول فتًى مثلي
لا تظهروا في حلب فتنةًويحكم عودوا عن الجهل
وميِّزوا الأمر بطرف النهىففرع ذا الأمر بلا أصل
وإن أبوا من بعد ذا نصحهمقد سمعوا ما حلَّ بالحلِّي
وأنشدني لنفسه أيضًا من غزل قصيدة أولها:
خذ أحاديث الهوى العذري عنَّيفلوجدي فيه يروى كلُّ فنِّ
وإذا كرَّر أنَّات الأسىبلسان الدَّمع جفني لا تلمني
/ أ/ إن ثناك العذل عن برح الجوىيا فؤادي سلوًة ما أن منِّي
أيُّها اللاَّئمي نصحًا في الهوىأنا لا أقبل نصح اللَّوم دعني
وإذا كنت معيني رحمًةفعلى الأطلال بالدَّمع أعنِّي
بي جوًى يا حبَّذا فيه الضَّنىوالهوى أعذبه ما كان يضني
أوما هاتيك أعلام النَّقافإذا لم أبكها ما عذر جفني
يا غزال الجزع من سفح اللَّوىهات حدَّثنا عن الظبي الأغنِّ
واحكه لحظًا وإن فاتك من قدِّه معتدلًا ذاك التَّثني
أيُّها الشَّاكي تجنِّي إلفهفي الهوى أهون ما عندي التَّجنِّي
كلَّما زاد جمالًا قاتليقلت: يا باعث فرط الشُّوق زدني!
وعلى البان حمامٌ كلَّمابات يدعو إلفه، جدَّد حزني
يدعي ما أدَّعي واعجبًامنه إذ أبكي غرامًا ويغنَّي!
وأنشدني أيضًا لنفسه، في صبىّ يعرف بالماء ورد؛ فحضر عند صديق، وأنفذ خلفه، وقال: قم إلى الماء ورد فهو يستدعيك؛ فعمل أبو عبد الله بديهة مع الرسول هذه الأبيات:
/ أ/ أيُّها المولى الشِّهاب ومنذكره بين الورى ساري
والَّذي لولا مكارمه ماحلت في الدَّهر أشعاري
أخرج الماورد عنك فماتصطلي يا ذا العلا ناري
واغتنم شكري علاك ففيترك شكري غاية العار
لا يرى الماورد في بلدٍقطُّ إلاَّ عند عطَّار
وأنشدني أيضًا لنفسه، في غلام خيّاط، كان يعشقه شخص، وكان أبو عبد الله يطبّب العاشق:
أيُّها الغائب عنِّيوهو في دارة قلبي
والَّذي لا أتمنَّىغير أن يحييه رِّبي
لك مني خير خلِّراح في بعد وقرب
واقفًا في كل حالٍكيف ما تدعًو يلبِّي
والًّذي أنصح مولاي بهمن دون صحبي
إنَّ عندي لك مايغنيك عن أكل وشرب
غصن بان بدرتمًّطالعٌ من تحت شرب
/ أ/ أنت ذو جسم عليلوفؤاد فيه صبِّ
وأنا يا غايتي القصــوى كمًا تعرف طبِّي
وسوى ذا أنَّ من تهــواه عندي وبجنبي
وأنشدني من شعره، يمدح القاضي كمال الدين أبا بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي، قاضي حلب:
مولاي قاضي القضاة يا منخدمته أشرف المعالي
ومن نداه بكلِّ حالٍوجاهه دائمًا معًا لي
أنظر فداك الأنام طرّاًمن جور دهري في أمر حالي
عساه يمسي ياذا المعاليبعقد [هذا] السَّماح حالي
يا ما جداً لم يدر يمينًابمدحة غيره ببالي
أرف بنعماك ثوب صبرمنَّي على النَّائبات بالي
[وفز بحمد كالمسك عرفًامن عبدك الشَّاكر المولى]
وهكذا لم تزل لعلميتقصد ساداتها الموالي
يا من نداه في كلِّ يوميشير نحوي على التَّوالي
لو شئت ألوى الزَّمان عنِّيبكفِّ نعماك لا لتوى لي
/ ب/ أصبح من عدلك البرايادام لك العزُّ في ظلال
وليس يخشى من راح يهدىبأحمد وقفة الضَّلال
حسبي أنَّي أتيت أرجو كمال حظِّي من الكمال
وراجيًا أن يموت غيظًا حاسد فضلي أسًى كمالي
وأنعم على بهذه الأبيات، قالها حين سمع إنني قد أنزلته في كتابي هذا، وأثنيت عليه، فسيرها إلىّ:
يافلاًن الدِّين الَّذي ساد إذا شا د لأهل القريض رٌكن المعالي
والَّذي شاع ذكره العذب إذ صا غ لهم ما غدا به الفضل حالي
أيُّ نحر خلا لغادة بحر من معان قلَّدته كاللآلي
بمساع قد أعجزت كل ساعًومعال من دونها كلُّ عالي
غبَّرتً حين حبِّرت حلل الًاداب في أوجه العصور الخوالي
يا أجلَّ الأنام طرّاً محلًاوأجلَّ الأنام في الإجلال
كان ثغر القريض لولاك تنغورالمباني وبال بانيه بالي
ولعمري ما الروض راضته أيدي الــمزن جودًا بالوابل الهطًّال
/ أ/ بين دوح عليه للورق نوحٌوظلال مشفوعة بظلال
ونسيم الصَّبا يهزُّ قدود الــبان تيه الصَّبا بكفًّ الدَّلال
يرقص الدَّوح كلَّما صقَّق الــماء بها في الغدوِّ والآصال
كطروس رقَّمتها بسطور الــحمد في وجنة العلا للجمال
من كتاب جمعت فيه من الآداب روح الألباب لبَّ المقال
نصبته نعًماك كعبة ذكرللمًعالي على ممرِّ اللَّيالي
فعليه صلاة كلِّ صلاةوإليه توجه الآمال
وله تسجد التَّصانيف من مذهب أهل القريض في كل حال
سيَّما كلَّما تلا النَّاس آيات معانيه في مجال جدال
ولعمريللأرواع الأبـ ... ـرع يومًا إليه شدُّ الرِّحال
وقريبٌ كماله في معانيــه إذا كان نشو ذكر الكمال
محمد بن عبد الكافي بن الياس بن محمود بن عبد الملك، أبو عبد الله البغداديُّ.
قال الوزير الصاحب أبو البركات المستوفي- رحمة الله تعالى-: كان أبوه خازن دار الكتب ببغداد، وعزل عنها. ورد إربل في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة؛ ب/ شاب ربعة يعظ. سألته عن مولده، فقال: ولدت في يوم الخميس ثامن صفر سنة ثلاث وستمائة.
ثم قال أنشدني لنفسه يتغزل:
صاد قلبي وزاد في بلواهوجفاني مهفهفٌ أهواه
خنث الدَّل أهيف القدِّميَّاسٌ بديع الجمال عذبٌ لماه
ساحر الطَّرف لا يرق لصبًّفتنته بحسنها عيناه
ومريض يحبُّه كلُّ آسيهوفي آس عارضيه شفاه
قدُّ الذَّبل الرَّشيق وعيناهـ سهامٌ تصمي الَّذي يهواه
يتثنَّى، فينثني عزم سلواني ويأبى إلاّله ورضاه
عقد سحر الجفون حلَّ اصطباريعن سلوِّى فلم أحل عن هواه
خان عهدي فواصلت عبراتيآه من هجره وطول جفاه
فدوائي لثم المراشف منهوشفائي فيما حوت شفتاه
محمد بن عبد اللطيف بن أبي الفتح بن أبي نصر، أبو عبد الله التبريزيُّ.
ويكتب في نسبته: "النثري ذو البيانين" لتعاطيه نوع المنثور دون المنظوم.
أخبرني أنه ولد بتبريز أ/ سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وشدا طرفًا من العلم في صباه، واعتنى بصناعة النثر، وتعاطي الكلام المسجوع والقرائن. وكان يتبع الكلمة بما وازنها ويلحقها بأختها، تشبهًا بطريقة وطواط الكاتب، فيما كان ينشئه؛ غير أنه يبين فيما يعمله تكلُّفٌ وركاكة؛ للزومه الأسلوب الذي يتوخاه، وله شعر بارد، وكان ذا هوس شديد في الطلسمات والنجوم.
نزل الموصل وسكنها مدة طويلة، وانضاف إلى خدمة بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله، وأجرى عليه رزقًا، وصار أحد ندمائه وجلسائه؛ ثم فارق خدمته وسافر إلى بلاد الشام، ونزل حلب، وأقام بها مديدة، وعاد إلى الموصل، فمكث بها شهوراً، وتوفي في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وكان رجلاً مفَّوهًا بالكلام، ذا فصاحة في لسانه، هدّاراً لسنًا، حسن المنطق، عذب الإيراد، يتشدق في إنشاده. وكان مليح الشكل، نظيف البَّزة، جميل الهيأة.
من شعره ما أنشدني لنفسه بالموصل، يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله- صاحب الموصل-:
نسيم الصَّباعج بالخيام رسولاًتجد عندها برد الحياة وسولا
/ ب/ وحيَّي مليك الأرض تحظ بقربهتنل غرراً من جوده وحجولاً
تأنَّ إذا بادرت نحو جنابهوعرَّج برفق لا يراك عجولاً
وإنَّك إن لم تعتضد بجلالهأفادك شوب الحادثات ذبولاً
وجانب ملوك الأرض عند لقائهفأخلاقه للمكرمات هيولى
تر العدل والإحسان والعزَّ والعلاجنائبه في سيره وخيولًا
مليكٌ إذا ما جئت تطلب رفدهأفاض من النُّعمى عليك سيولا
من النَّفر البيض الَّذين برأيهميجرُّون فوق الكائنات ذيولًا
هو البدر والعلياء تحوي منازلًاوحشمته فيها تحلُّ حلولًا
أرى الدَّهر لمَّا أن أرانا بعادهأحلَّ بناريب الزَّمان غلولًا
فصرنا فروعًا لأبقاء لذاتناكقضبان بان قد فقدن أصولًا
ألا بح بأشواقي وكرر مدائحيوبلِّلغ دعائي دائمًا وفضولًا
فلو سامح الدًّهر [الخؤون] بنظرةوصلت إلى ذاك الجناب وصولًا
وهنَّئت مولى العالمين مبشَّراًبفتح جديد أو لكنت أصولًا
وأنشدني أيضًا لنفسه:
مالك لا تبكي بدمع هتونقد كسَّر الموت متون المتون
/ أ/ إذ قال جبريل وهم صامتونإنَّك ميِّتٌ وهم ميِّتون
وأنشدني كثيراً من اشعاره، وعلقت منها جملة، إلاّ أنني استبردتها، وهذه نبذ من نثره الذي كان يستعمله، ما كتبه إلى شهاب الدين طغكين بحلب.
"عبد ولائه، عند بلائه، وهجير لاوائه، يستجير بلوائه، وينتمي إلى كره الغامر، ويحتمي بحرمه العامر، شاطراً سننه، ذاكرًا سننه. ويشتهي أن ينتهي بالصعود إلى السعود، بالارتقاء إلى اللقاء، وبالحركة إلى البركة، ويفوه بما ألفوه من الثناء في الأثناء، على علا خلاله وجلاله- صانه الله كما زانه الإله-، معرّضًا عن التثقيل، متعرّضًا بما قيل:
خذوني رخيصًا باحتياجي إليكمويرخص عند الإحتياج مبيع
وما أنا إلا المسك ضاع فعندكميضوع وعند الأرذلين يضيع
لا زال لهزال الآمال بالمال مسمّنًا، وفي النزال للرجال عن الآجال مؤمنًا، والسلام".
وله إلى المهذب نائب المستوفي بالرّوم:
/ ب/ "الخادم القادم، ينادم الولاء، ويصادم البلاء، بقدومه على علا مخدومه، مع أنه جمع أنه، لائذٌ بحرمه، عائذٌ بكرمه، متكفلٌ لولائه، متطفلٌ على عليائه، ناشرٌ سناه، ناثٌر ثناه، ذاكرٌ نجده، شاكرٌ مجده، حافظٌ على الدعاء، لاقطٌ للإدعاء، جائٌل في الأرجاء، قائٌل بالرجاء:
إذا أمَّني حادثٌ كارثٌفليس ملاذي سوى بابه
وذاك لأنَّ المعالي إذاأتيحت حللن بألبابه
لا زال لهزال الآمال، كعبة الأعمال، على الإجمال، بمحمد وآله خير الآل".
وله يرثي بعض الجهات:
"أما ترى إلى هذه الرزيَّة المكدرة، وما جرى لهذه الرضيَّة المخدَّرة، رجعت القهقرى، وأضجعت في الثرى، ..... واحجبت بالتُّراب عن الأتراب"
وله في فصل طويل يقول منه:
"يا ثمال الفصحاء، ويا جمال النصحاء، حيّاكم الله، وبيّاكم الإله!. قد تقرر في الأذهان، وتحررّ بالبرهان؛ أن الطول والعلا، والحول والاستيلاء، للعلي ... الأزلي، يفيد ويبيد ويعيد، ويفعل أ/ الله ما يشاء ويحكم ما يريد".
يقول منه:
"الملك المعظم، والأتابك الأعظم، الملك القاهر، والفلك الزاهر؛ عز الدين، وكنز الخدين، الليث الحامي، والغيث الهامي، والنور اللامع، والسور الجامع، كورة الفطنة، وباكورة السلطنة، سليل السيادة، وأكليل السعادة، نور سيما جبين اللآلي، مهَّد الله قواعد دولته، وتعهد الإله
سواعد صولته، ما نثر مقول، وبعثر معقول، وعسعس الديجور، وتنفس المهجور".
وله كثيرٌ من هذا الجنس.
محمد بن عبد المحسن بن محمد بن عبد الله القرشيُّ، أبو عبد الله.
من أهل مصر.
كانت ولادته بها، في سنة ثلاث وستمائة تقريبًا.
قرأ القرآن العزيز على جماعة من المشايخ بالقدس، وجوّد القرارات بدمشق، ويلزم نفسه بالرياضة والمجاهدة، ويسلك مسلك أولى المعارف، وذوي الأحوال، ويسافر على قدم التجريد، ويؤثر العزلة عن الناس، ب/ والإنفراد بنفسه والخلوة، لا يختار مخالطتهم ومعاشرتهم، وفي معظم أوقاته يرى منقبضًا منهم، متجنبًا عن لقائهم، يبقى الخمسة والستة الأيام، لا يتناول فيها طعامًا ولا شرابًا البتة؛ وهو قائم بذات نفسه، ويروِّضها بالجوع، ومنع الشهوات، وخشونة الملبس. ولم يزل تلك الأيام في صلاة وفي تسبيح، وذكر لله تعالى، فاكتسب بهذه الرياضة؛ ضيق العطن، وإساءة الخلق، وجفاءٌ الطبع، وفراغ الرأس.
ويخطر له خاطر في الشعر؛ فينظم منه عدّة مقطعات، ثم يتراءى له في تلك الحال، فيأخذه فيمزقه ويغسله، ولم يظهر منه شيئًا أصلًا؛ لكوهنة تعتريه، وسوداء تغلب عليه.
شاهدته بحلب في محرم سنة خمس وخمسمائة، وسألته أن يملي علىّ شيئًا من أشعاره، فامتنع ساعًة، وأملى على منها، وكتبته عنه، فمن ذلك ما أنشدني لنفسه:
نحوي سرت كلُّ المسرَّة فاعملوامن واصل المحبوب فهو منعَّم
عندي أقام الحبُّ أجمع كلُّهفله بصدري منزلٌ ومخيَّم
ومناولاتٌ عندهن مظاهرٌفيها مقاماتٌ تجلُّ وتكرم
/ أ/ أصبحت ما بين الأنام منكَّرًامتخفَّيًا متجلببًا لا أفهم
واصلتهم فقطعتهم وعرفتهمفحجبتهم عنِّي ومثلي يكتم
مال الزُّهد والتَّسبيح فقرٌ خالصٌكلاَّ ولا عريٌ كأنَّك محرم
ما الفقر قول لا ولا هو صورةٌبل ذاك أعلى أن يحدَّ وأعظم
سرٌّ أرقُّ من النَّسيم لطاقةًحرفٌ على كلَّ البريَّة يعجم
كم عابد متقشِّف ومسهَّدٍوهم الأجانب ما إليه تقدَّموا
وأنشدني لنفسه في ذم الهوى:
أرى الحبَّ لا يحلو مذاقاً ولا يجديوغير العنا للواله الصَّبِّ لا يبدي
ألا لا راعى الله الهوى ولكم هوًىبصبٍّ صحيح الودِّ متَّصل العهد
وناصر دين الحدبِّ بالمدح إنَّهليهذي ولا يهدي إلى سبل الرُّشد
أمن بات مفتونًا وأصبح والهًاوعاش حزينًا في الرَّخاء عن الجهد
فيا مادحًا عيش المجِّبين إنًّماتغرُّ وإلِّا ذقة تظفر بما يردي
فليت الهوى لم تجر في فيه سنَّةٌفلم أجن غير الضُّر والصِّ والكدِّ
أبيت على جمر الغضا متقلقلًاوأصبح من نار الصَّبابه في وقد
فمن نوحي الورقاء أبدت ناحيًةومن زفراتي أودع النَّار في الزَّند
/ ب/ ولكنَّ ذا معنى وذلك صورةٌفمن أجل ذا يخفي وشاهده عندي
حنينٌ أنينٌ حرقةٌ زفرةٌ جوًىغرامٌ شجونٌ زاد عن غاية الحدِّ
فأخبار وصل الحبِّ لا أعلم لي بهاوإقراء صحف الهجر بالشَّدِّ والمدِّ
ولا ذنب للمحبوب في ذاك كلِّهبل الحكم للأقدار تجري علي عمد
تذلُّ عزيزاً تأنف الذُّل نفسهوتترك حرَّ القوم يخضع كالعبد
ألا فرجٌ يرجى، ألا سلوةٌ ترىإلى كم كذا مالي وللهجر والصَّدًّ
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع