تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه محمد (٢٠)

ومما قاله أيضًا:

عفِّر الخدَّ بالتُّراب ذليلًاإن ترد للوصال حقّاً وصولا
واله باللَّهو عن ملاهي أناسنبذوا العهد واستحبُّوا البديلا
وتجاف الجفا لخلِّ التَّخلِّيعن سوى ساحة الغرام مقيلا
واشرب الكأس من يدي من يعاطيــك سلافًا – تنزهان تحولا
مَّ خذها صرفًا بغير مزاجٍواقبل النُّضح قد وجدت الدَّليلا
واغتبقها ثمَّ اصطبحها وباكرقبل داعي الفلاح ارحًا شمولا
ثمًّ جل في فنون حبِّك فردًالا تصافي مفنِّدًا أو عذولا
واقر عمَّا تراه ممَّا سيفنيوتأمل تر الورى مستحيلا
/ أ/ هوِّن الهون واطَّرح طمح النَّفــس إلى عزِّها لتدعى خليلا
لا تخف أن ذللت في الحبِّ واصبرإنَّما العزُّ أن تراك ذليلا
وتهتَّك بحبِّ كم أنت مغرىبهواه عساه يشفى الغليلا
دع دواعي السُّلو إن طال هجرٌلست بالصَّبِّ إن أردت بديلا
مت معنًّى وعش فقيرًا حقيرًامن سوى عثرة الهوى مستقيلا

وقال أيضًا:

قلت النَّفس: أنا عاشقةٌقلت: من؟ قالت: لمن أسقمني
قلت: فالمسقم من يعشقه؟ليس بالمحبوب من المني
قالت: السُّم رضائي لذَّليارتضيه حبَّذا من سكن
قلت: تختاري البلى طالعًة؟ليس ذا من فعل أهل الفطن
فأجابت: يا معنَّى إنَّنيأنا أدرى بالَّذي تيَّمني
لا أطيق الصَّبر دعني والهوىيشتفي منِّي ويضني بدني
كم إلى كم نتمَّنى راحةمن عناء الحبِّ والعمر فني
مستحيلٌ أن ترى في راحةمستريح البال من ذا الشَّجن
واسل عن سلوة قلب مغرمٌصادق في حبِّه مؤتمن
/ ب/ أنا لا أسلوه مذ نادمنيوسقاني ما به أسكرني
خلِّني من ذكر أخبار الألىواتل آيات الهوى في أذني
وإذا ما شئت أن تطربنيردِّد اللَّحن بيجان مني
فهو جاني وجناني والمنىجان يا رست من يارمني

محمد بن عبد الملك بن عيسى بن درباس، أبو حامد المارنيُّ.

كان والده يتولّى القضاء بالديار المصرية، وقاضي قضاتها، يكني أبا القاسم. وكانت ولادته بالمروح من إربل.

وابنه هذا أبو حامد مصري المولد والمنشأ؛ فقيه عالم أديب شاعر. وكان شابًا ضريرًا، مليح الشعر، حسن الغزل، ومنه قوله:

أقدُّك أم غصنٌ من البان يختالوردفك أم دعصٌ من الرَّمل ينهال
وثغرك أم درٌ تنظَّم سلكهيجول عليه من رضابك سلسال
وليل دجًى أم فاحم الشَّعر مسبلٌووجهك أم بدرٌ له الدَّهر إكمال
وطابع مسك في توقُّد وجنةيلوح لعيني منك في الخدِّ أم خال
شغلت بتعذيًب القلوب صبابًةفأشغلها من فرط حبِّك أشغال
/ أ/ تدلُّك أنفاسي على أنَّ في الحشالنار غرامي والصَّبابة إشعال
فلا تحسبوا أنَّ العذار بخدِّهولكنَّه من حاكم الحسن اشتغال
يعنِّفني من ليس يجدي ملامهويعذلني في مؤلم الوجد عذَّال
لقد كثَّروا لي في الملام وطوَّلواوقالوا ولكن لست أقبل ما قالوا
وكيف استماع العذل في قمر الدُّجىومن يترضي منه
فلا يطمع العذّال إذا مرضى الهوىببرء، فما يرجًى من الحبِّ إبلال

محمد بن عبد المنعم بن محمد، أبو عبد الله الخيميُّ.

من أهل مصر.

أنشدني الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي المدرس- أسعده الله تعالى- قال: أنشدني أبو عبد الله بن عبد المنعم الخيمي لنفسه.

من مبلغٌ عنِّي كريم تحيَّتيقومي بجرعاء العذيب وجيرتي
الذَّاهبين ولا اعتراض عليهمبحشاشتي والمذهبين بقيَّتي
قومٌ طوال الدَّهر أشهدهم معيوهم بأعلى حاجر واحيرتي
أصبو لغزِّ جمالهم وإلى لذيــذ وصالهم يا بعد مرمى صبوتي
وأصدُّ عنهم حيث كان مرادهمبعدي وكلِّي نظرة المتلفِّت
/ ب/ قالوا دلالًا حين قلت من الجفا:قدمتُّ: مت فحييت إذ قالوا: مت
من لي بهم والدَّار غير بعيدةمن دارهم والشًّمل غير مشتَّت
أمطالبي بالصَّبر والسُّلوان ماًت لك البقا صبري الجميل وسلوتي
إنِّي مليٌّ بالغرام وليس ليبالصَّبر عن أحبابنا من ذمَّة
إعلم بأنِّي في محبتَّهم فتُىما حال عن عهد الغرام وما فتي
وبأنَّ وجدي ذلك الوجد الَّذيتدرونه وصبابتي تلك الَّتي
ما خانهم كلفي القديم ولا وفىصبري ولم تتعدَّهم أمنيَّتي
إن شئت تعرف صنعة الحبِّ الَّتيصحَّت به حالي وحالت صحًّتي
فانظر لأحمد أدمعي ولأصفرمن وجنتي ولأبيض في لمَّتي
واعلم علوم الوجد من حالي وخًذخبر الغرام وأهله من سيرتي
فيقلُّ إن نسبوا إلىَّ كثِّير [اً]وتذُّل عَّزة أن تقاس بعزَّتي

محمد بن عبد الوهّاب بن أحمد بن عربيٍّ، أبو عبد الله الأديب النحويُّ.

من أهل دمشق.

كان عارفًا بالعربية ولآداب، شاعرًا له أشعار مستجادة في الحكم والمواعظ وغيرها من هذه الفنون.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد أ/ البرزالي الأشبيلي بحلب – رحمة الله تعالى- من لفظه، قال: أنشدني الأديب أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب لنفسه:

اخفض جناحك للزمان إذا سطاواقعد له في البؤس عند قيامه
وإذا سقاك الدَّهر كاسًا مرَّةٌفاصبر على الضَّراَّء من أحكامه
بينا يكون المرء فيه محيَّرًايشكو الَّذي يلقاه من آلامه
إذ جاءه فرج الإله معجَّلًافأراه ما يرجوه من أيَّامه

وأنشدني، قال: أنشدني محمد بن عبد الوهاب الدمشقي قوله:

لا تندمنَّ على أمر أردت بهنجاح مسعاك إنَّ الأمر مقدور
ولا تلومنَّ في تأخيًره بشرًافالأمر لله والإنسان مأمور

وأنشدني، قال: أنشدني أبو عبد الله من شعره:

على أبن آدم أن يسعى لراحتهوما عليه بأن يجري به القدر
كم من فتًى لم ينم ما نال مطلبهنائمٍ نال ما يرجو وينتظر

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

/ ب/ علىَّ بأن أعسى لكي أدرك العلاوما علىَّ إذا لم ينجح الطلَّب
كم من فتًى نائمٍ تقضى مآربهوساهرٍ بات لا يقضى له أرب

محمد بن علىٍّ أبو عبد الله النحويُّ المزدغيُّ الفاسيُّ

ينسب إلى مزدغة، وهي قبيلةٌ من البربر

كان أديبًا نحويًا فاضلًا، عارفًا بالأدب والعربية. قرأ على أبي ذر مصعب بن محمد الجيّاني، وأخذ علم الأصول عن ابي عبد الله بن الكتّاني الفاسي، وقرأ علم النحو على أبي القاسم بن زانيف، وتميّز في العلوم، وتصدّر لإفادتها، وكانت له يد طولى في علم التفسير والقرارات ولآداب وغير ذلك.

وله شعر حسن، ومنه ما أنشدني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبه الله بن أبي جرادة الفقيه الحنفي- أيده الله تعالى- قال: أنشدين عبيد الله بن يوسف المراكشي بسيواش، قال: أنشدني أبو عبد الله بن علي المزدغي لنفسه، في أخوين؛ أحدهما جميل الصورة، والآخر أحدب طويل الساقين، كانا يحضران معنا الحلقة عنده:

في أبني عليٍّ أن نظرت عائبٌأخوان ظبيٌّ أحورٌ وحوار
فمن الجمال بوجه ذاك محاسنٌومن الجمال بظهر ذا آثار

/ أ/ محمد بن عليِّ بن عبد الله بن عمر، أبو عبد الله الأنصاريُّ.

من أهل الإسكندرية

ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- رحمة الله تعالى- في تاريخه،

وقال: شاب أسمر، قدم إربل في شوال سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ وذكر لي أنَّه سمع الحديث بأخرة

وأنشدني لنفسه في المعمّى:

تيَّم القلب شادنٌمحنتي فيه زائده
قلت: صلني، فقال لي:ضدُّ عكس أبن زائده

قال: وأنشدني أيضًا لنفسه: ما كتبه إلى:

عسأ عيسى عليَّ ومال عنِّيوما طلني بترك وهو يسني
ومالي بعد هذا اليوم مكثٌبإربل والسَّلام عليك منِّي

محمد بن عليِّ بن أحمد بن محمد أبو عبد التميميُّ الشَّقَّانيُّ.

من أهل حلب.

حدثني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- رحمة الله تعالى- وقال: إمام عالم مشهور، يغشى الأكابر، ويميل إلى القول بعلوم الأوائل، أغري بالكيمياء، ب/ وأنفق عليه جميع ما حصل له، ولم يصل منه إلى طائل، عنده فضل وأدب وشعر. اجتمع بعلماء الموصل، وطلب أن يناظر من بها من أهل النحو، فاجتمعوا في حضرة الأتابك أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود صاحبها- رحمة الله- فلم يكن عنده ما يثبت دعواه. رأيته ولم آخذ عنه لكونه منسوبًا إلى قلّة الدين ... هذا آخر كلامه.

وأخبرني الصاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله الفقيه الحنفي المدرس بحلب- أيده الله تعالى- قال: القاضي أبو عبد الله الشاقاني كان فاضلًا عارفًا بالفقه واللغة والنحو، وغير ذلك من العلوم، وسمع الحديث. وكانت ولادته بحلب

سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وتوفي بسيواش في صفر سنة إحدى وعشرين وستمائة وكان وحيهًا عند السلطان ملك الروم، وولي قضاء أقشهر، ثم قضاء سيواش.

ثم أنشدني، قال: أنبأني أبو عمرو عثمان بن الشاقاني، قال: أنشدني خالي أبو عبد الله الشاقاني لنفسه:

لا تلن للخطوب واطلب فمن لان توالى عليه قرع الخطوب
/ أ/ إنَّ ضرب الحديد ما كان إلَّاحيث أبدى لينًا بحرِّ اللَّهيب

وقال أبو البركات المستوفي: نقلت من خطّ أبي عبد الله، وأجازني روايته أبياتًا، مدح بها الفقير إلى الله أبا سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى-:

يقول صحبي وجاء الزَّهرير لهمفي ليلة من جمادي حلَّة الحضر
قد كان يبلغنا عن سيرة الملك الــمعظَّم الشًّرف الأعلى من السِّير
فما وعينا حديثًا من مكارمهبالسَّمع إلَّا وعاينَّاه بالبصر

قال: وهي أبيات أكثر من ذلك.

ثم قال: ومن شعره، ما كتبه إلى أبي الحسين موسى بن الحسين بن موسى الكاتب الإربلي، يستشفع به إلى الفقير إلى الله تعالى، مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى-:

/ ب/ أنت موسى الكليم رب اليد البيــضاء في الإصطناع للنَّاس جمعا
فإذا ما حصلت في طور سينافاتَّخذ لي عنه المناجاة صنعا
فالفتى إن أراد نفع صديقفهو يدري في شأنه كيف يسعى

قال: ثم أعقبها بكلام منثور، تركته خوف الإطالة.

محمد بن عليِّ بن أبي بكرٍ، أبو عبد الله الجمَّال القارئ البغداديُّ المعروف بالنطوعيِّ.

أخبرني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي الإربلي بها- ﵁-

قال: ورد إربل في شوال سنة عشرين وستمائة، استظهر كتاب الله الكريم، وكان يقرأه صحيحًا قراءة مرضية، ثم تخبط عليه كما ذكر. وأخبر أنَّ جدّه كان جمّالًا في طريق مكّة وعرفوا به، وكان لحانًا.

ثم أنشدني من شعره هذه القصيدة:

أفللصبابة والشُّجوننوح الحمام على الغصون
أم للصباح وللصِّباطربًا يغرِّد بالفنون
والدِّيك يهتف للصبوحمصفِّقًا بعد السُّكون
/ أ/ ويقول: حيَّ على السُّروربغرَّة الصُّبح المبين

ومنها يقول:

فأغن أخاك على المدامة والخلاعة والمجون
وتناول الأقداح منــه بالشِّمال وباليمين
واشرب على ضوء الصَّباح المستنير المستبين
حمراء كالمصباح يمــحو نورها ظلم الدُّجون
تسبي العقول بشربهاوالسُّكر أشبه بالجنون
أوما ترى الرًّاووق يبــكيها بمدمعه الهتون
سهران كالصَّبِّ الكئيــب بعيد ما بين الجفون
قد الجأته إلى الصَّليــب فدينه أبدًا كديني

ومنها قوله:

ظبيٌ أرأق دمي بسهــم لواحظ كاللَّيل جون
عذر العواذل فيه حتَّىلو سلوًت لعنَّفوني
بتنا يعاطيني المدام فأشتكيه ويشتكيني
/ ب/ فكأنَّه برضابهمزجت بكأس من معين
وتبسمت عن ثغرهحببًا وعن درٍّ ثمين
وحكته خدّاً كالشَّقيــق الغضِّ في ترف ولين
قل للمدام الصِّرف: ديــني للخلاعه واستكيني
ما السُّكر إلاَّ للثغورو للخدود وللعيون

محمد بن عليِّ بن بختيار الأمير، أبو الفضل الشربدار الموصليُّ.

كان قريبًا من أتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود، صاحب الموصل، ولّا الدزداريّة بقلعتها.

وكان رجلًا كافيًا جلدًا ماهرًا متيقظًا صارمًا على الفسّاق والمفسدين، يظفر بالمفسد فيبطش به في الحال، ولا يبقيه. وكان ذا شهامة ونظر في الولاية وبعضٌ مان كان يرضى سيرته، وينسبه إلى الظلم الفاحش، وما في ذيً الحجة سنة خمس وستمائة بالموصل، ودفن بها تجاه باب الميدان غربي المدينة ظاهرها.

صار إلىَّ/

أ/ من شعره، يمدح الأتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، ويهنيّه بالنيروز وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة:

قصر اللَّ حين طال النَّهاروأتانا بجيشه آذار
وبكت مقلة السَّحاب عليهفتغنَّت عجبًا بها الأطيار
وكأنَّ الزَّمان مدَّ على الرَّوضة ثوبًا طرازه الأنهار
نسَّجته الأنواء فاتَّضحت فيــه معان أطمارها الأمطار
فهو مثل العروس بالزَّهر للدهــر عليه تفتضُّها الأبصار
لا زورديَّة الثِّياب وشي فــيها إصفرارٌ مدنَّر واحمرار
كلَّما هينم النَّسيم عليهانمَّ بالطِّيب شيحها والعرا
وكأنِّي بالجوِّ إذ هلَّ بالطَّــلِّ إليها يقول: هذا نثار
وكأنَّ الحوذان قال لعود الرَّند في كلِّ نفحة عطًّار
فتتباكى الأنواء فيها وما تضــحك إلاَّ لأنَّها أبكار
وكأنَّ القمريَّ قطَّب إذ طرَّب شوقًا على الغصون الهزار
/ ب/ ياليالي الوصال جادكمن صيِّب جدواك واكفٌ مدرار
هل لما فات عودةٌ خبِّريناأم رداء الشَّباب ثوبٌ معار
وحبيب مضرَّج الخدِّ ساجي الــطَّرف جارت منه عليه العقار
ريقة خمرةٌ، وصدغاه ريحانٌ وورد الخدود ماءٌ ونار
قام يسعى فعلَّم الغصن حسنًابمحل وكيف تجنى الثِّمار
علَّمته اجفانه سحر هاروت وإنِّي عليه منها أغار
قيل لي: كيف نمت بعد تجافيــه ونوم العشَّاق في الحبِّ عار
قلت: لا والوفاء لكن تناعســت لطيف إذ عزَّ منه المزار

محمد بن عليِّ بن أبي شجاع، أبو عبد الله الجامديُّ

ينسب إلى الجامدة من أعمال واسط. كان شيخها.

أنشدني أبو الحسن علي بن أبي منصور بن علي بن جرير الرُّصافي الواسطي بالموصل، قال: أنشدني أبو عبد الله الله الجامدي لنفسه:

دمنٌ من رامة فالقلبفجديلة فلخه فالكثب
فالنعف فكاظمة فالجزعفوادي الفتّة فالهضب
/ أ/ يعتضن بريم البيدعن ريم كنَّس في الطنب
غيد هيف خمص نزفبيض ترف عرب ترب
دعًج الأحداق سود الآماًقبيضً الأعناًق حمرً الأهب
إن مسن فصحن غصون البانأو ملن ضحكن عن الشَّنب
فكأنَّ مباسمهنَّ نظمنقلائدهنَّ من الشُّهب
وكأنَّ مراشفهنَّ مدامٌشيب وأمزج بالضَّرب

محمد بن عليِّ بن أبي الفتوح بن عمر، أبو الفتح الحكيم القرشيُّ.

من أهل دمشق

أخبرني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- ﵁ في تاريخه من لفظه- قال: أثنى عليه المواصلة فيما كتبوا إلىّ، وقالوا: إنَّه من السادة الأكابر الفضلاء الرؤساء العلماء، مشهور بالفضائل والفنون، قريب عند السلاطين والملوك، محترم لديهم، مسموع الكلمة.

ورد الموصل، فمدح بها الملك القاهر عّز الدين مسعود بن أرسلان شاه- رحمة الله- فأحسن جائزته وشرّفه، ثم قال: هذا لفظ ما كتب إليّ من الموصل على يديه، ولم ب/ يقدّر لي الاجتماع به، إلّا أنّي رأيته مجتازاً، فعرفته بما سبق عندي من صفته وهو شاب حسن الصورة والشمائل.

ورد إربل في العشر والوسطى من شهر رمضان من سنة ثمان وستمائة، ولم يقيَّض له المثول بخدمة الملك المعظَّم أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى- وسافر في رابع عشريه، إلى بلد العقر إلى الملك المنصور زنكي بن أرسلان شاه أتابك –صاحب الموصل- ولم يقع إلي من شعره سوى أبيات، سأله عملها إنسان موصلي فكتبها إلىّ بخطّه على لسان الموصلي- وهو خطّ حسن- وهي:

أيا شرف الدَّين الَّذي شرفت به الــمناقب فانقادت إليه المدائح
ومن ظهرت أعراقه فتأرَّجتلقصَّاده أخلاقه والمنائح
شربت كؤوسًا من هواك لذيذةفقلبي سكرانٌ بحبِّك طافح
فأصبحت لا أثني ثنائي إلى إمرئسواك يقينًا إنَّ زندي قادح
وأقسم لو حاولت أكتم بعض ماتجود به نمَّت علىَّ الجوانح

وإنِّي غاد عن جنابك شاكرٌ .. أياديك يا خير الأنام ورائح

/ أ/ أبثُّ الَّذي أوليتني من فواصللأنعمها لسان حمدي مادح
فإن تحيي الرَّسم بالرَّسم تجن منعصون الثَّنا ما ثمَّرته القرائح

محمد بن عليِّ بن يوسف بن خمارتكين، أبو عبد الله الحلبي، المعروف بابن المحتسب.

لأنه تولّى بحلب الحسبة مدَّة.

ذكر لي، أنَّه ولد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. وخمارتكين جدُّه، كان حاجب الملك أبي المظفر رضوان بن تتش بن ألب أرسلان- سلطان حلب- ومن أخصّ حجابه؛ وأبو عبد الله يتولّى التصرف. وقد تولّى عمل غير عملٍ سلطاني، ويقول الشعر طبعًا.

أنشدني لنفسه مبدأ قصيد:

ما ضرَّه لو زارنًي متكتِّمًافي حندس اللَّيل البهيم على ظما
رشا تحاكي السَّمهرية قدَّهولحاظ عينيه تباري الأسهما
بدرٌ يعير الليل طرَّه شعرهويغير ضوء جبينه بدر السَّما
في خدِّه ورضابه خمرٌ لهاإن نقَّصت فعل المدامة تمَّما
حلفت لواحظة بأن لا تنثنيعن قتلتي أفدي بروحي المقسما
أضني وظنَّ بأنَّني أسلو وقدأضحى السُّلوُّ على المحبِّ محرَّما
وجنى علىَّ فجنَّ وجدي من جنىشفتيه أو ألم إلى ذاك اللَّما

/ ب/ وأنشدني لنفسه، حين قدم المولى الصاحب الوزير الصدر الكبير العالم السعيد مؤيد الدين أبو نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أدام الله علاه- من ميا فارقين:

عاد المؤيَّد بالتأييد والظَّفروجاءه النَّصر يسعى سعي منتصر
وأقبلت دوحة الإقبال يانعةتومي إليه بأكمام من الثَّمر
وأصبحت روضة العلياء مذ هطل الــحياء من وجهه تختال بالَّزهر
وأمست الدُّولة الغرَّاء في حلببقربه تزدهي في ثوبها النَّضر
من بعد ما عريت دهرًا محاسنهًاوشابها بعده نوعٌ من الضَّرر
طال اغتراب بنيها في ديارهموأصبحوا بعد يسر منه في عسر
ظلُّوا بع زمنًا في ظلِّ أنعمهوجود راحته المغني عن المطر
ممتِّعين بما قد خوِّلوا فهمفي خلد جنَّته العليا على سرر
مقابلي رجل يزهي على زحلفي رتبة الشَّمس مستول على القمر
له عزيمة رأي ليس يسبقهًاريب الزًّمان فما يخشي من القدر

/ أ/ حبر يخبِّر عمَّا في غد فغدا مستقبل الفعل ماض غير منتظر

لولا مخافةً ربِّ العرش، قلت له: يا عالم السِّر منِّي قلَّ مصطبري

أبسط بفضلك آمالًا قد انقبضت فأمرك اليوم مقدورٌ على القدر

ولا تلكني إلى ما في غد فغدٌ يأتي بما ليس نهواه من الغير

لا تستقلَّ قليل الخير تفعله ففاعل الخير مشكورٌ مدى العصر

نبني الزَّمان ويبقى حسن سمعته ويذهب النَّاس والدُّنيا على الأثر

وأنشدني أيضًا لنفسه إملاًء:

يا جانحًا عن طريق المكرمات أفق من سكرة العب واحذر زلَّة القدم

بينا ترى المرء في عزِّ الولاية منـ ـقادًا إليه أمور العرب والعجم

حتَّى يوافيه ذلُّ العزل يصلحه حينًا لإخوانه بالفقر والعدم

فالعزُّ يصلح أخلاق اللَّئيم كما تبدي الولاية حتفًا من أخي الكرم

محمد بن عليِّ بن محمد بن محمود بن عبد الرحيم، أبو عبد الله ابن أبي الحسن التميميُّ.

من إنشاء حلب وأبناء رؤسائها، والنبهاء بها، وبيت الأدب والفضل.

وأبو عبد الله تأدّب وقرأ من علم العربية ما يحتاج إليه، وساعدته قريحته في قول

الشعر، وأنجب فيه، ب/ وأحسن وأجاد، وفاق أقرانه نظمًا، وبذّهم في أنواع القريض وأجناسه تمكنًا ما شهد له أرباب هذا الشأن بالتقدّم فيه والاقتدار على ما يتوخّاه من المقاصد التي يرومها، والمحاسن التي يأتي بها.

شاهدته بحلب شابًا ذكيًا متيقظًا عاقلًا، أريبًا عفيفًا، نزهًا سريًا، جميلًا عارفًا بأقدار الناس، يتدين بمذهب الشيعة، من أحسن الناس عشرة، وأوفاهم توددًا ومروؤةً، وأسمحهم نفسًا. يخدم متصرفًا في الأعمال السلطانية. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت في عاشر المحرم سنة إحدى عشرة وستمائة.

أنشدني لنفسه، وقد جاءه من العفيف أبي طالب بن صقر أبيات:

أنت في العلم فوق كلِّ عليهميا ابن صقر من أبن عبد الرَّحيم
قد شأوت الفحول في حلبة الفضلوأنسيت ذكر كلِّ قديم
لك شعرٌ قد سار في سائر الافاق ما الشَّام ما بلاد الرَّوم
لا تقس دعبلًا إليك ولا الطائيًّ والبحتريَّ وابن الرُّومي
أين منكً الرِّجال ما لهم مثــلك نظمٌ كالجوهر المنظوم
/ أ/ لو تقدَّمت في الزَّمان لقال الــقوم هذا أحقُّ بالتًّقديم
وأقرُّوا لدى جدالك بالعجزوفرُّوا منه إلى التَّسليم
أيُّها الفاضل الأديب عفيفةالدِّين والماجد الكريم الخيم
سفرت لي شمس النَّباهة في أرجاء ليل من الخمول بهيم
حين نوًّهت في قريضك باسميوعلا منصبي وقدري وخيمي
أنت شرَّفتني بنظم قريضبت منه في مقعد ومقيم
خيفة الرَّدِّ والتَّردُّد فيهمفعمًا مقلتي من التَّهويم
يا أبا طالب تطلَّبت ما لميك في خاطري ولا معلومي
لا تسمني ردًّ الجواب فما خاطر فيه سوى الخطير العظيم
درَّ درُّ الصَّدر النَّبيل شهاب الدِّين عمرو الإقدام غمر العلوم
إن تجرَّا على جوابك في الشِّعــر لقد قام في مقام عظيم
أنا لولا خوفي وعيدك ما فهــت بحرف على رويًّ الميم
لا تخف أن يعيب شعرك خلقٌلن يعيب الصًّحيح غير السَّقيم
والزنامي أليًة برَّةً ما أعــتلَّ إلاَّ على العتلِّ الزَّنيم
قسمٌ كلُّ من تجراَّ عليهكان عند الأنام غير أثيم
/ ب/ لا وحبِّي علاك خالصة منغير لغو فيها ولا تأثيم
لم يعب في الأنام شعرك من يفــرق بين المجهول والمعلوم
ضاع طيبًا فخلته جاء يرويخبر البان عن لسان النَّسيم
شيَّد السًّيِّد الشًّريف جمال الدِّين ذكرًا يسير في الإقليم
بات يرويه عنك ثمَّ يودِّيهكما قلته بطبع سليم
بالجنان الثَّبت القويِّ على إييراده عنك واللِّسان القويم
قال لي إذ سألت: خبرك يغنيعن مديحي له وعن تفخيمي
ليس بالرَّحبة الصَّغيرة من يسقط منه على خبير عليم
غير ذا السَّيِّد المقيم على حبِّك لا زال في نعيم مقيم
يا مفيدي من الإخاء بما غادرعيشي إلىَّ غير ذميم
أنت أبرزت وجه عرضي باطرائك يا ذي احتشام صافي الأديم
أنت اغليت سعر شعري بما أمليته في كتابك المرقوم
فأخي اليوم حاسدي بعد ما كانعدوِّي على الخمول رحيمي
وكستني علاك غرَّ صفاتغادرتني من دارم في الصَّميم
ولهذا أجرُّ ذيلًا من الفخرعلى كلِّ منتم لتميم
/ أ/ أنا أولى بأن أقبلِّل كفَّيـك على فضلك العميم الجسيم
أنا حبِّي لكم صلاةٌ وسعييلا يتمُّ الصلاة بالتَّسليم
لست بدراً وإنَّما أنت في أهــليك كالبد بين زهر النُّجوم
سادة كلُّهم تقيٌّ نفيُّ الــعرض ضافي النِّجار زاكي الأروم
يشتري باقي الثَّناء ويشريفإني المال فعل كلِّ كريم
سيَّما الكامل الفضائل نجم الدينربِّ العلا الأثير الزَّعيم
ذي الجفان المكلَّلات من الشِّيــزى طعامًا إلى محلِّ الشَّكيم
والفتى المشتري المحامد ذيالمحيَّا الطَّلق البهيِّ الوسيم
من حباني من نصب باب مزاعابنصيب المشيمس المعدوم
وتراني غدًا إلى طلَّه الباردأولى من حرِّ نار السَّموم
إنَّ لي في جنينة الحلبة الفيــحاء ورداً من قرية أبن العديم
ونصوبًا تخال أثمارها حســنًا وطيبًا تسقى بماء النَّعيم
سوف أدعوك يا عفيف إليهابعد آيَّار وانقشاع الغيوم
لست أرضى قسم الحياة إذا لمأرخلِّي على حياتي قسيمي
وكذا لا أرى السُّرور بها حتَّـى أراه على السُّرور نديمي
/ ب/ دمت سامي العلا كريمًا وعوفيــت وورِّثت عمر كلِّ لئيم
ما أشتكت أينها الرَّسوم في البيــد ومدَّت أعناقها للرسيم

وأنشدني لنفسه، ما كتبه إليه أيضًاً

دمت تصفي مودَّة الأولياءوجزاك الإله خير جزاء
يا عفيف الدِّين الَّذي بشَّر لاباء منه بأنجب الأبناء
يا ابن صقر يا من نداه إذا ما أنــهلًّ أزرى بصيِّب الأنواء
يا فتًى سًاد بيت مجدبه أحــرز مجد الأجداد والآباء
ليس خلف الميعاد شيمة مثليهو عندي من أقبح الأشياء
غير أنِّي عزنت من قتل نيسان على جوسق رفيع البناء
قلت: أبنيه بالجنينة من أجــلك في الصَّيف زائرًا والشِّتاء
فتصدَّى من الورى لعناديوتناسي مودَّتي وإخائي
صاحبٌ لم يزل عليه من النًّاس اعتمادي في شدَّتي ورخائي
فتراني أخاف في أمر داريوأداري من لا يخاف هجائي
عالمًا أنَّني وإن نكث العهدولم يرع لي حقوق الولاء
أتلقَّى قبيحه بجميل الــصَّفح عنه وغدره بالوفاء
/ أ/ لا كمن بات يشتكيه فتى الحــجَّاج قبلي لسيِّد الأمراء
وانقضي الورد والجنينة لا تؤذن أيَّام وعدها بانقضاء
هبك أنِّي عمَّرت جوسقها الجامع شمل الألاَّف والقرناء
كيف نمضي إلى الجنينة والقلــب عليه للهمِّ مثل الغشاء

وأرى الهمَّ لا يفرِّجه غيـ ـر اجتماع بسيِّد الشُّعراء

بأبي طالب الَّذي طلب المجـ ـد بعين لم تدن من إغفاء

وذويه المكرَّمين أولي السُّؤ دد والفضل والتُّقى والعلاء

فتفضل بهم إلى قبَّة السَّــيَّد ذي المكرمات والآلاء
فهي مشتاقةٌ تقاسمني الشوق إليكم ورَّبها بالسًّواء
ثمَّ يغني عن ورد أيَّار ما يعــبق فيها من مائه والكباء
وتقينا حرَّ السَّماء ببرد الــماء في ظلِّها وبرد الهواء
وترانا من حسن أخلاقه نرتع منها في روضة غنَّاء
فلها الله قبَّةً ولبانيــها ففيها مجامع الأهواء
شادها السَّيِّد الشَّريف الَّذي جازت معاليه رتبة الجوزاء
ماجدٌ أنشر الفضائل فاستوجب شكر الأموات والأحياء
/ ب/ عجلٌ بالنَّدى لمن أمَّ ناديــه مجيبٌ إليه قبل النِّداء
كلفٌ بالعلا يحلُّ عرى المشــكل منه بفطنة وذكاء
حبُّه مذهبي وديني ومازال اعتمادي عليه وهو رجائي
مثلما مذهب الكرام بني صقــر غرامٌ بالمجد والعلياء
معشرٌ طفلهم فتى العزم والهــمَّة كهل التَّدبير والآراء
قدرهم في الورى كقدر عفيف الدِّين فيهم ذي الجود والنَّعماء
يا أبا طالب أقرت لأشعارك بالعجز ألسن البلغاء
أنت ربُّ القريض يرفل منهأبدًا في ملابس الإثراء
وأنا المملق الفقير وهيهات تساوي المثرين بالفقراء
أفحمتني أوصاف قدرك لمَّاجزت حدَّ المديح والإطراء
فتماديت في الجواب وبادرت مجيبًا لكم برفع دعائي
وسألت الإعفاء منه فما أجــدى سؤالي ولا أجيب ندائي
لم تزل تعمر الإساءة بالعفــو فالاَّ سمحت بالإعفاء
فاكسها حلَّة الفصاحة إن جاءتك منِّي في لبسة الفأفاء
أو أجزها درَّ البلاغة إن مدَّت أكفَّ السُّؤال لاستجداء
/ أ/ وأبق ما غرَّد الحمام وماناح على غصن أيكة خضراء

وكتب إليه أيضًا:

يا عفيف الدِّين يا من بشرهيهتدي السَّاري به واللَّيل مسدف
يا فتى ما فتئت آراؤهفي دجى الَّلأواء للغمَّاء تكشف
يا خليلاً لم يزل من لطفهأبدًا يحنو على الحلِّ ويعطف
قل لنجم الدِّين: يا نجم أتئدلا تكن في العتب والتًّأنيب مسرف
قد جرى الشَّرط على ما قلتهوالتَّصاريف عن المقصود تصرف
من ترى يكره أن يسعى إلىخدمة السَّيِّد أم من عنه يصدف
هاشميٌّ لم يزل من أودللأخ المعوجِّ في الودِّ مثقِّف
مصلح الفاسد لكن بالنَّدىوالردًّى للمال والأعداء متلف
أنا أهواه فما أصغى إلىقول واش في هواه ومعنِّف
لجمال الدِّين بيتٌ قد سماشرفًا فهو على الأفلاك مشرف
وله منتزةٌ من حسنهيبهت الطَّرف إليه ليس يطرف
قبَّة السَّيِّد لو أبصرهالتواري خجلًا طاروف منطف
حبَّذا عيشٌ قطعناه بهاوالحمام الورق بالأفنان تهتف
/ ب/ ولدينا كلُّ ما نختارهورياخ اللَّهو باللَّذات تعصف
وقطوف الفضل تستجلي ومنروح أشعارك نجنيها ونقطف
والفتى الماجد نجمالدِّين فيكلِّ معنى ينتحيه متلطَّف
أبدًا يورد ما نختارهوسوى المختار يلغيه ويحذف
ومعين الدَّين ذو الفضل الذيبالندى يسعد راجيه ويسعف
كاتبٌ أفلامه كافلةٌأنَّ ربَّ السَّعد يدنيه ويزلف
تشبه الكتب الَّتي ينشئهاوشي أعلام برود أبن المزخرف
أو كما بكَّر وسمى الحيالبرود الرًّوض بالنًّور مفوِّف
ولشمس الدِّين يحيى راحةٌثرَّةٌ نوه نداها غير مخلف
أبدًا يجمع في تفريقه الــمال شمل المجد جودًا ويؤلِّف
يا بني صقر شرفتم أنفسًافهي عن كلِّ دنيِّ القدر تعزف
قسمًا إنِّي بكم ذو كلفلست في ودِّي لكم بالمتكلِّف
وإذا ما غبت عنكم لم تكنجفوةٌ لكنَّني عنكم مخفِّف
ولقد جئتكم معتذرًاواعتقادي أن نجم الدِّين منصف
لم أخل وهو صفِّيي أنَّهيتوخَّى الظلم في أمري ويعسف
/ أ/ وعفيف الدِّين أولاكم بأنيتحامى القصد في عتبي ويسرف
قال في مدح فراخي إنِّهاتشبه الوزَّ إذا ما كان مخلف
وإلى السَّيِّد تهدى وهو بالــفضل منها لعفيف الدِّين متحف
إن يكن عتبكم لي ديدنًافبما أجنيه من جرم وأسلف
يا أبا طالب صفحًا عن أخماله عن حبًّكم ما عاش مصرف
وستأتيك فراخي عاجلًامنجز الوعد بها غير مسوِّف
ثمَّ إنِّي أسأل الله الذيهو بالقدرة فينا متصرِّف
أن نرى يا مالكي جهةأنت فيها العدل والمملوك مشرف

محمد بن عليِّ بن المسلّم بن محمد بن الحسين بن مراجل أبو عبد الله الكندي.

من أهل حماة ومن بيت مشهور بها.

شيخ أشقر أزرق العينين، يتصرّف في الأعمال.

أخبرني أنه ولد ضحوة نهار يوم الأحد ثالث شوال سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. لم يكن عنده يقّوم به لسانه من علم النحو، ويلحن إذا أنشد، وله طبع يطاوعه في قول الشعر.

أنشدني بحلب لنفسه في أوائل محرم سنة خمسين وستمائة، ما/ ب/ كتبه إلى السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف- خلّد الله ملكه-:

أيا ملكًا ترنِّحه القوافيويطربه من الشِّعر النسيب
أمانع أن أراك لسوء حظِّيوأبعد إنَّ ذا شيءٌ عجيب
ولكنِّي سأنشد بيت شعرتحنُّ إلى معانيه القلوب:
إذا كان المحبُّ قليل حظًفما حسناته إلاًّ ذنوب

وأنشدني أيضًا لنفسه فيه- أعزّ الله نصره-:

أيا ابن العزيز النَّاصر الملك الَّذيإذا جار دهرٌ فهو بالجود بنصف
على بابك الميمون حلَّت رحالناوقد مسَّنا ضرٌّوها أنت يوسف

وأنشدني لنفسه يهنّئ بالصيام:

لا أهنِّيك بالصِّيام لأنِّيقد تركت الهنا ليوم العيد
إنَّما التَّهنئات بالأكل والشُّرب وصوت المثنى وضرب العود
لا بصوم قد قرَّح الكبد حتَّىتراك العود فيه مثل العود

وأنشدني لنفسه يرثي ولده عبد المحسن- رحمة الله تعالى-:

/ أ/ عن عظم أحزاني بكم لا أنثنيأبدًا ومالي بعدكم عيش هني
أمَّلت أن سأنال كلًّ مأربيبكم فخيَّبني الزَّمان وصدَّني
ولسوف أندبكم وأعلن بالبكاحتى أصير جوار عبد المحسن

وأنشدني قوله فيه أيضًا:

يا بدر قد عظمت عليك رزيَّتيوتوقَّدت نيرانها في أضلعي
ما كنت أرجو أن أكون مشيِّعالك للمقابر بل تكون مشيَّعي
ولئن جرى دمعي دمًا فيحقُّ ليأنا صاحب البلوى وغيري المدًّعي

وأنشدني لفنسه في السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين، وقد رمى طيرًا، يسمّى الكيَّ:

كويت قلوب من عاداك كيّاًبصرع الكيِّ لمَّا إن تهيَّا
فلا زالت سعودك سابقاتونجمك في العلا أبدًا مضيَّا
ملكت النَّاصر السُّلطان عدلًاطويت به بساط الأرض طيَّا
وسهم لم يفوَّق يوم حزبفأخطأ لا ومولانا عليَّا
كأنَّ مجرَّة الأفلاك قوسٌبكِّفك أو بنادقه الثريَّا

وأنشدني أيضًا لنفسه:

/ ب/ وتقنطر به فديناك يا بغــل إلى السَّهل من أعالي الحزون
وإذا ما نجا ولا سلَّم اللــه فإيَّاه يا كلاب الجون

وأنشدني لنفسه في السيف والقلم:

إنَّ المقادير لا ترتدُّ حكمتهاوقد تساوت في أحكامها الأمم
إذا رأيت سيوف الهند قاطعًةما ذاك إلَّا قد خطَّة القلم

محمد بن عمر بن حافظ بن خليفة، يكنّى أبا عبد الله السَّعديُّ، الفقيه الحنفيُّ المدرس المعروف بابن العقّادة.

من أهل حماة.

نزل والده حلب واستوطنها، إلى أن توفي بها. وكان فقيهًا حنفيًا، تولّى بها تدريس المدرسة التي بظاهر المدينة، ولمّا مات قاتم ولده هذا مقامه في التدريس، وفوّض إليه ما كان إلى والده.

وكان أبو عبد الله؛ شابًا أشقر، ربعة من الرجال، ذكيًا فاضلًا، عنده بشر وسكون، جيّد المعرفة بعلم النحو والعربية والأدب وقول الشعر الحسن. ويكتب خطًا في غاية الجودة، وكان فقيهلااً، مجوّداً مناظرًا، اجتمعت به غير مرة، وحضرت معه بحلب، واقتضيته شيئًا من شعره؛ أ/ فكان يعدني ويجيبني إلى ذلك، ولم يتفق إنشاد شيء من أشعاره، ثمّ مرض في أثناء ذلك، وتوفي يوم المجمعة سابع عشر جمادي الأولى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ودفن قريبًا من مشهد الخضر، بمقام إبراهيم الخليل- ﵇ قبلي المدينة ظاهرها- رحمة الله تعالى-.

وأخبرني أنَّه ولد في سنة اثنتين وستمائة، وبعد موته صار إلىَّ كراسة من شعره، تتضمن غزلًا ومدحًا، وغير ذلك وهي بخطه.

ومما نقلته من خطّ يده، قوله في الغزل:

ومعتدل كالغصن قد غادر الورىعلى خطر من قدِّه حين يخطر
إذا مارنت منه اللَّواحظ وانثنىحمى حسنة عنَّا حسامٌ وأسمر
وإن صال يبغي نصرةً فغضنفرٌكما أنَّه إن نصَّ جيدًا فجؤذر
وإن حلَّ في أرض ومرَّت بها الصَّباتنفَّس فيها عن بر الأرض عنبر
وإن فاه بعض العاشقين بذكرهتضوَّع مسكٌ بالَّذي فاه أذفر
ومن بك هذا طيب ذكراه غائبًافكيف يكون ذكره حين يحضر
من الُّرك مسكىُّ السَّوالف ليِّن الــمعاطف معسول المراشف أحور
تطيب برؤياه النُّفوس وإنَّمابأنفاس ريَّاه الجيوب تعطَّر
/ ب/ وليلة وافى والدُّجى مثل شعرهوطلعته فيها كم الصُّبح تزهر
فقلت: وفيت الآن وعدم في الهوىفقال: ومثلي في الهوى كيف يعذر
إليك قطعت البيد من رمل حاجرأخوض الدُّجى إذ بالقنا الخيل تعثر
فبتُّ ولي من ورد خدَّيه موردٌومن صدره أفديه بالنَّفس مصدر
ولي من سجاياه الشَّهَّية جنَّةٌلها من ثناياه البهَّية كوثر
وقلت له [لا] زلت مستعذب الجناولا برحت أسد الشَّرى منك تحذر

ويفديك منِّي في هواك تصبُّري .. وإن كان ما لي في هواك تصبُّر

وقال أيضًا:

وطلق المحيَّا لا يرام وإنَّماهو الشَّمس لكن دارة البدر داره
قريبٌ مدًى مرضاه سهلٌ خداعهبعيد ... مرآة صعبٌ مزاره
نفورٌ ولم تظفر حبائل حبِّهبحبَّة قلب الصَّب لولا نفاره
تعلقته ما طعم محبِّه فيضحىوتقريب المحبِّ شعاره
وقلت: إذا خطَّ سلوتهفزاد هيامي حين خطًّ عذاره

وقال أيضًا:

تعلَّقته ما اشتاقه رمل عالجغرامًا وما ضمَّنته سلعٌ وحاجر
/ أ/ حرمت الرِّضا إن كنت منذ ألفتهتأملته أوراءه لي ناظر
إذا زارني أطرقت منه مهابًةوأمَّا إذا ما أزورَّ عنِّي فظاهر

وقال أيضًا:

وأحر ساحر اللَّحظات أحوىشهىِّ المجتنى طلق المحيَّا
ألمَّ بنا فأغنى حين عنَّىوأحيانا جميعًا حين حيَّا
وجاد براحه واللَّيل داجفقلت براح قد طلعت عليَّا
وشجَّ الرَّاح من فيه بريقفشجَّ لنا الحميَّا بالحميَّا
وطاف بها على الأحياء يبغينهاب نفوسهم حيّا فحيَّا
فأحيا كفُّه من كان ميتًابها وأمات من قد كان حيَّا
فأسكرنا وأذكرنا حديثًاقديمًا في ربي نجد تهيَّا
فبتُّ لنشر نشر حديث علوىعلى التَّذكار يطوي القلب طيَّا
أغفِّر في الثَّرى خدِّي لعفراوأروى الأرض من دمعي لريَّا
وأستجدي الرَّباب مرور يومعلى دار الرَّباب ودار ميَّا
فشملي صار ثقل بنات نعيشٍبهنَّ وكان شملي كالثريَّا

وقال أيضًا:

/ ب/ في أيِّ شرع وقد كلِّفت ذكراكحبًا نسيت محبًا ليس ينساك
لو لم تكوني سواد العين منه لماأصار منه سويدا القلب مأواك
من بالتقالي وعن عطف على كلفمغرًى بحبِّك أغراك وأعراك
صوني معنَّاك عن معناك بارزًةٌفقد أذبت معنَّاك بمعناك
لا تصدعي القلب تبدي منه سرَّ هوًىأودعتنيه فما في القلب إلَّاك
منعتنا طيب رؤياك على أمممنَّا ولا تمنعينا طيب ريَّاك
أنت المغيرة ريم الرَّمل مقتلةعيناك عيناه أو عيناه عيناك
بالقلب أدركت منك الحسن مكتتمًاوإنَّما الطَّرف أدراك بإدراكي
لولا الهوى ما هوى قلبي لديك جوًىأزاله عنِّي يومًا ذكر مهواك
أفتيت بالفتك في قلبي وفي جسديأفديك من فيهما بالفتك أفتاك
وجرت في قلب صبٍّ أنت جاريةٌأجارك الله من بالجور جاراك
نبِّئت هجرك عن أمن العداة وماظننت هجرك إلَّا خوف أعداك
ألست ظبي كناس من بني أسدفكيف رحت وأسد الغاب تخشاك
يثني تثنِّيك عن غصن الأراك كماعن لامع البرق تثنينا ثناياك
إنَّ الَّذي خلق الإنسان من علقمن أطيب الطيب في الأحشاء أنشاك
/ أ/ ألم تري لنسيم الرِّيح رائحةًتضوع مسكًا إذا ما صافحت فاك
ماذا عليك وفيك الحسن أجمعهلو كان حسنك مقرونًا بحسناك
سقى العهاد بأكناف الأبيرق منبأن الحمى معهدًا فيه عهدناك
ردِّي حديثك عن حزوى علىّ فماأحلى حديثك عن حزوى واحلاك
فلست أنسى برمل الرَّملتين وقدبتُّ الملمَّ بما تقبيل ألماك
إذ كلُّ عين إلينا غير ناظرةوكلُّ عين علينا طرفها باكي
وربما ليلة بالجزع بتُّ بهاوأنت ترعين في قلبي وأرعاك
والحيُّ أساده تبدو ثعالبهابكلِّ أبيض ماضي الحدِّ فتَّاك
أهدى الأمان إلى من ذرى إضمإلىَّ في هضبات الخيف أهداك
نعم وجبّى الجبا وادي مني فبهنلت المنى إذ تمشَّى القلب يلقاك
أهلاً بطيفك خاض اللَّيل محتقراًهول الفيافي ليقرينا تحاياك
حيا فأحيا فحيَّاه الإله وأحــياه خيالًا وحيَّاك وأحياك
ألمَّ واللَّيل في قيد الصَّباح فماألمَّ بالصَّبَّ حتَّى أمَّ مغناك
لو امتطيت إلينا شوق أنفسناإليك أسراك شوقًا نحو أسراك
قد ملَّ جفني طيب النَّوم فيك جفًافهل ألمَّ بطيب النَّوم جفناك
/ ب/ هل للَّيالي المواضي أن تعود لنايومًا فتجمعنا دارٌ وإيَّاك
عليك منِّي سلام الله ما برحتبراح تخفي حياءٌ من محيَّاك

ونقلت من خطِّة قوله، ما كتبه على ظهر كتاب الهداية في فقه أبي حنيفة- رضي

الله عنه –وكان قبيل موته بأيام يسيرة، فسبحان الحي الذي لا يموت -:

يا ناظرًا فيه يجني من حدائقهثمار ما أنا فيه غارسٌ ساقي
أفني قريبًا وتبقى في الورى حقبًافأذكر بها ذلك الفاني بذا الباقي

وقال أيضًا:

منحناكم منَّا الوداد كرامًةلكم ومنعنا غيركم ودَّنا ضنَّا
دعيناكم حفظًا وملنا إليكمرضًا فاعدلوا فينا ولا تعدلوا عنَّا
وإن نقل الواشون عنَّا إساءًةفقد نقلوا ضدًّ الَّذي علموا منَّا

وقوله:

نسيم الصَّبا إن زرت برقة ثهمدفبلِّغ سلامي منزل السَّيف أحمد
/ أ/ وإن لم يجب من جانبيه سوى الصَّدىفروِّبما الدَّمع مربعه الصَّدي
وقفت به أشكو إليه وإنَّنيلأشكو صباباتي إلى غير مسعد
بقلب جريح حلف وجد مجدَّدوطرف قريح إلف جفن مسهًّد
فهذا إن استجديته سلوةً أبيوهذا إن استنجدته الدَّمع ينجد
وقد ساعدتني فيه سعدانهٌ متىأعدُّ لييلات الوصال تعدَّد
وشتان ما بين القرينين شادنٌوشاد من الورق الحمام مغرِّد
فيا غضَّ عيش غاض ماء حياتهسقاك الحيا من كلَّ وطفاء مرعد
وعودي لنا يا ليلة الجزع عودةًوإن لم تعودي فاجملي القول أو عدي
وفي الحيِّ خال من جوى القلب راقدٌومن يخل يومًا من جوى الحبِّ يرقد
فصيحٌ يرى قسَّ الفصاحة الكنًاجوادٌ يرينا حاتم الجود مجتدي
بهيُّ المحيَّا لو تراءى ليوسفلما قطعت في يوسف الحسن من يد
همامٌ إذا ما همَّ أن يحضر الوغًيأراك الحسام مغمدًا غير مغمد
إذا ما رمى عن رأيه سدَّد العداومن يرم عن رأيًّ سديد يسدَّد

وإن كرَّ بالرُّمح الرُّدينيِّ طاعنًا تر الأسد الضَّاري يكرُّ باسد

ومن حذري أكني بحيِّ كنانةوإن كنت أعزوه إلى الشُّم من عدي
/ ب/ أطعت فإن أتهمت أتهم صبابًةإليك وإن تنجد فديتك أنجد
يفنِّدني عنك العذول وربمايزيد الهوَّى قول العذول المفنِّد
ومرتحل يدنيه خرصٌ متثقَّفٌويصحبه حدُّ الحسام المهَّند
يريك من الدُّرِّ النَّظيم وضدَّهبمبسمه النَّدِّى ومنطقه النَّدي
سرى لا يرى في الله لومة لائمعلى نضره دين النَّبيِّ محمد
وجرَّد في الله الحسام الَّذي بهيريق دم الأعداء غير مجرد
حسامًا له إن سلَّ هامت إلى العدامضاربه أو صلَّ للهام تسجد
فشيَّب من أفوادهم كلَّ أسودوسوَّد منهم وجه كلِّ مسوَّد
وطرَّف منهم كلَّ طرف منرجسوخدَّد منهم كلَّ خدًّ مورَّد
فأظهر دين الله كلُّ موحِّدومكَّن بطن اللَّحد من كلِّ ملحد
تيمَّمته سرّاً على قصد أنَّنيأودِّعه جهرًا فما خاب مقصدي
وزوَّدني شوقًا إليه وإنَّماتزوَّد منِّي عبرتي وتجلُّدي
وأوهمت يمناه وقبَّلت صدغهوعدت وغدران الصًّبابة موردي
وسار إذا استهدى به خباطٌ رأيهداه ومن يستهد بالبدر يهتد
تولَّى تولَّى الله حفظ جنابهوسلَّمه أنَّي يروح ويغتدي

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.