من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (٢١)
/ أ/ وقال أيضًا:
وأهيف يحكي الرُّمح إن ماس قدُّهبدا حسبنا جيبه إذ بدا شرقاً
أغنَّ كحيل الطَّرف ذي نفرة فلميخلَّ لريم الرَّمل خلقًا ولا خلقا
جعلت له يومًا يميني وسادًةوما كنت أرجو أن أذوق له نطقا
فضاجعني كالغصن بل غصن النَّقاوأرشفني كالخمر بل خمرة حقّا
فعانقت من جثمانه الرُّكن عندماتعلَّقت من صدغيه بالعروة الوثقى
وقبَّلت منه الخدًّ والثَّغر باسمًافقابل طرفي منهما الورد والبرقا
فلولا ذكت أنفاسنا وتصاعدتلأبصرتنا إذ ذاك في عرقٍ غرقي
وقال أيضًا:
وخطِّي القدِّ خوطيِّ التَّثِّنيرحيقي الرِّيق درِّيِّ الثَّنايا
له من لحظة السَّاجي سهامٌولكن من حواجبه حنايا
فإن لحظ القلوب يروم رميًاتثبَّت أن تكون له رمايا
وفي أجفانه سيفٌ جرازٌتمنَّاه هوادينا هدايا
إذا ما راضه للسبي يومًارضينا أن نكون له سبايا
أيا من حاز حسن النَّاس جمعًاوجاز الحدَّ في كرم السَّجايا
/ ب/ رعاياك القلوب وأن جارٌلها فأجر جوارك والرَّعايا
ولا تصدع فؤادي تبد منهسرائرك المصونات الخفايا
وحسنك قد وليت به عليناقضاء الحبِّ فاعدل في القضايا
أمانًا منك يا سؤلي أمانًافقد جرَّعتني غصص المنايا
فلا بعدت يداك عن الأياديولا قربت خطاك من الخطايا
وقال أيضًا:
من منصفي أو مجيري من صدودفتًيعذب التذلُّل في العشاق قد فتكا
مهفهف من بني الأتراك معتدلسبى النُّفوس فما أبقى ولا تركًا
ظبيٌ ولكنه يحميه إن صبًتمنه العيون لا ساد الورى شركًا
يذود عن شفتيه من لواحظهمهندٌ من فنون السِّحر قد سبكا
ملكته ثغر قلبي إذ غدا ملكًالكنَّه جار فيه عندما ملكًا
وشمس راح بدت في كفِّ بدر... من الزُّجاجة قد صاغوا لها فلكا
لها نجوم حباب قد طفت دررًافأطفأت بذكاها بهجًة لذكًا
صفت فلمَّا السَّاقي أناملهقبضٌا على كاسها كانت له حبكا
قم يا نديمي إلى الكاسات معتنمًاعيشًا ودع عنكز من صلَّى ومن نسكا
/ أ/ فإنَّ من قال: إنَّ الله ذو بخلأن يغفر الذَّنب إحسانًا فقد أفكا
أما ترى طائر الأغصان من شجنٍمرنِّحًا عذبات البان حين حكى
فانظر فقد أسبل الرَّاووق أدمعهلمَّا رأى دم دنَّ الخمر قد سفكا
خمرٌ يدور بها بدرٌ علا غصنامن الأراك نضيرًا ليِّنًا حركا
معقرب الصُّدغ لو لاحت معاطفهليوسف الحسن يومًا ظنَّه ملكا
وقال أيضًا:
رسمٌ لعزَّة قد أقوت مغانيهراحت سحاب الغودي وهي تسقيه
ولو رضيت بما تذري الجفون لهلقلت: ليت جفوني من غواديه
وقفت ناديه أدعوه وأسألهعن ساكنيه وأسقيه وأسقيه
ساويته في البلى، لا في الهوى فغدابحاله وهو يبكيني وأبكيه
أحلَّ ناديك حيٌّ من بني مطرأم حلًّ فيك الحيا يومًا عزاليه
صمتًا كأن ما غدت واديه غاديةٌولا أنثنت في مغانيه غوانيه
أليَّةً بلييلات لنا سلفتوغضِّ عيش تولَّى في نواحيه
إذ منزل الحيِّ طلق الثَّغر باسمهومورد اللَّهو عذب الماء صافيه
فهو الزَّمان الَّذي لو كان غانيًةلنا عقود جمان في تراقيه
/ ب/ يا موقدي جمر قلبي يوم فرقتهمماذا على طفيكم لو طاف يطفيه
أنتم تسليتم عنِّي ببعضكممحبُّكم عن هواكم من يسلِّيه
أحبابنا لو علمتم ما نكابدهمن الغرام بكم أو ما نقاسيه
أرفدتمونا فديناكم بمألكةتبري المريض وإن كانت لتبريه
رحلتم عن جريح القلب موجعًهونمتم عن قريح الجفن داميه
فالوجد يرفعه شوقًا ويخفضهوالشَّوق ينشره وجدًا ويطويه
ودَّعتمونا فأودعنا ركابكممنَّا قلوبًا بنار الشَّوق تهديه
عدلتم عن فؤادي إذ غدا لكمدارًا فهلَّا عدلتم سادتي فيه
أقسمت لو كنت أدري قبل بينكمما بعده لصحبت لرَّكب هاديه
وقوله من جملة أبيات:
هي الدَّار من حاجر دار أسمافبلَّ المنازل رسمًا فرسما
وسلِّم على بان وادي العذيبفثمَّ أعيلام أطلال سلمى
وقل لأصيحابنا ينثرونمن لؤلؤ الدَّمع ما كان نظما
على دار نعم بوداي الأراكفإنَّ لنعم على القوم نعمى
وقفت لأسمع نوح الحمامولكن بأذًن عن العذل صمَّا
/ أ/ أهيم إذا ذكر أسم الحبيبكأنِّي أرى الإسم عين المسمَّى
وأهيف كالبدر عند التَّماممن الشَّمس أعلى مكانًا وأسمى
رشًا ودَّه حجله فاستسرَّوعاداه منه النِّطاق فنَّما
وقال أيضًا:
وأهيف القدِّ عذب اللَّفظ ساخرهأغنَّ ساحر لحظ العين ساجيه
معقرب الصدع ريميًّ تلفتهمخصَّر الخصر خوطي تثًّنيه
يسبيك بالجيد منه وهو عاطلهحسنًا فكيف إذا ما كان حاليه
رنا وأغضى فقلت: المسك من دمهوجفنه الغمد لا ريبٌ ينافيه
يا أضلعي لا تجنِّيه محافظًةفإنَّه بك قد أودى تجِّنيه
وقال أيضًا:
قلبي بصدِّك عنِّي كم تعذبهتيهًا ووجهك عنِّي كم تحجِّبه
يا بدرتمًّ يفوق الشَّمس مطلعهعذاره وقلوب النَّاس مغربه
ويا غزال كناس من مهابتهلا تستطيع أسود الغاب تصحبه
قد راح قلبي له مرعًى فلا عجبٌأن راح ماء حياتي وهو مشربه
من قال في الحبِّ إنَّ البدر يشبههفأنَّ في الحبِّ أوصافًا تكذبه
/ ب/ يعزى إلى العرب العرباء منطقهواللَّحظ منه إلى الأتراك منسبه
من أين للبدر عيناه وطرَّتهوعارضاه وخدَّاه وأشنبه
أما وجفنيه شمس الأفق لو منحتباية النُّطق أضحت وهي تعتبه
أفدي الَّذي طيفه ما زراني كرمًاإلَّا انثنى ولوى عينيَّ يركبه
يروم تقليب قلبي في محبَّتهأفديه من أين لي قلبٌ يقلِّبه؟
أملي تجنِّيه ظلمًا زادني ألمًاوإنما أصل آلامي تجنُّبه
فيا حبيبًا حباني بالهوى وهوعنِّي ليخبر أن الغدر مذهبه
ويا رشًا راش سهم الصَّدِّ مقتصدًالصبَّ حتَّى عليه ضاق مذهبه
ويا غزالًا غزاني حين غازلنيبمرهف من غريب السِّحر مضربه
من لي أراك وعين البحر راقدةٌوالوصًل يقظان خلو القلب طيِّبه
حتَّى أبوح بسر كنت أكتمهخوفًا وأعرب شوقًا كنت أغربه
وله من جملة أبيات:
لصدودك همت إليك صدىولهجرك واصلت السُّهدا
وغرامٌ فيك أكابدهقد أتلف قلبي والكبدا
فإلى م تعاندني عبثًاوبلحظك جرحي قد عندا
/ أ/ وتقلِّب قلبًا منصدعًابهواجر هجرك متَّقدا
علِّقت غزالًا من أسديصطاد بمقلته الأسدا
قد حلَّ ذؤابته فأضًـل وأبرز طلعته فهدى
وإذا ما افترَّ تحار العيــن أثغرًا تنظر أم بردا
يا أحمد دونك سفك دميلا إثم عليك ولا قودا
قسمًا بسميِّك لا أسكنــت سواك فديتك لي خلدا
إن متُّ بحبِّك يا مولاي وعيشك كنت من السُّعدا
وحديث سميِّك صلى اللــه عليه بذلك قد شهدا
من مات محّبًا بالكتمان عفيفًا كان من الشُّهدا
يا قلب عليك جميًل الصَّبــر وإن يك صبرك قد نفدا
فلصرف زمانك منصرفٌولمدة هذا الهجر مدى
وارقد لعدوِّك مضطجعًاإن كان عدوُّك ما رقدا
وقال أيضًا:
إذا ذكرتك فاضت أدمعي وذكتنيران وجدي وزادت فيك أشجاني
وبتُّ ملقًي على فرش الضَّنى فلقدقد نافرت فيك طيب النَّوم أجفاني
/ ب/ عان بذا السُّقم أرعى في مدى سهريمن أنجم الأفق نجمًا ليس يرعاني
من مبلغ التاركي في حبِّة مثلًاينسى به ذكر ما قيسٌ وغيلان
أنَّي دنا أو تناءى رقةً وجفًامغرًى بحبِّيه في سرِّى وإعلاني
محمد بن عمر، أبو عبد الله الغماريُّ.
من أهل ميورقة من البلاد الأندلسية
رأيت من شعره ما مدح به المولى الصاحب الوزير الكبير العالم مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيبانّي بحلب- أدام الله تمكينه-:
هل للِّقاء من موعدبأغيد المقلَّد
أما تراني من هواك في المقيم المقعد
وأنت عنِّي ملتهفي حسنك المجدَّد
تلعب بي لعب الصِّبًابقدك المؤوَّد
مهما تشكَّيت لك الــوجد تقل إلى غد
فلا أنا بمقصروأنت لست مسعدي
لحظك لي مثاقفٌعن خدِّك المزرَّد
/ أ/ وقد جمعت نفرة الــظَّبي وبطش الأسد
وليس لي منك حمًىإلَّا حمى المؤيَّد
فقال لي: كن آمنًاوابشر بنيل المقصد
إن المؤيَّد الَّذي استنجدت خير منجد
أشهر أهل الأرض فيمكارم وسؤدد
أقدمهم في شرف الأصل وطيًب المحتد
أطولهم يدا ندًىأقولهم في مشهد
أعزُّهم جارًا وأوفاهم بحسن الموعد
أما رأيت فضلهيروى بكلِّ بلد
وأنَّه ينطق عنبحر علوم مزبد
أما سمعت مدحهفي فم كلِّ منشد
هو الكبير قدره .. في صورة المقتصد!
كم من يدله علىهذا الورى كم من يد؟
دامت له النِّعمة والــسَّعد دوام الأبد
محمد بن عيسى بن نظام الملك، الأمير.
من أهل بغداد.
يقول في الوزير أبي الثناء محمود بن محمد بن مقدار الحرّاني من قصيدة أولها:
فؤادي فيك زمُّوالا النِّياقاوشوقي دعدع الحادي وساقا
وصبري عنك يا تامور قلبيقضى وتجلُّدي بلغ السِّياقا
جلاك لي الفراق فصرت شوقًاإلى رؤياك أشتاق الفراقا
ومنها يقول:
فسائلي الفراق عن اغتماضيوقلبي فانشدي عنه الرِّفاقا
تخبِّرك الرَّكائب أيَّ دمعأرقت بها وأيَّ دم أراقا
وأنَّ الرَّبع منك دعا دموعيفلبَّته بوادرها اشتياقا
محمد بن عياش بن صباوة بن أبي بكر بن عبد العزيز بن رضوان بن عياش بن رضوان بن منصور بن دويد بن صالح بن زيد بن عمرو بن الزبار بن جابر بن كعب بن عليم بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن أ/ تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة أبو الفضل بن أبي البقاء النحويُّ الأديب العرمانُّي.
وعرَّمان قريةٌ كبيرةٌ من اشهر قرى صرخد من عمل حوران من الولاية المشهورة بدمشق.
دخل حلب وسكنها مدةً من الزمان، وسافر إلى بغداد، ثم رجع عنها إلى إربل، وأقام بها أيامًا قلائل، ثم رحل عنها ونزل الموصل، وتوجه إلى حلب، واستقر بها مقامه، واستوطنها وسكن المدرسة النورية المنسوبة إلى بني عصرون.
وكان يختلف إلى أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد [الله] بن الجبراني النحوي المقرئ، يقرأ عليه وعلى الشيخ الموفق أبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي؛ علم العربية والأدب، وأتقن معرفة هذا الشأن، وتمهر فيه على أبناء زمانه، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي- ﵁ إلا أنه غلب عليه علم الأدب والإعتناء به.
وكان واسع الحفظ لأشعار المحدثين وغيرها من أشعار العرب. وكان ذكيًا متوقدًا، جاري اللسان، ولم يدع جنسًا من أجناس الشعر، وفنًا من فنونه إلاّ واستظهر ب/ منه جملًة وافرًة. وكان يسر ديوان أبي تمام والحماسة، وشعر أبي الطيب المتنبي، ويجيد قول الشعر، وهو منه على طبعة متوسطة. وكان قادرًا على إنشائه، يقوله لهوى قلبه، ولا يرتزق به كعادة الشعراء اللذين يستميحون بأشعارهم، ويقصدون بها، وكان يعزّ نفسه عن الإسترفاد، وكان نظمه عليه سهلًا، وكان ضنينًا به لا يرى إثباته إلَّا يطرحه ويلغبه.
وكان يصنع الأشعار ويعزيها إلى الكبراء من أهل حلب، وأولى الثروة الذين كان يغشاهم ليتبجح عندهم بذلك وتنفق سوقه، وربما عثر لشاعر بأبيات فيسلخها، ويغير ألفاظها، ويبدّلها ثم ينتحلها.
وكان شابًا قصيرًا، لطيف الخلقة، منزعج العينين، شعره يضرب إلى منكبيه.
يتزيّا بزي المغاربة، وإذا نطق بالقاف جعلها كافًا. وكان خفيف الرأس، ناقص العقل، مبدّد الأحوال، سوداوي المزاج، تعتريه السوداء، ذا هوج وسرعة غضب، وربما أفضى به ذلك إلى ضرب من ضروب الجنون. وكان يسرف في المزاج والمداعبة.
/ أ/ إنسان سوء، قلَّ أن سلم أحدٌ من شرِّه ولسانه، وقد جعل هجيراه الوقيعة في أعراض الناس وتلقيبهم، ولم يترك أحدًا من الأماثل بحلب إلَّا وأظهر له لقبًا ونبزه به. يفعل ذلك على سبيل الإنبساط والمجانة، وكنت في بعض الأوقات ألومه على ذلك وأعنفه، فكان يقول لي: أنا أحبُّ اللعب والهزل.
وكان مع ذلك شديد الميل إلى المرد الصباح الوجوه، مغرًى بمعاشرتهم والاختلاط بهم. وكان يذهب مذهب الباشطاريًة، ويتعاطى الرُّجلة والشجاعة وركوب الخيل والمسابقة بها، وما نازعه أحدٌ في شيء ما إلاّ وشهر عليه سكينًا، وتوعّده بالفتك. وكان قد رفض جنب الله تعالى، ولم يخل في زمانه من هوًى يعلق بقلبه، ويستحوذ على ذهنه ولبّه، ويضمنه شرح أحواله، ويذكر ذلك في أقواله، ويصف ما يلقاه من تباريح الهوى، ويجده من شدّة الجوى، والشكوى والغرام، والصبابة والهيام، والجفاء والبعاد، والشوق والسُّهاد.
ولم يزل بالغلمان الملاح مشعوفًا، مستهترًا بهنَّ معروفًا؛ ذوي القدود الرشاق، والخصور الدقاق/ ب/ والطور المصفَّفة، والوجنات المترَّفة، وميله إلى هوى نفسه، هو الذي أودى به إلى رمسه؛ لا جرم عاد عليه وباله، ومات أشنع موته، وخسر الدنيا والآخر.
وكان يظهر التدين، وفعل الخير، وباطنه بخلاف ذلك، وما ظهر لي منه، شهد الله تعالى ألاّ استقامة الأحوال، وسلوك السَّمت الحسن، حتّى خبِّرت أنَّه هوى صبيًا أمرد بالمدرسة العصرونَّية، وأحبهّ حبًا مفرطًا، والصبيُّ يكرمه، وينفق عليه، ويعاشره أجمل عشرة تكون بين الأصدقاء، ولم يعلم الصبيُّ ما في نفسه إلى ليلة من ليالي شهر رمضان، وهي الرابعة عشر [ة] منه بعد صلاة عشاء الآخرة، وثب على الصبيّ خلسًة فضربه بسكين كانت معه معدَّةً فجرحه ثلاث جراجات، فنزل شخص آخر من المدرسة المقيمين بها، فضربه ضربتين ثم انهزم وصعد إلى بيته الذي يسكن به في علوّ المدرسة،
وقفل عليه الباب، فسمع شخصًا من المدرسة، يقول: قتل العرَّماني إثنين، فخاف على نفسه الصلب، فذبح نفسه! وبقي على صلاة الصبح، فجاء غلمان الوالي، فكسروا أ/ الباب، وألقوه من دركاة المدرسة، فبقى إلى ضاحي نهار يوم الإثنين، ثم دفنوه بمقبرة الجبيل وذلك في سنة خمس وأربعين وستمائة – سامحه الله تعالى- وعمره يومئذ في حدود الربعين أو نيّف عليها بيسير.
وما أنشدني لنفسه، وكتبه لي بخطّه:
يا صاح دع عذل العواذل في معتَّقة الرَّحيق
صرفًا تلهًّب في الكؤوس كأنها لهب الحريق
ممَّا تخيَّرها المسيــح ذخيرةً للجاثليق
وكأنَّها ذوبٌ من الــياقوت لا ذوب العقيق
يسعى عليك بها غزالٌ كالغزالة في الشروق
رشاٌ رشيق قوامهأحلى من الغصن الرَّشيق
جلَّت بدائع حسنةعن وصف ذي الذِّهن الدَّقيق
لك كلَّما نادمتهسكران من خمر وريق
أوما ترى وشي الرُّبىأربي على الوشي الأنيق
كم فيه من زهر يروق الطَّرف في غصن وريق
/ ب/ لمَّا تخلَّله النَّسيــم ومسَّه مسَّ الشَّفيق
لثمت ثغورٌ للأقاحبه خدودًا للشقيق
وتأرَّجت نفحاتهكتأرُّج المسك السًّحيق
وكأنَّ نرجسه مداهن من لجين للخلوق
وكأنَّ زهر بهارهالعقيان أو خدُّ المشوق
والجوُّ في حلل مطرًّزة بمذهبه البروق
فاشرب وصل منها صبوحك كلَّ يوم بالغبوق
وتسلَّ عن كلِّ الأنامفليس فيهم من صديق
وأنشدني لنفسه في الزهد، والرجوع إلى الله –﷿:
ياربِّ يا من إليهكلُّ الأمور تصير
يا من على كلِّ شيءهو القوىُّ القدير
إرحم بعفوك واغفرًذنبي فأنت الغفور
فليس لي من عذابإن لم تجرني مجير
وأنشدني لنفسه، يستدعى صديقًا له: [من مجزء الكامل]
/ أ/ قم يا كمال الدِّين نغــنم طيب ذا اليوم المطير
بمدامة قد عتِّقتمن عهد كسرى أردشير
يهدي إليك نسيمهاأرج الخزامي والعبير
رقَّت فما في كأسهامنها سوى إشراق نور
كادت تطير فعاقهاشبكٌ من الدُّرِّ النَّثير
يسقيكها ذو قرطقأبهى من القمر المنير
فإذا سقاك ثلاثةصرت الأمير على الأمير
ونشرت كلَّ فضيلةطويت من الفضل الغزير
فتعال فاشربها تسًــرٌّ فليس شيءٌ كالسُّرور
وأنشدني لنفسه يمدح:
يا ملكًا إنعامهعمَّ جميع البشر
وبأسه في الرَّوع أمــضى من مضاء القدر
هبَّ إلى الرَّاح فقدهبًّ نسيم السَّحر
وغنَّت الطَّير فأغــنت عن سماع الوتر
/ ب/ والجوُّ يجلى في رداء فاختيٍّ عطر
كأنَّه معترضًادخان عود نضر
وطلُّه مثل اللآلي في عيون الزَّهر
والأرض من رياضهافي حلل من حبر
فقم إلى مدامةصافية من كدر
كأنَّها ياقوتةٌقد رصِّعت بالدُّرر
يسعى بها قضيب بان مثمرٌ بالقمر
حيَّر غزلان النَّقابجيده والحور
يسقيكها ومثلهامن ريق فيه الخصر
ولا تزل في نعمةممتَّعًا بالعمر
وأنشدني لنفسه:
وبديع الحسن ليس لهغير قتلي في الهوى إرب
فعلت أحاظه بي ما تفعل الهنديَّة القضب
وشفائي لو يجود بهما حواه ثغره الشَّنب
ريقه صهباء صافيةٌوثناياه لها حبب
/ أ/ عجبي من نار وجنتهفي مياه الحسن تلتهب
إن بدا في الشَّمس من خجلبستور الحجب تحتجب
كملت في الحسن صورتهفإليه الحسن ينتسب
كلُّ راحاتي به تعبٌويح من راحاته التَّعب
وأنشدني أيضًا لنفسه:
أأحبابنا والله ما العيش بعدكملذيذٌ ولا الصَّبر الجميل جميل
ولا راق طرفي في الورى حسن منظرولا تأق قلبي صاحبٌ وخليل
ولولا نسيمات القبول تزورنيلها أرجٌ من نشركم وقبول
لما عشت من شوق إليكم مبرِّجبقلبي طول الدَّهر ليس يزول
زعمتم بأن البعد شهرٌ وقد مضىفما للنوى تلوى بكم وتطول
وأنشدني أيضًا لنفسه الشمس:
والشَّمس مصفرَّةٌ في الغرب قد نشرتشعاعها في تفاريق من السُّحب
كأنَّما السُّحب أعلامٌ مورَّدٌوالشَّمس من تحتها ترسٌ من الذَّهب
وأنشدني من شعره أيضًا:
/ ب/ وجهٌ صفا ماء الجمال به وشبَّت فيه ناره
وكأنَّ خطَّ أبن العديــم على حواشيه عذراه
وأنشدني لنفسه في المعنى أيضًا:
قد زخرفت في وجههللنَّاس جنَّات النَّعيم
وكأنَّ خطَّ عذاره الــمنسوب خطُّ ابن العديم
وأنشدني لنفسه، وقد سمع هذا البيت:
وسمراء رود حجَّبوها بأسمريماثلها في اللَّون واللَّين والقدِّ
فقال تمامًا له:
جفت فجفا جفني الكرى بجفائهاكأنَّهما كانا لهجري على وعد
وأنشدني أيضًا قوله، يصف الجيش:
خميسٌ كمثل البحر عبَّ عبابهأوائله ليست لهنَّ أواخر
له تحت أطباق الأراضي زلازلٌومن فوق أفلاك النُّجوم زماجر
وأنشدني أيضًا لنفسه:
يا مالكًا أمسيت منوجدي به متيَّما
سقام جفنيك الَّذيأغرى بجسمي السَّقما
/ أونار خدَّيك بهاوقعت في جهنَّما
من منصفي من شادنمهفهف عذب اللَّما
حكَّمته في مهجتيفجار لمَّا حكم حكًّما
كأن عقدي لؤلؤٍفي ثغره قد نظِّما
قدر رقم الحسن لهفي عارضيه أرقما
نمَّ بسرِّ حسنهلمَّا بدا منمنما
وسلَّ من جفونهمن اللِّحاظ مخذما
وفوَّق الهدب بقوسي حاجبيه أسهما
وهزَّ لدنًا ذابلًامن قدَّه مقوَّما
فاعترضت من دونهيمنعه أن يلثما
تحميه ممَّن رامهوقَّ للثغر الحمى
وأنشدني أيضًا لنفسه:
وشادن شاد هو الشــمس ضحى بل أحسن
قد جمعت في خلقهلناظريه الفتن
يودُّ جسمي انَّهحين يغنَّي أذن
/ ب/ في مجلس فيه لناأحسن ما يستحسن
ما تشتهيه الأنفسوما تلذُّ الأعين
وأنشدني له في غلام التحى:
ولمَّا اكتسى بالشَّعر توريد خدِّهوما حالةٌ إلاَّ تؤول إلى حال
وقفت عليه ثمَّ قلت مسلِّمًا:ألا أنعم صباحًا أيُّها الطَّلل البالي
وأنشدني لنفسه:
يعادي فلان الدِّين قومٌ لو أنَّهملأخمصه تربٌ لكان لهم فخر
ولكنَّهم لم يذكروا فتعمَّدواعداوته حتى يكون لهم ذكر
وأنشدني أيضًا قوله:
ومالي لا أحيِّي دار ليلىوأحبس في معالمها ركابي
واعتنق التراب لعلَّ قلبييسكَّن حرَّة برد التَّراب
وقد سلفت لنا فيها بليلىليالٍ مثل ريعان الشَّباب
وأنشدني لنفسه:
أنشد عزُّ الدِّين أشعارهفما شككنا أنَّهادرُّ
وما عجبنا أنَّه مخرجٌلدُّرِّ منه وهو البحر
/ أ/ وأنَّ أوصاف الوزير الَّذييفرق من صولته الدَّهر
قد أكسبت أشعاره بهجةًيخجل منها الشَّمس والبدر
وأنشدني لنفسه في الفقيه الإمام نجم الدين موسى بن محمد القمراوي يمدحه:
أصبحت علاَّمة الدُّنيا بأجمعهاتشدُّ نحوك من أقطارها النجب
بأن على كبد الجواز منزلةتحفُّها من خلال حولها الشُّهب
ما نال ما نلت من فضل ومن شرفسراة قوم وإن جدُّوا وإن طلبوا
وأنشدني لنفسه يمدح الوزير عبد المحسن بن محمد بن الواحد بن حرب الحلبي، وزير الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف:
إدَّعى مفتي الأنام رئيس الــشَّام زين الإسلام قاضي القضاة
أنَّ ذا الصَّاحب الوزير بن حربذا المعالي والأنعم السَّابقات
نشار العدل في الرَّعيَّة طاوي الــظلم عنها موفَّق العزمات
خاضب الأبيض المهنَّد والأسمرفي الرَّوع من نجيع الكماة
/ ب/ والشُّهود العدول عدلٌ وفضلٌونزالٌ والأبحر الزَّاخرات
وعجيبٌ أن أدَّعي ما أرى النَّاس أقرُّوا به وبالينات
وأنشدني لنفسه وقد رأى شيئاً من شعر الصاحب الوزير الكبير العالم مؤيد الدين أبي نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيباني- أسعده الله تعالى-:
وقفت على شعر الوزير ابن يوسففقلت شمالٌ صافحته شمول
تداف من السِّحر الحلال كأنَّهانجوم سما ما لهنَّ أفول
فللَّه أبياتٌ اتتنا بديهةوذاك على الفضل العزير دليل
بخطَّ كنوَّار الحدائق جادهمن المزن وكاف السَّحاب هطول
سطور كوشي الرَّوض حسنًا أجادهابنانٌ بأرزاق العباد كفيل
لك الله مولى شدَّ أزري وساعديوقام بنصري والرَّمان خذول
وقابلني إقباله عندما انثنىوأعرض عنِّي صاحبٌ وخليل
فلست أبالي بالخطوب وظلُّهعلىَّ على مرِّ الزًّمان ظليل
فما خاب في الدُّنيا أمرؤٌ هو قصدهولا شملته ذلَّةٌ وخمول
/ أ/ فدام لإسداء المكارم ما شداحمامٌ وهبَّت شمال وشمول
ونقلت من خطهّ، قوله بعد موته – رحمة الله تعالى- ما كتبه إلى الأمير الكبير العالم السعيد صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن موسى بن يوسف بن أيوب- أدام الله سعادته- من حلب إلى الرُّها، يتشوقه ويستوحش له:
تجنَّي فقلبي من تجنَّيه يخفقحبيبٌ غريب الحسن ألمى ممنطق
تبسَّم عن عذب الثَّنايا كأنَّهاجمانٌ شذاها من شذا المسك أعبق
ووسنانه أمضى شبًا من سنانهوقامته من قامة الرُّمح أرشق
زها ورد خدَّيه باس عذارهفظلَّ به قلب الشَّقيق يشقَّق
عسى هجعهٌ يا طرف علًّ خيالهيزور إذا نام الرَّقيب ويطرق
وكيف يزور الطَّيف لو ساعد الكرىمن دونه بحرٌ من الدَّمع معرق
ترى يرعوي عن هجره ويعود ليزمانٌ مضى لي منه بالوصل مونق
ليالي لا ألوي على عذل عاذلبسمعي وغصن العيش ريَّان مورق
/ ب/ وكأس الهوى صرفًا تدار وبيننًاحديثٌ كوشي [الروض] حسنًا منمَّق
فلا عذر لي إن لم يروَّض بأدمعيمن الحزن حزنٌ بالعقيق وأبرق
وحتَّى متى أبلى أسى ببعادهأمالي مجيزٌ مجيزٌ في هواه ومشفق
بلى إنَّ لي في ظلَّ يوسف ملجأيشرِّد عنِّي الخطب والخطب محنق
فتًى فات كلَّ العالمين إلى العلابعزم يباري البرق سعيًا فيسبق
فمن حاتمٌ في جوده وأبن مامةومن عامرٌ في بأسه والمحرق
وقد علم الآقوام أنَّك منهمبفعل النَّدى والبأس أولى وأليق
وأضرب بالبيض الصَّوارم في الوغىوأطعن بالسُّمر اللَّدان وأحذق
وكم معرك للموت جأشك رابطٌبه وبه هام الكماة تفلَّق
تشقُّ به بحرًا من الدَّم مزبدًابجيش به آذيُّه المتدفِّق
على سابح نهد يريك نشاكهكأنهَّ به منه على الأين أولق
فكيف أراك الدَّهر منك مساءةومازال منك الدَّهر يخشى ويفرق
لقد ساءني ما كان منه فأقبلتبه عبرتي من لوعة تترقرق
ويسألني عن حالتي من لقيتهفأذهل عن ردِّ الجواب وأطرق
ومادت به شمُّ الحبال مخافًةوكادت به روح المكارم تزهق
/ أ/ ولكنًّه ولَّى وأعقب صحَّةمجدَّدة ليست مدى الدًّهر تخلق
كما يكسف الشَّمس ساعةوعاد إليها نورها يتألَّق
فشكر لمن عافاك من كلِّ مؤلمومن كلِّ مكروه يسوء ويقلق
وأبلغت عتبًا عنك أضرم ذكرهحشاي بنار تستنير فتحرق
وما كان تركي الكتب إلاًّ لأنَّهتعذَّر عندي من إليك يشرَّق
وإلاَّ فمن يشتاق مثلي على النَّوىإليك ومن يحنو عليك ويشفق
ويبقى على مرِّ الجديدين دائمًاجديدًا له عهدٌ وثيقٌ وموثق
وجدت على قرب الدِّيار وبعدهاكما جاد هطَّال من المزن مغدق
بقيت بقاء النَّيرات مخلَّدًاوأنوارها من نور وجهك تشرق
فللفضل والإفضال والبأس والنَّدىوللدين والدُّنيا ببقياك رونق
وأنشدني أيضًا من شعره:
يا غنّيًا عنِّي وما لي غنى عنــه إلى كم يكون هذا الجفاء
قد رثى [لي] الحسَّاد من سوء حاليوبكى رحمة لي الأعداء
وقال أشعارًا كثيرة تفرقت وذهبت، كان ينفذها إلى معارفه واصدقائه.
/ ب/ محمد بن عابد بن محمد، أبو المكارم الكرمانُّي الصوفيُّ الزرنديُّ
أخبرني الصاحب الوزير أبا البركات المستوفي- ﵁ إجازة، قال: ورد إربل غير مرّة. ثم وردها في جمادي الآخرة سنة ست عشرة وستمائة، واجتمعت به في رجب. وكان الشيخ أبو نصر عمر بن محمد السُّهروردي، كتب له بخطّه إلى الفقير إلى الله تعالى أبي سعيد كوكبوري بن علي [بن] بكتكين يثني عليه بما حكايته.
"شهاب الدين الكرماني متفنن في العلوم، ويعرف المذهب والخلاف والحديث والتفسير والنحو واللغة. ومع ذلك هو ذو دين، وله النظم والنثر والترسل، ويصلح للتدريس والقضاء، وأن يبعث رسولًا. غير أنَّ بعض الناس تقبله بعض الطباع، وتأباه بعض الطباع فإن قبله الطبع بشيء من ذلك بقدر أن يقيم، وإلاّ فلينعم عليه بعوده إلى بلاده".
فأحببت الإجتماع به لهذه الأوصاف المنسوبة إليه، فوجدت ثناءه عليه، أكثر مما نسبه إليه. وناولني ورقة يمدح بها أبا سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، وقرأتها تهنئة بشهر رجب المذكور. وأولها:
"حسبي الله كافيًا ومعينا"
/ أ/ رجبٌ أتى في حرمة وجمالمتبخترًا في مشية المختال
باب المليك مظفَّر الدِّين الَّذيسبق الملوك بجوده الهطَّال
المحسن المطعام والمقدام منأضحى بسؤدده عديم مثال
وصلاته وصلاته وصلاتهمع حسن أخلاق ويمن فعال
كالرَّمل او قطر السَّماء وعدِّهاإيهون عدُّ قطاره ورمال
يختار شأو المكرمات ووصفهقد فات كلَّ مجوِّد قوَّال
ليبشِّر السُّلطان بعد قدومهببقائه ألفًا من الأحوال
في رفعه وجلاله ومكانةونفاذ أمر نافذ الأحوال
يا أيُّها السلُّطان والملك الَّذيفاق الخلائق في خلال جلال
أعجزت أرباب المكارم والعلابفضائل جلَّت عن الأمثال
وجمعت شمال الدِّين بعد تشتُّتونفيت عنه شعب كلِّ ضلال
وصرفت عن حرماته قصد العدابكتائب الأجناد والأبطال
ورفعت أمر الشَّرع أرفع منزلودفعت أهل الطَّبع بالأبطال
ونصبت أعلام الهدى بسياسةوظبات أسياف وطعن عوالي
قال: وهي أبيات كثيرة، وعقبها بكلام منثورالحاجة في إيراد ذلك
/ ب/ محمد بن غزة بن أبي الفتح بن سالم بن غرة بن مرة أبو عبد الله المري ثم العمريُّ الكلابيُّ.
من أهل حرّان
أخبرني أنه ولد بها في شهر شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. شيخ أشقر، عبل الجثة، قرأ طرفًا من مذهب الإمام الشافعي –﵁ على الضياء عثمان الزرزاريّ.
رأيته بحلب، وهو ينوب محتسبها محي الدين أبا صالح عد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن العجمي، عنه في الحسبة. ومن يرى شكله وهيأته يحسبه معلم صبيان المكتب لرقاعته وحماقة في رأسه، ويتعاطى الفضائل، ويدّعي قول الشعر، وليس عنده من الذي يدّعيه شيء، بل يغلب على طباعه الحماقة والعاميّة. وزعم أنَّ له شعراً كثيرًا.
ومما أنشدني لنفسه بحلب في شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة:
لو سار طيب خيالكم أو زارالحملت من ثقل الهوى أوزارا
لكنَّه كان الطَّليق من الجوىفجفا ولو يسري لفكَّ أسارى
ولقد أقول لبارق من بارقبوميضه لمَّاورى وتوارى
/ أ/ يا أيُّها البرق الَّذي بخفوقهأهدى إلى قلبي الخفوق وسارا
أبكيت طرفي حين تبسم في الدُّجىفلذاك أجريت الدُّموع غزارا
بالله قل هل عند من خلَّفتهعلمٌ بما جرَّ الفراق وجارا
أم هل ترى أنسوا لصحبه ذاكريتمثَّل الأوطان والأوطارا
يا حار روِّح بالمطيِّ من السُّرىنفسًا فإنَّ دليلها قد حارا
وأرفق بأبناء الغرام فإنَّهممن خمر كاسات الفراق سكارى
قد طلَّقوا لذًّاتهم فنهارهمفكرٌ وأمَّا ليلهم فسهارى
من كلِّ مطبوع على دين اللهوىوكفاهم هذا المقام فخاراً
أنضاء شوق تستقلُّ بحملهمأنضاء سوق كالقسىِّ تبارى
للنوح تحسبهم حمائم أيكةصارت لهم أكوارها أوكارا
وكأن أحداج المطيِّ وهم بهاأبرأج حسن أطلعت أقمارا
وأنشدني أيضًا لنفسه إملاءً:
إذا مغرمٌ صبٌّ خلا من معينةفنجدته دمعٌ جرى من معينه
ولم يك معتاضًا عن الحبِّ شأنهإذا عزَّ لقياه بفيض شؤونه!
/ ب/ ولا تعذل المشتاق فيمن يحبُّهفعذلك يغريه بفرط جنونه
وما ينفع الذَّال جذب شمالهوقد أكد الميثاق أخذ يمينه
أقام على دعواه عند عذولهبراهين تنفي شكَّة بيقينه
محاسن من يهوى فعاد عذيرهخلّها بها عن وهمه وظنونه
يموت ويحيا كلَّما شام بارقًاتألَّق من سهل الحمى وحزونه
يذَّكره وصلًا مضى كحقوقهوظلمة هجر بعده كسكونه
فلا تلما صبًا مشوقًا إلى الحمىينوح على أوطاره لشجونه
فإنَّ به ورق الحمائم في الضُّحىتنوح على كثبانه وغصونه
وأنشدني أيضًا قوله إملاًء من لفظه:
ترفَّق في ملامك يا ملومفما إعراضه حالٌ تدوم
يريك قساوةَّ ويلين سرّاًكذا الأغصان من ميل تقوم
أبثُّ إليه شكواي ويبدي الــتَّجاهل وهو بالشَّكوى عليم
بديعٌ في الجمال إليه يصبوببهجة حسنه الرَّجل الحليم
عدتني صحَّتي لصحيح طرفوأعداني به الجفن السَّقيم
/ أ/ وخدَّد مهجتي خدٌّ أسيلٌّفبالأحشاء من كلفي كلوم
أنست بنار خدَّيه كأنَّيلفرط صبابتي موسى الكليم
أزال مدامعي من بعد صونفناثرها له ثغرٌ نظيم
وأهوى قدَّه الخطَّار عجبًاإذا ما مال لا القدُّ القويم
شكوت عقاربًا لدغت فؤاديومادَّبت بوجنته تقيم
عجبت ولا سليمٌ من هواهيذوق كرى ولكنَّي السَّليم
وأنشدني لنفسه أيضًا:
ما رمت عن عاذلي وجدًا أكتِّمهاإلاَّ بوادر دمع العين تعلمه
أنَّى يفيق من البلوى به دنفٌوصحَّة الحبِّ والأشواق تسقمه
بدرٌ له من ضياء الحسن أنورهومن حنادس ليل الشَّعر مظلمة
عجبت كيف سبى قلبي تمايلهوأقتل الرَّمح في الهيجا مقوَّمه
فلو ترى حين أشكو وهو يبسم مندمعي على صحن خدِّي كيف أسجمه
فما السَّحاب سوى جفنيَّ هاطلةًولا البروق به إلاَّ تبسمه
يا باخلاً ظنَّ أنَّ الطَّيف يطرقنيفصدَّه في السُّرى عنِّي توهمه
/ ب/ ما ضرَّ أنَّ خيالاً منك ترسهوكان يحظى به في النَّوم مغرمه
وأنشدني أيضًا لنفسه، مما قاله في الغزل، مبدأ قصيدة:
سلاسل برق لاح والرَّكب متهمتقيَّد في رؤياه صبٌّ متَّيم
ويخفق منه قلبه لخفوقهويبكى لذكرى حبِّه وهو يبسم
ومن عجب نارٌ على البعد أوقدتبأحشائه نار الأسى تتضرَّم
أراقبها حتَّى الصَّباح لعلَّه يرى نسمة من نحوها تتنسَّم
ويرجع إمَّا منه تهدي تحيةإليهم وإمَّا بالتحًّية منهم
خليليَّ كفَّا ليس عذلي ينافعوهيهات يصغى في الملامة مغرم
ولا تعذلا ما كان أشهى لسمعهأحاديث تروى في المحبَّة عنهم
فها رجبٌ سمعي وصبري لبينهمغدا صفرًا والنُّوم عنِّي محرَّم
فيا مالكي في القلب منك نويرةٌوفي جفن عيني من هواكم متمِّم
وأنشدني لنفسه أيضًا عزلًا:
أفي الفتك أمضى لحظة أم مهنَّدحسامٌ غدا في العاشقين يجرَّد
/ أ/ وغصن النَّقا فوق الكثيب إخالهوشمس الضُّحى أم وجهه يتوقَّد
أحاط عليه مقفلٌ من عذارهعجبت له، أنَّى له وهو أغيد؟
وأعجب منه قاتلي وهو آمنٌعلى نفسه والخدُّ منه مزرَّد
حكى مدمعي في الخِّد رقَّة خدِّهولكنَّه من لونه يتورَّد
وثغرًا له في فيه أضحى منضَّدًافمن أجله دمعي عليه مبدَّد
رنا فسقى من لحظة الخمر صحبهفأعجب به صاح علىَّ يعربد
نظلُّ سكارى لا نفيق من الهوىإذا ما انقضى سكرٌ لنا يتجدَّد
تخيلته في خاطري فرأيتهفمن عظم إجلالي له ظلت أسجد
فكم حاسد أو عاذل عاد عاذرًاإذا ما رأى الحسن الَّذي فيه أحسد
يروم صلاحي بالملا وما درىإلى العذل عنه في الحبَّة يفسد
وأنشدني أيضًا لنفسه:
ذكر الحبيب لدى الكئيب شجونوكذا الملام لدى الغرام جنون
مثل النَّسيم يزيد نيران الغضالهبًا ويظهر ما بهنًّ دفين
ظبيٌ رأى قلتي بلحظ عيونهأثَّرن في قلبي فهنَّ عيون
/ ب/ لو لم تكن قضبًا تريق دماءناما قيل أغطية اللَّحاظ جفون
لا تحسبن خالًا يلوح بخدِّهلكنَّ إثمي للأنام يبين
إسودَّ فيه دمي ليبقى شاهدًامنه عليه في الحساب يكون
يحكي القضيب إذا عتبت بميلهحينًا ويعطفه على اللِّين
أهوى لما يرضى وإن حتفي بهما عزَّ عندي ما عليه يهون
أشكوه أم أشكو إليه وكيف ليلو أنَّه عند العتاب يلين
إنِّي وإيَّاه قتيلٌ في الهوىومبرَّاٌ في فعله وضمين
وأنشدني لنفسه أيضًا، وكان قد رحل من حلب إلى البيرة:
أأحبابنا غبتم فأدناكم الهوىبقلبي فأنتم نازحون دواني
يمثِّلكم قلبي فأنظركم بهكأن لم تزل أشخاصكم بعياني
ركبتم لحيني مركب الصَّدِّ جامحًاوشوقي إليكم آخذٌ بعناني
وعوَّضتم عن قربكم ببعادكمفجودوا فما لي بالفراق يدان
جنيت على روحي البعاد برحلتيكذا كلُّ جان للقطعية جاني
/ أ/ يقلُّ اصطباري كلَّما زاد موهنًاوميض بريق بالشِّام شجاني
على حلب مسراه في ظلمة الدُّجىكلمع ثغور أو فرند يماني
خليليَّ من ذكر الحمى وطويلعٌدعاني فذكر الاسفريس دعاني
الأسفريس: محلّة بحلب.
به منزلٌ فيه من الرِّيم آنسٌنفورٌ إذا ما رمته لتداني
حكى مدمعي ما ضمَّه من قلائدمنظَّمة من لؤلؤ وجمان
ولكنَّه لمَّا تلوَّن في الهوىتلوَّن مني فهو أحمر قاني
عجبت له سكني فؤادي وما اعتنىبإسكانه من شدَّة الخفقان
وأنشدني أيضًا من شعره في إنسان كبير الأنف:
لو أن فرعون على أنفهلم يبن عالي الصَّرح هامان
وحلَّ كسرى في ذرى حزبهوقد حوى الإيوان إيوان
وجلَّ من أبدع في أنفهإذ هو على الصَّنعة برهان
محمد بن غسَّان بن غافل بن نجاد بن غسّان بن غافل بن نجاد بن ثامر بن رفاعة بن نجاد بن محمد بن كامل بن محمد بن نجاد، أبو عبد الله الأنصاريُّ.
من أهل دمشق.
حكى محمد بن جامع الدمشقي، قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن غسّان الدمشقي الأنصاري، قال: رأيت في المنام كأنّي في بستان كنّا نملكه في المزّة، وفيه جوزةٌ كبيرة. وكان والدي وأعمامي كثيراً ما يتغدون تحتها، فقلت: لا إله إلاّ الله هذا موضع أبي وأعمامي!، فسمعت قائلاً ينشدني من أصل الجوزة، أسمع صوته ولا أرى شخصه، وهو يقول:
أيا منزل الأحباب هل فيك مخبريخبِّرني أم هل نرى فيك منجدا
عفوت فأعمى رسمك الموت والبلىوأقفرت حتَّى لا أرى فيك مسعدا
أحبَّه قلبي فرَّق الدَّهر بيننافلا تشمتوا بالبين أشرار حسًّدا
بعدتم فذاب الجسم بعد بعادكموأخليتم الأوطان أشمتم العدا
فعودوا يعود الوصل بعد قطيعةفهيهات راح اليوم فاصبر إلى غدا
فأنكرت آخر البيت، فسمعته يقول: هذا إقواءٌ.
/ أ/ محمد بن فضل الله بن أبي بكر، أبو عبد الله الخطيب النيسابوريُّ.
كان يتولّى الخطابة الريّ.
وجدت له بخطّه نظمًا ونثرًا عربيًا وفارسيًا. ومما نقلت من شعره العربي، قوله وليس هو مختار شعره، ويغلب على أقواله العجمة والعجرفة.
وهو القائل:
هبَّ ريح الشَّوق من برح النَّوىحين لاح البرق في وسط اللِّوى
لوعة الأشواق دعني أشتكيأوقدت في أضلعي نار الجوى
صرت من كأس الرَّدى في سكرةوغرامي دار بي دور النَّوى
أنأ في الحزن صدَّت سلوتيعزم الأيام ضرِّي نوى
حبَّذا آثار أنفاس الصَّباآه من حالات لوعات الهوى
وقال أيضًا:
سقيًا لعهودنا الخواليإذا عهد معهد الوصال
العين على مني رواهتبكي وتذرف كاللآلي
القلب بحبِّه يباهيإلًّا بهواه لا يبالي
لمَّا برقت وميض طيفأيقنت مخايل الخيال
/ ب/ أدي قمرًا إذا تجلَّىكالبدر أضاء في اللَّيالي
أمسيت وهجره سلوِّىأصبحت ووصله سؤالي
وقال أيضًا:
طلع الصُّبح هات يا صاحرغم أنف العذول والَّلاحي
قهوًة كالزُّلال صافيةهي والله روح أرواح
هيَّ في الجام أنجمٌ طلعتشعشعت نورها كمصباح
لا تقف في إبتغاء مطلوبيواسع في حاجتي بإنجاح
سدَّ باب الهموم فافتتحنبمفاتيح دور أقداح
إغتنم في الصَّباح كأس طلًافمضى الصُّبح أيُّها الصَّاحي
أنا في الصُّبح عند ندمانيراحتي في الصَّبوح والرَّاح
وقال يهجو قاضيًا:
قاض لنا في الفعل ممقوتًافي البغي والعدوان جالوتا
بالجهل والنُّقصان معروفًاقد صار بالخذلان منعوتا
في طلب الأير له همَّةٌمن شوقه لا زال مبهوتا
[يبخل بالمال ولا يوتىلكنَّه في خلقه يوتى]
/ أ/ محمد بن أبي الفتح بن أبي بكر أبي الفتح بن الحسين، أبو عبد الله، الأشترُّ الأصل، المصريُّ المولد والمنشأ.
ذكر أنَّه من أولاد مالك بن الأشتر. أنشدني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الأشبيلي بحلب، قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الأشتري لنفسه:
لو صحَّ في شرع الغرام وفاكلرشفت من شعفي لماك وفاك
فعلام تعتمدين قتل متَّيمأترى نهاك عن الوصال نهاك
ماذا يضرُّك لو مننت بنظرةماذا يضرك لو جفيت جفاك
حلَّلت قتل الصَّبِّ وهو محرَّمفبلحظك الفتَّال من أفتاك
لولاك ما ملك الغرام حشاشتيوأذاب جسمي عامداً لولاك
أهوى الأراك وما الأراك بمنزليلكن لعلَّ على الأراك أراك
واغضُّ عن ظبيات كاظمة الحمىطرفي وقلبي لا يحبُّ سواك
فبغزِّ عزِّك يا سعاد بذلًّتيبنحول جسمي بالَّذي عافاك
بعظيم ما في القلب منك بحقِّ منبالحسن قد حلاَّك إذا حلاَّك
لا تتركيني عبرًة لأولي الهوىوترفَّقي يا هذه بفتاك
/ ب/ وتعطَّفي من قبل قول مراقبلله يحسن في فلان عزاك
إن كان سفك دمي بغير جنايةوتلاف روحي في الهوى برضاك
فاستغنمي فرص الزَّمان وذاك أنًّــا يا سعاد وما ملكت فداك
وبكلِّ ما شئت إفعلي بي إنَّنيبخطاك يا لميا غفرت خطاك
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو عبد الله قوله:
خف الصَّديق وكن منه على حذرولا تقل جاءني هذا على نسق
فالمرء يشرق بالماء الزُّلال إذاطورًا وطورًا به ينجو من الشَّرق
وأنشدني، قال أنشدني لنفسه في صديق:
لا تعجبنَّ إذا دهتك مصيبةٌمن صاحب عكفت عليه ذئابه
واحذر مصافاة الصَّديق فرَّبماعانت على غرق الغريق ثيابه
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:
قال الحبيب لصاحبي: صف داءهأبه جنونٌ؟ قال: لا، بل مغرم
بك بات يحلم ليله فأجابهأوما كفاه ينام حتَّى يحلم
لو كان في الدَّعوى محبّاً صادقاًما كان يفني العاشقون ويسلم
وأنشدني، قال: أنشدني قوله:
/ أ/ يقولون لي: جلِّقٌ جنَّةٌمزخرفةٌ للورى مفتنه
فقلت وما إن بها محسنٌيرى للغريب ولا محسنة
إذا قطع الماء منها غدتكأربابها جيفةً منتنه
محمد بن أبي الفخر بن أحمد، أبو حامد الكرمانيُّ الصوفيُّ الشيخ الزاهد.
ذكره الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي- ﵁ في تاريخه، وقال: ورد إربل غير مرَّة. وكان أوّل ما وردها معه جماعة من العجم، ونزل بالقبَّة الشمالية من المسجد الجامع يسرة الداخل من الباب الشمالي، وزاره الناس وعليه جبَّة صوف، واجتمع بالفقير إلى الله تعالى ابي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رحمة الله تعالى- في مجلس سماع، وأراد الحج في تلك السنة، فزوّده ومن معه، واكترى لهم الظهر إلى مكة، سائرين وقافلين بجملة من مال ثم صار في آخر قدماته خاصًا بأسراره ينفذه رسولًا إلى الأطراف، وصار له خول ودواب كثيرة. وكان شيخ رباط الجنينة مشارك عمّاله في النظر معهم على حاصله، فحوسب فبقي عليه مال أطلقه له الفقير إلى الله تعالى أبو سعيد كوكبوري بن ب/ علي، وخرج من إربل فهو في ديار بكر وما والاها شيخ مشايخ ربطها. كان يحب أن يكون في ألقابه علم الهدى.
أخبرني أنَّه ولد ببردسير سنة إحدى وستين وخمسمائة، يروي عن الشيخ أبي الغنائم غنيمة بن المفضل السجاسي، وهو صاحب خرفة في التصوّف. وسجاس قرية من قرى سهرورد بين زنجان وهمذان. هذا آخر كلامه.
وقدم بغداد وأقام بها إلى أن توفي ثالث شعبان سنة خمسين وثلاثين وستمائة ودفن بجانبها الغربي بالشونيزى، جوار قطب الدين الأبهري- رحمهما الله تعالى-
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع