من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه يوسف
يوسف بن إبراهيم بن مروان الماردينيُّ، أبو المحاسن.
أصله من رأس عين.
كان كثير في المديح. وكان يكتب بحرّان في حلقة البيع.
أنشدني من شعره، الشريف أبو نصر محمد بن أبي طاهر بن شجاع الهاشمي البغدادي بها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، قال: أنشدني أبو المحاسن يوسف بن إبراهيم المارديني لنفسه يمدح الملك الأشرف مظفَّر الدين موسى بن أبي بكر بن أيوب - رحمه الله تعالى:
يا مليكًا له الزَّمان غلاموبكفَّيك يستدرُّ الغمام
وبإشراق وجهك الحسن الطلــق على المعتفى يضيء الظلال
وإذا أجدبت نفوس كرامأخصبت منك همة واهتمام
أنت من خصه الإله بنفسلا تسامى ورتبة لا ترام
فلعطف العلاء منك اهتزازولعقد العطاء منك انتظام
ولخصر الوقار منك نطاقولثغر الفخار منك ابتسام
وأرى الرأي والرواية شيخولدى الحرب والخصام غلام
وإلى غاية العلا متناهوعلى حومة الوغى مقدام
ملك أشرف لدى الدين يقظان وقد كان عنه قوم نيام
ومليك الدنيا وإن ضر قومًافإليك الإرضاء والإرغام
فيك نور يهدي به الله من شاء ونار يصلى بها أقوام
إنَّ من أمَّه رضاك سعيدوشقيٌّ من عمَّه الإنتقام
آية الله لا تماريَّ فيهاراية منك تعتلي وتقام
وقال من قصيدة أولها:
من نون حاجبه ولام عذارهإقدام مغريه على اعذاره
خطَّت أنامل حسنه في خدَّهسطرًا فكان الورد من إصداره
مضمونه يا معشر العشَّاق قدجارت أوامر حسنه في جاره
يا حاجب السُّقم المعان بناظرفي الصَّب أجر السُّقم في أنظاره
يا للعجائب كيف يسلم عاشقمن لحظه السَّحَّار في أسحاره
أم كيف يجمع مع مضارب لحظهظلمًا لواحظه إلى تيَّاره
/ أ/ ظبي من الأتراك من أعطافهلدن يجيد الطَّعن في نظَّاره
قد كنت بالإسلام مغرى قبل أنيجلو عليَّ الخصر في زنَّار
وكذاك من قبل أرتشاف مقبَّلمن ريقه أستعففت من خمَّاره
صبًّا بكوثر ريقه في جنَّةلولا تضرُّم خدَّه من ناره
ما زال يردف خصره من ردفهبالجيش حتَّى صرت من أنصاره
يا حبَّذا لثم اللِّثام إذا بداوالبدر يشرق من سنى أزراره
حيث المجرَّة جدول تجري بمايلقيه غصن الأفق من أنهاره
والنُّور من زهر الكواكب ناظمكفَّا م المرِّيخ سبك سواره
وبنات نعش في الظَّلام إلى الدُّجىواش بضوء الصُّبح في إسفاره
وقال من أخرى:
ألَّية برِّ صادق غير حانثبغير المثاني لم أدن والمثالث
وناي وراح من يدي مخطف الحشًاكبدر تجلَّى تحت فرع جثاجث
قنعت من الدنيا بكأس وشادنوندمان صدق للمسرَّة ثالث
يدير شموسًا كفُّه مشرق لهاتغيب بأفواه النَّدامى المواكث
/ ب/ فكأس مدامٍ عتَّقت قبل آدمٍوكأس لحاظ ساحرات نوافث
وقال أيضًا:
ما ضرَّ ذا الخال لمَّا فاق معناهلو بات من صدِّه خال معنَّاه
أو أنَّه أمر الطَّيف المزاور أنيزور مضجعه لمَّا تجافاه
عساه يرثي له ممَّا يكابدهمن الغرام إذا ما اللَّيل يغشاه
يا ويح من ضمِّنت نارًا حشاشتهتصعَّدت فهمت للعين أمواه
فكيف يطفي غليل من عليل جوىظبا عيون الظِّباء العين أضناه
بان الخليط بصبر المستهام ضحىفجدَّ بي الوجد لمَّا جدَّ مسراه
فظلت أندبه والدَّمع منهملحتَّى لقد كاد أن تطفو مطاياه
فمن لمرغوب بين قلَّ ناصرهوصبره إذا تجافاه أحبَّاه
صبّ تمَّنى بأن يقضى له وطرمنهم فلم يقض يومًا ما تمنَّاه
وقال أيضًا:
إنَّ خيرًا من قهوة ونديمحكمة أستفيدها من حكيم
ثمَّ أنهى من أتِّباع المعاصيطلب العلم من ذوات العلوم
/ أ/ ليس سجع القيان مع نغمة المـطرب في حندس الظَّلام البهيم
كسماع القرآن من منطق عذب وتسبيحه لربّ رحيم
فذر الخم والخمار فما الشُّرب مع الشَّرب في ظلال الكروم
كجلوس مع عالم مستفيدًانوره ساطع لدى التَّعليم
فتجنَّب معاصي الله في دار غرور جاءت بعيش ذميم
لا تكن واثقًا إليها فكم قدأوثقت واثقًا بخطب جسيم
كدرَّت صفو عيش آدم في المبـدا فمبدا عنادها من قديم
غرَّبت نوح في البلاد فكم كابد بعد اهتمامه من هموم
عاش فيها أيُّوب ما بين صبرغير خاف وبين جسم سقيم
وهي أودت بصبر داود لمَّافتنته بفعلها المذموم
فغدا باكيًا يروَّي سهول الأرض من فيض دمعه المسجوم
وقال يمدح الرئيس صفي الدين إسماعيل بن أبي القاسم الحلبي:
حال عن عهده ومال الملولحين [أصغى] لما يقول العذول
/ ب/ من به في الهوى يزيد غراميدون تقصيره ووجدي يطول
قمر يخجل البدور بوجهغير ما حسنه الغريب أفول
جلَّ عن وصف من يقول بما فيـهـ وحار التَّشبيه والتَّمثيل
ورشيق القوام أربى على الغصـن وطال القضيب وهو طويل
هزَّ لمَّا أنثنى على لين عطفيـهـ قوامًا لا يعتريه ذبول
رشا يألف القلوب محلَّاوهو من عرف طبعه مستحيل
بتُّ أسقى من كفَّه لون خدَّيـهـ وعاثت شمائل وشمول
من ساف كأنَّها في دجى اللَّيـلمن ضلَّ في الدُّجى قنديل
بنت كرم تهوى الكرام اختيارًاعندما ذمَّ في الزَّمان البخيل
لطفت فهي كالهواء ورقَّتفهي كالماء لا بل السَّلسبيل
قهوة عتِّقت ببابل والدَّهـر سوى بابل بها مشغول
لبست في الزَّمان حلية لونفهو من طول عمرها لا يحول
فكأن قد أعارها اللُّطف والعرف صفيُّ الدِّين الفتى أسماعيل
ذو العطايا الجسام من أبي القاسم صدر في الدَّست منه جليل
/ أ/ من به في الزَّمان تفتخر الشَّهـبا وتسمو شبَّانها والكهول
صاحب الهمَّة الَّتي تسبق الوهـم بعزم لا يطَّبيه فلول
ليس من يقتني النَّفيس من الدُّرِّ كمن ليس عنده تحصيل
يا رئيسًا أضحى به الأمر يزهومن سنى وجهه الَّذي لا يزول
طلت فينا كطول والدك الماضي ويبقى لك البقاء الطُّويل
لك في الوصف ما يجلُّ عن الوصـف ولا تهتدي إليه العقول
وسماح أزرى بمنسكب الغيـث وقد سأل عن نداه السُّيول
يوسف بن إبراهيم بن نصر بن عسكر بن نصر بن عسكر، أبو العزِّ بن أبي إسحاب الموصلي.
وأبوه قاضي السلاميّة، وقد مرَّ شعره في موضعه.
وابنه هذا كان قد قرأ طرفًا جيدًا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ – بالموصل بالمدرسة النورية التي أنشأها أتابك نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود. وتأدّب وكان له دراسة وفهم، يقول أشعاراً.
رأيته غير مرة ب/ واقتضيته شيئًا من شعره، فلم يقدر أن اكتسب عنه شيئًا منه، وسافر إلى آمد واستوطنها إلى أن توفى بها. وكان شابًا حسنًا ذا قريحة سمحة، وخاطر موات في النظم.
أنشدني أبو الفتح مسعود بن مودود الضرير الكرخيني، قال: أنشدني يوسف بن إبراهيم بن نصر بن عسكر يمدح بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله – صاحب الموصل:
ظعن الأحبَّة منجدين وساوراوسرت بقلبي والفؤاد نوار
وبقيت مختطف الفؤاد متَّيمافالقلب يخفق والدُّموع غزار
لا يستقرُّ بي القرار فمنجدإن أنجدوا ومغوَّر إن غاروا
لا تنكرنَّ لي الوقوف بربعهملولا الأحبَّة لم تشقني الدَّار
ومنها قوله:
يا من أعار قوامه غصن النَّقاهيفًا ودون جبينه الأقمار
كيف استبحت القتل وهو محرَّمأنسيت ما صدعت به الأخبار
فأجابني في حكم أرباب الهوىقتل المحب على الحبيب جبار
/ أ/ ومنها في المديح:
قيل إذا عقد الحبى وسميدعإن شبَّ للحرب العوان شرار
وإذا تناوله الكماة بمأزقفطوال أعمار الكماة قصار
كلف بتشتيت الُّلهي فكأنَّمايوم العطاء له عليه ثار
ومن شعره أيضًا ما كتبه إلى بعض أصدقائه إلى إربل:
ترى إن سألت الرَّيح حمل تحيَّتيإلى إربل الغراَّء تحملها عنَّي
فما حنَّ مشتقاق إلى طيب منزلحنيني إلى الغرَّاء كلاَّ ولا حزني
سررت بلقياه فعاد فراقهعليَّ بأضعاف السُّرور من الحزن
ومنها: فليت المطايا سرن بي عنه سرن بيإليه ولو كان المسير على جنفي
يوسف بن أحمد بن يوسف بن الأزرق، أبو العزِّ الفارقيُّ الأصمُّ
كانت ولادته في اليوم الثالث من جمادى الأول وهو يوم السبت سنة سبع وسبعين وخمسمائة
/ ب/ كان هذا الرجل من أشهر بيت بميّافارقين وأقدمه. ومن عجيب شأنه أنُّه كان على أشدّ ما يكون من الصمم؛ وحكي لي أنه كان مع صممه ذكيًا بصيرًا، شديد التيقظ، مفرط الفطنة، أعطاه الله فهمًا دراكًا، وخاطرًا وقّادًا، وفطرةً سليمة. وإذا أراد إنسان منه حاجةً أوامرًا ما يروم بذلك تعريفه كتب له في الهواء فيدركه سريعًا بلا توقف، أو يشير إليه ويحرك له شفتيه فيفهم المعنى المراد به والغرض المطلوب بأدنى إشارة وأيسر إيماء.
وله مع ذلك شعره؛ وهو القائل يمدح المولى الصاحب الوزير العالم الكبير مؤيد الدين أبا نصر إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الشيبانيّ – أدام الله سعادته وبلَّغه أمنيته بمحمد وآله وصحبه أجمعين:
إنَّ الوزارة مذ رأت أحوالهاجلَّت ولم تر حاملًا أثقالها
كلَّا ولا ذا عزمة مرهوبةبالعدل والإحسان يصلح حالها
نهضت تروم لها كريمًا ماجدًاشهمًا تمدُّ على علاه ظلالها
حتَّى إذا علمت بأنَّك صاحبًاكفئًا تزيد سموَّها وجلالها
/ أ/ خطبتك من حلب فلم تك راغبًافيها ولا متطلِّبًا أمثالها
وأتتك طالبةً وصالك بعد مامنعت جميع الطَّالبين وصالها
فمنحتها بالوصل منك لأنَّهاجعلت إليك رجوعها ومالها
ونهضت نهضة ماجد تسمو بههمم سواه من الورى ما نالها
وقصدت ميَّا فارقين فقابلتبك عندما قابلتها إقبالها
وتفرَّقت عنها المطامع من جميـع الطالبين وفارقت أطلالها
وحللتها فاستبشرت بعلاك بلعمَّ السُّرور نساءها ورجالها
وكففت عنها كلَّ كفِّ لم تزلبالجور تكنف دائمًا أموالها
وظفرت من رأي المظفَّر بالَّذيترك الممالك قد ملكت عقالها
فحرست دولته البعيدة عندمارفعت إليه واشتكت أحوالها
فغدا إليك مفوِّضا أسبابهاوأقالها من خامل وأذالها
فتجمَّلت بعلاك بل جمَّلتهايا أوحد الدُّنيا وزدت جمالها
وحميت حوزتها وقمت أمامهاويمينها ووراءها وشمالها
بعزائم تمضي إذا امضيتها الأقدار تتبع أمرها ومقالها
/ ب/ أمؤيّد الدّين الَّذي قد أيَّد الله البلاد به وأسعد فالها
يا سِّيد الوزراء إبراهيم يامن عن فعال الخير يوما ما لها
يا صاحبًا نال الوزارة عندماعزَّت ولم ينل الرِّجال منالها
لله أنت إذا الحوادث أقبلتنحو الوزير وزلزلت زلزالها
من صاحب يجلو دجى الجلَّى إذاجلَّت ويهدي رأيه جهَّالها
يا نجل يوسف الَّذي حاز العلابمناقب أحد سواه مالها
أنت الَّذي لك في الأنام عوارفوصنائع جحد الزَّمان فعالها
ولك اليراع يروع أفئدة العدافرقًا بأن يدني لها آجالها
إن جال فوق الطَّرس أرجف بالعداجولانه يومًا وسدَّ مجالها
فلكم بكبتك قد كبتَّ كتائبًاوهزمت منها في الوغى أبطالها
أرسلت إذ أرسلت رأيك نحوهاآجالها إن شئت أو آمالها
وتركت بالآراء غلب أسودهالم تستطع فرقًا ترى أشبالها
فتفرَّقت بعزائم لك قصَّرتمن عزِّها بل طوَّلت إذلالها
تلك الصفِّات الغرُّ فيك أعيذهابالله يومًا أن يتمَّ كمالها
/ أ/ يا صاحبًا عمَّ الورى بمكارممنه تسابق دائمًا سؤَّالها
إن أصبحت حلب وأدمع أهلهاًمحلوبة لمَّا أعتمدت ملالها
فجهات ميَّافارقين مضيئةقد أشرقت بك مذ وصلت حبالها
فاسعد بها وأسمع معان لم يطقفي الدَّهر ينظر شاعر أشكالها
من قائل أقواله مشهورةعند الأفاضل غيره ما قالها
بجنانه سحبان بل بلسانهلكنانا يمنع ثقله إرسالها
قد جاء معتذرًا من التَّأخير والـتَّقصير يرجو منك ستر خلالها
ويقول ما صدر الزامان ومن عصتأحلاقه في جوده عذَّالها
لا تنظرن لبسي فإنَّ عصابة الـفضلاء قد رضيت لها أسمالها
وأنظر إلى فضلي فكم من أسرةللفضل قد حسن الورى أفضالها
وأفتضَّها منِّي مخدًّرة أتتعلياك لم يبصر سواك خيالها
فأسمع معانيها بوجه مقبلوأقبل عليها وأعتبر أمثالها
وأفتح بجود يديك لي سبل الغنىعجلًا وكسَّر بالنًّدى أقفالها
وأستجل من غرر المدائح حرَّةكالشَّمس تكسف بدرها وهلالها
/ ب/ وأسلم ودم في دولة أبدًا علىكيوان يسحب دائمًا أذيالها
لا زلت صبّاً بالمعالي ما صباصبٌّ بذات صبًا تزيد دلالها
يوسف بن أحمد بن عليِّ بن أحمد بن عليِّ بن عبد المنعم بن هبل، أبو الفتح بن أبي العباس الموصلي المولد والمنشأ، البغداديُّ الأصل، المعروف جدُّه بالحكيم الخلاطِّي.
وقد مرَّ شعر أبيه وشعر جدِّه متقِّدما من الكتاب.
وهم من بيت معروف بالطبّ
وأبو الفتح هذا أتقن طرفًا من علم الحكمة والطبّ وتميز في ذلك. وكان فيه ذكاء وله قريحة صالحة في نظم الشعر، ويقول منه المقطعات.
ثم إنَّه كان من ذوي الطبقات العالية في لعب الشطرنج المبِّرزين. وكان شابًا كيِّساً حسنًا لطيفًا، سكن بلاد الروم مدَّة من الزمان، ولم يزل بها مقيمًا إلى أن توفي ِّ رحمه الله تعالى.
ومما أنشدني لنفسه بالموصل بمنزله بسكّة أبي نجيح:
لمَّا بدا الشَّعر المضلُّ بخدِّهوأزال رونق وجهه وجماله
/ أ/ كتب العذار على صحيفة خدِّههذا جزاء صدوده وفعاله
وأنشدني أيضًا لنفسه إملاءً:
لي همَّة فوق أعلى النَّجم منزلهاوفكرة حار فيها من يدانيها
إن كان يسعدني دهري بخدمتهافسوف أوضح شيئًا من معانيها
يوسف بن إسماعيل بن عبد الجبّار بن أبي الحجَّاج يوسف بن عبد الجبّار بن شبل بن عليِّ الصُّويتي ِّ وصويت
فخذ من اليمن أبو الحجّاج بن أبي الطاهر المقدسيُّ، الأصل المصريُّ المولد والمنشأ.
كان والده عارض الجيش في ديوان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظّفر يوسف بن أيوب بن شاذي – ﵁ – وكذلك جدُّه أبو الحجَّاج.
وكان من عقلاء الناس، ونبلاء الرجال وفضلائهم، له معرفة بالأدب والعربية واللغة وعلم التواريخ، وسير الناس وأيامهم، وذَّيل على كتاب "تاريخ اليمن" الذي ألَّفه عمارة اليمني، كتابًا سمَّاه: "البرق اليماني".
وسافر ب/ إلى بلاد اليمن، وأقام به مدة يعاشر علماءها ويخالطهم، ويقبض من فوائدهم.
وحدّثني الأمير شرف الدين أبو حفص عمر بن أسعد بن عمّار الموصلي بها - أسعده الله تعالى – قال: حدَّثني أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل المصري، قال: بلغني أنَّ بعض المجان بزيد ضاع له خروف عند نزول العسكر بظاهرها فبكى عليه، وسألني بعض الأصحاب أن أقول فيه على لسانه شيئًا، فقلت هذه الأبيات:
بكيت على الخروف بكاء صبومن لي أن أمتَّع بالخروف
لهوت به قرير العين حينًاوصارمني ففارقني أليفي
أرقِّصه فيعجبني خيالًافيا لك من أبي عجب خفيف
ألم أخضب شواك ولم أقصِّرألم أجعلك يا سكني حريفي
نشدتك في الخيام بجهد نفسيوأغليت الجعالة بالمشوف
فلا خبر ولا أثر يداويلهيب النَّار في القلب الضَّعيف
وإنِّي واثق بالله ربيسيلطف بي ويرجع لي خروفي
يوسف بن إسماعيل بن علِّي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم أبو المحاسن الحلبُّي المعروف بالشوَّاء.
تأدَّب على أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن الجبراني النحوي، واختلف إلى أبي الفتح مسعود بن أبي الفضل بن فطيس النقاش الحلبي الشاعر، وتخرّج عليه.
ثم جاش خاطره بإنشاء القريض، ونظم منه شيئًا كثيرًا، وقصد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب – ﵁ – مادحًا، وبعده ولده الملك الظاهر غازي؛ ثم الملك العزيز ولده.
ولم يكن ممن يرتزق بشعره على عادة الشعراء؛ إلاَّ [أنه] يقوله تولعًا، وكانت نفسه ترفعه عن الاستجداء به والاستماحة. وكانت له عناية جيدة بعلم العروض ومعرفة تامة بأوزان الشعر؛ وكثيرًا ما يودع في أشعاره شيئًا من جنس ذلك.
وكان شيعيًا مغاليًا في المذهب الإمامي، وهو شاعر مصقول الكلام منقوده، رقيق حواشي الشعر كيف ساء يقوده، من ب/ أحسن شعراء وقته شعرًا، وأوفرهم أدبًا، وأغلاهم سعرًا، وأجودهم إبداعًا ورصفًا، وأكثرهم افتنانًا ووصفًا.
شاهدته بحلب في سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ شيخًا كيسًا حسن اللقاء، وسألته
عن مولده، فقال: عمري إلى الآن إثنتان وسبعون سنة؛ فيكون تقدير ولادته سنة اثنتين وستين وخمسمائة. واستنشدته من شعره جملة وافرة، وكتبت عنه.
وكانت وفاته يوم الجمعة تاسع عشر المحرم، ودفن من يومه بمقبرة باب أنطاكية غربي المدينة ظاهرها، وذلك في سنة خمس وثلاثين وستمائة – تغمده الله برحمته ورضوانه-.
وديوان شعره في أربعة أجلاد يحتوي على عشرين ألف بيت، وصار إلى بعد موته كتاب من قيله قدر كراستين بخطّ يده لقبه "بخوض النبيه في روض التشبيه" جامع لفنون متعددة وضروب مختلفة في بدائع الأوصاف والتشبيهات، ووقع إلّى كتاب أ/ من إنشائه ترجمه ب"رصف الجمان في وصف الغلمان" يحتوي على التغزل بالغلمان المبدعين حسنًا وظرفًا، ونعت صنائعهم وأحوالهم؛ وهو كتاب ممتع في فنِّه جدًا، وله كتاب آخر من نظمه عارض به الكتاب المقدم ذكره، عنونه بـ"النكت السَّواري في صفة الجواري".
ومما أنشدني لنفسه في التاريخ المذكور:
لاح الصَّباح فغنَّت الأطياروتمايلت طربًا لها الأشجار
والبان مطلول الفروع كأنَّمافي كلِّ غصن منه موسيقار
وتنفَّست ريح الصَّبا فصبت لهاروح الغدير فصفَّق التَّيار
والأرض قد راض الرَّبيع شماسهاوأزال فرط ذرارها آذار
وتلفَّعت أطرافها بمطارفخضر تنمنم وشيها الأزهار
والنَّهر أحوى الشَّاطئين كأنَّهخدٌّ أحاط بصفحتيه عذار
قم يا نديم فقد بكى راووقناولنا بفرط قطوبها استبشار
وتملَّها من قبل شبيك نعمةًفمع الشَّبيبة تحسن الأوزار
/ ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه يصف الخمر:
إسقني الرَّاح كلَّ يوم خميسبين مرد شمامس وقسوس
من شمول بكأسها تجمع الشَّمـل وتنسيك كلَّ همٍّ وبوس
لو أطاقت نطقًا عزت صاحب الدَّيـر أبًا عن أب إلى إدريس
عتِّقت في دنانها حقبًا حـتَّى تلاشت إلَّا بقايا نفوس
وصفت في إنائها فهي لا تدرك حسًّا كسائر المحسوس
ياخليع العذار سلي عن الَّهـووهات أستمع بلا تدليس
شرح علم في القصف لو كان فقهالتصدَّرت فيه للتدريس
قد رويناه عن مشايخ ذا الفـنِّ بإسنادهم إلى إبليس
وأسقنيها على غنا جاثليق الدَّير من راحة أبنة القسيس
فهي خود تجلُّ عن أن تقاس الـيوم في حسنها إلى بلقيس
قمرتني عقلي وقد رمقتنيعن جفون دعج اللَّواحظ شوس
حكمت فيَّ مثلما حكمت في الـعقل بالجور سورة الخندريس
في ندامى من النَّصارى إذا لاح سناها خرُّوا لها كالمجوس
/ أ/ علَّقوا فوق دنِّها الصُّلب تعويـذاً وقد ألبسوه لبس القسوس
فتراهم ليلاً يضجُّون بالتَّسـبيح من حوله وبالتَّقديس
حبسوه للخوف ان تقع العيـن عليه في رأس دير الحبيس
فهو يصغي فيه لهينمة الرِّهـبان ليلًا وضجَّة النَّاقوس
كلَّما مات راهب غرفوا منـهـ ورشُّوا عليه في النَّاووس
لو رأى نارها وقد ضحكت مابيننا عن حبابها في الكؤؤس
خال كلاًّ منَّا عيشَّة لاحتختناً قام لاجتلاء عروس
إنَّني لم أبل وقد ملئت بالـرَّاح كأسي إذا تفرَّغ كيسي
وبديع الجمال اكسبني لـمَّا جفا وحشة وكان أنيسي
ليت دهراً أناه عن ناظري يدنيه منِّي حتَّى يبيت جليسي
وأراه معانقي وعليناشبه من مرَّكب التَّجنيس
وأنشدني لنفسه:
أدرها علينا أيُّها اللَّيل أنجماتبيت على أيدي السُّقاة سواري
تحلُّ أباريقًا تخال بوارقًاتلوح فتكسو اللَّيل ثوب نهار
/ ب/ وقد بسطت كفُّ الثُّريَّا كأنَّهابياض مشيب في سواد عذار
وقد نفخت ريح الصَّبا فحمة الدُّجىفأذكت من الإصباح جذوة نار
وأنشدني لنفسه من قصيدة أوّلها:
لو عاد طيف الحبيب أوزاراما نال من عاشقيه أوزارا
علقته طاوي الحشا رشأيبيت من واصليه نفَّارا
بناظر أودع الجمال بههاروت يسبي العقول سحَّارا
ووجنة قد أتت بمعجزهافمازج الماء فوقها النَّارا
لو عاين الغصن قدَّه لذوىولو رأى البدر وجهه حارا
فارقتني كارهًأ وخلَّفنيأندب حزنًا لأجله الدَّارا
لي بعده مهجة متيمةرقَّت فكادت تذوب تذكارا
وأنشدني لنفسه:
لقد قلِّدت سيف الدِّين سيفًاقضى الَّا هوادة للهوادي
أعدكَّما غياث الدِّين سيلًاوسيفًا للعطاء وللجهاد
/ أ/ فأنت لوصل أرزاق البراياوذاك لقطع أعناق الأعادي
وأنشدني لنفسه غزلًا:
لو أن ما فيك من عجب ومن تيهبالمزن شحَّت وما سحَّت غواديه
أو أقتنى فتك عطفيك القنا أنتظمتمن النُّجوم غواليها عواليه
يا أيُّها الرَّشا الغادي بل الأسد الـعادي بل القمر البادي لرائيه
فات الظُّنون فقد دقَّت محاسنهعن أن تحدَّ بتكييف وتشبيه
رفقًا بصبٍّ جفاك المرُّ ممرضهووصلك الحول بعد الله شافيه
يا صاحبيَّ سلاه عدل سيرتهفينا فظلم الورى مزر بأهليه
وأستطلقا منه لي وصلاً ولو شبحًافي رقدتي خطرات الوهم تهديه
ولا تلوما فعين اللَّوم عذلكمافيه فحسب المعنَّى ما يعانيه
ما بال أحمد يجفوني وأحمد مافي كامل الحسن ترك الحيف والتِّيه
علقته أسمراً كالرُّمح عاملهوخرصه طرفه السَّاجي وهاديه
صعب التَّلاقي تلافي حلّ بغيتهفالقرب يسخطه والبعد يرضيه
فالبدر من نوره والتَّم يشبهه .. والرمُّح في لونه واللِّين يحيكه
/ ب/ غصن إذا ما ثناه العجب تحسبهسكران عاطاه كأس الرَّاح ساقيه
يرنو وفعل الحميَّا في لواحظهواللَّون في خدِّه والطَّعم في فيه
تبارك الله ما أشهى تجنُّبهإلى القلوب ما أحلى تجنِّيه
وأنشدني قوله في الغزل:
وأنشدني قوله في الغزل:
وغزال من عجبه نشر العتبسرورًا في طيِّهنَّ سرور
لو جنى غضَّ ورد وجنته باللَّـحظ غيري لغضَّ منه الغيور
أرهفته الحمَّى فأصبح منهالونه وهو للنُّظار نظير
لو تأمَّلتنا نحيفين مصفرَّين لم يدر أيُّنا المهجور
وأنشدني له مثله:
ومهفهف عني الزَّمان بخدِّهفكساه ثوبي ليله ونهاره
لا مهَّدت عذري ملاحة وجههإن غضَّ عندي منه غضُّ عذاره
وأنشدني أيضًا من شعره:
على خدَّيك للشَّعرشعار بهما يزري
وتعذيرهما أوضح في هجرهما عذري
/ أ/ وغيري لهما أضحىكثير الحمد والشُّكر
أحبُّ البدر في الظُّلمة لا الظُّلمة في البدر
وأنشدني لنفسه في غلام ينظر في المرآة:
وغرير يحكي الغزال بعينيـهـ وخدَّاه بالغزالة تزري
قابلته مرآته فأرتناعين شمس إنسانها وجه بدر
وأنشدني له في المعنى:
قلت إذ لاح بمرآتـك لي مرآك سافر
تلك إغفاءة صبزار فيها طيف هاجر
وأنشدني أيضًا قوله:
ناديت والنُّدماء تقصر خطوهمنشواتهم وتهزُّخهم أخواطا
يا أيُّها الشَّادي تغنَّ فقد ونىفي السَّير دور كؤوسنا وتباطا
هي كالمطيِّ تكلُّ من طول السُّرىفيزيدها نغم الحداة نشاطا
وأنشدني لنفسه:
/ ب/ أرى حسناتي عند قومي مساوئًاكأن لم أشد أركان مجدهم وصفا
ولم أك أسطاهم إذا حادث عراوأعفاهم عن جرم جانيهم لطفا
وأسمحهم في كلِّ مخمصة يدًاواشمخهم عن كلِّ منقصة أنفا
عذرتهم لمَّا تعذَّر برُّهموقلت: فقير الأهل أهل لأن يجفى
فإن سبَّني منهم جهول فإنَّنيسأثني عليه ما ثنى عطفه عطفا
ولو نبذوني كالحصاة مهانةلكنت بهم منهم بأنفسهم احفى
ولو نلت وفرًا وافرًا لجعلتهعلى وفق ما يرضيهم أبدًا وقفا
وأنشدني أيضًا لنفسه:
لو تأمَّلت أيُّها الخلُّ مرئيَّـات هذا الورى بغير أختيار
لرأيت البياض من أحسن الألـوان إلاَّ في لمَّة وعذار
وأنشدني لنفسه يهجو:
ألا يا أبن العبيد الأدعياءويا أبن العاهرات من الإماء
لك أست قد غدت في الماء ذلاوأنف راح كبرًا في السَّماء
تركتك لا أعاتبك أحتقارًالأنَّ العتب بين الأصفياء
/ أ: لإن أطرقت أعمل فيه فكريلأنتهكنَّ عرضك بالهجاء
وأنشدني لنفسه:
لله قوم تساقوامن العظات عقارا
شعت يبيتون صرعىخوف المعاد سكارى
قد أحدث الخوف فيهمنحافة وأصفرارا
لو أطَّلعت عليهمولَّيت منهم فرارا
وأنشدني لنفسه يمدح السلطان الملك العزيز غياث الدين محمد بن غازي بن يوسف – رحمه الله تعالى:
لمن النَّار بعد وهن تشبُّدون سلع تلوح طوراً وتحبوا
ذات برق يبدو وليس لهإلاَّ جفوني إذا تألَّلق سحب
لسانها والرِّيح وسنى بجسم الَّلـيل بعد الفناء روح تدبُّ
شيَّبت لمَّة الدُّجى حين شبَّتفاهتدى طارق وضلَّ محبُّ
/ ب/ وأشارت لمَّا أنارت بما يفـهمه كلَّ وامق فيه لبُّ
طارحتني الأسى فخيِّيل لي أنَّ سناها مثلي بعلوة صبُّ
ما تعدَّت لمَّا تبدَّت وقد مدَّت قميص الدُّجى ظباها القضب
بل أفادت طرفي بياناً بأطراف بنانا لها على البعد قرب
فكأنَّ الظَّلام صدر مشوقواضطراب أضطرامها فيه قلب
أتحفتني إذ أتحفتني بها ليـلة أمس تثير وجدي فأصبو
لسجايا الملك العزيز أنثنت تغـضي حياء نجومها وهي شهب
ملك رصف وصف غرِّ معاليـهـ أعتقادي ومدحه لي دأب
ثابت الجأش إن تكلَّف نقعثاقب الرَّأي إن تمكَّر خطب
قضبه البيض رعَّف وقناه السُّـمر صم ٌّ وخليه الكمت قبُّ
إن أتى سائل فبرٌّ ولطفأو عتا صائل فطعن وضرب
فهو للمكرمات خدن واللجود حليف وللشجعة ترب
وهو من أسرة نداهم تليدوطريف المجد إرث وكسب
أيُّها الدَّهر ما لصرفك عنديبعد ما سرَّني بمرآه ذنب
/ أ/ قد سما يا غياثة بك دينبذباب الحسام عنه تذبُّ
ذلُّ قهراً لحكم توحيده الشِّرك فدان الباغي وهان الصَّعب
أيُّ قطر من أرضه ما لفرسانك فيه قتل وأسر ونهب
أيُّها المالك العزيز غياث المِّدين والماجد الجواد النَّدب
لو عدا من عداك في الحكم باغمستبدًا بفعل ما لا تحبُّ
لثناه قهرًا لإرسال أبطًالك رسل وللكتائب كتب
ولأمسى ومن عقارب حرمان عواليك في عواليه لسب
فأجلها شرقًا وغربًا فقد أصـبح يخشى سطاك شرق وغرب
فالعوالي ظمأى وجن من الخيـل إلى خوّة القتام الشُّهب
مرحان تخال في الخال والوشـي رياضًا لها الذَّوابل قضب
تتهادى تيهًا بكلِّ كميٍّخدنه الرمُّح والحسام العضب
طالما أحطم الرِّماح بصدرليس في قلبه من الموت رعب
كلَّما شام فتكه بالأعاديرمحه هزَّة لذلك عجب
وأنثنوا للرماح في أجماتزأرت تحتها ضراغم غلب
/ ب/ أحدقوا في عدال خفضًا وجزمًاولهم في علاك رفع ونصب
ولئن كنت يا محمَّد للحمـد نبَّيًا فأنت للمجد ربُّ
ولئن حان ذا ويا روض حاليفلساني ببثَّ حمدك رطب
فتمتَّع بالعيد وأنحر أعاديـك بماضي عزيمة ليس تنبو
وابق في عزةَّ لك الدَّهر سلمواللَّيالي لمن يعاديك حرب
ما أمال النُّعاس أجفان مغفٍفالتقى في كراه بالهدب هدب
وقال أيضًا:
قالوا: حبيبك قد تضوَّع نشرهحتَّى غدا منه الفضاء معطرَّرا
فأجبتهم والخال يعلو خدَّهأو ما ترون النَّار تحرق عنبرا
وقال أيضًا:
وقائل: كيف أنت اليوم، قلت لهأعوم في بحر همٍّ ماله شاطي
ما بين عشق وإفلاس هما احتلبادمعي كما أجتلبا ضرِّي وإسخاطي
قلبي كصاحبة النِّحيين مشتغلوالكفُّ أفرغ من حجَّام ساباط
قوله:
/ أ/ أقول لساقينا وقد مال سكرهبجفنيه حتَّى حار بينهما الحور
وللخمر جمر شبَّه الماء فانبرىيطير عليه من فواقعها شرر
رويدك لا تلثم مراشف كأسهافما ينبغي للشمس أن تدرك القمر
وقال غزلًا:
ته دلالاً فإنَّ ظلمك عدلكلُّ صعب سوى فراقك سهل
وتأمَّل حالي تجده عجيبًاغيث دمعي له بجسمي محلُّ
يا هلالاً له دلال وعجبفي هواه ولي خضوع وذل
في قضيب تكاد قامته تعـقد من فرط لينه وتحلُّ
زدت حزنًا وقفت حسنًا فأضحىما لحزني وما لحسنك مثل
وخلعت العذار فيك فأضحىبعذاريك لي عن اللَّوم شغل
يا ملولا أصارني الحبُّ لا أطمع في وصله ولا عنه أسلو
لا شفى الله بعد بينك قلبيبل إن كان ساعة منك يخلو
يا لقومي من حبِّ جاف ملولفيه لي يعذب العذاب ويحلو
فضلالي رشد وذلِّي عزٌّوسقامي برء وهرجي وصل
/ ب/ قوله في علام جميل الصورة أرسل أحد صدغيه، وعقد صدغه الآخر:
أرسل صدغًا ولوى قاتليصدغًا فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا في خدِّه حيَّةتسعى وهذا عقرب واقفه
ذا ألف ليست لوصل وذاواو ولكن ليست العاطفة
وقال في الغلمان الصباح الوجوه الذين بقلعة حلب عند إيقاد النيران ليلة الميلاد:
ربَّ مرد شبَّهتهم ليلة الميـلاد لمَّا أرتموا وأذكوا سعيرا
ببدور عن الأهلَّة ترميبنجوم تمدُّها الشَّمس نورا
وقوله في صفة أسد:
وأغلب أهرت الشِّدقين وردمخالبة كأنصاف الأهلَّه
يدل بكلِّ ناب غير نابيبل سناه مثل سنان ألَّه
/ أ/ له زأر يروعنا ووجهكريه للردى فيه أدلَّه
وله يصف فرسًا:
وأدهم لو جارى الرِّياح لفاتهايروق جمالًا بل يروع صهيلا
كقطع الدُّجى لونًا وكالنَّجم غرَّةوكالبرق جريًا والصَّباح خجولا
وقال أيضًا:
يا من حداني على قتلي تمنُّعهوضرَّني بتماد ليس ينفعه
أنظر إلى ولهي لطفًا بعين رضًافالحرُّ مثلك أدنى القول يخدعه
ما مات راوي حديث السِّحر حين غداعن ناظريك إلى هاروت يرفعه
رفقًا بمضنى سهام اللَّحظ ترشقهإذا رآك وأفعى الصُّدغ تلسعه
لو زاره طيفك المزورُّ عن مللفي النَّوم لم يدر ضعفًا أين موضعه
لم يخل في الحبِّ من خلٍّ يعنَّفهبالعنف فيك ومن لاح يقرِّعه
يخفى هواك من الواشي وقد نطقتعن وجده بلسان الحال أدمعه
ما أبعد الصَّبر والسُّلوان من دنفيروم قربك والأيَّام تمنعه
يزوره منك طيف ما تقدَّمهوعد وير حل عنه لا يودِّعه
/ ب/ ونقلت من خطّه شعره ما قال في الغزل:
لو كنت شاهده والحزن يرعفهمن ناظريه وحمل الحبِّ يضعفه
والعيس قد ثوَّرت والحيُّ مرتحلوقد طغى الوجد حتَّى كاد يتلفه
واليأس يطويه والآمال تنشرهلهال طرفك يوم البيت موقفه
يا غائبين أرحموا من ذل حين رأىفرط الخضوع لكم ممَّا يشرفِّه
صبٌّ أقرَّت بسرِّ الحبِّ أدمعهطوعًا وأثبت دعواها تلهُّفه
نديمه همُّه والنوُّح مطربهوالحزن والدمَّع ساقيه وقرقفه
يهوى الكرى جفنه الباكي ولو سنةًعساه منكم بوصل الطَّيف يسعفه
إلى مها الأبرق الغادي تشوُّقهلا بل إلى برقه البادي تشوُّفه
نائي الهجوع نحيل الجسم شاحبههامي الدُّموع مروع القلب مدنفه
بدمعه تبعث الذكرى ومهجتهالحرِّى فنظر بها شوقًا وتذرفه
ولا كتاب بذكراكم يعلِّلهولا رسول بلقياكم يسوِّفه
يا برق حيِّ عذاري حيِّ كاظمةعن مغرم عزَّ لولاهم تأسُّفه
/ أ/ فلي بأجرعها المأهول سانحةتغار باناته منها وأحقفه
فلست أدري أغيل صال مشبلهطرافها أم كناس عنَّ مخشفه
ويلاه من ظالم لمَّا غدا كلفيطبعًا به بان في وعدي تكلُّفه
عبل مقرطقه شخت ممنطقهغال مقبَّله عال مشنَّفه
حلو القوام شتيت الثَّغر أشنبهمورَّد الخدِّ ساجي الطَّرف أوطفه
أنهى الجمال سجاياه وأبرزهللغصن يذويه أو للبدر يكسفه
ظبي حكاه أسمه خلقًا وخالفهفعلاً وشابهه خلقًا مصحفه
بسيف جفنيه يحمي ورد وجنتهفليس نجس بالأحداق نقطفه
يغزو النُّفوس بجيش من محاسنهوالقدُّ ذابله واللَّحظ مرهفه
ما قابل الشُّهب إلاَّ حار أنورهاأو بان للبان إلاَّ غار أهيفه
يرنو بفاترة لو لام أكحلهاللنرجس الغضَّ منه مضعفه
قال الوشاة وقد ماجت روادفهفكاد من حملها ينقدُّ مخطفه
ما للملاحة فيه قلت: أبدعهاوما من الحسن فيه قلت: أظرفه
قسا ولنت فهل خل يعوج علىصبٍّ يسليِّه أو قطِّ يلطِّفه
/ ب/ تبارك الله كم يجني عليَّ وكمأحنو ويظلمني بغيًا وأنصفه
وكم يعاهدني عهدًا وينقضهعمدًا ويوعدني وعدًا ويخلفه
ناديت والكبر ينهاه ويأمرهوالعجب يقدمه والتيه يردفه
فتكت يا طرفه الشَّاكي بقلب فتىيعنو لناظرك النَّبال أكشفه
يا ساقي الرَّاح إن أنست منه رضًايومًا وفارقه سكراّ تعجرفه
فاشرح له عن خلا من كاشح وصغاضرِّي وقد زاد عمَّا كنت تعرفه
يعقوب فقدك يسمو طرف همَّتهشوقًا إلى مصر حسن أنت يوسفه
واعتبه وأشك إليه ما أكابدهمنه عسى رقَّة الشَّكوى تعطِّفه
ونقلت أيضًا عن خطِّه شعره:
ألفتها حلوة الأعطاف كالألفصدوفة ثغرها كالدُّر في الصدَّف
تريك وجنتها في الخدِّ إن سفرتناراً من الحسن في ماء من التَّرف
أنفاسها عنبر ورد لمنتشقوريقها قرقف صرف لمرتشف
وتحت حلَّتها غصن لمعتنقوفوق وجنتها ورد لمقتطف
/ أ/ يغدو المعانق من أنفاسها عطرًاكأنَّما أنفه في روضة أنف
يا من تغير رماح الخطِّ قامتهاباللَّون واللِّين والتَّقويم والهيف
ما آن أن تتلافي بالوصال فتىيرجو الشِّفاء وقد أشفى على التَّلف
ما كان أسعدني لو أنًّ لطفك بيبقدر ما فيك من غدرٍ ومن جنف
وقال أيضًا:
يا للورى قد كان بي رمقفاغتاله يوم النَّوى الحدق
فالقلب خوف البين مضطربأحشاؤه مقروحة خفق
ليت المطايا لا سرت بهمعني وسدَّت دونها الطُّرق
ساروا فما سرُّوا ببعدهمقلبي ولا عنُّوا ولا رفقوا
أودعتهم إذ ودَّعوا جلداًأفناه من تفريقهم فرق
وقوله:
أقول وقد قلَّبت في النَّاس ناظريفلم أر إلاَّ خائنًا ومنافقا
أيا ليت أنِّي متُّ طفلًا وليتنيوقد طال عمري لا عرفت الخلائقا
ولم أنفرد يا صحبيَّ مجنِّبًاعن النَّاس لو أنِّي مواف موافقا
/ ب/ ولكن وجدت النَّاس لمَّا أختبرتهممحبًا محاب أو شفيقًا مشاققا
خليليَّ من لي أن أصادف صادفًاعن الغدر مثلي أو أصادق صادقا
وقال في غلمان دخلوا الحمام:
شدُّوا المازر فوق كثبان النَّقاحفراً فحلُّوا عقد نسكى والتُّقى
وتجرَّدوا فرأيت لين معاطفنشروا ذوائبهم عليه فأروقا
وبدوا فأطلع كلُّ وجه منهمبدرًا وأضحى كلُّ قطر مشرقا
من كلِّ أهيف حلَّ عقدة بندهوغدا بلحظ عيوننا متمنطقا
خالسته نظرًا لأقطف وردةًمن روض وجنته فأغضى مطرقًا
فكأنَّ في الحمَّام سرب جاذرنظر القنيص فظلَّ منه مشفقا
وقال أيضًا:
لقد أكثرت مدح بني فلانوكنت بان أذمهم خليقا
أطلت رشاء دحهم لأنيوجدت قليب جودهم عميقا
وقال أيضًا:
/ أ/ وفتاة من هجرها بات قلبيقلقًا مثل قرطها والنِّطاق
غادة سنجريَّه الأصل والفصـل غزاليَّة الطُّلى والماقي
ذات قدٍّ كالغصن في اللِّين يعلوم محيًا كالبدر في الإشراق
جال في صفحتيه ماء شبابراق حسنًا فشبَّ نار أشتياقي
رمقتنا شزراً فلم تبق في الأجـساد إلاَّ أواخر الأرماق
قلت: هل زورة فصدَّت وقالتمه فضرب الأعناق دون عناقي
وأرتني تكبُّرا ما عليهلمحة من مكارم الأخلاق
وتثنت عجبًا فقلت لها ما أسـمك يا بابليَّة الأرياق
قالت: أسمي قسا فناديت بل قلـبك يا محنتي على العشَّاق
وقال خمرية:
إلا سقِّيانيها فقد نفح المسكولا تحبساها بعد ما صدح الجنك
وطوفا بها حبِّيبة حبيبةمشعشعة كالتِّبر أخلصه السَّبك
إذا كفُّ ساق أو مات نحو شربهابها لم يشكُّو أنَّها خمرة تذكو
يطوف بها ساق إذا لاح حاسراًلنا قلت قولًا لم يشب صدقه إفك
/ ب/ أرى اللَّيل لا ريب على البدر لامراًعلى الغضن لا خلف على الحقف لا شك
ولا تبخلا أفديكما أن تنادياإذا هزَّني سكري بها لمن الملك
وقال أيضًا:
وليلة بتُّها وحبِّيأشكو إليه الهوى وأشكو
تقبح بالعاشق المعنَّىفي مثلها عفَّة ونسك
أشرب من فيه كأس خمرختامها من لماه مسك
وقال في غلام أسود يشيِّع جنازةً قد شقَّ ثوبه:
وغلام رأيته وهو يبكيخلف ميت فبتَّ أسباب نسكي
عجبي من دموعه وهي ماءكيف راحت لنار وجدي تذكي
أسود اللَّون كالدُّجى فإذا أفتـرَّ أراك الصَّباح من غير شك
شقَّ للحزن ثوبه مثل ما تفـتق في شمال قسيمة مسك
وله في غلام يرقص ويغني:
/ أ/ أشرق من طلعته المنزللمَّا بدا واضطرب المحفل
علقت منه شادنَّا شاديًاكأنَّما نكهته مندل
يكاد فوق الأرض أن لا ترىمن سرعة الرَّقص له أرجل
لو لم تكن هزَّة أطرافهموزونة قلت به أفكل
فلو تراه إذا شدا وانثنىلقلت غصن فوقه بلبل
وقال أيضًا:
حرت في حسنه وماذا أقولوكثير الصِّفات فيه قليل
جوهر جلَّ أن تكيفهِّ الأفـهام أو تهتدي إليه العقول
صحَّ للناس أنَّه أحسن العالم وجهًا وقام فيه الداليل
وقال يصف حال الإنسان:
أصبحت مذ أمسى يصرِّفني علىمرضاته صرف الزَّمان الكابي
كالدَّال من زيد إذا عبثت بهابين النُّحاة عوامل الإعراب
فرداً من الأخوان تغمض قصًّتيفكأنَّني شرط بغير جواب
/ ب/ وقال أيضًا:
أيُّها الغافل المصرُّ على الأوزار مهلًا فقد تداني الرَّحيل
خلَّ ظلم الورى فإنَّك يوم الـحشر عن كلِّ هفوة مسؤول
وتعَّفف واقنع برزق بسيرودع الحرص فالحريص جهول
فقليل من الحلالً كثيروكثير من الرحرام قليل
وله يصف روضةً:
وروضة رضت فيها الهمَّ مستمعًالورقها هزجًا في البان أو رملا
على مكمَّمم زهر الأقحوان بهاأفواه حو أشارت تبتغي قبلا
وقوله في بائح السرَّ:
لي صديق غدا وإن كان لا ينـطق الاَّ بغيبة أو محال
أشبه النَّاس بالصَّدى إن تحدثـهـ حديثًا أعاده في الحال
وقال في غلام ساق:
/ أ/ وأغنَّ ممشوق الحشا متمائلهكالغصن بين جنوبه وشمائله
حيَّا بكأس مدامة قد خضَّبتبشعاعها الواري رؤوس أنامله
كرضابه وكطرفه وكلفظهوكنشره وكخدِّه وشمائله
وقال في الغيم والمدّ:
وأدهم راح يعلن بالصَّهيلجرى عنانه بيد القبول
وعلَّ حشا عليل الرَّوض وبلًاشفاه قبلَّ من داء الغليل
وأنهم منه فتق الأرض مدفأصدأ صفحة السَّيف الصَّقيل
لجين صار تبرأ حين ألقتعليه السُّحب إكسير السُّيول
وله في مثاقف:
إذا ترسِّم يوماً للثقاف غدتأسد الشَّرى منه بين الخوف والوجل
يمناه كالبرق أمست سرعة وغدتيسراه أثبت تحت التُّرس من جبل
وقال يصف الخمر:
/ ب/ سقِّني الرَّاح فقد همت داءفلقد كانت لروحي دواء
خمرةً لو خامرت ذا صغارأخذت في رأسه كبرياء
صيَّرت مجلسنا وهي شمسطلعت والشَّرب شهب سماء
فذكت نارًا وطارت شرارًاوصفت ماءً ورقَّت هواء
وقال يصف الذهبيَّات:
ودوحٍ مررت وصحبي بهانطارح ورقاءها في الغناء
ونيأس من وصلك المشتهىفيطمعنا فيه حسن الرَّجاء
نعانق أغصانها إذ حكتقوامك في هيف واستواء
قباب يبيت بنان الخريفيذهبها لقدوم الشتاء
لقد خلت تشرين منها جلاعلينا عرائس صفر الملاء
كواعب تصفرُّ غب الفراقكما أحمرَّ خدُّك غبَّ الحياء
تمايل عجبًا إذا ما رأتمن النَّهر أشخاصها في مرائي
وتشبه ألواننا صفرةوليس بنا وبها فرد داء
/ أ/ فصفرة أجسامنا من هوىوصفرة أوراقها من هواء
وقال أيضًا يصف الثلج:
ربَّ يوم حليت أطرافهلسقوط الثَّلج في بيض الملاء
خلته إذ لاح في اللَّوح لنامن خلال الخال يهوي في الهواء
ورقًا من ورث تنثرهراحة الرَّيح لتفضيص الفضاء
لو ترى الروضة لما راضهاخصر جمَّد أمواه الإضاء
قلت بسط من حرير أخضرمخملات وضعت فيها مرائي
وقال في صفة الخمر والليل والنجوم:
أسهو فيبديك التَّفكر نائيفإخال أنَّك واقف بإزائي
يا شادنًا لعبت بمشيته الصُّبافانهال مثل الرَّملة الوعساء
قم فاسقني صرف الدِّنان ولا تهبصرف الزَّمان فعيشنا لفناء
كأس تروَّح [و] روحها ناريَّةوالجسم نوريُّ الأديم هوائي
/ ب/ بالماء طفِّ النَّار لكن نارهابالضِّدِّ يذكو جمرها بالماء
أو ما ترى اللَّيل البهيم وقد بدامن شهبه في لمَّة شمطاء
والبدر تبديه لعينك هالةكالنُّؤي حول الخيمة البيضاء
وقال في غلام ينظر في المرآة:
كيف يرضيه أن أموت بدائيوحياتي في قربه ودوائي
رشا ماج نعمة مثل مامـرَّ نسيم الصَّبا بجدول ماء
قابلته مرآته فأرتنأبدر تمٍّ يحويه أفق سماء
بات طرفي من خدِّه في صباحوغدا من عذاره في مساء
جفنه في الضَّنى وجسمي شريكان وإن كان داؤه غير دائي
ليس حسن الخروج إن حلَّ يومًافي القوافي كقبحه في الغناء
وقال أيضًا:
ناديت وهو الشَّمس في شهرةوالجسم للخفية كالفيء
يازاهيًا أعرف من مضمرصل واهيًا أنكر من شيء
/ أ/ وقال يصف ميتًا:
لو عاينت عينك لمَّا قضىعيسى وجوم المجد من رزئه
لأبصرت بيت بسيط العلاقد طوي السَّالم من جزئه
وقوله يصف القناديل وقد أوقدت في المسجد الجامع:
صاح لو أبصرت جامعناوالدُّجى زهر غياهبه
لرأيت اللَّيل كيف غداحدثًا شابت ذوائبه
عن بكاء الشَّمع متَّقداًضحكت بشراً جوانبه
قد حللنا منه في أفقمن قناديل كواكبه
بات منَّا كلُّ ذي أدبًومن الوالدان صاحبه
يجتلي زهراً محاسنًهحيث لا واش يراقبه
بات يكسو اللَّيل ثوب ضحىلهب كرَّت كتائبه
ويجلِّي عنه غيهبهفهو كاسيه وسالبه
فهو صبٌّ بالصِّبا ولهانفس وإن يلاعبه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع