من «المذاكرة في ألقاب الشعراء» للنشابي الإربلي (ت ٦٥٧هـ)
ذكر محمد بن عبد الله ابن طاهر، ابي العباس
كان محمد شعراً دون شعر أبيه. إنما كان بليغاً في التوقيعات والرسائل، وكان يعرف النجوم معرفة حسنة. ومرض مرة، فلم يعه أخوه، فكتب إليه:
إني رأيتُ على سلوكَ من فعالكَ شاهداً
إني اعتللتُ فما فقدتُ، سوى رسولكَ، عائداً
ولو اعتللتَ، ولم أجدْشيئاً إليكَ مساعدا
لاستشعرتْ عيني الكرىحتى أزوركَ راقدا
فكتب إليه عبيد الله:
كحلتْ مقلتي بشوكِ القتادلم أذقْ، مذ حممتَ، طعم الرقادِ
يا أخي الحافظَ المودةِِِ، والنازلَ من مقلتي مكانَ السوادِ
منعتني، الغداةَ، رقةُ قلبيمن دخولي عليكَ في العوادِ
لو بأذني سمعتُ منكَ أنيناًلتقطع معَ الأنينِ فؤادي
وهذا المعنى مأخوذ من قول محمد بن مسعود البجلي، حيث يقول:
لا تلمني إذا لم أعدكَ، فإنيلم تطقْ أنْ تراك عيني مريضا
ودخل سوار بن عبد الله القاضي على محمد بن عبد الله فقال:
لنا حاجةٌ، والعذر فيها مقدمٌخفيفٌ معلاها، مضاعفةُ الأجرِ
فإنْ تقضيها، فالحمدُ لله وحدهُوإن عاقَ مقدارٌ، ففي أوسعِ العذرِ
وأعلمُ أنَّ الله معطٍ ومانعٌوللنجحِ أسبابٌ بها قدرٌ يجري
فقال محمد بن عبد الله بديهاً:
فسلها، تجدني موضعاً لمكانهاسريعاً إليها، لا يخالجني فكرُ
وإني لذو جودٍ عليك بضعفهاوإنْ لم يكنْ فيما حوتُه يدي شطرُ
فهذا قليلٌ في الذي قد رعيتهُبحقكَ، لا منٌّ عليك، ولا فخرُ
فقال القاضي: اريد كتاباً إلى موسى بن عبد الملك في تعجيل أرزاقي. قال: أوخير من ذلك أعجلها من مالي، وأكتب إلى موسى، فإذا وصلت كنت مخيراً في ردها أو أخذها. قال: وأنت والله يا أمير كما قال القائل:
فبابكَ ألينُ أبوابهموداركَ مأهولةٌ عامرهْ
وكفاكَ أندى من المعصرات في الليلة الثجةِ الماطرهْ
وكفكَ ألفُ بالمعتفين من الأمِّ بابنتها الزائرهْ
فمنكَ العطاءُ، ومنا الثناءُ بكلِ محبرةٍ سائرهْ
ومن قصائده المختارة التي ذهب فيها مذهب العرب، واستطرف قافيتها ورويها، وهذب ألفاظها:
يا منْ لصبٍّ أصاب مقلتهُبينٌ مشتٌّ، بالأمسِ، حمَّ لهُ
فشفهُ همهُ، وكابد منحندسِ ليلِ التمامِ أطولهُ
ولم تذقْ عينه الرقادَ إلىأن شقَّ نور الصباح عيطلهْ
لما تقضى بالهمِّ آخرهأعادَ ذكر الفراقِ أولهُ
وباتَ يرعى النجومَ مرتفقاًقد غره دمعهُ فأهملهُ
فانهلَّ كالغربِ أعملوهُوقد أوهت يمينُ الصناعِ أسفلهُ
يجري على الخدِّ والسوالف حتىغاص في ثوبهِ فبللهُ
ما كان ألهاهُ قبل ذاك، وماكان بقربِ الحبيبِ أجذلهُ
فإن يكن حادثُ الزمان رمىالجسم بخطبٍ، تراهُ أنحلهُ
وأصبح الشيبُ في المفارق قدغالَ قناع الصبا، وبدلهُ
كما حدا الليلَ بعدَ عسعسةٍضوءُ نهارٍ بدا، فرحلهُ
فقد ترى الخردَ الحسانَ بهيطفنَ أو يقتربنَ منزلهُ
يلهيهِ منهنَّ من يشاء ومنشاءَ بحلو الحديثِ عللهُ
يقلنَ جهراً، وفي الضمائر ماأحسنَ هذا الفتى، وأجملهُ
لو لم تبذرْ كفاهُ ما حوتاولم يباشرْ في البأس أهولهُ
أردنَ نصحاً فيما كرهنَ لهولم تكن نفسهُ لتقبلهُ
لن يدركَ المجدَ من يحاولهُحتى ينالَ الغنى فيبذلهُ
ويرهبَ المعتدونَ صولتهورمحهُ، في الوغى، ومنصلهُ
إن يعمهم من خطوب دهرهمُيكفيهمُ الرأي منه مفصلهُ
فيحمد المعتقونَ نائلهوالخائفُ المستجيرُ موئلهُ
يا ربّ غيثٍ قد بتُّ أرقبهأشتمُّ من برقه تهللهُ
كأنما لمعهُ مهندُ ذيطائلةٍ سلهُ، فأعملهُ
وخلتهُ، والعراقُ مهبطهيضيء من ليل نجدِ ليلهُ
ورعدهُ إذ دنا له رحلٌكجندل الطود، هدَّ جندلهُ
ما زال نوءُ السماكِ يجمعهُحتى إذا ما استتمَّ، أسبلهُ
فأمرعَ الناسَ والسوامَ حياًأحيى به الله حين أنزلهُ
ثم اغتدينا للصيدِ، حيثُ سقىمن طفِّ أرض القرى فأخضلهُ
بأعوجيٍّ في عطفه أرنٌأدمج في خلقهِ، فأكملهُ
صافي أديم الأهاب تعرفُ منذي العنق، في حدهِ، تسهلهُ
فهو كأثفيةٍ ململمةٍلا عيب فيه لمن تأملهُ
تراهُ يوم الرهان من زمعٍيبدي استماع الصهيل أو كلهُ
وإنْ تراهُ والخيل في قورٍسمعتَ بين الضلوعِ أزملهُ
مجاهد الصيدِ، مبتغيه بهولم يضائلْ شخصاً ليختلهُ
كأنما كنَّ إذ دعونَ بهقطاً تراءت بالجوّ أجدلهُ
وكفهُ بالعنان قابضةٌليبصر القصد، ثمَّ أرسلهُ
فبلَّ شأوَ الجواد في طلقٍظليمهُ راغماً، ومسحلهُ
والناشط المستطير بعدهماألحق حدُّ السنانِ مقتلهُ
والظبيُ لما شآهُ أدركهُبالعفو من جريهِ، فجدلهُ
فكلهم لم يبلْ بمهجتهِولم يفت جهدهُ تمهلهُ
عفرَ منها الوجوهَ فارشةًمن قبلُ، بلَّ الحميمِ أيطلهُ
بذي غرانين كالهلالِ إذاخالط عضواً، أبانَ مفصلهُ
يعلهُ من نجيعهِ دفعاًمن بعدما كان منه أنهلهُ
وراحَ والغادياتُ قد خضبتْبالدمِ أرساغهُ وأكحلهُ
ومن مختار غزله ومليح تشبيهه:
وأحورَ مسترخي الجفون كأنهُبه سنةٌ، أو قد أطافَ به السكرُ
له وجنات من بياضٍ وحمرةٍفحافاتها بيضُ، وأوساطها حمرُ
رقاقٌ يجولُ الماءُ فيها كأنهازجاجٌ تلالا في جوانبها الخمرُ
تروقُ عيونَ الناظرينَ نعوتهاويجرحها، في نورها، النظرُ الشزرُ
وله أيضاً:
أما عجبي مني وقوفي على الدهرِوطول انتظاري في الهوى دولةَ الصبرِ
أكاتمُ حبيها، مخافةَ هجرهافقد خفتُ منه أن أموتَ ولا أدري
أراني سأبدي عندَ أولِ سكرةٍهواي إليها في سكونٍ وفي سترِ
فإن رضيت كان الرضا سببَ الهوىوإن سخطتْ مني أحلتُ على السكرِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع