تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

توران شاه

الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين، وقد تقدم ذكر أبيه وأخيه تاج الملوك، وهو أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، وكان أكبر منه؛ وكان السلطان يكثر الثناء عليه ويرجحه على نفسه، وبلغه أن باليمن إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها، وكان قد ملك كثيراً من بلادها واستولى على حصونها وخطب لنفسه، وكان السلطان قد ثبتت قواعده وقوي عسكره، فجهز أخاه شمس الدولة المذكور بجيش اختاره، وتوجه إليها من الديار المصرية في أثناء رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، فمضى إليها، وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان فيها، وملك معظمها، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً، وكان كريماً أريحياً، ثم إنه عاد من اليمن والسلطان على حصار حلب، فوصل إلى دمشق في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين، ولما رجع السلطان من الحصار وتوجه إلى الديار المصرية استخلفه بدمشق، فأقام بها مدة ثم انتقل إلى مصر.

وذكر ابن شداد في سيرة " صلاح الدين " أنه توفي يوم الخميس مستهل صفر، وقال في موضع آخر من السيرة أيضاً: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، بثغر الإسكندرية المحروس، ونقلته أخته شقيقته ست الشام بنت أيوب إلى دمشق ودفنته في مدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق، فهناك قبره وقبرها وقبر ولدها حسام الدين عمر بن لاجين وقبر زوجها ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص، وكانت تزوجته بعد لاجين، ﵏ أجمعين.

وكانت وفاة حسام الدين المذكور ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وهذا حسام الدين المذكور هو سيد شبل الدولة كافوريبن عبد الله الحسامي الخادم صاحب المدرسة والخانقاه الشلبية اللتين في ظاهر دمشق على طريق جبل قاسون، ولهما شهرة في مكانهما. وله أوقاف كثيرة ومعروف نافع في الدنيا والآخرة، وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن في تربته المجاورة لمدرسته المذكورة.

وسيأتي ذكر ناصر الدين محمد بن شيركوه في ترجمة أبيه في حرف الشين إن شاء الله تعالى.

وتوفيت ست الشام المذكورة في سادس عشر ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة.

وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت بخط بعض الفضلاء ممن له عناية بهذا الفن زيادة على ماذكرته ههنا، فتركت ما هو مذكور في هذا المكان وأتيت بتلك الزيادة، فقال: لما تمهدت بلاد اليمن لشمس الدولة واستقامت له أمورها كره المقام بها لكونه تربية بلاد الشام، وهي كثيرة الخير، واليمن بلاد مجدبة من ذلك كله، فكتب إلى أخيه صلاح الدين يستقبل منها ويسأله الإذن له في العود إلى الشام، ويشكو حاله وما يقاسيه من عدم المرافق التي يحتاج إليها، فأرسل إليه صلاح الدين رسولاً مضمون رسالته ترغيبه في الإقامة وأنها

كثيرة الأحوال ومملكة كبيرة، فلما سمع الرسالة قال لمتولي خزانته: أحضر لنا ألف دينار، فأحضرها، فقال لأستاذ داره والرسول حاضر عنده: أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج، فقال أستاذ الدار: يا مولانا، هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج فقال: دعهم يشترون بها طبق مشمش لوزير، فقال: من أين يوجد هذا النوع ههنا فجعل يعدد عليه جميع أنواع فواكه دمشق وأستاذ الدار يظهر التعجب من كلامه، وكلما قال له عن نوع يقول له: يا مولانا من أين يوجد هذا ههنا فلما استوفى الكلام إلى آخره قال للرسول: ليت شعري ماذا أصنع بهذه الأموال إذا لم أنتفع بها في ملاذي وشهواتي فإن المال. لايؤكل بعينه، بل الفائدة فيه أن يتوصل به الانسان إلى بلوغ أغراضه. فعاد الرسول إلى صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأذن له في المجيء.

وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة، ويودعها شرح الأشواق، فمن ذلك أبيات مشهورة ذكرها في ضمن كتاب، وهي:

لا تضجرن مما أتيت فإنهصدر لأسرار الصبابة ينفث
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لا تضجرن مما أتيت فإنه»
أما فراقك واللقاء فإن ذامنه أموت وذاك منه أبعث
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لا تضجرن مما أتيت فإنه»
حلف الزمان على تفرق شملنافمتى يرق لنا الزمان ويحنث
كم يلبث الجسم الذي ما نفسهفيه ولا أنفاسه كم يلبث
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «لا تضجرن مما أتيت فإنه»

حول المضاجع كتبكم فكأنني ... ملسوعكم وهي الرقاة النفث ولما وصل إلى دمشق في التاريخ المقدم ذكره ناب عن أخيه صلاح الدين بها لما عاد صلاح الدين إلى الديار المصرية، ثم انتقل إلى الديار المصرية في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وكان أخوه صلاح الدين قد سيره في سنة ثمان وستين وخمسمائة إلى بلاد النوبة ليفتحها قبل سفره إلى اليمن، فلما وصل إليها وجدها لا تساوي المشقة فتركها ورجع، وقد غنم شيئاً كثيراً من الرقيق، وكانت له من

أخيه إقطاعات، ونوابه باليمن يجيبون له الأموال، ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار، فقضاها عنه صلاح الدين.

وحكى صاحبنا الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي المعروف بابن الخيمي الحلبي نزيل مصر الأديب الفاضل، قال: رأيت في النوم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وهو ميت، فمدحته بأبيات وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إلي وأنشدني:

لا تستقلن معروفاً سمحت بهميتاً فأمسيت منه عارياً بدني
ولا تظنن جودي شابه بخلمن بعد بذلي ملك الشام واليمن

إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفي سوى كفني ولما كان في اليمن استناب في زبيد سيف الدولة أبا الميمون المبارك بين منقذ الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى.

وتوران - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها راء ثم بعد الألف نون - وهو لفظ أعجمي، وشاه - بالشين المعجمة - هو الملك باللغة العجمية، ومعناه ملك المشرق، وإنما قيل للمشرق توران لأنه بلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه فقالوا: توران، والله أعلم.

فراغ

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرف التَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.