من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
تميم بن المعز الفاطمي
أبو علي تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي؛ كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة المعزية - وسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته - وسيأتي ذكر الباقين إن شاء الله تعالى -؛ وكن تميم المذكور فاضلاً شاعراً ماهراً لطيفاً ظريفاً، ولم يل المملكة لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز فوليها بعد أبيه، والعزيز أيضاً أشعار جيدة وقد ذكرهما أبو منصور الثعالبي في " اليتيمة "، وأورد لهما كثيراً من المقاطيع، فمن شعر تميم المذكور:
ما بان عذري فيه حتى عذراًومشى الدجى في خده فتحيرا
همت تقلبه عقارب صدغهفاستل ناظره عليها خنجرا
والله لولا أن يقال تغيراًوصبا وإن كان التصابي أجدرا
لأعدت تفاح الخدود بنفسجالثما وكافور الترائب عنبرا وله أيضاً:
أما والذي لا يملك الأمر غيرهومن هو بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلماًلإعلانها عندي أشد وآلم
وبي كل ما يبكي العيون أقلهوإن كنت منه دائما أتبسم وأورد له صاحب " اليتيمة ":
وما أم خشفٍ ظل يوماً وليلةببلقعة بيداء ظمآن صاديا
تهيم فلا تدري إلى أين تنتهيمولهة حيرى تجوب الفيافيا
أضر بها حر الهجير فلم تجدلغلتها من بارد الماء شافيا
فلما دنت من خشفها انعطفت لهفألفته ملهوف الجوانح طاويا
بأوجع مني يوم شدت حملهم ... ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا [وأورد له أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه " الحديقة ":
يوم لنا في النيل مختصرولكل يوم مسرة قصر
والسفن تصعد كالخيول بنافيه وجيش الماء ينحدر
فكأنما أمواجه عكنوكأنما داراته سرر ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى:
اشرب على غيم كصبغ الدجىأضحك وجه الأرض لما بكى
وانظر لماء النيل في مده ... كأنما صندل أو مسكا وكان قد وصل إلى عبد الله بن محمد الكاتب بيتان قيلا في وصف النيل فجمع شعراء إفريقية وأمرهم أن يقولوا في معناهما وقافيتهما فلم يأتوا بطائل وهما هذان البيتان:
شربنا على النيل لما بدابموجٍ يزيد ولا ينقص
كأن تكاثف أمواجهمعاطف جاريةٍ ترقص
وأحسبهما للأمير تميم أو لبعض شعراء مصر، وذلك أن تميماً ركب في النيل ليلة متنزها فمر ببعض الطاقات المشرفة على النيل، وجاريةٍ تغني هذا الصوت:
نبهت ندماني بدجلة موهناوالبدر في أفق السماء معلق
والبدر يضحك وجهه في وجهها ... والماء يرقص حولها ويصفق فاستحسنه وطرب عليه وما زال يستعيدها فيه ويشرب عليه حتى انصرف وهو لا يعقل سكراً فلما أصبح عارضهما بالبيتين الأولين].
ومن المنسوب إليه أيضاً:
وكما يمل الدهر من إعطائهفكذا ملالته من الحرمان وأشعاره كلها حسنة
وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلثمائة بمصر، رحمه الله تعالى، هكذا قال صاحب " الدول المنقطعة " وزاد العتقي في تاريخه أنه توفي يوم الثلاثاء مع زوال الشمس لثلاث عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور، وأن أخاه العزيز نزار بن المعز حضر الصلاة عليه في بستانه، وغسله القاضي محمد بن النعمان وكفنه في ستين ثوباً، وأخرجه من البستان مع المغرب وصلى عليه بالقرافة، وحمله إلى القصر فدفنه بالحجرة التي فيها قبر أبيه المعز. وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في كتابه الذي سماه " المعارف المتأخرة ": إنه توفي سنة خمس وسبعين، والله أعلم. وقال غيرهما: إنه ولد سنة سبع وثلاثين وثلثمائة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع