من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
جميل بثينة
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن جميل بثينة؟
أبو عمر وجميل بن عبد الله بن معمر بن صباح - بضم الصاد المهملة - ابن ظبيان بن حن - بضم الحاء المهملة وتشديد النون - ابن ربيعة بن حرام بن صبة ابن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد بن هديم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم ابن الحاف بن قضاعة الشاعر المشهور؛ صاحب بثينة أحد عشاق العرب، عشقها وعو غلام، لما كبر خطبها فرد عنها فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سراً ومنزلهما وادي القرى، وديوان شعره مشهور فلا حاجة إلى ذكر شيء منه.
ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " وقال: قيل له: لو قرأت القرآن كا أعود عليك من الشعر، فقال: هذا أنس بن مالك ﵁ أخبرني أن رسول الله ﷺ قال: " إن من الشعر حكمة ".
وجميل وبثينة كلاهما من بني عذرة، وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك، والجمال والعشق في بني عذرة كثير؛ قيل لأعرابي من العذريين: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث كما ينماث الملح في الماء أما تتجلدون فقال: إنا ننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها، وقيل لآخر: ممن أنت فقال: أنا من قوم إذا أحبوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: هذا عذري ورب الكعبة.
وذكر صاحب اغاني أن كثير عزة كان راوية جيمل، وجميل كان
راوية هدبة بن خشرم وهدبة راويةالحطيئة، والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير.
ومن شعر جميل من جملة أبيات:
وخبرتماني أن تيماء منزللليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى، وليست له وتيماء خاصة: منزل لبني عذرة، وفي هذه القصيدة يقول جميل:
وما زلتم يابثن حتى لو اننيمن الشوق استبكي الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابةولا كثرة الناهين إلا تماديا
وما أحدث النأي المفرق بينناسلوا ولا طول الليالي تقاليا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أننيأظل إذا لم ألق وجهك صاديا
لقد خفت ان ألقى المنية بغتة ... وفي النفس حاجات إليك كما هيا وكان كثير عزة يقول: جميل والله أشعر العرب حيث يقول:
وخبرتماني أن تيماء منزللليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا ومن شعره:
إني لأحفظ سركم ويسرنيلو تعلمين بصالح أن تذكري
ويكون يوم لا أرى لك مرسلاأو نلتقي فيه علي كأشهر
يا ليتني أقلى المنية بغتةإن كان يوم لقائكم لم يقدر ومنها:
يهواك ما عشت الفؤاد وإن أمتيتبع صداي صداك بين الأقبر ومنها:
إني إليك بما وعدت لناظرنظر الفقير إلى الغني المكثر
يقضي الديون وليس ينجز موعداًهذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت والوعد الذي تعديننيإلا كبرق سحابة لم تمطر ومن شعره من جملة قصيدة:
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتليمن الوجد قالت ثابت ويزيد
وإن قلت ردي بعض عقلي أعش بهبثينة قالت ذاك منك بعيد ومن شعره أيضاً:
وإني لأرضى من بثينة بالذيلو استيقن الواشي لقرت بلابله
بلا وبألا أستطيع وبالمنىوبالأمل المرجو قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضيأواخره لا نلتقي وأوائله وله أيضاً:
وإني لأستحيي من الناس أن أرىرديفاً لوصل أو علي رديف
وأشرب رنقا منك بعد مودةوأرضى بوصل منك وهو ضعيف
وإني للماء المخالط للقذىإذا كثرت وراده لعيوف وله من أبيات أيضاً:
بعيد على من ليس يطلب حاجةًوأما على ذي حاجة فقريب
بثينة قالت يا جميل أريتنيفقلت كلانا يابثين مريب
وأريبنا من لا يؤدي أمانة ... ولا يحفظ الأسرار حين يغيب وقال كثير عزة: لقيني مرة جميل بثينة فقال: من أين أقبلت فقلت: من عند أبي الحبيبة، يعني بثينة، فقال: وإلى أين تمضي قلت إلى الحبيبة، يعني عزة، فقال: لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتتخذ لي موعداً من بثينة، فقلت: عهدي بها الساعة، وأنا أستحيي أن أرجع، فقال لابد من ذلك، فقلت: متى عهدك ببثينة فقال: من أول الصيف، وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابا، فلما أبصرتني
أنكرتني، فضربت يدها إلى الثوب في الماء بالتحفت به، وعرفتني الجارية فأعادت الثوب إلى الماء، وتحدثنا ساعة حتى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون، ولا لقيتها بعد ذلك، ولا وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها، فقال له كثير: فهل لك أن آتي الحي فأتعرض بأبيات شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها قال: وذاك الصواب، فخرج كثير حتى أناخ بهم، فقال له أبوها: ما ردك يا ابن أخي قال: قلت أبياتا عرضت فأحببت أن أعرضها عليك، قال: هاتها، فأنشدته وبثينة تسمع:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبيإليك رسولاً والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداًوأن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: أخسأ اخسأ، فقال لها أبوها: مهيم با بثينة فقالت كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية، ثم قالت للجارية: ابغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له، فقال كثير: أنا أعجل من ذلك، وراح إلى جميل فأخبره، فقال جميل: الموعد الدومات.
وخرجت بثينة وصواحبها إلى الدومات، وجاء جميل وكثير إليهن، فما برحوا حتى برق الصبح، فكان كثير يقول: ما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس، ولا مثل علم أحدهما بضمير الأخر، ما أدري أيهما كان أفهم *.
وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني أبي هذه الأبيات لجميل بن معمر قال: وتروى لغيره أيضاً، وهي:
ما زلت أبغي الحي أتبع فلهمحتى دفعت إلى ربيبة هودج
فدنوت مختفيا ألم بيتهاحتى ولجت إلى خفي المولج
فتناولت رأسي لتعرف مسهبمخضب الأطراف غير مشنج
قالت: وعيش أخي ونعمة والديلأنبهن القوم إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسمتفعلمت أن يمينها لم تلجج
فلثمت فاهاً آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج قال هارون بن عبد الله القاضي: قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز ابن مروان ممتدحاً له، فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته، وسأله عن حبه بثينة فذكر وجدا كثيراً، فوعده فيأمرها وأمره بالمقام وأمر له بمنزل وما يصلحه، فما أقام إلا قليلاً حتى مات هناك في سنة اثنتين وثمانين.
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال: بينما أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل فإنه يعتل نعوده فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال: يا ابن سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن ىإله إلا الله قلت: أظنه قد نجا وأرجوا له الجنة، فمن هذا الرجل قال: أنا، قلت له: والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة، قال: لا نالتني شفاعة محمد ﷺ وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة، فما برحنا حتى مات.
وقال محمد بن أحمد بن جعفر الأهوازي: مرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه، رحمه الله تعالى، فدخل عيه العباس بن سهل الساعدي، وذكر هذه الحكاية، والله أعلم بالصواب.
وذكر في " الأغاني " عن الأصمعي قال: حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له: هل لك أن أعطك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك قال: فقلت: اللهم نعم، فقال: إذا أنا مت
فخذ حلتي هذه واعزلها جانباً، وكل شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بثينة، فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه وركبها، ثم ألبس حلتي هذه واشققها، ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم:
صرخ النعي وما كنى بجميلوثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجر البرد في وادي القرىنشوان بين مزارع وتخيل
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كل خليل قال: ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتمت الأبيات حتى برزت بثينة كأنها بدر قد بدا في دجنة وهي تتثنى في مرطها حتى أتتني وقالت: يا هذا، والله إن كنت صادقا لقد قتلتني، وإن كنت كاذبا لقد فضحتني، قلت: والله ما أنا إلا صادق، وأخرجت حلته، فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت. فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعةمن الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وقد تقدم ذكر هذين البيتين في ترجمة الحافظ أبي طاهر أحمد السلفي، قال الرجل: فما رأيت أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع