من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أم المؤمنين عائشة
أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن والدها؛ تزوجها رسول الله ﷺ بمكة، شرفها الله تعالى، قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل انه تزوجها قبل سودة، زوجه إياها أبوها فأصدقها مثلما أصدق سودة. وكان لها يوم تزوجها ست سنين، وما تزوج بكراً سواها، وقبض ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة، وماتت في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين ولها سبع وستون سنة، ودفنت بالبقيع؛ ولما ماتت بكى عليها ابن عمر ﵁، فبلغ ذلك معاوية فقال له: أتبكي على امرأة فقال: إنما يبكي على أم المؤمنين بنوها وأما من ليس لها بابن فلا.
وقال المبرد: قالت عائشة ﵂: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه
وسلم أن يخير نساءه قال لي: أتختارين الله ورسوله والدار الآخرة أو الحياة الدنيا وزينتها قلت: الله ورسوله أحب إلي والدار الآخرة، ثم قلت له: أخبرت أحداً قبلي قال: لا، قلت: لا تخبرهن، فقال ﷺ: إن الله بعثني نذيراً ولم يبعثني معنتاً [ولا متعنتاً].
وبلغ عائشة ﵂ أن أناساً يسبون أبا بكر وعمر ﵄ فقالت: إن الله قطع عنهما العمل فأحب أن لا يقطع عنهما الأجر.
وقيل لعائشة ﵂: متى يكون الرجل مسيئاً فقالت: إذا ظن أنه محسن.
قال مسلم بن دارة: مازلت أستجفي عائشة ﵂ في قولها لرسول الله ﷺ: " بمنة الله لا بمنتك " حتى سألت أبا زرعة الرازي فقال: وآت الحمد أهله.
وقالت عائشة ﵂ للخنساء: كم تبكين على صخر وإنما هو جمرة في النار قالت: ذاك أشد لجزعي عليه.
وسئلت عائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يمزح قالت: نعم، كان عندي عجوز فدخل رسول الله ﷺ فقالت: ادع الله أن يجعلني من أهل الجنة، قال: إن الجنة لا يدخلها العجائز؛ وسمع النداء فخرج وهي تبكي فقال: ما لها قالوا: إنك حدثتها أن الجنة لا يدخلها العجائز، قال: إن الله ﷾ يحولهن أبكاراً عرباً أتراباً.
وكان عند عائشة ﵂ طبق عنب فجاء سائل فدفعت إليه واحدة منه، فضحك نساءٌ كن، فقالت: إن فيما ترون مثاقيل ألذ كثيرة.
وقيل: وقعت بين حيين من قريش منازعة فخرجت عائشة [على بغلة] تصلح بينها، فلقيها ابن أبي عتيق فقال: إلى أين جعلت فداك فقالت: أصلح بين هذين الحيين، فقال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل بعد فكيف إذا قيل يوم البغل فضحكت وانصرفت.
ومثل هذه النادرة: أرسل القاضي شرف الدين بن عين الدولة الشرف ابن
منهال موقعه إلى الحسام بن منقذ بسبب شهادةٍ شهدها على ابن الجمل أن يتثبت منها ويتحققها قبل أدائها، ثم قال في أثناء ذلك: قال له نوبة الجمل ما كانت قليل.
وكانت عائشة ﵂ خرجت من المدينة حاجة وعثمان محصور ثم صدرت عن الحج، فلما كانت بسرف - وهو موضع قبر ميمونة زوج رسول الله ﷺ لقيها الخبر بقتل عثمان وبيعة علي، فانصرفت راجعة إلى مكة ولحق بها طلحة والزبير ومروان بن الحكم، فلما تتاموا بمكة تشاوروا فيما يريدون من الطلب بدم عثمان وهموا بالشام لمكان معاوية، فصرفهم عبد الله بن عامر عن ذلك بالبصرة، فتوجهوا إليها فأخذوا عثمان بن حنيف عامل علي بها فهموا بقتله فناشدهم الله وذكرهم صحبته لرسول الله ﷺ، فأشير بضربه أسواطاً فضربوه ونتفوا لحيته ورأسه حتى حاجبيه وأشفار عينيه، ثم حبسوه، وقتلوا خمسين رجلاً كانوا معه على بيت المال وغير ذلك من أعماله، فلما بلغ علياً مسيرهم خرج مبادراً إليهم واستنفر أهل الكوفة ثم سار بهم إلى البصرة، وهم بضعة عشر ألفاً، فخرج إليه طلحة والزبير وعائشة وأهل البصرة فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ قال عبد الله بن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفي سبع وثلاثون جراحة من طعنة وضربة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط لا يهزم منا أحد ولا منهم، وما أخذ خطام الجمل أحدٌ إلا قتل، فأخذت بالخطام فقالت عائشة: من قلت: ابن الزبير، قالت: واثكل أسماء! ومر بي الأشتر فعرفته فعانقته وناديت: اقتلوني ومالكاً، فجاء ناس منا ومنهم فقاتلوا حتى تحاجزنا وضاع مني الخطام، فسمعت علياً ينادي: اعقروا الجمل فإنه ان عقر تفرقوا، فضربه رجل فسقط، فما سمعت قط أشد عجيجاً منه، ثم أمر علي ﵁ بحمل الهودج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث انزلاه عن ظهر البعير فوضعاه إلى جنب البعير، فأقبل محمد بن أبي بكر ومعه عمار حتى احتملاه، وأدخل محمد بن أبي بكر يده فقال: يا أخية قولي بنار الدنيا، فقالت: بنار الدنيا.
وقيل إن طلحة أصابه سهم فشك ركبته بصفحة الفرس وسال دمه فضعف، فقال: يا غلام، ابغني مكاناً، فمات قبل أن يصل إلى الموضع الذي أمر أن يحمل إليه، ورجع الزبير فقتل بوادي السباع، قتله عمرو بن جرموز وعاد بسيفه إلى علي، فلما رآه قال: إنه لسيف طالما جلا عن رسول الله ﷺ الكرب؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار. واحيط بعائشة ﵂، ودخل علي البصرة بمن معه، فبايعه أهلها وأطلق عثمان بن حنيف وجهز عائشة ﵂، وأمر أخاها محمداً بالخروج معها وخرج في تشييعها اميالاً وسرح بنيه معها يوماً. وقيل إن أهل المدينة علموا بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس - وفيه كان القتال - وذلك أن نسراً مر بماء حول المدينة معه شيء معلق، فتأمله الناس فوقع فإذا كف فيها خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب، ثم كان [من] بين مكة والمدينة ممن قرب من البصرة أو بعد قد علموا بالواقعه مما تنقل إليهم النسور من الأيدي والأقدام. ويقال إن عدة المقتولين من أصحاب الجمل ثمانية آلاف، وقيل سبعة عشر ألفاً، وذكر أنه قطع على خطام الجمل سبعون يداً كلهم من بني ضبة، كلما قطعت يد رجل تقدم آخر، وقتل من أصحاب علي ﵁ نحو ألف.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع