تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

العباس بن الأحنف

ديوان العباس بن الأحنف

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن العباس بن الأحنف؟

أبو الفضل العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة بن جردان بن كلدة ابن خريم بن شهاب بن سالم بن حية بن كليب بن عبد الله بن عدي بن حنيفة بن لجيم الحنفي اليمامي الشاعر المشهور؛ كان رقيق الحاشية لطيف الطباع، جميع شعره في الغزل، لا يوجد في ديوانه مديح، ومن رقيق شعره قوله من جملة قصيدة:

يا أيها الرجل المعذب نفسهأقصر فإن شفاءك الإقصار
نزف البكاء دموع عينك فاستعرعيناً يعينك دمعها المدرار

من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عيناً للبكاء تعار ذكر أبو علي القالي في كتاب " الأمالي " قال: قال بشار بن برد: ما زال غلام من بني حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منا حتى قال هذه الأبيات.

ومن شعره أيضاً من جملة أبيات، وينسبان إلى بشار بن برد أيضاً والله أعلم:

أبكي الذين أذاقوني مودتهمحتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أبكي الذين أذاقوني مودتهم»
واستنهضوني فلما قمت منتصباًبثقل ما حملوني منهم قعدوا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أبكي الذين أذاقوني مودتهم»

[ويحكى أن الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديداً، فتغاضبا مرة ودام بينهما الغضب، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئاً فعمل:

راجع أحبتك الذين هجرتهمإذ المتيم قلما يتجنب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «العاشقان كلاهما متغضب»

إن التجانب إن تطاول منكما ... دب السلو له ففر المطلب وأمر إبراهيم الموصلي فغنى بهما، فلما سمعه الرشيد بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم وأمرت الرشيد أن يكافئهما فأمر لهما بأربعين ألف درهم].

وله أيضاً:

تعب يطول مع الرجاء لذي الهوىخير له من راحةٍ في اليأس
لولا محبتكم لما عاتبتكمولكنتم عندي كبعض الناس وله أيضاً:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتنيجنوناً فزدني من حديثك يا سعد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «وحدثتني يا سعد عنها فزدتني»
هواها هوًى لم يعرف القلب غيرهفليس له قبلٌ وليس له بعد وله أيضاً:
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعةٌفلا خير في ودٍ يكون بشافع
فأقسم ما تركي عتابك عن قلًىولكن لعلمي أنه غير نافع
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «سكوتي بلاء لا أطيق احتماله»
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاًفلا بد منه مكرهاً غير طائع
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «سكوتي بلاء لا أطيق احتماله»

[قيل أنه أنشد الرشيد يوماً قوله:

طاف الهوى في عباد الله كلهم ... حتى إذا مر بي من بينهم وقفا قال له الرشيد: ما الذي رأى فيك حتى وقف عليك قال: سألني عن وجود أمير المؤمنين فأخبرته، فاستحسن الرشيد جوابه ووصله.

قيل إن الرشيد عمل في الليل بيتاً ورام أن يشفعه بآخر فامتنع القول عليه، فقال: علي بالعباس، فلما طرق عليه ذعر وفزع أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد قال له: وجهت إليك بسبب بيت قلته ورمت أن أشفعه بمثله فامتنع القول علي، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني حتى ترجع إلي نفسي فإني تركت عيالي على حال من القلق عظيمة، ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد والوصف؛ فانتظر هنيهة ثم أنشده:

جنانٌ قد رأيناهاشطر ثانيولم نر مثلها بشرا فقال العباس بن الأحنف:
يزيدك وجهها حسناًإذا ما زدته نظرا فقال: زدني، فقال:
إذا ما الليل سال عليك بالإظلام واعتكرا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «ظلوم قد رأيناها»

ودج فلم تر قمراً ... فأبرزها تر قمرا فقال له الرشيد: قد ذعرناك وأفزعنا عيالك وأقل الواجب أن نعطيك ديتك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.

وله - أعني الرشيد -:

إن تشق عيني بها فقد سعدتعينا رسولي وفزت بالخبر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إن تشق عيني بها فقد سعدت»
وكلما جاءني الرسول لهارددت عمداً في عينه نظري
خذ مقلتي يارسول عاريةًفانظر بها واحتكم على بصري وأخذ المأمون هذا المعنى بعينه فقال:
بعثتك مرتاداً ففزت بنظرةٍوأغفلتني حتى أسأت بك الظنا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
فناجيت من أهوى وكنت مباعداًفيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
أرى أثراً منها بعينك بيناًلقد أخذت عيناك من عينها حسناً وللعباس أيضاً:
أغيب عنك بودٍ لا يغيرهنأي المحل ولا صرفٌ من الزمن
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أغيب عنك بود لا يغيره»
فإن أعش فلعل الدهر يجمعناوإن أمت فبطول الهم والحزن
للشاعر البحتري، من قصيدة «أغيب عنك بود لا يغيره»
قد حسن الحب في عيني ما صنعتحتى أرى حسناً ما ليس بالحسن

تعتل بالشغل عنا لا تكلمنا ... الشغل للقلب ليس الشغل للبدن قال الزبير بن بكار: لا أعلم شيئاً من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه بنصف هذا البيت الأخير.

وله أيضاً:

قد كنت أبكي وأنت راضيةٌحذار هذا الصدود والغضب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قد كنت أبكي وأنت راضية»
إن تم ذا الهجر يا ظلوم ولاتم فما لي في العيش من أرب وله أيضاً:
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
صرت كأني ذبالةٌ نصبتتضيء للناس وهي تحترق
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة

قال الرياشي: لو لم يقل من الشعر إلا هذين البيتين لكفياه.

وقال أبو بكر الصولي: كنت عند القاسم بن إسماعيل فقال: انشدني عمك إبراهيم بن العباس لخاله العباس بن الأحنف:

قد سحب الناس أذيال الظنون بناوفرق الناس فينا قولهم فرقا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قد سحب الناس أذيال الظنون بنا»

فكاذبٌ قد رمى بالظن غيركم ... وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا قال عبد الله بن المعتز: لو قيل لي: ما أحسن شيء تعرفه لقلت: بيتا العباس بن الأحنف، وأنشد هذين البيتين.

وله أيضاً:

اليوم آخر أيام السرور بهواليوم أول يومٍ فيه أكتئب
للشاعر الميكالي، من قصيدة «اليوم آخرُ أيام السرور بهم»
ما كنت أحسب أن الحزن ينزل بيبعد السرور فقد جاءت به العقب وله ايضاً:
خيالك حين أرقد نصب عينيإلى وقت انتباهي لا يزول
وليس يزورني صلةً ولكنحديث النفس عنك به الوصول وله أيضاً:
يا ذا الذي أنكرني طرفهإن ذاب جسمي وعلاني الشحوب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا ذا الذي أنكرني طرفه»
ما مسني ضرٌ ولكننيجفوت نفسي إذ جفاني الحبيب وله أيضاً:
أرى الطريق قريباً حين أسلكهإلى الحبيب بعيداً حين أنصرف]
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

وشعره كله جيد، وهو خال إبراهيم بن العباس الصولي - وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته في حرف الهمزة.

وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة ببغداد.

وحكى عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف وهشيمة الخمارة، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم فخرج فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول فقالوا: إبراهيم الموصلي، فقال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف، فقدم فصلى عليه، فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي، كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر فأنشد:

وسعى بها ناس فقالوا: إنهالهي التي تشقى بها وتكابد

فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إني ليعجبني المحب الجاحد ثم قال: أتحفظهما فقلت: نعم، وأنشدته، فقال لي المأمون: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة فقلت: بلى والله يا سيدي.

قلت: وهذه الحكاية تخالف ما يأتي في ترجمة الكسائي، لأنه مات بالري على الخلاف في تاريخ وفاته. وقيل إن العباس توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة، وقال أبو بكر الصولي: حدثني عون بن محمد قال: حدثني أبي قال: رأيت العباس بن الأحنف ببغداد بعد موت الرشيد، وكان منزله بباب الشام، وكان لي صديقاً، ومات وسنه أقل من ستين سنة. قال الصولي: وهذا يدل على أنه مات بعد سنة اثنتين وتسعين، لأن الرشيد ملت ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة بمدينة طوس.

وكانت وفاة الأحنف والد العباس المذكور سنة خمسين ومائة، ودفن بالبصرة، رحمه الله تعالى.

وحكى المسعودي في كتاب " مروج الذهب " عن جماعة من أهل البصرة قالوا: خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجة وهو ينادي: أيها الناس هل فيكم أحد من أهل البصرة قال: فعدلنا إليه وقلنا له: ما تريد قال: إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم، فملنا معه، فإذا بشخصٍ ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يحير جواباً، فجلسنا حوله، فأحس بنا فرفع طرفه وهو لايكاد يرفعه ضعفاً، وأنشأ يقول:

يا غريب الدار عن وطنهمفرداُ يبكي على شجنه
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا غريب الدار عن وطنه»

كلما جد البكاء به ... دبت الأسقام في بدنه ثم أغمي عليه طويلاً ونحن جلوس حوله، إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرد ففتح عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم أنشأ الفتى يقول:

ولقد زاد الفؤاد شجًىطائر يبكي على فننه

شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه قال: ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف، رحمه الله تعالى؛ والله أعلم أي ذالك كان.

والحنفي: بفتح الحاء المهملة والنون وبعدها فاء، هذه النسبة إلى بني حنيفة ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة مشهورة، واسم حنيفة أثال - بضم الهمزة وبعدها ثاء مثلثة وبعد الألف لام - وإنما قيل له حنيفة لأنه جرى بينه وبين الأحزن بن عوف العبدي مفاوضة في قصة يطول شرحها فضرب حنيفة الأحزن المذكور بالسيف، فجذمه فسمي جذيمة، وضرب

الأحزن حنيفة على رجله فحنفها، فسمي حنيفة وحنيفة، أخو عجل.

واليمامي: بفتح الياء المثناة من تحتها والميم وبعد الألف ميم ثانية، هذه النسبة إلى اليمامة، وهي بلدة بالحجاز في البادية أكثر أهلها بنو حنيفة وبها تنبأ مسيلمة الكذاب وقتل، وقصته مشهورة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.