من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
أبو العميثل
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن أبو العميثل الأعرابي؟
أبو العميثل عبد الله بن خليد، مولى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵃؛ ويقال: أصله من الري، وكان يفخٍّم الكلام ويغرٍّبه، وكان كاتب عبد الله بن طاهر المذكور قبله، وشاعره ومنقطعاً إليه، وكاتب أبيه طاهر من قبله، وكان مكثراً من نقل اللغة، عارفاً بها شاعراً مجيداً، فمن شعره في عبد الله المذكور قوله:
يا من يحاول أن تكون صفاتهكصفات عبد الله أنصت واسمع
فلأنصحنًّك في المشورة والذيحجَّ الحجيج إليه فاسمع أو دع
أصدق وعفّ وبرّ واحتملواصفح وكاف ودار واحلم واشجع
والطف ولن وتأنّ وارفق واتئدواحزم وجد وحام واحمل وادفع
فلقد محضتك إن قبلت نصيحتي ... وهديت للنهج الأسدّ المهيع ولقد أحسن في هذا المقطوع كل الإحسان، وله غيره أشعار حسان؛ ويقال إنه وصل يوماً إلى باب عبد الله بن طاهر، فرام الدخول إليه فحجب فقال:
سأترك هذا الباب ما دام إذنهعلى ما أرى حتى يخفّ قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الأذن سلّماوجدت إلى ترك اللقاء سبيلا فبلغ ذلك عبد الله فأنكره، وأمر بدخوله
وكان يقول: النعمان اسم من أسماء الدم، ولذلك قيل: " شقائق النعمان " نسبت إلى الدم لحمرتها. قال: وقولهم " إنها منسوبة إلى النعمان بن المنذر " ليس بشيء، وحدثت الأصمعي بهذا فنقله عني؛ هذا كله كلام أبي العميثل؛ وللذي ذكره أرباب اللغة بخلافه، فإن ابن قتيبة ذكر في كتاب " المعارف " ان النعمان بن المنذر، وهو آخر ملوك الحيرة من اللخميين، خرج إلى ظهر الكوفة، وقد اعتمّ نبته من بين أصفر وأحمر وأخضر، وإذا فيه من هذه الشقائق شيء كثير، فقال: ما أحسنها، احموها، فحموها، فسمي شقائق النعمان بذلك، وقال الجوهري في " الصحاح " انها منسوبة إلى النعمان المذكور، وكذا غيره، والله أعلم.
ويحكى أن أبا تمام الطائي لما أنشد عبد الله بن طاهر قصيدته البائية المذكورة في ترجمته، كان أبو العميثل حاضراً، فقال له يا أبا تمام، لم لا تقول ما يفهم فقال: يا أبا العميثل، لم لا تفهم ما يقال.
وقبَّل يوماً كفّ عبد الله بن طاهر، فاستخشن مسَّ شاربيه، فقال أبو العميثل في الحال: شوك القنفذ لا يؤلم كفَّ الأسد، فأعجبه كلامه وأمر له بجائزة سنية.
وصنف كتباً منها: " كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه " و " كتاب التشابه " و " كتاب الأبيات السائرة " وكتاب " معاني الشعر " وغير ذلك.
وكانت وفاة أبو العميثل سنة أربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والعميثل: بفتح العين المهملة والميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الثاء المثلثة وبعدها لام، وهو اسم لعدة أشياء من جملتها الأسد، والظاهر أنه هو المقصود ها هنا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع