من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
عبد الله بن المعتز
ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن ابن المعتز؟
أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي؛ أخذ الأدب عن أبي العباس المبرد وأبي العباس ثعلب وغيرهما، كان أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً مقتدراً على الشعر قريب المأخذ سهل اللفظ جيد القريحة حسن الإبداع للمعاني مخالطاً للعلماء والأدباء معدوداً من جملتهم، إلى أن جرت له الكائنة في خلافة المقتدر، واتفق معه جماعة من رؤساء الأجناد ووجوه الكتّاب فخلعوا المقتدر يوم السبت لعشر بقين، وقيل لسبعٍ بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وبايعوا عبد الله المذكور ولقبوه المرتضي بالله، وقيل المنصف بالله، وقيل الغالب بالله، وقيل الراضي بالله، وأقام يوماً وليلة، ثم إن أصحاب المقتدر تحزبوا وتراجعوا وحاربوا أعوان ابن المعتز وشتتوهم، وأعادوا المقتدر إلى دسته، واستخفى ابن المعتز في دار أبي عبد
الله الحسين بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن الجصاص التاجر الجوهري، فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم الخازن فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفاً في كساء، وقيل إنه مات حتف أنفه وليس بصحيح بل خنقه مؤنس، وذلك يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، ودفن في خرابة بإزاء داره، رحمه الله تعالى.
ومولده لسبعٍ بقين من شعبان سنة سبع وأربعين، وقال سنان بن ثابت: في سنة ست وأربعين ومائتين، والقضية مشهورة وفيها طول، وهذا خلاصتها.
ثم قبض المقتدر على ابن الجصاص المذكور وأخذ منه مقدار ألفي ألف دينار، وسلم له بعد ذلك مقدار سبعمائة ألف دينار، وكان فيه غفلة وَبَله، وتوفي يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس عشرة وثلثمائة.
ولابن المعتز من التصانيف كتاب الزهر والرياض، وكتاب البديع، وكتاب مكاتبات الإخوان بالشعر، وكتاب الجوارح والصيد، وكتاب السرقات، وكتاب أشعار الملوك، وكتاب الآداب، وكتاب " حلى الأخبار "، وكتاب طبقات الشعراء، وكتاب الجامع في الغناء، وكتاب فيه أرجوزة في ذم الصبوح.
ومن كلامه: البلاغة البلوغ إلى المعنى، ولم يطل سفر الكلام، وكان يقول: لو قيل لي: ما أحسن شعر تعرفه لقلت: قول العباس بن الأحنف:
قد سحب الناس أذيال الظنون بناوفرّق الناس فينا قولهم فِرقا
فكاذبٌ قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا ورثاه علي بن محمد بن بسام الشاعر - الآتي ذكره - بقوله:
لله درُّك من ميت بمضيعةناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوٌّ ولا لولا فتنقصهوإنما أدركته حرفة الأدب
ولعبد الله المذكور أشعار رائقة وتشبيهات بديعة، فمن ذلك قوله:
سقى المطيرة ذات الظل والشجرودير عبدون هطّالٌ من المطر
فطالما نبّهتني للصّبوح بهافي غرّة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان ديرٍ في صلاتهمسود المدارع نعارين في السحر
مزنّرين على الأوساط قد جعلواعلى الرؤوس أكاليلاً من الشّعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحلبالسحر يطبق جفنيه على حَور
لاحظته بالهوى حتى استقاد لهطوعاً وأسلفني الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستتراًيستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فقمت أفرش خدّي في الطريق لهذلاًّ وأسحب أذيالي على الأثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنامثل القلامة قد قدّت من الظُّفر
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر ومن ظريف شعره قوله، ولم أجدها في ديوانه، ولكن الرواة أطبقوا على أنها له، والله أعلم:
ومقَرطَقٍ يسعى إلى النّدماءبعقيقةٍ في درّةٍ بيضاء
والبدر في أفق السماء كدرهمملقىً على ياقوتةٍ زرقاء
كم ليلةٍ قد سرّني بمبيتهعندي بلا خوفٍ من الرّقباء
ومهفهفٍ عقد الشّراب لسانهفحديثه بالرّمز والإيماء
حرّكته بيدي وقلت له انتبهيا فرحة الخلطاء والنّدماء
فأجابني والسّكر يخفض صوتهبتلجلجٍ كتلجلج الفأفاء
إني لأفهم ما تقول وإنماغلبت عليَّ سلافة الصّهباء
دعني أفيق من الخمار إلى غدٍواحكم بما تختار يا مولائي
وله في الخمرة المطبوخة، وهو معنى بديع وفيه دلالة على أنه كان حنفي المذهب:
خليليَّ قد طاب الشّراب المورَّدوقد عدت بعد النّسك والعود أحمد
فهاتا عقاراً في قميص زجاجةٍكياقوتةٍ في درَّةٍ تتوقّد
يصوغ عليها الماء شبّاك فضّةٍله حلقٌ بيضٌ تحلُّ وتعقد
وقتني من نار الجحيم بنفسها ... وذلك من إحسانها ليس يجحد وكان ابن المعتز شديد السمرة مسنون الوجه يخضب بالسواد.
ورأيت في بعض المجاميع أن عبد الله بن المعتز المذكور كان يقول: أربعة من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم، فأبو العتاهية سار شعره بالزهد وكان على الإلحاد، وأبو نوّاس سار شعره باللواط وكان أزنى من قرد، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعنّة وكان أهب من تيس، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة وكان أحرص من كلب.
وقد رويت لابن حازم خبراً يخالف حكاية ابن المعتز ويوافق شعره، وذلك أنه كان جار سعيد بن حميد الكاتب الطوسي، فهجاه لأمر كان بينهما، فبلغ سعيداً هجوه، فأغضى عنه مع القدرة. ثم إن محمداً ساءت حاله فتحول عن جواره، فبلغ ابن حميد ذلك، فبعث إليه عشرة آلاف درهم وتخوت ثياب وفرساً بآلته ومملوكاً وجارية، وكتب إليه " ذو الأدب يحمله ظرفه على نعت الشيء بغير هيئته، وتبعثه قدرته على وصفه بخلاف حليته، ولم يكن ما شاع من هجائك فيَّ جارياً إلا هذا المجرى، وقد بلغني من سوء حالك وشدّة خلّتك ما لا غضاضة به عليك مع كبر همتك وعظم نفسك، ونحن شركاء فيما ملكنا ومتساوون فيما تحت أيدينا، وقد بعثت إليك بما جعلته وإن قلَّ: استفتاحاً لما
بعده وإن جلَّ ". فردَّ ابن حازم جميعه ولم يقبل منه شيئاً وكتب إليه:
وفعلت بي فعل المهلَّب إذغمر الفرزدق بالندى الدَّثر
فبعثت بالأموال ترغبنيكلاّ وربِّ الشفع والوتر
لا ألبس النعماء من رجلٍألبسته عاراً على الدَّهر وهذا دليل على قناعته وحسن صبره واحتماله الإضاقة
وهذا سعيد بن حميد يكنّى أبا عثمان، وكان كاتباً شاعراً مترسلاً عذب الألفاظ مقدماً في صناعته جيد السرقة، حتى قال بعض الفضلاء: لوقيل لكلام سعيد وشعره: ارجع إلى أهلك، لما بقي معه منه شيء. وكان يدعي أنه من أولاد ملوك الفرس، وله من الكتب: كتاب " انتصاف العجم من العرب "، ويعرف بالتسوية وله ديوان رسائل، وديوان شعر صغير.
والمطيرة: بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الراء المفتوحة هاء، وهي قرية من نواحي سرَّ من رأى.
وعبدون الذي يضاف الدير إليه، فيقال " دير عبدون "، هو ابن مخلد وهو أخو الوزير صاعد بن مخلد، وإنما أضيف إليه لأنه كان كثير التردد إليه، والمقام فيه، والعناية بعمارته، وهو إلى جنب المطيرة، ودير عبدون أيضاً: قرب جزيرة ابن عمر، بينهما دجلة، وقد خرب الآن، وكان متنزّهاً لأهلها.
وقوله " ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا "، مأخوذ من قول عمرو بن قميئة في صفة الهلال:
كأن ابن مزنتهاً جانحاًفسيط لدى الأفق من خنصر والفسيط: قلامة الظفر
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع